×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الأمثلة على هذا الاتجاه التجزيئي عديدة جداً... وبمثل هذا الاتجاه تم التعامل مع أصول الدين كمبادىء منفصلة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر. فالتوحيد أصل وحده والنبوة أصل والمعاد أصل.. وغابت الرؤية الترابطية لهذه الأصول والعلاقة فيما بينها.. وغدت هذه الوحدة الموضوعية بين الأصول مسكوت عنها طوال هذا التاريخ العريق لعلم الكلام.

لقد حاول باقر الصدر (واعتقد انه نجح في محاولته)، أن يتجاوز هذا الطوق الذهني والقيد الفكري الذي حجب عن المؤمنين اكتشاف العلاقات بين هذه الاصول بل بين مفردات الأصل الواحد نفسه. تعرض الصدر لمشكلة المنهج التجزيئي وعالجها في معرض محاضراته القرآنية (المدرسة القرآنية) عندما نادى بتأسيس (النهج الموضوعي التوحيدي في التفسير) مقابل التفسير التجزيئي وهذه المعالجة وإن كانت متصلة مباشرة بميدان التفسير لكن يمكن أن يستفاد منها في المجال العقائدي لأن العقلية التجزيئية واحدة هنا وهناك والمنحى نفسه. وبالتالي فإن تجاوز هذا الاتجاه هناك يعني تجاوزه هنا بالتبع. اضافة إلى ان النصوص القرآنية تتضمن جملة من أدلة المتكلمين فتنعكس طريقة تعاملهم مع الآيات وآليات تفسيرهم على نتائج بحوثهم ولقد ضرب الصدر بالفعل أمثلة من مجال العقيدة للتدليل على اهمية المنهج الموضوعي يقول: (فالمنهج التجزيئي في التفسير حيث أنه كان يستهدف فهم مدلول (الله) حيث أن فهم مدلول (الله) كان في البداية متيسراً لعدد كبير من الناس ثم بدأ اللفظ يتعقد من حيث المعنى بمرور الزمن وازدياد الفاصل وتراكم القدرات والتجارب وتطور الاحداث والأوضاع من هنا توسع التفسير التجزيئي تبعاً لما اعترض النص القرآني من غموض ومن شك في تحديد مفهوم (الله) حتى تكامل في الطريقة التي نراها في موسوعات

٤١
التفسير)(١).

ولم يكن غياب المنهج التوحيدي ظاهرة تمسح كل العلوم، حيث استفادت بعض العلوم من المنهج الموضوعي، (وأكثر ظني ان الاتجاه التوحيدي والموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره ساعد بدرجة كبيرة على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية حتى تكاد تقول ان قروناً من الزمن متراكمة مرت بعد تفاسير الطبري والرازي والشيخ الطوسي ولم يحقق فيها الفكر الإسلامي مكاسب حقيقية جديدة)(٢).

إن الاتجاه الموضوعي التوحيدي يمتاز عن نظيره التجزيئي بخصلتين اساسيتين أشار إليهما الباحث:

أولا: ان الاتجاه التجزيئي دوره تجاه النص سلبي حيث يبدأ بتناول النص القرآني ويحاول أن يجد مدلول النص فيما يسعفه به اللفظ مع ما يتاح له من قرائن متصلة ومنفصلة فدور المفسّر هنا دور المصغي والمتفهم والمتلقي فالقرآن يعطي بمقدار ما يفهم هذا المفسر من مدلول خلافاً لذلك المفسّر الموضوعي التوحيدي فإنه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة يركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الانساني من حلول ما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ ثم يأخذ النص القرآني لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع فحسب بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً ويبدأ مع النص عملية استنطاق وهو يريد من كلّ ذلك اكتشاف موقف القرآن من القضية

١- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، دار التعارف، ص١٠.

٢- م. ن، ص١٨.

٤٢
المطروحة وصياغة النظرية القرآنية حول الموضوع.

ثانياً: إن الاتجاه الموضوعي لا يكتفي بالمدلولات التفصيلية للنص وإنما يسعى جاداً لاكتشاف الرابط الموضوعي التي تشد النص إلى مركب نظري تحتل في حدوده كل واحد من تلك المدلولات التفصيلية موقعها المناسب وهذا ما يُسمى بالنظرية. فالاتجاه الموضوعي هو السبيل للوصول إلى نظريات الإسلام في النبوة وسنن التاريخ والتغير الاجتماعي.. الخ.

وقد يثار في المقام تساؤلٌ حول اهمية هذا المنحى بلحاظ أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) نفسه لم يعط هذه النظريات تفصيلياً وإنما منح للمسلمين نصوصاً وأحكاماً كما هي متناثرة بين أيدينا ويرد باقر الصدر عن هذا السؤال بأن الصحابة وان كانوا لم يتعلموا هذه النظريات تفصيلا ولم يتلقوها كذلك ولكنهم تلقوها إجمالياً وارتكازياً ورسخت في أفكارهم ووجدانهم (كان المناخ العام الاطار الاجتماعي والروحي والفكري الذي يعتبرونه مساعداً على تفهّم هذه النظريات ولو تفهماً إجمالياً وعلى توليد المقياس الصحيح في مقام التقسيم. أما حين لا يوجد ذلك المناخ، أما حيث لا يوجد ذلك الإطار إذن تكون الحاجة إلى النظريات يعني الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن والإسلام.. خصوصاً مع بروز النظريات الحديثة من خلال التفاعل بين انسان العالم الإسلامي وانسان العالم الغربي بكل ما يملك من رصيد عظيم ومن ثقافة متنوعة في مختلف مجالات المعرفة البشرية)(١).

