×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وما صنف بعد ذلك لم يكن إلاّ استئنافاً للتي وردت في تلك المؤلفات السابقة)(١).

المرحلة السادسة: مرحلة الانبعاث وعودة الوعي

لقد اقترنت دعوات الإصلاح في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بنداء لإحياء الفكر الديني فزعماء الاصلاح أدركوا جيداً أن الجمود العقائدي والتقليد الفكري أحد الأسباب الأساسية لتخلي الأمة عن ريادتها الحضارية للعالم وتخلفها عن ركب الأمم الأخرى. ويمكن اعتبار الافغاني وعبده وأمثالهما من رواد هذه المرحلة لأنهم حاولوا نقد الفكر الديني من الداخل وتحليل أبعاد الأزمة. متجاوزين الأطر التقليدية الضيقة في التعاطي مع العقيدة.

وجمال الدين الافغاني في رسالته (الردّ على الدهريين) يقدم الدين في عقائده الأساسية والخصال التي كرّسها كسبيل وحيد لحياة اجتماعية تستند إلى بناء وأساس مدني محكم وأن إنكار الدين لا يقود المجتمع إلاّ إلى الانحلال والضعف ويستقرىء جملة من المجتمعات التي شهدت صعوداً في مرحلة من حياتها لكنها شهدت تقهقراً يرى الأفغاني أن سببه تأثر هذه المجتمعات بالأفكار الدهرية مما هدّ الأسس الاعتقادية التي يبثها الدين في المجتمع وهي الايمان بان (الانسان ملك على الأرض وأن الأمة التي ينتمي إليها أشرف الأمم، وثالثاً: الايمان بالآخرة وأن هذه الدنيا ليست إلاّ لاستحصال كمالات إلهية أرفع للروح إلى عالم أرفع وأوسع)(٢).

وفي رسالة التوحيد أبرز محمد عبده أبعاداً جديدة للتوحيد سواء على مستوى تطهير العقول من الأوهام والخرافات أو ضمان حرية الانسان وتحريره من كل سلطة

١- فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ١٩٧٩ ص١٩٧.

٢- جمال الدين الأفغاني، الردّ على الدهرين، ترجمة الامام محمد عبده، إسلام العالمية، ص٣١.

٢١
قائمة. كما أنه رأى في التوحيد حرباً على التقاليد واقتلاعاً لاصول التقليد كما قرأ فيه معاني التوحيد لصفوف الأمة ولمّ شملها مقابل الشرك الذين يختزن كل معاني التمزق والتفرقة الاجتماعية كما أنه بحث في الرسالة قضايا لها مساس بحياة الفرد والناس فأشار إلى الحاجة إلى الدين ودَفَع شبهات في المقام وتحدث عن إمكان الوحي ووقوعه ورسالة النبي محمد(صلى الله عليه وآله) وخصائصها وسرّ انتشارها السريع واجاب عن إشكالية: النهضة الإسلامية في ضوء امتلاك كل مقومات النهوض المتمثلة في الرسالة الإسلامية(١).

من بين الأعمال التي اعتبرت رائدة في هذه المرحلة الأخيرة إحياء الفكر الديني لمحمد إقبال الذي رفع في مقدمته لواء التجديد حيث يقول (حاولت في هذه المحاضرات.. بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديداً آخر يعني الاعتبار المأخوذ في فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة)(٢).

لكن يبدو انه ركز على جانب واحد وهو ما يسميه بالتجربة الدينية والأبعاد النفسية للتدين. ويكون العنوان (احياء الفكر الديني) شعاراً يفتقد إلى مضمون وبرنامج حقيقي شامل للتجدد.

رغم عمق هذه المحاولات وغيرها في قراءة العقيدة الإسلامية في ضوء ثقافة العصر والمستوى الفكري للمرحلة ونتاجها العلمي والنفسي والفلسفي والخروج من طوق الجمود والتخلف الذي حاصر الفكر الإسلامي قروناً طويلة مكرساً فهم الآباء الذي اكتسب اطلاقاً زمانياً، إلاّ أن هذه المحاولات بقيت قاصرة عن إحداث نقلة حقيقة في

١- محمد عبده، رسالة التوحيد، دار احياء التراث، بيروت.

٢- محمد اقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، ١٩٥٥ ص٢.

٢٢
منهج علم الكلام إلى أن ظهرت محاولات أخرى تعد حقاً خطوات جبارة على طريق النهضة والتجديد وبرز في هذا الاتجاه أسماء لامعة لعبت دوراً بارزاً على هذا الصعيد منها: السيد محمد حسين الطباطبائي(قدس سره) والشهيد مرتضى مطهري(قدس سره)كرائدين مهمين من رواد مرحلة الانبعاث وعودة الوعي.

وبين هؤلاء الرواد يبرز محمد باقر الصدر الذي يلتقي معهم في هذا المضمار لكنه يمتاز بأنه أسس لنقلات منهجية خطيرة خاصة على مستوى نظرية المعرفة حيث أنّه بنى لنفسه نظرية خاصة في المعرفة (المذهب الذاتي) طبقها على العديد من المسائل في علم الكلام في بحوثه المتفرقة وهي مميزة يفتقدها غيره من المجددين.

