×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

بنور القرآن إهتديت / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ويوصل إلى رضاه بقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(١).

ومن هنا يتّضح الأمر، فإن قريشاً تدّعي حبّ الله عزّ وجلّ، وأنها تريد أن تتقرب إليه زلفى، لكنّ الله عزّ وجلّ لا يقبل هذا الحب وذلك التقرب، إلاّ من حيث شاء هو عزّ وجلّ لا من حيث تشاء قريش، ومن شاكلها من المعاندين والمتكبرين.

فمن أراد محبة الله عزّ وجلّ والقرب منه، فلابدّ له من اتباع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو من أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) باتباعه.

فتحصل من هذا أن مشكلة أكابر قريش واضحة، وهي لماذا اختار الله عزّ وجلّ رجلاً فقيراً في نظرهم، وليس من أعاظمهم، ولا من مشائخهم وكُبرائهم، وهذه هي المشكلة الحقيقية لهم ولأمثالهم.

وكذلك اتضح أن قريشاً لم تضحِّ بأعز رجالها، وأوفر أموالها حبّاً وفداءً من أجل الأصنام، ومن أجل العقيدة، بل كانت الأصنام ذريعة يستعطفون بها قلوب العوام، وأصحاب العقول الضعيفة، ويتّضح أيضاً من آيات اُخرى أن قريشاً لم تكذب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، بمعنى انّها لم تعرف الحق، ولم يتّضح لها أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) صادق في دعواه، بل كانت تكذبه عناداً وجحوداً كما قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ

(١) آل عمران: ٣١.

٦١
لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ}(١).

فانهم يجحدون؛ لأنّ الله عزّ وجلّ لم ينزل القرآن الكريم على رجل من القريتين عظيم عندهم، لأنّ الله لم يختر الوليد للرسالة، ولم يختر أبا سفيان، لأنّ الله اختص برحمته من يشاء، لأن الله اختار لرسالته محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، لذلك يجحدون، نعم إنّ هذه هي المشكلة التي جعلت قريشاً تفرّ من الإسلام فرار الحمر المستنفرة، وقد أضرّوا بالإسلام كثيراً، ولكنهم لم يستطيعوا أن يطفئوا نور الله عزّ وجلّ، كذلك كان دأب إبليس، ومن شاكله، وهذا هو دأبهم إلى يوم القيامة، وهو دأب اتباعهم في كل زمان ومكان.

(١) الأنعام: ٣٣.

٦٢

سبب الاختلاف بين الناس


لقد تبيّن ممّا سبق سرّ نزاع إبليس لآدم (عليه السلام)، وأخوة يوسف لأخيهم، واليهود لأنبيائهم، ولنبينا محمد (صلّى الله عليه وآله)، وقريش للرسول (صلّى الله عليه وآله)، فهل يمكن أن نقول: إنّ هذا السبب هو السبب الأصلي لكل الاختلافات الاساسية على وجه الأرض؟

والجواب: أنّه يمكن تعميم هذه المسألة على جميع الخلافات، وذلك عندما نرى السرد القرآني لهذه الأمثلة الكثيرة التي تبين هذا المطلب، فيلزمنا من ذلك الاعتبار من تلك القصص، وأن نعرف أن قضايا تلك القصص، لو كانت هامشية، لما ذكرت في القرآن الكريم وكرّرت أيضاً.

ومع هذا الوضوح كلّه لم يترك القرآن الكريم التصريح بهذه العلّة وبهذا السبب، وبيّن بإنّ سبب كل نزاع في كل قرية، منذ أن خلق الله الأرض إلى يوم القيامة، هو المنازعة لأجل التسلّط على الأرض، والمنافسة من أجل الحصول على الملك، وعلوّ الكلمة، سواءً كان الوصول الى تلك الاهداف من طريق السعي لنيل المناصب الإلهيـــة ـ مـــن قبــيل النبـــوة والامامة والقيادة الدينية ونزول الوحي

٦٣
و.. و..؛ لأنها أفضل طريق لأن تكون كلمة أصحابها هي العليا ـ أو من غير ذلك.

