×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

علمت لكم من إله غيري) (القصص ٣٨).. إنه خط الطاغوت في التاريخ الذي يسعى لتجميد حركة المجتمع البشري وتحويل الواقع إلى مطلق وسجن الجماعة البشرية في ضيق الماضي وحُدُودِ رموزه.. هكذا تتحول معركة التوحيد والكفر إلى معركة بين قوى التقدم وقوى التآمر والجمود وتكون (الفرعونية) بكل مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. المؤسسة الطاغوتية التي تشد المجتمع إلى الوراء.. وتحول دون نهضتها التوحيدية وتحررها الرسالي.. إن مصير الأمم التي تخضع لهذه المثل العليا المنخفضة إنها تتحول إلى ما أسماه(قدس سره).. (شبح أمة) تعيش الفرقة والتمزق لأنه بغياب عقيدة التوحيد.. ينتفي الإطار الذي يوحد صفوف الأمة و(يبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة إلى مصالحه الشخصية إلى تفكيره في أموره الخاصة كيف يصبح كيف يمسي كيف يأكل كيف يشرب كيف يوفر الراحة والاستقرار لأولاده ولعائلته أي راحة؟ أي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص للراحة والاستقرار بالمعنى الرخيص من الاستقرار.. يبقى كل انسان سجين حاجاته الخاصة سجين رغباته الخاصة..)(١)، ويحدد باقر الصدر مصير هذه الأمة النهائي بأحد الإجراءات الثلاثة التالية:

الاجراء الأول: ان تتداعى الأمة لغزو عسكري من الخارج لأن الأمة أفرغت من محتواها وصار كل فرد يفكر في ذاته.

الاجراء الثاني: الذوبان والانصهار في مثال أعلى أجنبي مستورد.

الاجراء الثالث: أن ينشأ في اعماق هذه الأمة بذور إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه تلك الأمة.

أما النوع الثاني (المثل الأعلى المحدود) فقد نجد لتبني المجتمعات والأفراد لهذا النوع عذراً لأنهم لا يستطيعون أن يستوعبوا المطلق بحكم محدودية الأذهان، ويكمن

١- م. ن، ص١٦١.

٨١
الخطر هنا أيضاً في أن يضفي على هذا المستقبل القريب الاطلاق من جميع الجهات، لا شك أن هذا النوع يعطي للجميع طاقة نحو المستقبل ودفعاً ولكن في حدود آفاق هذا المثل الأعلى لأنه سرعان ما يبلغ مداه الاقصى فيتحول إذا لم نتجاوزه إلى عائق يعطل المسيرة ويشدها إلى عهود تكرارية.

بهذه الموازنة بين هذه الأنواع المختلفة للمثل العليا يبرز الصدر الأهمية الحضارية لعقيدة التوحيد وللمثل الأعلى المطلق الذي يجعل من الله غاية للمسيرة (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (الانشقاق ٦) بكل ما يعنيه ذلك من تألق المسيرة وديمومتها وتكاملها اللامحدود.

إن عقيدة التوحيد تصنع التوافق بين الوعي البشري والواقع الكوني الذي يفرض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة ثابتة.. ولذلك عبرت الآية عن الكدح بصيغة خبرية لا بصيغة إنشائية. فالبشرية تكدح نحو الله شاءت أم أبت حتى الذين يتمردون على الله هم يسيرون نحو الله ولكن من حيث لا يشعرون.. لان كونه سبحانه مثلا أعلى حقيقة كونية على الانسان أن يعيها ويرتبط بها.. (والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) (النور ٣٩). وعقيدة التوحيد عندما توحد بين الوعي والواقع بين الاعتقاد والحقيقة.. يحدث تغيراً كمياً وكيفياً على مسيرة الإنسان فالمثل الأعلى المطلق يحفز الإنسان والمجتمع نحو التقدم ويضفي على المسيرة اندفاعاً وتجدداً لا ينضب فعلى المستوى الكمي يفتح آفاقاً لا نهاية لها لانه كلما قطعت المسيرة شوطاً نحو الله انفتحت أمامها أشواطاً جديدة.. وتسقط حينئذ وتتهاوى كل الاشكال من الالوهيات المزيفة على هذا الطريق الزاحف نحو المطلق (من هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع كل اشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكرارية التي حاولت ان تحدد من كمية الحركة من

٨٢
كتاب التجديد الكلامي للأستاذ الأسعد بن علي (ص ٨٣ - ص ٩٦)
٨٣
والبشرية ليحمل هذا المركب إلى البشرية بشيراً ونذيراً..)(١).