إن هذا التفاعل بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي جعل المسلمين وجهاً لوجه مع نظريات كثيرة ولكي نحدد موقف الإسلام من هذه النظريات (كان لابد أن يستنطق نصوص الإسلام ويتوغل في أعماق هذه النصوص لكي يصل إلى مواقف الإسلام

١- م. ن، ص٣٦.

٤٣
الحقيقية)(١).

وكتطبيق لهذا المنهج الموضوعي في بحوثه العقائدية يمكن أن نتلمس موارد عديدة لكننا نكتفي بمثالين لهذا التطبيق يتضح من خلالهما الثمرات العلمية والمنهجية الهامة لهذا الطبيق.

المورد الأول: التحليل الموضوعي والقراءة التوحيدية الترابطية لمفردات اللوحة الخماسية لأصول الدين.

المورد الثاني: التحليل الموضوعي الترابطي لحياة الأئمة الاثني عشر.

المورد الأول:

عندما طبق الصدر هذا المنهج الموضوعي تبين أن اصول الدين في وحدتها الترابطية تمثّل رؤية في فلسفة التاريخ وقاعدة لنظام اجتماعي مميز يعتمد صيغة رباعية في العلاقات الاجتماعية عكس كل النظريات الوضعية التي تستند إلى صيغة ثلاثية لقد كشف باقر الصدر عن اللوحة الخماسية (التوحيد ـ العدل ـ النبوة ـ الإمامة ـ المعاد) رؤية حضارية تقدمية تختزن داخلها كل مقدّمات الدفع والتحريك والتغيير (فالتوحيد) يقدم مثلا أعلى مطلقاً هو الله عزوجل وهو اللامتناهي من جميع الجهات وهذا ما يجعل المسيرة البشرية تصاعداً لا يهدأ ولا يفتر: (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كَدْحاً فملاقيه) إن عقيدة التوحيد تؤمن بمثل أعلى خارج الساحة التاريخية مما يجعل المسيرة.. في دفع متواصل مستمر وكلما قطعت شوطاً انفتحت امامها اشواطاً جديدة وهذا هو التغيير الكمي الذي يطرأ على مسيرة البشر باعتناقها التوحيد واتخذها (الله) مثلا أعلى مطلقاً. وهناك أثر آخر هام وهو الأثر الكيفي للتوحيد

١- م. ن، ص٣٧.

٤٤
والمتمثل في حل الجدل الداخلي للإنسان والصراع بين متطلبات ذاته وشهواته وغرائزه وبين ما تستوجبه القيم والتعاليم الدينية فالتوحيد يعطي الرؤية الفكرية والايديولوجية الواضحة التي تلبّي كل الطموحات وكل الغايات في مثل أعلى.

(والعدل) كصفة من صفات الله.. لها ميزتها الاجتماعية حَيْثُ تساهم بفعالية في توجيه البشرية وحمايتها من السقوط في متاهة الظلم والنبوة توفر قاعدة الاتصال والرابطة الموضوعية بين الانسان والمثل الاعلى: هذه الصلة التي توجه فيها هذا المثل الأعلى البشرية من خلال انبيائه ويهديهم إلى سبيل السعادة والرفاه. (والامامة) هي الامتداد القيادي للأنبياء في حياة الناس، والحاجة إليهم تنبع من الحاجة في استمرارية رسالة الثورة التي يقوم بها الأنبياء في مجتمعاتهم ولا يستكملونها أما (المعاد) فهو الركيزة التي تمنح الإنسان الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية (اذن اصول الدين في الحقيقة وبالتعبير التحليلي على ضوء ما ذكرناه هي كلها عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى وفي إعطاء تلك العلاقة الاجتماعية بصيغها القرآنية الرباعية)(١).

المورد الثاني:

في هذا المجال يطبق باقر الصدر المنهج الموضوعي على حياة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فيتجاوز التقليد السائد في دراسة سيرة الأئمة ويسعى لاكتشاف الخيط الرفيع الذي يشدّ حلقات هذا الخط الإلهي الممتد والمستمر في التاريخ لأن المدارس الكلاسيكية تدرس عادة الأئمة بشكل تجزيئي وتفصل مرحلة كل إمام عن الإمام الذي يسبقه والذي يليه ولا تهتم بالأهداف التخطيطية المشتركة التي يلتقي حولها أكثر من إمام ولا تحاول

١- م. ن، ص١٩٩.