وقبل أن أسرد الآيات التي تشير إلى ذلك الموضوع، أود أن أُشير إلى مسألة وهي: أنّه لا يعني أن المسائل العقائدية ـ غيرالنبوة والولاية وما هو في هذه الدائرة ـ ليس لها دور في الاختلافات الموجودة لا، بل لها دور، ولكن المهم هو لماذا وجدت هذه الاختلافات العقائدية، بعدما جاءت البينات؟

الجواب: من الواضح ففي بدء ظهور النبوات والرسالات تكون الأمور واضحة، والحجج ساطعة، والناس على بيّنة ووضوح من أمرهم، ولكنه يوجد متكبرون وطغاة يريدون العلو في الأرض، وبما أن الظروف في بداية الأمر لا تسمح لهم بالوصول إلى غاياتهم لذا يلجأون إلى البحث عن المسائل التي ينهى عنا المختار من قبل الله عزّ وجلّ فيقومون بإحيائها وتحريك العوام من أجلها، ومن هناك تبدأ الإثارات ويبدأ اختلاق المسائل الخلافية، لتصبح الأمور معكّرة وغير واضحة، وهنا يصطادون ـ أي أكابر المجرمين ـ في الماء العكر، ويستقطبون ضعاف النفوس بشتى الوسائل، فيصلون إلى أهدافهم المشؤومة، ومن طرقهم وأساليبهم الخبيثة، أنهم يبحثون عن العقائد التي يرتاح لها الناس، فيروجون لها، وينظرون فيما يقوله المختارون من قبل

٦٤
الله عزّ وجلّ، فيجدون بعض المسائل، التي قد لا يستسيغها بعض العوام، فيستفيدون من ذلك، ويبدأون بتشكيك الناس، فيحرمون للناس ما يحب الناس تحريمه، ويحلون لهم ما يحبّون تحليله، فهم عكس المختارين من قبل الله عزّ وجلّ الذين لا يتصرفون في أمر الدين كما يشاؤون، فلذا نرى الناس قليلاً قليلاً يبتعدون عن المختارين من قبل الله عزّ وجلّ ويميلون إلى أعدائهم، ثم بعد ذلك تتكوّن على طول الزمان العقائد المخالفة.

ثم يأتي أناسٌ مغفّلون، فينشغلون عن السبب الواقعي للاختلاف والنزاع، ويفنون أعمارهم في النقاشات العقائدية، كلّما انتهوا من مسألة ظهرت أخرى وهكذا، ولو أن الناس سلّموا لمن اختارهم الله عزّ وجلّ لما بقوا في الاختلافات التي لا تنتهي ولما بقوا في العذاب المهين، فإن الناس لو سلموا الأمر لأهله الذين اختارهم الله عزّ وجلّ لما كان عليهم إلاّ السؤال فقط، ويستلمون الجواب الصافي، الذي لا تشوبه شائبة، ولكن بسبب المعاندين والمتكبرين في الأرض، وأكابر المجرمين حُرم الناس من تلك النعمة، ولذا يجب علينا ان ننتبه، ونحذر ونعتبر مما مضى.

وأمّا الآيات الدالة على أن هذه المشكلة، هي مشكلة أكابر المجرمين في كل زمان ومكان، فقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ

٦٥
أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ * فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}(١).

هذه الآيات واضحة الدلالة، وهي عامة تشمل كل وقت زمان، ولدقة كلام الله عزّ وجلّ ولطافة بيانه لم يقل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَهَا}، بل قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا}، ليبين لنا أنّ الأكابر، والأعاظم هم الذين يعارضون المختار من قبل الله عزّ وجلّ؛ لأنّهم تعودوا أن تكون كلمتهم هي العليا في مناطقهم فيريدون أن تبقى كلمتهم كذلك، فلهذا يعارضون المختارين من قبل الله عزّ وجلّ، ويستقطبون أصحاب العقول الضعيفة، والنفوس المريضة، إمّا باتخاذ العقائد الموروثة حجة، والتمسك بالعادات القديمة، والدفاع عنها، أو باتباع ما وجدوا عليه آباءهم، أو باختلاق عقائد وأفكار جديدة، تعجب العوام وترضيهم، المهم يبحثون عن أي

(١) الأنعام: ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥.

٦٦
وسيلة مناسبة لاستقطاب أصحاب العقول الضعيفة، كدفع الأموال لأهل النفوس المريضة، وتحريك الناس ضد المختارين من قبل الله عزّ وجلّ فيؤدي ذلك إمّا إلى قتل أولياء الله، أو إخراجهم من ديارهم بغير حق.