رابعاً: ضمان استمرارية تبني الأمة للمثل الأعلى المطلق وعدم خضوعها وانهزامها أمام القوى التحريفية والقوى الطاغوتية التي تحاول جاهدة صرف الأمة عن مثلها الأعلى نحو مثل منخفضة ولذلك لابد للمجتمع أن يخوض معركة ضد الآلهة المصطنعة (ولابد من قيادة تتبنى هذه المعركة وهذه القيادة هي الإمامة، الإمام هو القائد الذي يتولى هذه المعركة.. ودور الامامة يندمج مع دور النبوة ولكنه يمتد حتى بعد النبي إذ ترك النبي الساحة وبعد لا تزال المعركة قائمة ولا تزال الرسالة بحاجة إلى مواصلة هذه المعركة من أجل القضاء على تلك الآلهة حينئذ يمتد دور الإمامة بعد انتهاء النبي)(٢)، فالأصول الاعتقادية في ضوء هذا التحليل (لشرائط تبني المثل الأعلى المطلق) تأخذ موقعها الطبيعي وتسلسلها المنطقي ويكون التوحيد أصل الأصول ولكن من منظور اجتماعي وسياسي وتاريخي.

ثالثاً: التوحيد والمحتوى الداخلي

(المحتوى الداخلي) مفهوم يتكرر كثيراً في كتابات باقر الصدر ويلامس العديد من نظرياته في مجالات شتى: التربية وبناء الشخصية، الحرية، الثورة، البنى الاجتماعية، نظام العبادات.. الخ.

فالمحتوى الداخلي يشكل في المنظور (الصدري) الثقل الحقيقي للانسان ويحدد إلى مدى بعيد طبيعة دوره وخطه في الحياة، لانه يستند أساساً إلى المثل الأعلى. من هنا نفهم كيف أن العقيدة الإسلامية التوحيدية تستهدف بناء محتوى داخلي توحيدي إن صح التعبير.

ولكن لنبحث مع الصدر عن حقيقة هذه المقولة وجذورها النظرية: إن المحتوى

١- م. ن، ص١٩٥.

٢- م. ن، ص١٩٦.

٨٤
الداخلي هو المضمون الفكري والروحي للإنسان والذي يعتبر جوهر بناء الفرد ويحدد تبعاً لذلك الانشطة والأدوار الممارسة في الحياة. أما كيف يتشكل هذا المحتوى؟ للإجابة عن السؤال يعود بنا التحليل الصدري إلى حركة التاريخ ومميزات حركة الإنسان: فلا جدال في المنظور الإسلامي أن الإنسان هو محور حركة التاريخ. ولما كانت حركة التاريخ غائية لا سببية فقط لانها مشدودة إلى غاية ترنو إليها فان المستقبل هو الغاية فهو حينئذ: المحرك لأي نشاط وقطعاً إن هذا المستقبل الذي يحفز الانسان هو المستقبل بوجوده الذهني لأنه معدوم فعلا وهذا الوجود الذهني للمستقبل يرجعه باقر الصدر إلى جانب فكري يضم التصورات: (الهدف) وجانب آخر (الارادة) أي الطاقة التي تدفع الانسان نحو الهدف (وبالامتزاج بين الفكر والارادة تحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية وهذان الأمران (الفكر والارادة) هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان)(١). هذا المحتوى هو الاساس للبنى الفوقية للمجتمع من أنظمة وعلاقات (فالعلاقة علاقة تبعية علاقة سبب بمسبب هذه العلاقة تُمثّل سنة تاريخية)(٢). لأجل ذلك بنى الإسلام نظريَّتهُ في التغيير على التلازم بين تغيير البنى الفوقية وتغيير ما بالنفوس: المحتوى الداخلي وهذا ما تتضمنه الآية: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم) (الرعد ١١) وقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(الانفال ٥٣). هذا التلازم هو عين الارتباط بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر فعملية البناء الداخلي تسمى (الجهاد الأكبر) وعملية إرساء البنى الفوقية يطلق عليها باقر الصدر: (الجهاد الأصغر) أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه وفقد قدراته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية)(٣).

١- م. ن، ص١٤٠.

٢- م. ن، ص١٤٠.

٣- م. ن، ص١٤٣.

٨٥
ولكن ما نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي، ما هو المحور الذي يستقطب عملية البناء؟

إنه المثل الأعلى.. فالانسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية، وهو كذلك لا بجسمه الفيزيائي بل بمحتواه الداخلي.. (والاساس في بناء المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى هو الذي ينبثق منه كل الغايات التفصيلية والغايات التفصيلية هي المحركات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية)(١).

وهذا يمكن ان نلخص نظرية الصدر في المقام بهذا التسلسل الآتي:


مثل أعلى
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
غايات وأهداف
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
رؤية فكرية وطاقة روحية (محتوى داخلي)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
حركة تاريخية ومسيرة انسانية

فالتوحيد كمنظومة فكرية: قاعدة المحتوى الداخلي التوحيدي الذي يتخذ من الله عزوجل مثلا أعلى مطلقاً ويحرر الانسان من الداخل ويكون أساس التحرير من الخارج. فالتوحيد أطروحة تحرير تنبع من الداخل لتشع على الخارج (فالتوحيد هو جوهر العقيدة الإسلامية وبالتوحيد يحرر الإسلام الإنسان من عبودية غير الله (لا إله إلاّ الله) ويرفض كل أشكال الالوهية المزيفة على مر التاريخ وهذا هو تحرير الانسان من الداخل)(٢)... إن هذا التحرر الداخلي يعتق الإنسان خاصة من عبودية الشهوات والرغبات وليربط الذات البشرية بآفاق أرحب وأهداف أسمى.