٤٥
أن تعطي تفسيراً مَنْطقياً لهذا الاختلاف في الأدوار بين الأئمة(عليهم السلام) ولذلك توحي هذه الدراسات بصورة يمزقها التناقض بين الأئمة أنفسهم فلا نفهم كيف يصالح الحسن(عليه السلام)بينما يثور الحسين ويلجأ الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى الدعاء بينما يتجه الباقر(عليه السلام)والصادق(عليه السلام) إلى الفقه والحديث... (فإذا قمنا بدراسة أحوال الأئمة، على المستويين (التجزيئي والترابطي) فسوف نواجه على المستوى الأول اختلافاً وتبايناً في السلوك وتناقضاً من الناحية الشخصية في الأدوار التي مارسها الأئمة(عليهم السلام))(١) وأما على المستوى الثاني وباعتماد النهج الترابطي فانه ستزول كل هذه الاختلافات لانها تبدو حينئذ مجرد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة تنوعت تمثلاتها وفقاً لاختلاف الظروف والملابسات التي مر بها كل إمام(عليه السلام) ويستدل باقر الصدر على الدور المشترك بأمرين أساسيين:

أ ـ تكرر ظواهر في حياة الأئمة: يذكر الصدر منها: استشهاد الإمام علي بنصوص الإمامة وتكرر الموقف نفسه من قبل الإمام الحسن والحسين، والباقر(عليهم السلام) الخ...

ب ـ عقيدة الإمامة يترقى الصدر أكثر في مجال الاستدلال على الدور المشترك حيث يؤكد أن هذه الفرضية مما تفرضه عقيدة الإمامة (وفي عقيدتي أن وجود دور مشترك مارسه الأئمة جميعاً ليس مجرد افتراض يبحث عن مبرراته التاريخية وإنما هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات لأن الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها فيجب أن تنعكس انعكاساً واحداً في شروط الأئمة(عليهم السلام)وأدوارهم مهما اختلفت أدوارهم الطارئة بسبب الظروف والملابسات ويجب أن يشكل الأئمة بمجموعهم وحدة مترابطة الاجزاء ليواصل كل جزء من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله)(٢).

١- محمد باقر الصدر، أهل البيت: تنوع أدوار ووحدة هدف، دار التعارف، ص١٤١.

٢- م. ن، ص١٤٢.

٤٦
يمثل هذا الاتجاه الذي يؤسس له باقر الصدر أيضاً ضرورة لتبين الدور الايجابي الرسالي للأئمة(عليهم السلام) لأن التصور الشائع والسائد أن الأئمة لعبوا دوراً سلبياً في المستوى الرسالي الحركي نتيجة إقصائهم عن الحكم ولقد كرست النظرة التجزيئية هذا المعنى في أذهان الناس ولكن المنهج الجديد يكشف عن دورهم الكبير في خط الجهاد والرسالة (فالأئمة(عليهم السلام) بالرغم من إقصائهم عن مجال الحكم كانوا يتحملون باستمرار مسؤوليتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية وتحصينها ضد التردي إلى الهاوية هاوية الانحراف والانزلاق عن مبادئها وقيمها فكلما كان الانحراف يقوى ويشتد وينذر بخطر التردي إلى الهاوية كان الأئمة(عليهم السلام) يتخذون التدابير اللازمة ضد ذلك وكلما وقع في التجربة الإسلامية والعقيدية من محنة ومشكلة وعجزت الزعامات المنحرفة عن علاجها بحكم عدم كفاءتها بادر الأئمة(عليهم السلام) تقديم الحل ووقاية الأمة من الأخطار التي كانت تهددها)(١). وهناك دور مشترك آخر يشير إليه باقر الصدر: (هو جانب رعاية الشيعة بوصفهم الكتلة المؤمنة بالإمام(عليه السلام) والإشراف عليها بوصفها المجموعة المرتبطة به والتخطيط لسلوكها وحياتها وتنمية وعيها وإسعافها بكل الأساليب التي تساعد على صمودها في خضم المحن وارتفاعها إلى مستوى الحاجة الإصلاحية إلى جيش عقائدي وطليعة واعية)(٢).

في ظل هذا الاعتقاد بالدور الايجابي للأئمة(عليهم السلام) ووحدة هدفهم وتنوع ادوارهم وفق ما تمليه خصوصيات المرحلة الظرفية لكل امام يطرح باقر الصدر أَدْوَاراً ثلاثة أو مراحل ثلاث لخط الامامة في التاريخ.

ـ الدور الأول: مرحلة تفادي صدمة الانحراف نتيجة المسار الذي اتخذته الاحداث عقيب وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذه الصدمة التي تجرع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مرارتها والتي

١- م. ن، ص١٤٤.

٢- م. ن، ص١٤٤.

٤٧
كادت ان تعصف بالإسلام وأهله لولا الجهود التي بذلها ائمة أهل البيت(عليهم السلام) خصوصاً الإمام علي(عليه السلام) لتحصين الأمة والإبقاء على الرسالة نفسها.

يبدأ هذا الدور بعد وفاة الرسول ويستمر إلى حياة الإمام الرابع: زين العابدين(عليه السلام).

ـ الدور الثاني: بعد ان نجحت (الإمامة) في تحقيق الهدف المركزي من الدور الأول وتجاوزت الأمة الخطر الداهم على الرسالة وكل التحصينات ضد صدمة الانحراف تصل النوبة إلى هدف جديد وهو بناء الكتلة الخاصة أي الطليعة الشيعية التي تتمتع بدرجة أعلى من التحصين وتتوفر على عناصر أعمق من الوعي حتى تكون الفئة المتميزة على طريق حفظ الإسلام ومبادئه لقد أدى هذا الدور الإمام الباقر(عليه السلام) واستمر إلى زمان الإمام الكاظم(عليه السلام).