والآيات الكريمات بيّنت حقيقة المعاندين والمتكبرين في الأرض، وسمّتهم أكابر المجرمين، ونقلت الآيات الكريمات ما تقوله قلوبهم ولو لم تقله ألسنتهم، فكلما جاءتهم آية ـ أي حجة واضحة ولا يوجد شيء أوضح من آيات الله عزّ وجلّ يقولون لن نؤمن!

والسؤال: لماذا لن تؤمنوا؟ هل لأنكم تعبدون الأصنام ولا تريدون تركها؟ هل لكم دين وطريقة أخرى؟ هل لكم مذهب خاص بكم؟ هل لكم عادات لا تريدون تركها؟ هل لديكم شبهة عقائدية لم تجدوا لها جواباً؟ كلاّ، كل هذه ذرائع يتوسلون بها لتحريك جمهور الناس، ومشكلتهم الحقيقية شيء آخر، وهو ما نص عليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله}(١).

هذه هي مشكلتهم الواقعية، ولكن الله ـ تعـــالى ـ يقول لهم إنّه أعلم حيث يجعل رسالته.

(١) الأنعام: ١٢٤.

٦٧
فلماذا هؤلاء المجرمون يريدون أن يتحكموا في اختيار الله عزّ وجلّ؟! لماذا يريدون أن تكون كلمتهم هي العليا، حتى أصبحت في نظرهم فوق كلمة الله عزّ وجلّ؟

أليس هذا العمل ظلماً؟! بلى، إنّه أعظم الظلم، فهذا هو محض الشرك، فهؤلاء وأمثالهم اتخذوا أهواءهم آلهة من دون الله، وكثير من الناس يقعون في نفس هذا المطب الخطير، فلولا عناد وحسد إبليس وأكابر المجرمين، ومن سار على نهجهم للمختارين من قبل الله عزّ وجلّ، ما وجدت كل هذه الاختلافات في الدين، ولما وجدت كل هذه الفرق الضالة، والأفكار الإلحادية في العالم، ولذا يعدّ ذلك الحسد والعناد أكبر جريمة عرفها ويعرفها التاريخ؛ لأنه على إثرها تنشأ الجرائم الأخر، من قبيل الكفر بالله ـ جــــــلّ وعــلا ـ وقتل الأنبياء والأولياء وضلال الأمم.

وأولئك المجرمون هم الذين يشكّلون النواة الأولى للاختلاف، والتفرق بين الناس، وإيجاد المذاهب والفرق المتنوعة، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا

٦٨
بَيْنَهُمْ...}(١).

هذه الآية الكريمة تبيّن أنه ما اختلف في الكتاب؛ إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات، ولماذا يا ترى يختلفون من بعد ما جاءتهم البينات؟

الجواب: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} لا جهلا، ولا لأجل اعتقاد هم صادقون فيه، بل لأجل العناد والتكبّر والسعي من أجل التسلط على الأرض.

وهناك آيات كثيرة بهذا المضمون، نذكر جزءاً منها ونترك الباقي للمتتبع الباحث عن الحق؛ حتى يعرف سرّ الاختلافات بين الناس، الذي هو نتاج لما صنعه ويصنعه أكابر المجرمين في كل مكان وزمان.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ}(٢).

وقال تعالى: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(٣).

(١) البقرة: ٢١٣.

(٢) البقرة: ١٥٩.

(٣) البقرة: ٢٠٩.

٦٩
كتاب بنور القرآن إهتديت للسيّد يحيى طالب (ص ٧٠ - ص ٩١)

٧٠
كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(١).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(٢).

وهذه الآيات الكريمة من سورة يونس (عليه السلام) فيها عبر كثيرة للمسلمين.

أولاها: ذكرت الآية الأولى منها سبب هلاك القرون الأولى، وهو الظلم الذي يتمثّل في عدم إطاعتهم للمختارين من قبل الله عزّ وجلّ، فالله

(١) التوبة: ٧٠.

(٢) يونس: ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨.

٧١
عزّ وجلّ يقول لهم: اتبعوا المرسلين، وأهواؤهم تقول لهم: لا تتبعوا المرسلين؛ حتى يؤتيكم الله مثلما آتى رسله؛ لكي يكون لكم نفس الوجاهة والمكانه التي ينبغي أن تكون لرسل الله عزّ وجلّ وأنتم أحق بالملك منهم، فأطاعوا أهواءهم، فصاروا من المشركين، ثم استحقوا بعد ذلك العذاب المهين.