وعلى ضوء التحرر الداخلي تنطلق عملية التحرير من الخارج: (وخاض القرآن بعْدَ معركة التحرير الداخلي للإنسانية معركة التحرير في النطاق الاجتماعي. فكما حطم

١- م. ن، ص٢٠٠.

٢- محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة.

٨٦
في المحتوى الداخلي للإنسان الأصنام التي تسلبه حرية الإنسانية كذلك حطم الاصنام الاجتماعية وقضى على عبادة الإنسان للإنسان... ومرة أخرى نجد أن هذه المعركة القرآنية من معارك التحرير قد استعين فيها بنفس الطريقة التي استعملت المعركة الأولى وتستعمل دائماً في كل ملاحم القرآن وهي التوحيد. فما دام الإنسان يقرّ بالعبودية لله وحده فهو يرفض بطبيعة الحال كل صنم وكل تأليه مزور لأي انسان)(١)... وكمدلول اجتماعي لهذا التحرر الخارجي يكون تحرير الثروة والكون من أي مالك سوى الله.. وقد ربط الإمام أمير المؤمنين بين الحقيقتين حين قال (العباد عباد الله والمال مال الله) وبذلك حطم الإسلام كل القيود المصطنعة والحواجز التاريخية التي كانت تعوق تقدم الإنسان وكدحه إلى ربه وسيره الحثيث نحوه سواء تمثلت هذه القيود والحواجز على مستوى آلهة ومخاوف وأساطير وتحجيم لانسانيته بين يدي قوى أسطورية أو تمثلت على مستوى ملكيات تكرس السيادة على الأرض لطاغوت فرداً كان أو فئة أو طبقة على حساب الناس وتحول دون نموهم الطبيعي وتفرض عليهم بالتالي علاقات التبعية والاستعباد)(٢)، فالمحتوى الداخلي التوحيدي. هو محتوى داخلي تحرري: يحرر الإنسان من الداخل ويحرّر الكون من الخارج ولا يفصل بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر... لأن الثاني لا يحقق غرضه وهدفه إلاّ في اطار الجهاد الأكبر (التحرر من الداخل)، وهذا سرّ امتياز ثورة الأنبياء عن أي ثورة اجتماعية أخرى...

رابعاً: التوحيد والرؤية الكونية:

في كتابه (فلسفتنا) عرض باقر الصدر نظريته في المعرفة وفق متبنياته في تلك المرحلة الأولى من مسيرته الفكرية (منحى أرسطي) وانتصر للمذهب العقلي في المعرفة وذلك تمهيداً لخوض المبحث الثاني الأساسي للكتاب ألا وهو: (نظرية الوجود

١- محمد باقر الصدر، مقالة الحرية في القرآن: عن كتاب اخترنا لك (١) دار الزهراء، بيروت، ص٥١ ـ ٥٢.

٢- محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، م. س، ص٤١.

٨٧
(المفهوم الفلسفي للعالم)) حيث يؤكّد في مقدمة الكتاب أن الهدف الأساسي لفلسفتنا كان صياغة المفهوم الفلسفي للعالم وما البحث في نظرية المعرفة سوى مقدمة لذلك يقول: (هدفنا الأساس من هذا البحث أي نظرية المعرفة هو تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية لأن وضع مفهوم عالم للعالم يتوقف قبل كل شيء على تحديد الطريقة الرئيسية في التفكير والمقياس العام للمعرفة الصحيحة ومدى قيمتها ولهذا كانت المسألة الأولى في الحقيقة بحثاً تمهيداً للمسألة الثانية والمسألة الثانية هي المسألة الأساسية في الكتاب)(١) ولذلك ربط تعريفه لفلسفتنا بين الطريقة في التفكير وبين الرؤية الكونية للعالم (فلسفتنا هو مجموعة مفاهيمنا الأساسية عن العالم وطريقة التفكير فيه)(٢).

إن أهمية الرؤية الكونية كأساس للمشروع الفكري العام لم يغب عن بال باقر الصدر من هنا خصص لها انتاجه الأول في إطار بلورة ملامح المدرسة الإسلامية فكان (فلسفتنا). وهو يعتبر أن صياغة هذه النظرية الكونية وإعداد المسلم روحياً وفكرياً في ظلالها المهمة الأساسية لرسالة الإسلام. فبعد ان صنف الرؤى الكونية إلى قسمين كبيرين:

أولا: نظرية تقوم على أن الإنسان أصيل في هذا الكون الذي هو بدوره مستقل وغير خاضع لمراقب ومالك وراء الستار باعتبار هذه الأصالة والاستقالة تنعدم المسؤولية أمام جهة عليا وبدلا من ذلك يحدد هو مسؤوليته في ضوء اهدافه المحدودة.

وثانياً: نظرية تقوم على أساس وجود قوة تراقب الكون وأن وجود الإنسان هو وجود الأمين والخليفة لا وجود الأصيل المتحكم، وهذه الخلافة والأمانة تستبطن

١- محمد باقر الصدر: فلسفتنا، م. س، ص٧.