إن باقر الصدر رغم عدم امتلاكه أثراً متكاملا لتجديد المنهج الكلامي وطرق مسائله وفق منظوره الجديد لكن ما تركه من نتاج عقائدي متناثر في مؤلفاته المختلفة ومحاضراته العديدة يشكل أرضية صلبة لنقد المنهج القديم وصياغة النهج الجديد وقراءة لاصول الدين من وجهة نظر مبتكرة بلحاظ ثقافة العصر وحاجاته وأسئلته واستفساراته.

لقد تحولت لوحة أصول الدين في منهج الصدر إلى نظريات متكاملة في الثورة والتغيير الاجتماعي والقيادة والخلافة والحياة..

ولكن ما هي أهم النقلات المنهجية التي أسسها باقر الصدر؟

وما هي المضامين الجديدة لأصول الدين في ضوء هذه المنهجية الجديدة؟

هذا ما سيحاول الفصل الثاني والثالث الاجابة عنه ان شاء الله تعالى.

٢٣

الفصل الثاني
معالم التجديد الكلامي

٢٤
لا يكتفي المجددون الحقيقيون عادة بطرح مفاهيم جديدة وتصورات غير مسبوقة ومضامين مستحدثة وفق ما تحتاجه الساحة الفكرية أو على أساس عملية استشرافية لمعالم المستقبل وتحديات التقدم الانساني.

بل إن هؤلاء المجددين يحدثون نقلات منهجية تحقق قفزة نوعية وربما تحدث تحولات معرفية كبرى تمكن الاجيال من النظر إلى المسألة من منظور جديد مختلف عن كل الاساليب التي سلكها الأولون.

إن كبار المجددين من العلماء والفلاسفة في كل ميدان هم الذين استطاعوا فعلا إحداث مناهج جديدة لا الذين أتوا بمعارف مبتكرة فقط.

ففي مجال الفلك ما كان (لكوبرنيك) أن يعرف هذه الشهرة لولا القطعية المعرفية التي أحدثها مع النظرية الفلكية القديمة وطرحه رؤية جديدة... و(ديكارت) في مجال الفلسفة ما كان ليصبح علماً بارزاً وعلامة لمرحلة جديدة في تاريخ التفكير الفلسفي لو لم يكن صاحب منهج جديد.. وكذلك (انشتاين) في الفيزياء لولا ثورته الكبرى على فيزياء نيوتن وتأسيسيه لنظريته النسبية التي قلبت الفيزياء رأساً على عقب...

وفي هذا السياق وفي مجال البحث العقائدي يتجلى إبداع (محمد باقر الصدر) في القدرة على الانتقال بعلم الكلام نقلات منهجية كبرى من شأنها ان تسهم في أرساء أسس جديدة لعلم عقائدي جديد.

لقد التفت إلى هذه القدرة الإبداعية للصدر (شبلي ملاط) في دراسته تجديد الفقه الإسلامي حيث يقول (لقد اكتشفنا في كتابات باقر الصدر وأقواله نظاماً يستمد قوته كما كل النظم لا من الاجابات المحددة القادرة على توفرها وانما من المجالات التي

٢٥
يفتحها)(١).

وباستقراء الانتاج الكلامي والعقائدي للسيد محمد باقر الصدر المبثوث هنا وهناك في أكثر كتبه يمكن ان نستكشف: خمس نقلات منهجية أساسية:

أولا: من المنطق الأرسطي إلى المذهب الذاتي.

ثانياً: من الاتجاه التجزيئي إلى المنهج الترابطي الموضوعي.

ثالثاً: من النزعة الثبوتية إلى المنهج التكاملي.

رابعاً: من عقيدة الفرد إلى عقيدة المجتمع.

خامساً: من المذهبية الجدلية إلى الإنسانية اليقينية.

النقلة المنهجية الأولى:

من منطق أرسطو إلى المذهب الذاتي

في كتاب فلسفتنا تبنى باقر الصدر النظرية الارسطية في المعرفة حيث سلّم بالبديهيات الست وضرورة مبدأ العلية ومسألة: بداهة الواقع الخارجي لكنه لم يكن ليقف في حدود منطق أرسطو الذي حكم إلى حد ما تراثنا الفكري وخاصة الكلامي الذي تأثّر بالمباحث المنطقية والفلسفية إثر ترجمة التراث اليوناني. واتخذ طابعاً جدلياً وتطرف أحياناً كثيرة في ملاحقة إشكالات الفلسفة والمنطق الارسطي حتى سقط في التجريد المطلق والبحث عن شبهات افتراضية أكثر منها واقعية لا ثمرة عملية من ورائها.

لكن باقر الصدر لم يستسلم للهيبة التاريخية للمنطق الأرسطي رغم كل التعديلات التي أدخلها عليه المفكّرون الإسلاميون وقطع مع هذا التراث الطويل بأطروحته

١- شبلي ملاط، تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم، ص٢٥٠.

