×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التبرّك بالصالحين والأخيار والمشاهد المقدسة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٩ فارغة
كتاب التبرّك للأستاذ صباح البياتي (ص ١ - ص ٢٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدّمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين..

من الاُمور التي يتجدد فيها البحث على مستويات مختلفة وبأساليب متعددة مسألة التبرّك بالصالحين والأخيار من الاُمة وبالأماكن والمشاهد المقدّسة عند المسلمين، لما يتجدّد حولها أو يتكرر من إثارات أو شبهات تصل في أحيان كثيرة الى درجات ساخنة حتّى تكون مدعاة أحياناً لتمزيق المجتمع المتماسك وبثّ الفرقة بين أبنائه.

فهل التبرّك مسنون، أم مبتدع؟

هل له في القرآن والسنّة ذكر؟

هل له تاريخ بين المسلمين لا سيّما في القرون الاُولى؟

هل له فقه وضوابط؟

كلّ ذلك سيتناوله هذا البحث بإيجاز مناسب، وبالقدر الكافي من التوفيق..

والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

١٠

التبرّك

معاني البركة:

البركة في اللغة:

هي من الزيادة والنماء(١).

قال الفراء: في قوله تعالى: (رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت)(٢).

البركات: السعادة(٣).

وقال أبو منصور الأزهري بعد إيراده هذا القول: وكذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته)، لأنّ من أسعده الله بما أسعد به النبي(صلى الله عليه وآله)فقد نال السعادة المباركة الدائمة(٤).

والتبريك: هو الدعاء للإنسان وغيره بالبركة.

يقال: برّكت عليه تبريكاً، أي قلت: بارك الله عليك(٥).

وقال ابن الأثير: وفي حديث اُم سليم (فحنّكه وبرّك عليه): أي

١- قالها الخليل الفراهيدي: ٥/٣٦٨، مادة برك، انظر لسان العرب: ١٠/٣٩٠، الصحاح للجوهري: ٤/١٠٧٥، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/٢٣٠، المفردات للراغب الإصبهاني: ٤٤، النهاية لابن الأثير: ١/١٢٠.

٢- هود: ٧٣.

٣- معاني القرآن: ٢/٢٣.

٤- تهذيب اللغة: ١٠/٢٣٢.

٥- تهذيب اللغة للأزهري: ١٠/٢٣١.

١١
دعا له بالبركة(١).

وقال الجوهري: يقال: بارك الله لك وفيك وعليك، وباركك.

وقال تعالى: (أن بورك مَن في النّار)(٢).

وقال ابن منظور: بارك الله الشيء، وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وطعام بريك كأنّه مبارك(٣).

وقال الفيومي: بارك الله تعالى فيه فهو مبارك، والأصل: مبارك فيه(٤).

والتبرّك: هو طلب البركة، وهي النماء أو السعادة. والتبرّك بالشيء: طلب البركة عن طريقه.

قال ابن منظور: تبرّكت به: أي تيمّنت به(٥).

وقال ابن الأثير: واليُمن: البركة، وقد يُمن فلان على قومه فهو ميمون، إذا صار مباركاً عليهم، وتيمّنت به: تبركت(٦).

والتبرّك في مفهومه الاصطلاحي يراد به طلب البركة عن طريق أشياء أو معان ميّزها الله تعالى بمنازل ومقامات خاصة، وخصّها

١- النهاية: ١/١٢٠.

٢- الصحاح: ٤/١٥٧٥.

٣- لسان العرب: ١٠/٣٩٠.

٤- المصباح المنير: ١/٤٥.

٥- لسان العرب: ١٣/٤٠٨.

٦- النهاية: ٥/٣٠٢.

١٢
بالتبريك، وآثرها بعنايته على سواها. كما في مسّ يد النبي(صلى الله عليه وآله) تيمّناً ببركتها، أو المسح على بعض آثاره الشريفة بعد وفاته.. وهذا هو المراد بالتبرّك، مدار البحث، وأيّاً كان فإن مصدره إنمّا هو البركة التي خصّ الله تعالى بها أشياء أو أشخاصاً دون آخرين.

البركة في القرآن الكريم

وردت كلمة البركة بألفاظ متعددة في القرآن الكريم للتدليل على اختصاص أشخاص معيّنين وأمكنة وأزمنة معينة بنوع من البركة التي جعلها الله فيها لأسباب اقتضتها حكمة الله تعالى، فمن الأشخاص الذين شملتهم لفظة البركة في القرآن الكريم:

١ ـ النبي نوح(عليه السلام) ومن معه، وذلك في قوله تعالى: (اهبط بسلام منّا وبركات عليك وعلى اُمم ممّن معك...)(١).