٢- محمد باقر الصدر: فلسفتنا، م. س، ص٧.

٨٨
معنى المسؤولية أمام هذه الجهة العليا. والإسلام جاء ليربي الإنسان على هذه النظرية (بحيث تصبح جزء من وجوده وتجري مع دمه وعروقه مع فكره وعواطفه وتنعكس على كل مجالات تصرفه وسلوكه مع الله سبحانه وتعالى مع نفسه ومع الآخرين)(١).

لقد بنى المفهوم الفلسفي للعالم في فلسفتنا على أساس الإنتصار للطريقة العقلية في التفكير وترجيح المذهب العقلي حيث أثبت في ضوء بديهيات هذا المذهب المعرفي علة اولى (واجب الوجود) هي مصدر الوجود. مفنّداً كل الرؤى المادية والالحادية الأخرى. وصاغ على أساس ذلك جملة التصورات عن العالم والإنسان في ضوء القوانين الفلسفية المستنتجة عن العالم والإنسان في ضوء القوانين الفلسفية المستنتجة من أصول المذهب المتبنى وفي ضوء نتائج مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية.

إن بلوغ جوهر (المفهوم الفلسفي للعالم) في المنظور الإسلامي (الإيمان بالله) في نطاق المذهب الذاتي للمعرفة (ونظرية السيد الصدر الأخيرة) أسهل واقرب مما كان عليه البحث في كتاب (فلسفتنا) حيث وكما رأينا سابقاً أن (نظرية التوالد الذاتي للمعرفة) تثبت مسألة الصانع الحكيم بنفس الطريقة التي تثبت فيها كل القضايا الاستقرائية... من هنا أصبحت القاعدة المعرفية للرؤية الكونية.. قاعدة مبتكرة وأكثر علمية وأكثر دقة.

فالبحث في نظرية المعرفة... أساساً كان يستهدف الوصول إلى الرؤية الكونية التوحيدية... لانه المرتكز الأساسي لقيام أي حضارة وأي مجتمع حيث انه (لكل حضارة من الحضارات تصور كوني للعالم أي نظرة يفهم وفق لها كل شيء ويقيم والتطور السائد في حضارة ما هو الذي يحدد معالمها ويشكل اللحمة بين عناصر معارفها ويملي منهجتها ويوجه تربيتها... وتصورنا للعالم هو من الأهمية بحيث لا

١- محمد باقر الصدر، أهل البيت: تنوع ادوار ووحدة هدف، م. س; ص١٢٠.

٨٩
ندرك أن لدينا تصوراً ما إلاّ حين نواجه تصوراً بديلا إما بسفرنا إلى حضارة اخرى وإما باطلاعنا على أخبار العصور الغابرة وأما حين يكون تصور حضارتنا للعالم في طور التحول)(١).

من دلائل عبقرية الشهيد وبعد نظره أن النتائج التي توصل إليها في إثبات قصور المادة والظواهر عن تفسير الكون جاءت مطابقة للنظرية العلمية الحديثة التي أبطلت النظرية العلمية القدمية (المادية العلمية) وبات الاعتقاد بأن الأشياء جميعاً قابلة للتفسير بلغة المادة لاغِياً وباطلا... فهذا الرأي كان مقبولا ولكن في ضوء البحوث الفيزيائية الجديدة ونتائج علم الفسلجة وعلم النفس... الخ.. بات العلم أقرب إلى المفهوم الفلسفي الإلهي للعالم. يقول مؤلفا (العلم في منظوره الجديد) (وفي وسعنا ان نتوقع تحول الفلسفة المعاصرة تشجعها على ذلك النظرة الجديدة عن يأسها الفكري إلى بحث صحي ونشيط عن حكمة ترتكز على يقينيات الخبرة العامة أما فيما يتعلق بالدين فالظاهر أن مستقبل النظرة الجديدة يوحي بالعودة بثقافتنا إلى الإيمان بوجود الله الواحد وبإعادة التأكيد على الجانب الروحي من طبيعة الإنسان وعلى صعيد الفنون تزيل النظرة الجديدة من علم النفس وعلم الكونيات أسباب النفور والعبثية مستعيضة عنها بالغائية والله والجمال والعناصر الروحية وكرامة الإنسان...)(٢)...

هكذا يلتقي فلاسفة العلم أواخر القرن العشرين أو على الأقل بعضهم مع ما أسسه باقر الصدر منذ خمسين سنة تقريباً... حول المفهوم الفلسفي للعالم... هذا المفهوم الذي يخرق حجب المادة ويتجاوز حدودها الضيقة ليمنح الإنسان كوناً اعظم.. ورسالة أكبر... وآفاقاً أرحب... إنها رؤية كونية تجمَع بين الأرض والسماء... بين المادة والروح بين الغيب والشهادة.. إن الرؤية الكونية الإنسانية.. تتجاوز الأطر الضيقة للحضارة المادية..

١- اغروس. روبرت. العلم في منظوره الجديد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد ١٣٤، ص١٥.

٢- م. ن، ص١٤٧.