٢٦
المتميزة: الأسس المنطقية للاستقراء والذي قال عنها باقر الصدر نفسه.. أنها استطاعت أن تملأ فراغاً كبيراً في نظرية المعرفة البشرية لم يستطع الفكر الفلسفي أن يملأه خلال الفي سنة(١).

ليس كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، كما قد يوحي عنوانه دراسة لمشكلة الاستقراء فحسب وحل لقضية التعميم الاستقرائي وانما هو أطروحة لنظرية معرفية جديدة أسماها باقر الصدر: المذهب الذاتي في المعرفة: إنه مذهب ثالث مقابل المذهب التجريبي والمذهب العقلي ولمعرفة تمايز هذا المذهب لا بأس أن نقارن بين هذا الاتجاه الجديدة وبين هذين المذهبين الكبيرين. وسنحرّر هذه المقارنة في النقاط التالية:

أولا: تحديد مصدر المعرفة: فالمذهب الذاتي يتفق مع المذهب العقلي حول وجود قضايا وإدراكات قبلية التي تمثّل أساساً يقوم عليه البناء الفوقي للمعرفة.

ثانياً: يختلف مع المذهب العقلي في الأساس المنطقي للتعميم الاستقرائي. فالمذهب العقلي يستند في هذا التعميم إلى مبادىء ثلاثة: مبدأ السببية ومبدأ عدم تكرّر الصدفة باستمرار ومبدأ: ان الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج متماثلة ويعتقد هؤلاء أن هذا المبدأ مستقل عن التجربة ومستقل برهانياً عن مبدأ السببية ومن نقطة الخلاف هذه حول رجوع الاستقراء إلى القياس حسب المنطق العقلي ينطلق باقر الصدر ليشيد نظريته في المعرفة.

ثالثاً: إن المذهب العقلي يؤمن أساساً بالتوالد الموضوعي في المعرفة والقياس هو العمدة في الاستدلال وحتى الاستقراء يرجع في الأخير إلى قياس صغراه الملازمة بين ظاهرتين كما تعكسها ملاحظاتنا وكبراه ان الصدفة لا تتكرر باستمرار.

١- محمود الهاشمي، بحوث في علم الأصول، المجمع العالمي للشهيد الصدر، مج٤، ص١٤٠.

٢٧
والتلازم الموضوعي يعني أنه اعتماداً على التلازم بين قضية واخرى. أو بين قضية ومجموعة قضايا أخرى يمكن أن تحصل معرفتنا بتلك القضية من معرفتنا بالقضية أو القضايا التي تستلزمها. مثال ذلك من قولنا: (سقراط إنسان) و(كل إنسان فان) نستنتج ان (سقراط فان) فهذا توالد موضوعي لأنه ناشىء عن التلازم بين الجانب الموضوعي للمقدمات والجانب الموضوعي للنتيجة. (فالتوالد الموضوعي هو الأساس في كل استنتاج يقوم على القياس الارسطي لان النتيجة دائماً ملازمة للمقدمات على أساس التوالد الموضوعي والتلازم بين القضايا المستدل بعضها على البعض الآخر بصورة قياسية)(١).

أما التوالد الذاتي الذي يعتقد المذهب الذاتي أنها الطريقة التي تحصل بها أكثر معارفنا فهي تؤمن بأنه يمكن أن تنشأ معرفة جديدة انطلاقاً من التلازم بين الجانبين الذاتيين للمقدمات والنتائج دون تلازم في الجانبين الموضوعيين والمقصود من الجانب الذاتي الادراك. في حين ان المنطق الأرسطي يعتبر أن هذا التلازم الذاتي دون تلازم في الجانب الموضوعي غير كاف للانتقال إلى النتيجة وهكذا حاول المنطق الأرسطي أن يفسّر كل معارفنا بأنها إما أن تكون أولية أو أنها مستنتجة على أساس التوالد الموضوعي. أما المذهب الذاتي فيؤمن: بوجود معارف أولية تمثل الجزء العقلي القبلي من المعرفة (مبدأ عدم التناقض). وأن هناك معارف ثانوية مستنتجة على طريقة التوالد الموضوعي (مثال ذلك نظريات الهندسة التقليدية والمستنتجة من بديهيات تلك الهندسة) وهناك معارف ثانوية مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الذاتي (التعميمات الاستقرائية) وهي تهم أكثر معارفنا.

ولا يتوهم أن المذهب الذاتي يتفق كلياً مع المذهب الارسطي في المعارف القبلية.

١- محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، لبنان، ١٩٨١، ص١٣٥.

٢٨
إنهما يتفقان من حيث المبدأ والاقرار بوجود هذه المعارف القبلية ولكنهما يختلفان من جهتين:

أ ـ طبيعة المعارف الأولية.

ب ـ ضرورة كونها يقينية.