ـ الدور الثالث: ببناء الكتلة الطليعية الواعية والمجاهدة أصبح الأئمة بمقدورهم السعي الحثيث لاستلام السلطة ومن ذلك رهبة وخوف السلطات القائمة من أئمة أهل البيت في المرحلة التاريخية أكثر من أي فترة أخرى. لأنه بدا لهم أن قيادة الأئمة أصبحت على مستوى تسلم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام النقي مما صعد من مواجهة السلطة ومحاربتها للأئمة من زمن الكاظم(عليه السلام) إلى أيام الإمام العسكري والإمام المهدي (عج) الذي تواترت عن جده رسول الله(صلى الله عليه وآله)أخبار تفيد أنه سينتصر على كل الطواغيت ويملأ الأرض قسطاً وعدلا.

هذا الاعتقاد بتكامل أدوار الأئمة(عليهم السلام) يشكل الوجه الآخر لايمان الصدر بانبثاق قيادة أهل البيت(عليهم السلام) من رسالة النبي(صلى الله عليه وآله) وأنها الامتداد الطبيعي والاستمرار المستقبلي الضروري لولاية النبي(صلى الله عليه وآله) لحفظ الرسالة والبلوغ بالمسيرة الإسلامية أسمى غاياتها متمثلة في قيام مجتمع الحق والعدل الذي لا يشوبه ظلم ولا انحراف مجتمع يحقق الوعد الإلهي الصادق (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم

٤٨
من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) (النور: ٥٥).

النقلة المنهجية الثالثة:

من النزعة الثبوتية إلى الاتجاه التكاملي

ينعت الفكر الديني بالجمود وتحجر آلياته ويتفاخر الفكر المادي بأنه فكر متطوّر يدرس الطبيعة والمجتمع من منظور متحرك يرصد التحولات الحاصلة فلا ايمان بقضية مطلقة إلى الابد والحقيقة دائماً تتغير وتتبدل. ولقد أسست لهذا الأمر المادية قوانيناً طبقتها على الطبيعة والتاريخ خاصة المدرسة الماركسية التي طرحت المادية الجدلية (الديالكتيك) لتفسير الطبيعة والمادية التاريخية لفهم التاريخ فالتناقض والجدل هو أساس الحركة والتطور سواء على مستوى المادة أم على مستوى التاريخ.. إن الماركسية تتبجّح أنها حولت الجدل من أسلوب في المناظرة في المنطق القديم إلى منهج في تفسير الأشياء وقراءة الواقع وقانوناً كونياً شاملا قابلا للانطباق على الطبيعة والتاريخ (فالجدل الجديد عند الديالكتيكيين قانون للفكر والواقع على سواء ولذلك فهو طريقة للتفكير ومبدأ يرتكز عليه الواقع في وجوده وتطوره)(١). ويزعم المنطق الجدلي بأن أصحاب المنطق القديم عموماً والالهيين خصوصاً يستندون إلى ثلاثة مبادىء لا أساس لها من الصحة هي مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض ومبدأ السكون والجمود في الطبيعة الذي يرى الأشياء ساكنة جامدة لا تغير فيها لقد تجاوز المنطق الجدلي هذه الأسس والمبادىء الثلاثة وآمن بمبادىء أربعة أخرى: حركة التطور وتناقضات التطور وقفزات التطور وقانون الارتباط العام(٢).

لقد ناقش الصدر هذه المبادىء الأربعة في المصدر المشار إليه وأكد ان الالهيين لا

١- محمد باقر الصدر: فلسفتنا، دار التعارف، ص١٩١.

٢- انظر فلسفتنا من ص١٩٢ إلى ص٢٦٠.

٤٩
ينفون الحركة ولا ينظرون إلى الواقع عامة والطبيعة خاصة نظرة ستاتيكية جامدة بل إنهم يؤمنون بالتطور والتكامل وفق قانون الحركة التي هي (سير تدريجي وتطور للشيء في الدرجات التي تتسع لها امكاناته ولذلك حدد المفهوم الفلسفي للحركة بأنها خروج الشيء من القوة إلى الفعل)(١).

وعمقت الفلسفة الإسلامية نظرية الحركة على يد ملا صدرا(قدس سره) الذي أثبت أن الحركة لا تمس ظواهر الأشياء فحسب بل تمس صميم الطبيعة وجوهر الأشياء وهذه الحركة الجوهرية العميقة هي منشأ كل التغيرات والتبدلات التي تطرأ على الظواهر وهكذا يكشف الصدر أن الماديين في اتهامهم للميتافيزيقيين أو الالهيين بأنهم يعتقدون جمود الطبيعة وسكونها لا مبرر له سوى سوء فهم الماديين الديالكتيكيين للحركة بمعناها الفلسفي الصحيح.

ويفرّق باقر الصدر بين مفهوم الحركة عند الماديين والحركة في الفلسفة الإسلامية ويرجع الاختلاف إلى نقطتين اساسيتين:

ـ أولا: ان الديالكتيك يرى ان التناقض مفهوم أساسي للحركة فالصراع بين المتناقضات هو القوة الدافعة للتطور والحركة.

أما في المفهوم الفلسفي الميتافيزقي فان الحركة سير من درجة إلى درجة أعلى مختزنة داخل الشيء نفسه لكنها في حالة كمون.