٩٠
وتبشر بحضارة خلاص... تنعتق من لاهوت الأرض لتعانق عنان السماء.. (فالمنهاج العلمي لحياة البشر الذي كرسته الحضارة الأوروبية أدى وسيؤدي إلى انسحاق الإنسان في عالم الأشياء وارتباطه بالجبرية المادية وتحوله إلى كائن بلا تاريخ وبلا حاضر وبلا مستقبل كائناً مستلباً ومنفعلا ولا يبقى أمامه سوى الوعد بجنة الأرض يعبر إليها في أحسن الحالات عبر بوابات الجحيم فلا يبقى منه ما يلج به الجنة يبقى الوعد المنشود كالجزرة أمام الحصان ويسقط الحصان دون أن يبلغ الجزرة... فإن أي محاولة جذرية لإيجاد بديل حضاري فلسفي لمنهاج الحياة البشرية تتطلب خروجاً واضحاً على لاهوت الأرض...)(١)، وطبعاً لا يكون ذلك إلاّ بتجاوز الرؤى الكونية المادية للاتصال بالغيب... ورسالاته..

خامساً: الله وفعاليته في التاريخ:

كانت ولا تزال علاقة الغيب والشهادة مثار بحث وجدل... ولا تزال العديد من قضايا هذه العلاقة تثير تساؤلات عديدة: منها: هل يصادر الإيمان بالغيب الدور الإنساني؟ ما هي طبيعة العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة؟ كيف يؤثر الله في التاريخ؟ الخ... هذه الأسئلة وأصل الاشكالية حول جدلية الغيب والشهادة غائبه تقريباً عن البحث الكلامي القديم لكنها تبدو بارزة في بحوث باقر الصدر خاصة وان الايمان بالغيب صار لدى الكثيرين عنوان سلب الإنسان قدرته وامكاناته وانسحاقه امام الله (فقد سيطر على تاريخنا الفكري مفهوم تواكلي يشرح الإيمان بالغيب وقدرة الله المطلقة كأمور مقابلة بالضرورة لسطحية بشرية في مقابل علم الله ولعجز بشري في مقابل قدرة الله فهل الإيمان الحقيقي بالغيب يعطل قدرات الإنسان ووعيه عن التفاعل الواسع بالحركة الكونية؟ إن الذي فهموا الارتباط بالغيب باعتبار تعطيلا لعالم الحس لا

١- أبو القاسم حاج حمد العالمية الإسلامية الثانية، دار المسيرة، ص٥١.

٩١
يدرون شيئاً لا عن الحس ولا عن عالم الغيب وبالتالي لا يفهمون العلاقة بينهما إلاّ كتناقض لا تناسبه فتصبح مهمة الإنسان أن تستقيل نفسه من عالم الحس بقتلها وقهرها)(١)، فالتحدي الكبير امام الفكر التوحيدي هو إيجاد الإطار المناسب والفهم الصحيح للتفاعل بين الغيب والشهادة... إن باقر الصدر يقر بأنشداد الإنسان الشرقي للغيب وافتتانه به وإنه يختلف عن الإنسان الأوروبي الذي ينظر بطبيعته دائماً إلى الأرض لا إلى السماء حتى ان نظرتهم الدينية تأثرت بهذا الافتتان الأرضي فأنزلوا الإله من السماء إلى الأرض... وكان المسيح عندهم ابن الله (نعم لقد استطاع الأوربي من خلال النظر إلى الأرض أن يفجر طاقات هائلة في الدنيا ولكن أدت به أيضاً إلى التنافس المحموم على الأرض وخيراتها ونشأت أشكال من استغلال الإنسان لاخيه الإنسان لأن تعلق هذا الكائن بالأرض وثرواتها جعله يضحي بأخيه ويحوله من شريك إلى أداة)(٢)، ولكن لا يقر بأن هذا الانشداد إلى الغيب، يحتّم الجمود أو الانسحاق و(انما يكن ان تؤدي نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض إلى موقف من هذه المواقف السلبية إذا فصلت الأرض عن السماء أما إذا ألبست الأرض إطار السماء وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة فسوف تتحول تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان إلى طاقة محركة وقوة دفع نحو المساهمة بأكثر قدر ممكن في رفع مستوى الحياة وهذا بالضبط ما تصنعه الدولة الإسلامية فإنها لا تنزع من الإنسان نظرته العميقة إلى السماء وانما تعطي له المعنى الصحيح إلى السماء وتسبغ طابع الشريعة والواجب على العمل في الأرض بوصفه مظهراً من مظاهر خلافة الإنسان لله على الكون وبهذا نجعل من هذه النظرية طاقة بناء وفي نفس الوقت نحتفظ

١- م. ن، ص١٠٨.

٢- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص٢٢٨.