في الجهة الأولى يناقش باقر الصدر في أطروحته الرائدة (الاسس المنطقية للاستقراء) البديهيات التي آمن بها المنطق الارسطي والتي أرجعها إلى ست: يقول الصدر (ان القضايا التجريبية والحدسية والمتواترة والمحسوسة كلها قضايا استقرائية تقوم على أساس تراكم القيم الاحتمالية في محور واحد وتبعاً للمرحلتين التي حددتهما للدليل الاستقرائي)(١) ولابدّ من الاشارة هنا أن باقر الصدر يفرق بين الحس الظاهر والحس الباطن ويرى أن قضايا القسم الأخير أولية وما نفى بداهته هو الحس الظاهر: (ولا شك في أن القضايا المطلوب اثباتها بالحس الباطن أولية لأن الإنسان في هذا القسم من الإدراك الحسي يتصل بصورة مؤكدة بمدلول القضية المطلوب إثباتها بهذا الحس مباشرة وأما القضايا المطلوب اثباتها بالحس الظاهر فهي تختلف عن قضايا الحس الباطن لأننا بالحس الظاهر نريد أن نثبت الواقع الموضوعي أي أن هناك حينما أرى البرق برقاً موضوعياً موجوداً بصورة مستقلة عن إدراكي وهذا لا يكفي فيه الاتصال المباشر بالمحسوس في حالات الحس الظاهر)(٢).

أما القضايا الأولية والفطرية التي تمثّل البقية الباقية على لائحة البديهيات الارسطية التي يدركها العقل مستقلا عن الحس والتجربة. فإن باقر الصدر وإن كان لا ينكر قبليتها لكنه يثبت أنه بالامكان الاستدلال عليها بطريقة الاستقراء.

إن باقر الصدر لا يستثني في إمكان الاستدلال استقرائياً على (البديهيات) إلاّ مبدأ

١- م. ن، ص٤٧٠.

٢- م. ن، ص٤٥٢.

٢٩
عدم التناقض وبديهيات نظرية الاحتمال (وفيما نؤكد أن بالامكان تنطبيق الاستدلال الاستقرائي على كل الاوليات الارسطية إلاّ في حدود هذين الاستثنائين (ما سبق الاشارة إليهما) لا نعني بذلك ان تلك القضايا استقرائية فعلا وليست قبلية وإنما نعني ان بالامكان نظرياً أن نفسرها على أساس الطريقة التي حدّدناها للاستدلال الاستقرائي ولا ينفي هذا ان تكون قضايا أولية قبلية)(١)، وتعليل هذا الاستثناء للمبدأين المشار إليهما يرجع إلى أن مبدأ عدم التناقض لابدّ ان يفترض ثابتاً وإلاّ لما أمكن للطريقة الاستقرائية ان تقوم لها قائمة لأنه لا يمكن حينئذ ان تجمع القيم الاحتمالية على محور واحد لأن هذا المجتمع على محور واحد يعني نفي نقيض كل قيمة احتمالية وهذا لا يتحقق إلاّ إذا قبلنا باستحالة اجتماع النقيضين أما إذا قبلنا باجتماع النقيضين وأنكرنا مبدأ عدم التناقض فلا يمكن تجميع القيم الاحتمالية على محور واحد. وأما استثناء كل المصادرات التي يحتاجها الدليل الاستقرائي بما فيها بديهيات نظرية الاحتمال فواضح.. أما الجهة الثانية فنبحثها في النقطة الرابعة الآتية.

رابعاً: إن المذهب الذاتي لا يشترط أن تكون المعرفة الأولية يقينية: فهو يُرجع بداية المعرفة إلى قسمين: أحدهما: المعرفة التي تفرضها بديهيات نظرية الاحتمال. والآخر: نفس الخبرة الحسية بالموضوعات فنحن حين نشاهد سحاباً في السماء تعتبر مشاهدتنا خبرة حسية والسحاب في السماء هو موضوع هذه المشاهدة ومعرفتنا بالمشاهدة نفسها معرفة ابتدائية أولية وليست مستدلة وأما معرفتنا بوجود سحاب في السماء فهي معرفة مستدلة بطريقة استقرائية ومع تمسّك المذهب الذاتي بوجود بداية للمعرفة حتى لا يلزم التراجع إلى ما لا نهاية. لا يقر بأن تكون هذه البدايات ضرورية ويتصور المذهب الذاتي المعرفة الأولية احتمالية في مجالين: المجال الأول: مجال

١- م. ن، ص٤٧٢.

٣٠
الخبرة الحسية والثاني مجال القضايا العقلية الأولية التي يكون ثبوت المحمول فيها للموضوع ثبوتاً مباشراً دون حدّ أوسط. هذه القضايا التي لا يمكن اثباتها باستنباط عقلي قد تكون متقدمة بدرجة عالية من التصور وكذلك بدرجات أقل (وما دامت بعض المعارف الأولية بالامكان ان تحصل بقيم احتمالية في البداية فمن الممكن تنمية هذه القيم الاحتمالية وفقاً لنظرية الاحتمال فكلما وجدت احتمالات تتضمن تلك المعرفة الأولية ازدادت قيمتها الاحتمالية)(١).