ـ ثانياً: ان التطور الداخلي للأشياء لا يتوقف (كما رأينا) في حدود الطبيعة وانما يتعدّى إلى عالم الافكار والمفاهيم التي يراها التحليل الماركسي انعكاساً للواقع الخارجي فقوانين الديالكتيك هي القوانين العامة للحركة سواء في العالم الخارجي أو في الفكر البشري، وهذا ما لا توافق عليه الفلسفة الميتافيزيقية التي ترفض عموم

١- م. ن، ص٢٠٠.

٥٠
كتاب التجديد الكلامي للأستاذ الأسعد بن علي (ص ٥١ - ص ٦٦)
٥١
بمنأى عن قانون الحركة والتكامل لذلك فاتته دلالات مركزية هامة ومضامين عميقة لاصول الدين عبر تاريخ علم الكلام غير أن (باقر الصدر(قدس سره)) يحدث نقلة نوعية تثور على هذا الاطار الثبوتي السكوني ويعتمد منهجاً ديناميكياً تكاملياً. وهذا من شأنه أن ينتقل بالبحث الكلامي إلى مدارات جديدة لم يعهدها لهذه النقلة ان تقنن وتُقَعّد.

ولعل العديد من النتائج الجديدة التي وصل إليها الصدر في جملة من القضايا تعود إلى هذه النقلة المنهجية الهامة:

لقد دَرَس مفكرنا جملة من القضايا العقائدية عبر هذا المنظور التكاملي وأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن والتغير الذي يطرأ على نفس المفهوم، فتجاوز الاحكام الاطلاقية والتصورات الثبوتية. ويمكن أن نعطي لذلك نموذجين من نتاج الشهيد في هذا المضمار:

النموذج الأول: التوحيد وتكامل الوعي التوحيدي

في هذا المقام يحلل الصدر التوحيد لا كأصل ثابت وانما يدخل في حسابه عامل الزمن وتكامل النبوات المبشرة بالتوحيد فيرى أن الوعي التوحيدي بلغ أوجه مع رسالة الإسلام لأن القرآن قد أوصل الفكر الانساني إلى أعلى درجات التنزيه والتعظيم لله عزوجل (ليس كمثله شيء) (الشورى: ١١)، (وما قدروا الله حق قدره) (الانعام، ٩١)، ولم تبلغ الرسالة هذه المرحلة طفرة واحدة وإنما ارتقت بالوعي الديني تدريجياً بواسطة نبوات عديدة لتدرك هذه الدرجة العالية يقول الشهيد الصدر:

(ان فكرة التوحيد ليست ذات درجة حدية وانما هي بنفسها ذات درجات من العمق والاصالة والتركيز والترسخ فهذه الدرجات متفاوتة كان لابدّ بمقتضى الحكمة الإلهية أن يهيأ لها الإنسان بالتدريج هذا الانسان الذي غرق بمقتضى تركيبه العضوي والطبيعي

٥٢
في حسه ودنياه بالتدريج لكي ينفتح على فكرة التوحيد التي هي فكرة الغيب)(١).

ويستقرىء الصدر هذا التكامل للوعي التوحيدي عبر مقارنة بين أهم دينانتين سابقتين وبين الإسلام فيسجل أن التوحيد في التوراة يعطي فكرة اله لكن لا يستطيع أن ينزع عنه الطابع القومي المحدود وفي الانجيل صعدت فكرة الله مرتبة وذلك لانه تخلص من الطابع القومي واصبح الاله الهاً عالمياً ولكنه لم يجرد كلية وبقي أسير ذهنية الانسان الحسية وبهذا يعبّر الانجيل عن المسيح بأنه ابن الله ـ فالاله هو الأب لكل البشرية.. لكن القرآن يعطي لفكرة التوحيد مداها الاعظم من التنزيه والتجريد فيجرد الله عن أي علاقة مادية مع أي إنسان كان(٢).

النموذج الثاني: تكامل النبوات

إن إشكالية الثابت والمتغير أو الثابت والمتحول تطرح نفسها بقوة لا في المجال الفقهي والتشريعي فقط وانما تمتد لتفرض نفسها في المجال الفكري والعقائدي حيث يثار التساؤل القديم الجديد: كيف يعالج الدين بصيغته الثابتة وتعاليمه المحدودة المحصورة في صيغ معينة ومفاهيم محدودة وأحكام مخصوصة كل قضايا الانسان ومشاكله وهمومه وآفاقه على مدى الزمن التي لا يحدها شيء؟ لقد فحص هذه الاشكالية العديد من المفكرين الاسلاميين ولئن تعددت الاجابات إلاّ أنها تلتقي تقريباً حول نفس المبدأ(٣)، وهو أن تكامل الرسالات مهما امتد واستمر لابد أن ينتهي عند نقطة يبلغ معها نهايته ومن المستحيل أن يستمر إلى ما لا نهاية لابدّ أن نصل إلى رسالة خاتمة تختزن داخلها كل المقومات الاساسية لقيادة الانسان وهدايته وتستوعب كل

١- محمد باقر الصدر: أهل البيت (م. س) ص٣٩.

٢- انظر تفاصيل هذا التطور في كتاب: أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف ص٣٩ ـ ٤٠.

٣- لاحظ بحث الشهيد مطهري: ختم النبوة، ودراسة السيد الطباطبائي حول النظام الاجتماعي في الإسلام.

٥٣
الحلول لكل المشاكل والهموم التي يفرضها التقدم التقني والصناعي والاجتماعي.