٩٢
بها كضمان لعدم تحول هذه الطاقة من طاقة بناء إلى طاقة استغلال)(١). ولا يكتفي باقر الصدر بإبراز أهميته الإيمان بالغيب في التوحد مع الطبيعة والاندماج في العمل الحضاري من أجل مجتمع تقدمي كادح نحو السماء بل يحلل أكثر هذه العلاقة في إطار الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية كما شرحناها سابقاً: وبين ان علاقة الله بالإنسان والتاريخ: تتفاعل في الابعاد الآتية:

أ) الله مؤثر بما هو خالق: للإنسان والطبيعة فهو واهب كل ما يملكه الإنسان وكل ما توفره الطبيعة من فيوضات والإنسان خليفة الله على الأرض ومستأمن على ما فيها ومن فيها وهذا يعني مسؤولية الإنسان في تمثل صفات الله في حركته ومسيرته (سنفصل هذا التمثل وأبعاده في الاصل الثاني من أصول الدين العدل)..

ب) الله مؤثر في التاريخ بما هو العلة الغائية للمسيرة الانسانية والمثل الأعلى لها: وبالتالي فهو يؤثر على طبيعة الاعمال والانشطة والأدوار التي يقوم بها الإنسان فرداً ومجتمعاً، ويتحدث الصدر على مستوى الدولة فيقول (وهنا يأتي دور الدولة الإسلامية لتضع الله هدفاً للمسيرة الإنسانية وتطرح صفات الله واخلاقه كمعالم لهذا الهدف الكبير فالعدل والعلم والقدرة والقوة والرحمة والجود تشكل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة، وكلما اقتربت خطوة نحو هذا الهدف وحققت شيئاً منه انفتحت امامها آفاق أرحب وازدادت عزيمة وجذوة لمواصلة الطريق لأن الإنسان المحدود لا يمكن أن يصل إلى الله المطلق)(٢).

ولقد شرحنا مفصلا في عنصر سابق ما للمثل الأعلى المطلق من آثار كمية ونوعية على المسيرة الإنسانية فلا حاجة للإعادة.

ج) الله مؤثر بِمَا هو المشرّع والمقنن: ليس المقصود هنا التشريع والتقنين بالمعنى

١- م. ن، ص٢٢٩.

٢- م. ن، ص٢٠١.

٩٣
الفقهي الضيق وإنما بالمعنى الأعم الذي يتسع لتحديد الغايات وتأطير المسار وتقنين المسيرة فالله هو الذي حدد الغاية من الخلق (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)(١)، وهو الذي قنن حركة الإنسان إلى الله، أي حركته التاريخية، وجعلها خاضعة لسنن تاريخية وقوانين ونواميس الهية لا تتغير ولا تتبدل (ولن تجد لسنة الله تبديلا) وقد حلل هذه السنن التاريخية وارجعها إلى ثلاثة أشكال من السنن صوناً للحرية الإنسانية وحفاظاً على إرادة الإنسان التي دونها لا يصبح للمسؤولية الاستخلافية الاستئمانية أي معنى:

الشكل الأول للسنن التاريخية هو شكل القضية الشرطية.

الشكل الثاني: القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة.

الشكل الثالث: السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي.

هذا التنوع في سنن التاريخ وعدم كونها جميعاً من الشكل الثاني من شأنه أن يحفظ هامشاً كبيراً للإرادة الإنسانية واختيارها(٢) ان الله عزوجل... هو المهيمن والمدير والمسيّر للكون... والتاريخ.. وما حركة الإنسان الارادية إلاّ جزء من هذه الهيمنة الالهية.. وجزء من إرادته.. فالغيب يحوط عالم الشهادة وليس للأخير أصالة أو استقلالية إلاّ بالمقدار الذي يمنحه الله.. لمفرداته.. بل حتى في عالم الإنسان حيث انفرد هذا الكائن بالاختيار وحرية الارادة.. فان هذه الحرية مهما سيء استخدامها ومهما وظفت في التمرد على الخالق وارادته.. فانه لن يخرج من هيمنة الغيب.. لأن الكافر لا يكفر إلاّ بتمكين من الله... والظالم بظلمه لا يخرج عن سلطانه عزوجل... وان الله ليس نهاية جغرافية... وانما حقيقة موضوعية... والكدح نحوه... ليس طلباً تشريعياً وانما هو حقيقة تكوينية مغروسة في كل مفردة من مفردة الكون... فقط المطلوب من الانسان

١- الذاريات: ٥٦.

٢- للتفصيل أكثر يراجع: المحاضرة السابعة من محاضرات المدرسة القرآنية، للسيد باقر الصدر.

٩٤
الاندماج الإرادي التشريعي في الكدح نحو الله مع الكدح التكويني... وهذا ما ذكرناه في تفسير الصدر لقوله تعالى (والذي كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب)(١).