هذا تمام الكلام في تحديد الفوارق بين المذهب العقلي والمذهب الذاتي أما أهم الاختلافات بين الأخير والمذهب التجريبي فهي:

أولا: إن المذهب الذاتي كما رأينا يؤمن بمعارف عقلية قبلية في حين ينكر التجريبيون كل معرفة غير نابعة من الحس والتجربة فهم يعتقدون أن التجربة هي الأساس العام الوحيد الذي يمون الانسان أي معارف قبلية بصورة مستقلة عن التجربة وحتى ما يبدو في أعلى درجات التأصل في النفس البشرية قضايا الرياضة والمنطق نظير (١ + ١ = ٢) يرجع في التحليل إلى التجربة التي عاشها الإنسان على مرّ الزمن)(٢).

وفي ضوء تلك فان بدايات المعرفة عند التجريبيين جزئية فلا مجال لنلتقي بقضية كلية تتجاوز نطاق الخبرة الحسية المباشرة.

ويناقش الصدر المذهب التجريبي في قاعدته هذه مناقشة تفضح تهافتها: (يلاحظ إلى جانب ذلك تهافتاً منطقياً في ايمان التجريبيين بمذهبهم القائل إن التجربة هي المصدر الأساسي لكل المعارف البشرية لأن هذا القول نفسه قضية يعمم فيها الحكم على كل معرفة فهل هذه القضية مستمدة من مصدر قبلي بصورة مستقلة عن التجربة

١- م. ن، ص٥٠٤.

٢- م. ن، ص٤٨٠.

٣١
أو أنها مستمدة من التجربة كأي قضية أخرى؟ فإن افترض المذهب التجريبي أنها مستمدة من مصدر قبلي فقد اعترف على هذا الأساس بكذبها وبوجود معرفة قبلية وان افترض أنها تقوم على أساس التجربة والخبرة الحسية فيجب أن يعترف بأنها قضية محتملة فقط ولا يمكنه أن يؤكدها تأكيداً كاملا لأنه يرى أن أي تعميم لمعطيات الخبرة والتجربة لا يمكن أن يحظى إلاّ بدرجة احتمالية من التصديق وهذا يعني ان التجريبيين يحتملون ان المذهب العقلي على حق)(١).

ولذلك فإن المذهب التجريبي يتحير في ضبط الفوارق بين قضايا العلوم الطبيعية وقضايا الرياضيات ففي النوع الأول لا يستطيع المذهب التجريبي أن يبرّر التعميم الاستقرائي لأنه كما بين الصدر هذا التعميم قائم على أساس مصادرات حساب الاحتمال وهذا ما لا يعترف به المذهب التجريبي. ومن جهة أخرى: إن أي موقف يتخذه المذهب التجريبي للتمييز بين قضايا الرياضيات والقضايا الطبيعية يكون محرجاً له: فإن أقر بأن هناك فوارق وأن قضايا الرياضة لها امتيازها الخاص وتعيينها فإن هذا لا يمكن التسليم به إلاّ على أساس أنها ليست استقرائية وأنها عقلية قبلية.

وإن أنكر التمايز بينها فإن هذا خلاف الوجدان وثبوت الاختلاف بين النوعين من القضايا إذ (أن اليقين بالحقيقة الرياضية يصل منذ اللحظة الأولى من إدراكها إلى درجة كبيرة لا يمكن تجاوزها بينما نجد اعتقادنا بالقضايا الطبيعية يزداد باستمرار كلما تظافرت التجارب وأكدت صدق القضية وموضوعيتها)(٢).

ثانياً: هذا الفارق الأول وأما الفارق الثاني إن قضايا الرياضة والمنطق تبدو يقينية بدرجة لا يمكن أن نتصور إمكان الشك فيها بينما يمكن أن تشك في القضايا الطبيعية مهما كنا متأكدين من صدقها.

١- م. ن، ص٤٩٧.

٢- م. ن، ص٤٨٥.

٣٢
وثالثاً: ان قضايا العلوم الطبيعية لا تتجاوز حدود التجربة بمعنى إذا تصورنا عالماً آخر غير عالمنا فان هذه القضايا ليست بالضرورة صادقة هناك.

ولكن القضايا الرياضية والمنطقية تتجاوز كل عالم نتصوره فـ ١ + ١ = ٢ صحيحة في أي عالم نتصوره فالتعميم يتعدى العالم الذي نعيشه.

لما واجه المذهب التجريبي هذه المشكلة (التفريق بين القضايا الرياضية والقضايا الطبيعية) اضطر إلى قبول نفي الفوارق وصارت حينئذ المعارف الرياضية احتمالية وثبت بذلك فشل المذهب التجريبي في تفسير المعرفة البشرية. من هنا حاول المنطق الوضعي تفسير الفروق بين هذين النوعين من القضايا (الرياضية والطبيعية) على أساس التفريق بين القضايا الإخبارية والقضايا التكرارية، فالقضية الاخبارية كل قضية تمنحنا علماً جديداً ويكون وصف الموضوع بوصف ما غير مستبطن في الموضوع نفسه، أما القضية التكرارية فهي القضية التي لا تضيف علماً جديداً بل يكون المحمول تكرار لعناصر الموضوع بعضها أو كلها: وهكذا فالقضايا الرياضية ترجع إلى القضايا التكرارية والقضايا الطبيعية إخبارية. وإن كان الوضعيون ميزوا بين قضايا الرياضة البحتة والقضايا الرياضية التطبيقية من قبل هندسة اقليدس فالأخيرة إخبارية أما الرياضية البحتة فهي تكرارية وكذلك يقينية لانها خالية عن الإخبار.