لقد أجاب (باقر الصدر) عن السؤال السابق في بحثه (التغير والتجديد في النبوة) فاستعرض عوامل هذا التجديد وهي أربعة أسباب أساسية:

ـ أولا: أن تكون النبوة قد استنفذت اغراضها واستكملت أهدافها بأن تكون النبوة جاءت وصفة لمرض طارىء في المجتمع الانساني مرضاً من الناحية الفكرية أو الروحية أو خللا في النظم الاجتماعية، فحينئذ لا يمكن أن تصلح النبوة كوصفة مؤقتة لكل زمان ومكان مثل ذلك ما يقال عن المسيحية من أنها تحث إلى التركيز على النواحي الروحية نتيجة لإفراط بني اسرائيل في الانغماس في الدنيا.

ـ ثانياً: أن لا يبقى تراث يمكن أن يقوم على أساسه العمل والبناء ويمكن تصور ذلك في فرض موت النبي وتولد ظروف وانحرافات تعصف بالرسالة وتذهب التراث الروحي والمفاهيمي حينذاك تبقى النبوة مجرد مسألة تاريخية ولا يوجد في حياة الناس ما يجسد مفهومها ومنظارها إلى الحياة.

ـ ثالثاً: السبب الثالث لمحدودية الرسالة بأعتبار محدودية النبي نفسه فالأنبياء كغيرهم من البشر غير متساوين في درجات تلقيهم للمعارف الإلهية عن طريق الوحي فبعضهم غير مؤهل لأن يحمل هموم البشرية على الاطلاق في كل زمان ومكان بل هو مؤهل لأن يحمل هموم عصره فقط أو هموم مدينته أو هموم قبيلته فقط. (فإذا كانت النبوة محدودة بطبيعة هذا النبي كان لابد في خارج هذه الحدود الزمانية والمكانية من نبوة أخرى تمارس عملها في سبيل الله سبحانه)(١).

ـ رابعاً: تطور البشرية: فان هذا التطور يجعل الرسالة السابقة غير مهيأة لهداية الانسان الجديد وهنا يؤكد باقر الصدر على مفهوم تكامل الرسالات مصرّحاً بأن كل

١- محمد باقر الصدر: أهل البيت (م س)، ص٣٨.

٥٤
رسالة تهيء الانسان لرسالة جديدة فـ (فالانسان المدعو يتصاعد بالتدرج لا بالطفرة وينمو على مرّ الزمن في أحضان هذه الرسالات الإلهية فيكتسب من كل رسالة الهية درجة من النمو تهيئه وتعده لكي يكون على مستوى الرسالة الجديدة وأعبائها الكبيرة مسؤولياتها الأوسع نطاقاً)(١). ويحلّل باقر الصدر أبعاد ومستويات التطور البشري فيرجعها إلى ثلاثة أبعاد:

أ) الوعي التوحيدي.

ب) المسؤولية الاخلاقية في تحمل أعباء الرسالة.

ج) خط التقدم الفني والتقني والسيطرة على الطبيعة.

ويرى ان التطور بلغ اوجّه في البعد الأول (كما أشرنا في النموذج الأول) وكذلك في البعد الثاني حين ارتقت النبوات بالإنسان وعودته على التضحية في سبيل الرسالة إلى أن بلغ أعلى المراتب.

أما البُعدِ الثالث فهو خط متطور دائماً لا يمكن أن يتوقف لأن التقدم التقني والتكنولوجي الصناعي يمتاز بالتراكم الكمّي فكلما سيطر الإنسان على مجال ما في الطبيعة رمى بصره نحو ميدان آخر وهكذا.. وتغير النبوات قانون أو سنة ترتبط بالبعد الأول والثاني ولكنها لا تتأثر بالعنصر الثالث ولا تنفعل به وإلاّ لو كانت متوقفة عليه لكَانت النبوة متغيرة ومتجددة بين الحين والآخر خاصة في عصورنا الاخيرة حيث يشهد العالم نقلات سريعة في مجال التقدم العلمي والصناعي. ولكن لما كانت النبوة مرتبطة فقط بخط الوعي التوحيدي وخط المسؤولية الاخلاقية ولما بلغ هذان الخطان نهايتهما ختمت النبوة مع رسالة الإسلام التي تمثّل (رسالة شاملة كاملة عامة للحياة جاءت على أبواب وصول الإنسان إلى رشده الكامل من ناحية استعداده لتقبّل وعي

١- محمد باقر الصدر: أهل البيت (م س)، ص٣٨.

٥٥
توحيدي صحيح كامل شامل ومن ناحية تحمله لمسؤولية اعباء الدعوة)(١).

ولقد تصدّى أحد أبرز طلاب باقر الصدر(٢) لتعميق هذا المفهوم (تكامل النبوات) وحقب تاريخ الأنبياء وقسمه إلى مراحل عديدة مهدت لبلوغ الإنسانية أوج استعدادها لتلقّي الاطروحة الكاملة والنهائية التي ستطبق في المجتمع العالمي المنشود على يد صاحب العصر والزمان (عج).

وطرح أربع مراحل كنسق تكاملي يحكم تطور النبوات:

أ) النبوات العقائدية.

ب) النبوات التشريعية.

ج) النبوات القبلية.

د) النبوات العالمية(٣).