٢ ـ النبي عيسى(عليه السلام)، وذلك في قوله تعالى: (وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة...)(٢).

٣ ـ النبي إبراهيم(عليه السلام)، وابنه النبي اسحاق(عليه السلام)، في قوله تعالى:

١- هود: ٤٨.

٢- مريم: ٣١.

١٣
(فلمّا جاءها نودي أن بورك من في النار ومَن حولها)(١).

وقوله تعالى: (وباركنا عليه وعلى إسحاق...)(٢).

٤ ـ أهل البيت(عليهم السلام)، أو أهل بيت إبراهيم(عليه السلام)، على أقوال، وذلك في قوله تعالى: (رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد)(٣).

كما وردت لفظة البركة وما في معناها في القرآن الكريم بخصوص بعض الأماكن والأراضي والبقاع المعيّنة لاختصاصها بقدسية معينة، منها:

١ ـ البيت الحرام في مكة المكرمة، لقوله تعالى: (إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين)(٤).

٢ ـ الأرض بصورة عامة، حيث جعل البركة ـ وهو الخير ـ في مختلف أرجائها، لقوله تعالى: (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها...)(٥).

أي جعل فيها الخير الكثير الذي ينتفع به ما على الأرض من

١- النمل: ٨.

٢- الصافات: ١١٣.

٣- هود: ٧٣.

٤- آل عمران: ٩٦.

٥- فصلت: ١٠.

١٤
نبات وحيوان وإنسان في حياته أنواع الإنتفاعات(١).

وقال الرازي: والبركة: كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض(٢).

٣ ـ المسجد الأقصى وما حوله من بيت المقدس من أرض فلسطين، لقوله تعالى: (... إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله...)(٣).

وكذلك في قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها...)(٤).

وقوله تعالى: (ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين...)(٥).

٤ ـ اليَمَن، لقوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة)(٦).

٥ ـ قوله تعالى: (وقل ربّ أنزلني منزلاً مباركاً وأنت

١- تفسير الميزان للطباطبائي: ١٧/٣٦٣، ٣٨٥، اوفست دار الكتب الإسلامية.

٢- التفسير الكبير للرازي: ٢٧ / ٤٠٢، تفسير الآية: (وجعلنا فيها رواسي...).

٣- الإسراء: ١.

٤- الأعراف: ٧.

٥- الأنبياء: ٧١.

٦- سبأ: ١٨.

١٥
خير المنزلين)(١).

كما وردت معاني البركة في القرآن الكريم صفة للكتاب العزيز، وذلك في قوله تعالى:

١ ـ (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدّق الذي بين يديه)(٢).

٢ ـ (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه واتّقوا لعلّكم ترحمون)(٣).

٣ ـ (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون...)(٤).

٤ ـ (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبّروا آياته...)(٥).

ووردت معاني البركة للدلالة على بعض مخلوقات الله من النباتات وغيرها كما في قوله تعالى:

(كأنّها كوكب دُرّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة)(٦).

(فلمّا أتاها نُودي من شاطئ الوادِ الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة...)(٧).

١- المؤمنون: ٢٩.

٢- الأنعام: ٩٢.

٣- الأنعام: ١٥٥.

٤- الأنبياء: ٥٠.

٥- سورة ص: ٢٩.

٦- النور: ٣٥.

٧- القصص: ٣٠.

١٦
(ونزّلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنّات وحبّ الحصيد)(١).

كما وخصّ الله سبحانه وتعالى بعض الأزمنة بالبركة، كما في قوله تعالى:

(إنّا أنزلناه في ليلة مباركة إنّا كنّا منذرين)(٢).

فهذه بعض معاني البركة واستعمالاتها في القرآن الكريم، وأمّا السنّة النبوية المطهّرة، فالأحاديث التي تتضمن البركة ومعانيها كثيرة جداً سوف يأتي بعضها في طيّات المباحث القادمة للدلالة على أن البركة والتبرك أمر ثابت في الشرع.

ولعلّ من أشهرها ماثبت عنه(صلى الله عليه وآله) في صورة الصلاة عليه: "اللهمّ صل على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم.. إنّك حميد مجيد".