وناقش (باقر الصدر) هذه المحاولة بأن افترض كون القضايا الرياضية البحتة تكرارية كلها لا يكفي لحل المشكلة ولانه يبقى السؤال قائماً: لماذا اليقين والضرورة في القضايا التكرارية؟ ويركّز الصدر على مبدأ عدم التناقض الذي هو أساس الضرورة واليقين في القضايا التكرارية فكيف يفسّر المذهب الوضعي الضرورة واليقين في نفس هذا المبدأ من الطبيعي انه لا يمكن تفسير المبدأ إنه قضية تكرارية لأن المبدأ لا يعبّر عن نفسه بقضية إخبارية فهو يحكم بالاستحالة: (اجتماع النقيضين مستحيل وهذه الاستحالة لا تستخرج من نفس مفهوم اجتماع النقيضين لانها ليست من عناصر هذا

٣٣
كتاب التجديد الكلامي للأستاذ الأسعد بن علي (ص ٣٤ - ص ٥٠)
٣٤
ثانوية يحصل عليها العقل على أساس التوالد الذاتي تمر بمرحلتين إذ تبدأ أولا مرحلة التوالد الموضوعي وفي هذه المرحلة تبدأ المعرفة احتمالية وينمو الاحتمال باستمرار ويسير نمو الاحتمال في هذه المرحلة بطريقة التوالد الموضوعي حتى تحظى المعرفة بدرجة كبيرة جداً من الاحتمال غير ان طريقة التوالد الموضوعي تعجز عن تصعيد المعرفة إلى درجة اليقين وحينئذ تبدأ مرحلة التوالد الذاتي لكي تنجز ذلك وترتفع بالمعرفة إلى مستوى اليقين)(١).

والتعميمات الاستقرائية كلها تمر بهاتين المرحلتين:

مرحلة أولى: يعتمد فيها المنهج الاستنباطي والمرحلة الثانية: يعتمد طريقة التوالد الذاتي لتصعيد المعرفة الاستقرائية إلى درجة اليقين. ففي المرحلة الأولى يقوم (الدليل الاستقرائي) على أساس التوالد الموضوعي للفكر وتسمى هذه المرحلة بالمرحلة الاستنباطية في الدليل الاستقرائي لأن الدليل في هذه المرحلة يمارس عملية استنباط عقلي وفقاً لقواعد التوالد الموضوعي للفكر التي يحدّدها المنطق الصوري والدليل الاستقرائي في هذه المرحلة ينمي احتمال التعميم الاستقرائي ويصل به إلى أعلى درجة من درجات التصديق الاحتمالي مستنتجاً تلك الدرجة بطريقة استنباطية من المبادىء والبديهيات(٢).

ولذلك اعتبر باقر الصدر أن درجة احتمال المبرهن عليها في هذه المرحلة قضية مستنبطة ودرس في (الأسس) خطوات هذه المرحلة وشروطها مستدلا على ان التعميم الاستقرائي في هذه المرحلة الأولى لا يحتاج إلى مصادرات إضافية سوى مصادرات نظرية الاحتمال نفسها ويحتاج إلى افتراض عدم وجود مبرر قبلي لرفض علاقة السببية بمفهومها العقلي (استحالة الصدفة) (وهذا لا يكلف الدليل الاستقرائي

١- م. ن، ص١٤١.

٢- م. ن، ص٢٥١.

٣٥
أي اثبات مسبقاً لأن الرفض هو الذي يحتاج إلى اثبات وأما عدم الرفض القبلي فيكفي له عدم وجود مبرّر للرفض)(١).

ولأجل ذلك لا يصلح الدليل الاستقرائي في المرحلة الاستنباطية لمن يرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي رفضاً كاملا ولا يمكن له أن يفسّر الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية ولذلك يفرق صاحب النظرية بين من يبدأ هذه المرحلة وعند احتمال استحالة الصدفة المطلقة فهذا يمكنه أن يثبت بدرجة كبيرة من الاثبات من هذه الاستحالة بنفس الدليل الاستقرائي خلافاً لمن يبدأ من الاعتقاد بأن كل ما يوجد فهو صدفة ويرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي فإنه لا يمكنه أن ينمّي احتمال القانون السببي بالدليل الاستقرائي(٢). ويحلل باقر الصدر كل المبررات التي تقدمها بعض الاتجاهات لرفض مبدأ السببية: المبرر المنطقي للمدرسة الوضعية، والمبرر الفلسفي لدى التجريبيين والمبرر العلمي لدى الفيزيائيين الذريين... الخ.. ويناقش كل هذه المبررات وينفي أي مبرر قبلي لرفض السببية وبالتالي يحافظ على هذا المبدأ.