سادساً: الارتباط بالله:

مسألة أخرى من مسائل التوحيد، الأصل الديني الأول، أهملت في البحوث الكلامية القديمة. الا وهي (الارتباط بالله والشعور النفسي بهذه العلاقة) نعم التفت بعض الباحثين المعاصرين إلى هذه المسألة وأدرك ان مشكلة المسلمين اليوم لا تكمن في اقامة الأدلة على وجود الله تعالى بقدر ما تكمن في بعث الحيوية في هذه العلاقة وتعزيزها وتنميتها ويتفق باقر الصدر مع هؤلاء على ضرورة تعزيز هذه العلاقة وتقوية الارتباط بالله لتمنح الإنسان الطاقة الكفيلة بانبعاثه في الحياة فاعلا مؤثراً بانياً معمّراً فهو يقول في تفسير قوله تعالى (كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(٢) (قد جعل الإيمان بالله الخصيصة الثالثة للأمة الإسلامية بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأكيداً على أن المعنى الحقيقي للإيمان ليس هو العقيدة المحنطة في القلب بل الشعلة التي تتقد وتشع بضوئها على الآخرين)(٣)، سعى باقر الصدر في دراسات عديدة أن يؤصل هذا الارتباط ويعمق كقيمة حضارية وإيمانية أساسية ويمكن أن نتوقف عند محاولة الصدر للتأصيل النظري في عنصر الارتباط بالله في مستويين اثنين:

المستوى الأول: نظام العبادات وتغذية هذه الارتباط.

المستوى الثاني: الارتباط بالله في نفسية العاملين.

أما المستوى الأول فقد فصل الكلام فيه في بحثه نظام العبادات (الجزء الاخير من

١- النور: ٣٩.

٢- آل عمران: ١١٠.

٣- م. ن، ص٢١٦.

٩٥
الفتاوى الواضحة) أين ذهب إلى أن الارتباط بالمطلق بمثل حاجة ثابتة في حياة الإنسان ولكن المشكلة الأساسية كيف يتم إشباع هذه الحاجة دون السقوط فيما سقطت الصيغ البشرية لهذا الارتباط حيث عانى الإنسان على مر تاريخه الحضاري في هذا المضمار من خطرين خطر الضياع واللاانتماء (الالحاد) من جهة وخطر الغلو في الانتماء (الشرك) من جهة أخرى و(تلتقي المشكلتان في نقطة واحدة اساسية وهي إعاقة حركة الإنسان في تطوره عن الإستمرار الخلاق المبدع الصالح)(١). إن الايمان بالله يعالج الجانب السلبي من المشكلة لانه يرفض الضياع واللاانتماء فهو يجعل الإنسان خليفة لله في الأرض ويتخطّى الإيمان بالله الجانب الايجابي من المشكلة مشكلة الغلو في الانتماء لأن هذه المشكلة ناشئة من تحويل النسبي إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهني، وأما المطلق الذي يقدمه الإيمان بالله فهو ليس صنيعة مرحلة ذهنية ليصبح عائقاً في مرحلة لاحقة.

ولكن إشباع هذه الحاجة كأي غريزة أخرى لابدَّ أن يكون منسجماً مع المصلحة النهائية للإنسان من هنا كان لابدَّ للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق لابدَّ لذلك من توجيه يحدد طريقة اشباع هذا الشعور ومن سلوك يعمقه ويرسخه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصيلة في الإنسان وبدون توجيه قد ينتكس هذا الشعور ويمنى بألوان الانحراف كما وقع بالنسبة إلى الشعور الديني غير الموجه في أكثر مراحل التاريخ(٢)، وهنا يأتي دور العبادات التي تلعب الدور الكبير في تعميق الشعور وتعزيز الارتباط بالله عزوجل.

وبِطَرْح باقر الصدر الملامح العامة للعبادة:

أ) الغيبية.

١- محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة، م. س، ص٧٠٧.

٢- م. ن، ص٧١٣.

٩٦
كتاب التجديد الكلامي للأستاذ الأسعد بن علي (ص ٩٧ - ص ١١١)
٩٧
إلاّ أن هذه الرؤية صالحة للتعميم لكل العاملين، إن أحد أسباب المحنة عدم الشعور التفصيلي بالله... رغم أن الطالب عندما ينتمي للحوزة ويقرّر ترك الأهل والوطن ويحمل آلام الغربة وآلام الوحشة يعيش أحلى لحظات شعور يجذبه إلى الله...

لكن سرعان ما يخبو هذا الشعور عوضاً أن ينمو (وذلك لأنه حينما يأتي إلى الحوزة لا يعيش تطبيقياً حياً لهذا الاتصال بالله تعالى وإنما يعيش على أفضل تقدير دروساً معينة ومناهج معينة هي في حدود كونها مفاهيم وأفكار لا تغذي هذا الشعور فيبقى فراغ كبير في قلبه في وجدانه)(١)، وهكذا يتميّع الشعور بالارتباط بالله... (ويتحول هذا الشعور في بداية الأمر إلى شعور مبهم غامض ثم في مرحلة ثانية يختفي في الأعماق وتتراكم عليه مشاعر أخرى لا ترتبط بالله فتعود تلك التصورات الروحية الضخمة في البداية تعود خواء تعود كلها فراغاً لأنها بعد أن جمدت وأصبحت شعوراً إجمالياً بعد هذا فقدت أي غذاء وإمداد متصل حتى تمزقت وهذا هو معنى نسيان الله تعالى وأنتم كلكم تعرفون أن من ينسى الله ينساه الله ومن ينقطع عن الله ينقطع عَنْهُ الله سبحانه وتعالى...)(٢).