التبرّك في التاريخ

هل للتبرّك بمفهومه الاصطلاحي واقع تاريخي بين الاُمم المتشرّعة، بحيث نكتشف في سيرهم وأخبارهم هذا النوع من السلوك، يتعارفونه ويتداولونه على أنه سلوك مشروع؟

١- سورة ق: ٩.

٢- الدخان: ٣.

١٧
نتابع الإجابة عن هذا التساؤل في مرحلتين رئيسيتين، تختصّ الاُولى بتاريخ الاُمم السالفة، وتتناول الثانية، وهي أكثر تفصيلاً، التبرّك في سلوك المسلمين وفي معارفهم منذ عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وتباعاً في العهود القريبة منه.

١ ـ التبرّك عند الاُمم السالفة

إنّ ظاهرة التبرك بآثار الأنبياء معروفة حتّى عند الاُمم التي سبقت الإسلام، والتي تتضمن التبرّك بثياب اُولئك الأنبياء وبقاياهم، فمن أمثلة التبرّك عند الاُمم السابقة.

تبرّك النبيّ يعقوب(عليه السلام)بقميص ابنه النبي يوسف(عليه السلام)، قال تعالى: (إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً)(١).

وقد امتثل إخوة يوسف لأمره، فجاؤوا بقميصه وألقوه على وجه أبيه الذي كان قد فقد بصره حزناً على فراق ولده يوسف، فجعل الله تعالى قميص يوسف سبباً لارتداد بصر أبيه يعقوب(عليه السلام)، فكان ذلك من قدرة الله تعالى وبركة ذلك القميص، ومعلوم أنّ الله تعالى يقدر أن يرد بصر يعقوب(عليه السلام)دون حاجة الى إلقاء ذلك القميص على وجهه، ولكن لله تعالى حكمة في جعل بعض الأشياء

١- يوسف: ٩٣.

١٨
المباركة سبباً لتحقّق الغاية، ولاشك أن ذلك مرده الى أن يجعل ذلك سنّة يقتدي بها الأنام فيعرفوا أن هنالك أشياء وأمكنة وأزمنة وأشخاصاً لها مقامات عند الله تعالى، فجعل فيها بركة تتيح لها شفاء المرضى أو استجابة الدعاء أو الشفاعة لغفران الذنوب، ونحو ذلك.

قال الزمخشري: قيل، هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف، وكان من الجنّة، اُمر جبرئيل(عليه السلام) أن يرسل إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلاّ عوفي(١).

ومن أمثلته أيضاً: تبرّك بني إسرائيل بالتابوت الذي فيه آثار آل موسى وآل هارون، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله حكايةً عن نبي بني إسرائيل الذي بشّرهم بطالوت ملكاً: (إنّ آية ملكه يأتيكم التابوت فيه سكينةً من ربّكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة)(٢) وكان هو التابوت الذي أنزله الله على موسى فوضعته فيه اُمه وألقته في اليمّ، وكان في بني إسرائيل معظّماً يتبركون به، فلما حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيّه، فلم يزل التابوت بينهم حتّى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ وترف مادام التابوت

١- الكشاف: ٢/٥٠٣.

٢- البقرة: ٢٤٨.

١٩
عندهم، فلمّا عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلمّا سألوا نبيّهم، بعث الله طالوت عليهم ملكاً يقاتل معهم فردّ الله عليهم التابوت.

قال الزمخشري: التابوت صندوق التوراة، وكان موسى إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفترون... وقوله: (وبقية ممّا ترك آل موسى وآل هرون) هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة(١).

فنجد بني إسرائيل بأمر من نبيّهم يحتفظون بما ترك موسى وهارون، وتسكن إليه نفوسهم لما أخبرهم به من البركة التي اختصّها الله به لكونها من آثار أنبيائهم، حتّى إذا استخفوا بهذه الآثار المباركة عاقبهم الله وحرمهم من بركتها، ممّا يدل على قدسية هذه الآثار وحلول البركة فيها بإذن الله.

٢ ـ سيرة المسلمين في التبرّك

أوّلاً: سيرة الصحابة في التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته

قال محمد طاهر المكي: فلا جرم أن كان التبرّك بها ـ آثار الرسول ـ سنّة الصحابة رضي الله عنهم، واقتفى آثارهم في ذلك من

١- الكشاف: ١ / ٢٩٣.

٢٠