ولابدَّ من الاشارة ان (المرحلة الاستنباطية) لا تنحصر فقط في تعميم ورفع درجات التصديق بشيء نعلم ثبوته من خلال تجربة بل يشمل أيضاً شيئاً مشكوكاً ومحتملا بدرجة محدّدة... إن الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية تارة يواجه شيئاً ثابتاً نعلم بوجوده خلال التجربة فينمي قيمة احتمال سببيته وليطلق عليه اسم (الشكل الأول من الاستدلال الاستقرائي) وأخرى يواجه شيئاً مشكوكاً ومحتملا بدرجة محددة على أساس علم اجمالي قبلي فيتجه إلى تنمية احتمال وجوده على أساس علم اجمالي آخر وتطبيق قاعدة الضرب أو بديهية الحكومة ولنطلق عليه اسم الشكل الثاني من الاستدلال الاستقرائي)(٣).

١- م. ن، ص٣٠١.

٢- م. ن، ص٣٠١.

٣- م. ن، ص٣٤٠.

٣٦
أما المرحلة الثانية من الدليل الاستقرائي المرحلة الذاتية فإن القضية الاساسية التي تواجهنا كيف يتحول التصديق الاجمالي القوي الذي أدركناه في المرحلة الأولى إلى حالة يقين؟ للاجابة عن هذا التساؤل يميز باقر الصدر بين ثلاثة معان لليقين:

أ) اليقين المنطقي: العلم بقضية معينة والعلم بأنه من المستحيل الا تكون القضية بالشكل الذي علم.

ب) اليقين الذاتي: جزم الإنسان بقضية من القضايا بشكل لا يراوده أي شك أو احتمال للخلاف فيها.

وليس من الضروري في اليقين الذاتي ان يستبطن أي فكرة عن استحالة الوضع المخالف لما علم.

ج) اليقين الموضوعي: التصديق بأعلى درجة ممكنة على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع ما تفرضه المبررات الموضوعية.

فالفرق بين اليقين الذاتي والموضوعي أن الأول هو التصديق بأعلى درجة ممكنة سواء وجدت مبررات لذلك أم لا أمّا الثاني فهو أن تصل بك المبررات الموضوعية إلى الجزم.

(فاليقين الموضوعي له طابع موضوعي مستقل عن الحالة النفسية والمحتوى السيكولوجي الذي يعيشه هذا الإنسان أو ذاك فعلا أما اليقين الذاتي فهو يمثّل الجانب السيكولوجي من المعرفة)(١)، واليقين الذي تتكفّل به المرحلة الذاتية هو اليقين الموضوعي. وهذا ما فات بعض الدارسين أن يلتفتوا إليه فالتبس عليهم الأمر فلم يدركوا قيمة المذهب الذاتي وتخيلوا ان المذهب الذاتي يرجع المعرفة إلى سيكولوجية صرفة لا علاقة لها بالمبررات الموضوعية(٢) مع أن باقر الصدر حاول في أكثر من

١- م. ن، ص٣٦٠.

٢- انظر: مناظرة في الأسس المنطقية للاستقراء في ضوء دراسة الدكتور سروش واشتباهات هذا الأخير.

٣٧
مورد دفع هذا التوهّم ومن بينها هذا المقام الذي أكد فيه أن المرحلة الذاتية تتكفّل إثبات اليقين الموضوعي. وفي مقام آخر يقول شارحاً طريقة التوالد الذاتي: (إنها لا تقوم على أساس التلازم الموضوعي بين القضية المستنتجة التي تمثّل مقدمات لها: (ولكن هذا لا يعني فسح المجال لاستنتاج أي قضية من أي قضية أخرى على أساس التوالد الذاتي دون تقيد بالتلازم بين القضيتين فنستنتج مثلا ان زيداً قد مات من أن الشمس طالعة وأن حجم الأرض أكبر من حجم القمر من أن الأرض تشتمل على معادن كثيرة فإن هذا يؤدي إلى جعل طريقة التوالد الذاتي مبرراً لأي استدلال خاطىء وليس هذا ما نقصده عندما نقرّر هذه الطريقة إلى جانب طريقة التوالد الموضوعي)(١). وبذلك يضع باقر الصدر يده على سرّ الحاجة إلى المنطق الذاتي لكي نميز بين الشروط التي تجعل طريق التوالد الذاتي معقولة عن غيرها.

كما هو الحال عندما احتجنا إلى المنطق الصوري لنعرف صيغ التلازم بين القضايا التي تجعل طريقة التوالد الموضوعي صحيحة (أشكال القياس).