وثانيها: تذكر الآية الثانية أن الله عزّ وجلّ جعل المسلمين خلائف في الأرض؛ لأن الخطاب لهم، أو لمن كان في ذلك العصر إلى يومنا هذا، أي أن المخاطبين خلائف في الأرض لتلك الأمم السابقة، ونحن ـ أي المخاطبون ـ في حالة اختبار، هل نسلم لمن اختارهم الله عزّ وجلّ، أم نظلم كما ظلمت تلك الأمم السابقة؟

وثالثها: ذكرت الآيات الكريمة موضوعاً مهماً، ألا وهو قول المعاندين: إنّ الأصنام ـ أو آلهتهم سواء أكانت حجارةً أم بشراً ـ هي التي تكون شافعة لهم عند الله، وهذا الاعتقاد هو نوع من أنواع الشرك، لا من حيث أصل الشفاعة، بل من جهة نسبتها لمن لم يجعل الله عزّ وجلّ له شفاعة عنده، أي أنهم بقولهم هذا يفرضون على الله عزّ وجلّ أن تكون شفاعة فلان أو فلان مقبولة عنده، وهو عزّ وجلّ لم يخبرهم بذلك، وهذا تجاوز على الإرادة الإلهية، وهو من الشرك أيضاً.

٧٢

الاختيار الإلهي


قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(١).

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا}(٢).

هاتان الآيتان الكريمتان توضحان أن الاختيار كلّه لله عزّ وجلّ، فالآية الأولى وضّحت أن مسألة الاختيار الإلهي هو من السنن الإلهية التي لا تتغير، لأنها ـ أي الآية ـ تقول إن الله عزّ وجلّ يخلق المخلوقات، ثم لا يتركها، بل يختار من بينها أفضلها.

فالله عزّ وجلّ خلق جميع المخلوقات ولكنه اختار من بينها ما يشاء، وقد ربطت الآية الكريمة قضية الخلق مع قضية الاختيار، وهذا يبيّن أهمية مسألة الاختيار الإلهي، حيث نرى أن الله عزّ وجلّ قد اختار من بين مخلوقاته اختيارات كثيرة، وعلى سبيل المثال نذكر مايلي:

(١) القصص: ٦٨.

(٢) الأحزاب: ٣٦.

٧٣
١- خلق الله عزّ وجلّ الليالي واختار منها ليلة القدر.

٢- وخلق الله عزّ وجلّ الأيام واختار منها يوم الجمعة.

٣- وخلق الله عزّ وجلّ الأشهر واختار منها شهر رمضان.

٤- وخلق الله عزّ وجلّ الأودية واختار منها وادي مكة.

٥- وخلق الله عزّ وجلّ الحجارة واختار منها الحجر الأسود.

٦- وخلق الله عزّ وجلّ البيوت واختار منها البيت المبارك، الكعبة الشريفة.

٧- وخلق الله عزّ وجلّ جميع البشر واختار من بينهم أفضلهم أبينا آدم (عليه السلام) واختار الله عزّ وجلّ ذرية طيبة وهم آل ابراهيم وآل عمران، قال تعالى: {إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(١) ومن هنا يأتي السؤال: هل اختار الله عزّ وجلّ أحداً من هذه الأمة؟ وهل جرت هذه السنة الإلهية على هذه الأمة؟ أم توقفت؟

وهذا سؤال يجب أن تبحث أنت أيها الباحث عن الحق، عن جوابه؟.

فهذا الكتاب قد بين لك سبب الاختلافات على مر التاريخ بأدلة قرآنية واضحة، وبينّ لك أهمية هذا الموضوع، وساعدك على تحديد

(١) آل عمران: ٣٣، ٣٤.

٧٤
نقطة المرض لكي تقوم أنت بمعالجته، فأنت الآن مسؤول أمام المولى عزّ وجلّ عن البحث عن المختارين من قبل الله عزّ وجلّ، ويجب أن تبحث في هذا الموضوع بكل جد وإخلاص، طالباً من المولى عزّ وجلّ أن يهديك ويرشدك للحق؛ لأن هذا الموضوع قد تم تهميشه، وإسكات الناس عنه، لأنه محور الخلاف والنزاع الحقيقي.