في التحليل السابق لاحظنا كيف تعامل باقر الصدر مع النبوة في تكاملها الزمني بلحاظ جذورها في التاريخ ويشهد له بحثه حول الولاية تعاملا مع نفس ظاهرة النبوة ولكن هذه المرة في تكاملها وامتدادها في المستقبل حيث اثبت بمنهجية فريدة مبتكرة قائمة على طريقة الاحتمالات ضرورة الولاية كإستمرار لخط النبوة في التاريخ وسنعود لهذه النقطة في الفصل الثالث من الدراسة بحول الله تعالى.

النقلة المنهجية الرابعة: الابعاد الاجتماعية للعقيدة:

من عقيدة الفرد إلى عقيدة المجتمع

بحكم المهام التي آمن بها المتكلمون وحددوها (ذكرناها في الفصل الأول) اصطبغ

١- م. ن، ص٤٣.

٢- هو السيد محمد الصدر: في موسوعة الإمام المهدي (عج): الجزء الرابع، اليوم الموعود.

٣- انظر تفاصيل وخصائص كل مرحلة في كتاب: اليوم الوعود للسيد محمد الصدر من ص٤٢٦ فما فوق.

٥٦
هذا العلم بصبغة تجريدية تستند على الجدل والتبكيت ومحاولة تبرير التناغم والانسجام بين معطيات العقيدة وضرورات العقل بعيدة نسبياً عن الواقع وعالم الانسان. لقد انقلبت وتحولت العلاقة الثنائية بين الانسان والعقيدة ففيما كانت هذه العلاقة في فجر الرسالة قائمة على اعتبار الوحي في خدمة الإنسان والدفاع عنه وعن قضاياه صار الإنسان في صراع جدلي حول الوحي بعيداً عن طموحاته وأهدافه والبحث الدؤوب عن حلول لِمَشاكل الحياة في مختلف مجالاتها.

هذه الاتجاه عمق من جانب آخر الصبغة الفردية لعلم الكلام حيث تعالج العقيدة كعقيدة فرد وتتعاطى مع قضية المسلم فيما يجب معرفته واعتقاده وتوسّعت هذه النزعة التجريدية بمنأى عن واقع الناس وهموم الجماهير بل استغرقت أكثر فأكثر في عالم خاص من المصطلحات والرموز والصياغات البرهانية.. تضخم مع مرور الأيام.. ليعلن الانفصال عن التحديات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تواجه المسلمين خاصة في عصرنا الحالي.

من هنا كان علم الكلام بحاجة إلى نقلة ثورية تعيده إلى مهمته الأساسية في نحت الانسان وهدايته انطلاقاً من قاعدة فكرية أساسية لأن العقيدة في قاموس الصدر هي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية إلى الكون وهذا لم يغب عن وعي العديد من زعماء الاصلاح في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حين اتفق هؤلاء حول اعطاء العقيدة عامة والتوحيد خاصة مدلوله الاجتماعي والسياسي في حياة المسلمين حتى ينفضوا عن أنفسهم غبار التخلف ويهبوا مندفعين نحو قيام مجتمع متحضر ومتقدم يحتل مكانة على الأرض بجدارة ولا يرضى بالهوان والضعف(١)، ويلتقي مع هؤلاء بعض المفكرين المحدثين أيضاً: (لقد

١- انظر أمين أحمد: زعماء الإصلاح في العصر الحديث.

٥٧
أدرك بعض المفكّرين المسلمين المحدثين إشكالية علم الكلام هذه فراحوا يبحثون عن علم كلام جديد إن أمكن القول علم للكلام يكون فيه للتوحيد وظائف جديدة ويكون علماً محرراً للإنسان وعلماً خالصاً صافياً من الشوائب والأكدار وان علماً تكون له هذه الخصائص بقادر حقاً على ان يدفع بأصحابه إلى الإمام)(١) وبقراءة هذه المحاولات الهامة في بناء هذه القواعد الجديدة يبدو مشروع باقر الصدر متميزاً لأنه قام على معالجة أصول الدين معالجة اجتماعية نهضوية تسعى أساساً لتقديم الدين كحل للمشكلة الاجتماعية والتوحيد كبرنامج ثوري ضد الظلم والجهل والانحراف والنبوة كصلة موضوعية بين الله والانسان تقود زمام هذه الثورة الالهية وتنتصر لطموحات البشر في الكمال والسعادة، لقد قرأ الصدر هذه الاصول الاعتقادية قراءة مستحدثة مستنيرة لم تفصل الله عن الانسان والسماء عن الأرض والاعتقاد عن الحياة.. والتصور عن العمل والحركة ان هذه الازدواجية بين الغيب والشهادة بين الأرض والسماء تتهاوى عندما تتحرك عقيدة الامة في اتجاه إلباس الأرض أطر السماء(٢) وتعميم روح المسجد على كل فضاء.

ان هذه النقلة الهامة يتحول معها الدين من شأن فردي وقضية شخصية إلى مشروع مجتمعي ويغدو حينذاك الملاذ الواقعي الصحيح لحل المشكلة الاجتماعية، ولا غرابة ان يعمد باقر الصدر لاحداث هذه النقلة إذا التفتنا إلى أن حل المشكلة الاجتماعية كان دائماً هاجسه الكبير لذلك حاول على طول مسيرته العلمية أن يؤسس النظريات الإسلامية التي تقدم حلولا لهذه المشكلة في ابعادها المختلفة: السياسية والاقتصادية والدستورية.. الخ.