ولأجل تحقيق اليقين الموضوعي في المرحلة الذاتية لابدّ من مصادرة مؤادها ان هناك درجات من التصديق الموضوعي غير مستنبطة بل بديهية أولية لأنه إذا لم تكن هناك درجات تتمتع بالصحة الموضوعية بصورة مباشرة لا يمكن أن توجد درجات مستنبطة ومن هنا انطلقت الحاجة والبحث نحو صياغة هذه الخطوة التي يحتاجها الدليل الاستقرائي في المرحلة الثانية لكي يبرّر حصول أعلى درجات التصديق الموضوعي وهي الجزم واليقين، هذه المصادرة التي نفسّر بها الدليل الاستقرائي ترتبط بالمعرفة ولا علاقة لها بالواقع الخارجي ولخصها السيد الصدر في قوله: (كلما تجمع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور واحد فحصل هذا المحور نتيجة لذلك على

١- محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للاستقراء، ص١٤٠.

٣٨
قيمة احتمالية كبيرة فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول ضمن شروط معينة إلى يقين فكأن المعرفة البشرية مصممة بطريقة لا تسمح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتمالية الصغيرة جداً فأيّ قيمة احتمالية صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتمالية الكبيرة المقابلة وهذا يعني تحول هذه القيمة إلى يقين، ويؤكد باقر الصدر أن هذا التحول والفناء للقيمة الصغيرة في القيمة الكبيرة وتحول الاخيرة إلى يقين يفرضه التحرك الطبيعي للمعرفة البشرية ولا يمكن تفاديه على خلاف اليقين الناشىء من عوامل نفسية صرفة فقد تتحول بعض القيم الاحتمالية الصغيرة إلى يقين بسبب عوامل نفسية من قبيل التشاؤم والتفاؤل أو غير ذلك فقد يتحول احتمال الوفاة عند شخص مقدم على عملية جراحية إلى يقين بسبب التشاؤم الذي يسيطر على نفسه ولكن هذا اليقين يمكن ازالته إذا تحرر الشخص من نزعته النفسية وحصر اتجاهه في النطاق الفكري فحسب وأما اليقين الذي تفترضه المصادرة فهو يقين لا يتاح إزالته ما دام الإنسان سوياً في تفكيره مهما حصر اتجاهه في النطاق الفكري وتحرّر من العوامل الدخيلة)(١).

هذه باختصار ملامح نظرية المذهب الذاتي في المعرفة مع تحليل لطريقة التوالد الذاتي في المعرفة ولقد بسطنا الكلام فيها حتى نمتلك رؤية واضحة لِما لَهَا من أهمية في النظريات الجديدة لباقر الصدر لا في مجال علم الكلام فحسب والبحث العقائدي بل ان هذه النظرية اعتمدها الصدر في فروع شتى من العلوم الإسلامية كعلم الاصول مثال ذلك تطبيقها في بحثه عن وسائل الاثبات الوجداني للدليل الشرعي حيث يفسّر التواتر والاجماع والشهرة استناداً إلى نظرية المذهب الذاتي وتراكم القيم الاحتمالية على محور واحد.

ومن تطبيقات هذه النظرية في علم العقائد نرصد أكثر من مثال كإثبات الصانع

١- م. ن، ص٣٦٩.

٣٩
بالدليل الاستقرائي، إثبات النبوة، اثبات ولاية (الإمام علي) بحساب الاحتمالات في بحث حول الولاية، إثبات امامة (المهدي) رغم صغر سنه بتراكم الاحتمالات.. الخ وسنقف تفصيلياً مع بعض هذه النماذج في الفصل الثالث من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

النقلة المنهجية الثانية:

من الاتجاه التجزيئي إلى المنحى التوحيدي الموضوعي

لم يفتأ باقر الصدر في مواطن عديدة، ينتقد المنهج التجزيئي المعتمد في تحليل القضايا وطرح المسائل حيث أن الرؤية التجزيئية كثيراً ما تجني على الفكرة وتسيء إليها، لأنها تقدمها مشوهة ومنقوصة وأحياناً تحملها ما لا تريده، والمتتبع للتراث الكلامي يلحظ بيسر ما لهذه النزعة التجزيئية في التعامل مع النص من نتائج وخيمة وعلى التفكير العقائدي بسبب النتائج الخاطئة أحياناً وغير الدقيقة أحياناً أخرى التي تؤدّي إليها.

فالنظرة التجزيئية هي التي جعلت بعض الاتجاهات تتجمد في حدود حرفية بعض الآيات لتثبت لله يداً ورجلا ووجهاً، وتنسب له الاستواء على العرض بمعانيها الحقيقية غافلين عن الآيات المحكمة الأخرى والكثيرة التي تنزّه الله عن الجسمية والتشبيه وتجزم أنه (ليس كمثله شيء) وأنه (ولا يحيطون به علماً).

لقد تغلغلت هذه النزعة وحطمت الوحدة الموضوعية للمقطع القرآني الواحد أحياناً بعزل الآيات عن سياقها فيستشهدون بقوله عزوجل (والله خلقكم وما تعملون )(الصافات: ٩٦) لإثبات أن الله خالق أفعال العباد في حين أن الآية أجنبية عن هذا المدلول إذ أنها تتحدّث عن الأصنام بما هو عمل من أعمال العباد وفي النهاية هو خلق الله يقول تعالى: (قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) (الصافات: ٩٥ ـ ٩٦)، إن

٤٠