إن تنمية الشعور التفصيلي بالله وتجسيد حالة الاتصال الدائم بالله... هي أحد العوامل الأساسية لنجاح العامل واستمرارية عمله وصحواه أيام المحن وتجاوزه الصعوبات التي تعترض طريقه مما يمنح لهذا المفهوم التوحيدي الارتباط بالله بعداً نفسياً حركياً... يلتقي مع العبادة في تأصيلها لهذا الحس العميق والانفتاح الروحي على الله عزوجل ويتكامل مع توفر الشرائط اللازمة الاخلاقية للإنسان العامل (في امتلاك وعي تغييري تجديدي والتخلص من النزعة الاستصحابية المحافظة وامتلاك عقلية اجتماعية مرنة)... لنجاح أي مشروع في الحياة... وتخطى العقبات مهما عظمت.

١- م. ن.

٢- م. ن.

٩٨

الاصل الثاني: العدل

بحث الصفات لا ينفك في الحقيقة عن الذات (إلاّ لضرورة منهجية) حتى ان الدليل الاستقرائي في مقام إثبات الصانع بالنتيجة لا يسعه إلاّ أن يتجه للترجيح فاليقين بفرضيته وجود ذات حكيمة(١) وهذا الاتحاد بين الذات والصفات ليس غريباً على العدلية عموماً والإمامية خاصة الذين آمنوا إن صفاته عين ذاته.

اتجه البحث الكلامي القديم إلى تقسيم الصفات (صفات ذات، صفات افعال) (صفات ثبوتية/صفات سلبية)... (صفات اضافية/صفات نفسية)... الخ... وإلى تعداد هذه الصفات وكيفية اجرائها على المولى بطريقة لا يلزم منها نسبة النقص إليه... وفي ضوء هذه المطالب الأساسية للبحوث القديمة... انقلب الأمر رأساً على عقب... وصار التوحيد مثار جدل وفُرقة وتَمذهُبْ وصفات الله طريق للتكفير... والتفريق... عوضاً أن تكون قاعدة للتقريب والتوحيد النفسي والاجتماعي... لقد غفل البحث القديم عن مسألة مركزية وهي قيمة البحث عن الصفات ولماذا نريد معرفتها؟ وهل علاقتنا بصفات الله كعلاقة اليونان باسماء آلهتهم؟ يؤكد باقر الصدر: (إن عقيدة التوحيد تعلمنا أن نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله لا بوصفها حقائق غيبية منفصلة عنا كما يتعامل فلاسفة الإغريق وإنما نتعامل مع هذه الصفات بوصفها رائداً عملياً بوصفها هدفاً لمسيرتنا العملية بوصفها مؤشرات على الطريق الطويل للإنسان نحو الله سبحانه وتعالى)(٢)... لقد حول الجدل الكلامي البحث في الصفات إلى تجريد ذهني صرف... وتكريس لاهوتي للاله... بعيداً عن الإنسان وهمومه ومشاكله.

ان باقر الصدر في مجال نظريته حول المثل الأعلى المطلق والارتباط بالله شرح

١- انظر الاسس المنطقية للاستقراء، ص٤٤١ ـ ٤٥١.

٢- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، م. س، ص١٩٣.

٩٩
العلاقة بالصفات بأنها تكريس وجهاد من أجل الانسان لمّا كانت الصفات تمثّل هدفاً للمسيرة وغاية يتحرك نحوها الإنسان لا على المستوى الفردي بل على مستوى الأمة أيضاً (وهنا يأتي دور الدولة الإسلامية لتضع الله هدف للمسيرة الإنسانية وتطرح صفات الله وخلاقه كمعالم لهذا الهدف الكبير فالعدل والعلم والقدرة والقوة والرحمة والجود تشكل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة وكلما اقتربت خطوة نحو هذا الهدف وحققت شيئاً منه انفتحت أمامها آفاق أرحب وازدادت عزيمة وجذوة لمواصلة الطريق)(١)...

إن التخلق باخلاق الله وتكريس صفاته في الحياة ومسيرة الفرد والمجتمع تعني إرساء نظم اجتماعية وعلاقات بعيدة عن الظلم والعجز والجهل (فالسير نحو مطلق كله علم، كله قدرة، كله عدل، وكله غنى يعني ان تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلا باستمرار ضد كل جهل وعجز وظلم وفقر)(٢)، ولكن كيف يكون السير والكدح نحو الله لمصلحة الإنسان وفي خدمته؟ السرّ في ذلك أن الله كما رأينا سابقاً هو المطلق وهو المثل الأعلى للبشرية لذلك كان سبيله وطريقه هو الطريق لخدمة الإنسان (وسبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان لأن كل عمل من أجل الله فإنه من أجل عباد الله لأن الله هو الغني عن عباده ولما كان الإله الحق المطلق فوق أي حد وتخصيص لا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهة كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الانسانية جمعاء فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك)(٣)، بعد أن بينا طبيعة علاقة الإنسان بصفات الله في المنظور الصدري يطرح سؤال هام: لماذا خص (العدل) بالذات من بين

١- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص٢٠٠.

٢- محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة، م. س، ص٧١٠.

٣- م. ن، ص٧١٦.

١٠٠