وكما أشرنا سابقا إلى أننا فقط، سنذكر بعض الآيات الدالة على أهمية هذا الموضوع، ونترك الباقي للمتتبع، لكي يلاحظ أهمية هذا الموضوع من القرآن الكريم بنفسه، ولكن لكي يزداد الأمر وضوحاً، نذكر بعض الآيات، التي تبين أهمية الاصطفاء، والاختيار، والتفضيل الإلهي وأنه بيد الله عزّ وجلّ الذي هو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وهو الذي يزكي من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، قال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(١).

وقال تعالى: {... فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً...}(٢).

وقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...}(٣).

(١) النساء: ٣٢.

(٢) النساء: ٩٥.

(٣) البقرة: ٢٥٣.

٧٥
وقال تعالى: {وَالله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ... }(١).

وقال تعالى: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}(٢).

وقال تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}(٣).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(٤).

وقال تعالى: {... وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(٥).

وقال تعالى: {... قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(٦).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ

(١) النحل: ٧١.

(٢) الإسراء: ٢١.

(٣) الإسراء: ٥٥.

(٤) الإسراء: ٧٠.

(٥) البقرة: ١٠٥.

(٦) آل عمران: ٧٣.

٧٦
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(١).

وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}(٢).

وقال تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(٣).

وقال تعالى: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(٤).

وقال تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ الله بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(٥).

وقال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ

(١) المائدة: ٥٤.

(٢) فاطر: ٣٢.

(٣) الحديد: ٢١.

(٤) الحديد: ٢٩.

(٥) البقرة: ٩٠.

٧٧
آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا }(١).

وقال تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(٢).

وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ...}(٣).

وقال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(٤).

وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...}(٥).

وقال تعالى: { إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(٦).

(١) النساء: ٥٤.

(٢) آل عمران: ٧٤.

(٣) الأنعام: ١٢٣، ١٢٤.

(٤) القصص: ٦٨.

(٥) الأحزاب: ٣٦.

(٦) آل عمران: ٣٣، ٣٤.

٧٨
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}(١).

وقال تعالى: {قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(٢).

وقال تعالى: { الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمُورُ}(٣).

وقال تعالى: {... وَآتَاهُ الله الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء...}(٤).

من هذه الآيات الكريمات نلاحظ كيف ركّز القرآن الكريم على أهمية مسألة الاصطفاء، والاختيار والتفضيل، وأكّد على أن هذه المسألة بيد الله وحده، فهو الذي يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، والله عزّ وجلّ هو العالم بحال الخلق، الخبير بما في

(١) آل عمران: ٤٢.

(٢) البقرة: ٢٤٧.

(٣) الحج: ٧٥، ٧٦.

(٤) البقرة: ٢٥١.

٧٩
صدورهم، وهو الذي يعلم مشاكلهم الواقعية، التي سببت وأدّت إلى تفرّقهم، وهي المنافسة من أجل علو الكلمة، والتسلّط على الأرض، فلو عرف الناس من هم خيرة الله عزّ وجلّ في كل عصر، وسلّموا لهم الأمور، لما حدث النزاع وبعده الاختلاف العقائدي، وهلمّ جراً.

أخي القارئ الكريم، عندما تمعن النظر فيما أوردنا من القصص القرآنية، كقصة إبليس مع أبينا آدم (عليه السلام)، وقصة أخوة يوسف، ومشكلة اليهود مع الإسلام ونبيه، ومشكلة قريش مع رسول الله، تجدها تبيّن وتوضّح المشكلة التي جعلت المعاندين يعاندون، حتى وصل الأمر إلى تشكيل الأديان، والفرق، والاختلاف في أغلب المسائل، وهي مشكلة التنازع من أجل التسلّط على هذه الأرض.

فلذا ينبغي على الإنسان المسلم الذي يريد أن يبحث عن الحق، وعن الفرقة الناجية أن ينظر إلى هذه المسألة ـ التي ركّز عليها القرآن الكريم وأكّد عليها ـ بكل دقّة ويركّز عليها، كما ركّز عليها القرآن الكريم، ولا يشغل نفسه بالمسائل الخلافية الأخرى، لأنها ما هي إلاّ ثمرة للاختلاف في هذه المسألة، والبحث في المسائل الأخرى قبل البحث في هذه المسألة، ومعرفة الحق فيها، لا جدوى منه.

٨٠