لقد كان همه الأكبر الوصول إلى صياغة دقيقة متكاملة للنظام الاجتماعي الأصلح

١- فهمي جدعان: اسس التقدم، (مصدر سابق)، ص١٨٩.

٢- محمد باقر الصدر: منابع القدرة في الدولة الإسلامية (الإسلام يقود الحياة)، دار التعارف، ص٢٢٨.

٥٨
في بحث دؤوب عن الاجابة عن سؤال محوري هام: (ما هو النظام الذي يصلح للانسانية وشعوبها في حياتها الاجتماعية؟) هذه المشكلة متجذرة في أعماق تاريخ الانسان لأنها طغت على السطح منذ أن تشعبت النواة الأولى للمجتمع الانساني وظهر أفراد عديدون تتجاذبهم ميولات مختلفة وطموحات متفاوته وتجمعهم من جهة أخرى هموم مشتركة ومصالح موحدة.

ولكن الاحساس المعاصر بهذه القضية أقوى وأشد لأن الإنسان المعاصر يعي جيداً ان المشكلة هو الذي صنعها ولا تُعرض عليه من فوق إضافة إلى أن التراكم التاريخي للتجارب العديدة والنظم المختلفة والتي باء أغلبها بالفشل عمق في الوعي الانساني الحاجة إلى التمحيص والتدقيق في المسألة.

لقد ابدع باقر الصدر حقاً في مناقشة المدارس الكبرى التي طرحت حلا لهذه المشكلة وخاصة المدرسة الماركسية والرأسمالية في كتابيه (فلسفتنا واقتصادنا) وأبرز فشل هذين المذهبين في تشخيص حقيقة المشكلة وبالتالي في وصف النظام الذي يقود إلى السعادة والكمال والرفاه، ان الخطوة الأولى للوصول إلى النظام الاجتماعي الاصلح: دراسة جوهر المشكلة النابعة من طبيعة الإنسان والتي جبلت على حب الذات والأثرة أقوى الغرائز الإنسانية المؤثرة على المسار الاجتماعي ومن جهة ثانية: ان التواصل الانساني والعلاقات الاجتماعية يقتضيان التنازل عن جملة من المصالح الفردية ولا تستقيم حياة المجموعة إلاّ من خلال نظم حاكمة تحد من مصالح كل فرد لأجل الصالح العام: هنا يصطدم النظام الاجتماعي بهذه العقبة: كيف نوفق بين الدوافع الذاتية ومقتضيات الحياة الاجتماعية؟ سلكت الرأسمالية طريقاً ضحت معه بالمصالح الجماعية من أجل الفرد وسلكت الاشتراكية طريقاً موازياً: قمدت فيه مصالح الجماعة على الفرد وعمقت كل هذه الاتجاهات وغيرها الأزمة الاجتماعية ولم تحلها بسبب تفسيرها المادي للحياة ورؤيتها المحدودة للكون والإنسان ورسالته في الوجود مما

٥٩
جعل الإنسان أسير الحاجات المادية يعيش أزمة عميقة في نفسه نتيجة هذا التمزق الشديد بين الفرد والجماعة.. والانشطار بين المادة التي أوغل في متطلباتها والآفاق الروحية التي... أُقصي عنها... اما الصدر: فهو يبدأ بداية مغايرة: (ان يطور المفهوم المادي للإنسان عن الحياة وبتطويره تتطور طبيعياً أهدافها ومقايسها)(١)، (فالاسلام وضع يده على نقطة الداء الحقيقية في النظام الاجتماعي للديمقراطية وما إليه من انظمة... فإن نقطة الارتكاز الاساسية لما ضجت به الحياة البشرية من أنواع الشقاء وألوان المآسي هي النظرة المادية إلى الحياة التي يختصرها بعبارة مقتضية في.. افتراض حياة الإنسان في هذه الدنيا في كل ما في الحساب من شيء وإقامة المصلحة الشخصية مقياساً لكل فعالية ونشاط)(٢). فالبشرية بحاجة إلى معين آخر غير التصورات المادية عن الكون التي تسجن الإنسان في سجن الطبيعة وضيق التاريخ، يستقي منه نظامه الاجتماعي بلغة باقر الصدر لابدَّ من (وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقية للحياة ويتبنى القضية الإنسانية الكبرى ويسعى إلى تحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم)(٣).

فالعقيدة هي القاعدة الفكرية المركزية التي ينبثق عنها هذا النظام العادل الكفيل بتحقيق السعادة المنشودة. فالاسلام يمنح الإنسان نظرة روحية للحياة ومقياساً خلقياً جديداً يشخص من خلاله: ما يجب وما لا يجب فيخترق بذلك حجب الأنانية والانغلاق على الذات لينفتح على الآخرين وهمومهم ومشاكلهم بل ليقدم مصالحهم على مصالحه وهو بذلك يوفق بين الدوافع الذاتية المركوزة فطرياً في الإنسان وبين مقتضيات الحياة الاجتماعية القائمة على المصالح المشتركة.. إن هذا المقياس الخلقي الجديد تغذيه عقيدة المعاد والإيمان باليوم الآخر وان الحياة الدنيا شوط عابر نحو

١- محمد باقر الصدر، المدرسة الإسلامية، دار الكتاب الإيراني، ص٨٤.

٢- م. ن، ص٨٧.

٣- م. ن، ص٨٨.

٦٠