×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

الصفات الإلهية الأخرى ليكون أصلا من أصول الدين؟ وما هي ميزته في ذلك؟

الجواب: (لا يوجد ميزة عقائدية في العدل في مقابل العلم في مقابل القدرة ولكن الميزة هنا اجتماعية ميزة القدوة لأن العدل هو الصفة التي توحي للمسيرة الاجتماعية التي تكون المسيرة الاجتماعية بحاجة إليها أكثر من أي صفة أخرى.. إذن من هنا كان العدل له مدلوله الأكبر بالنسبة إلى توجيه المسيرة البشرية ولأجل ذلك أفرز)(١).. فالكَوْنُ قائم على أساس العدل والإسلام أراد للعلاقات الاجتماعية أن تؤسس على موازين العدل وحينما يحصل هذا التوافق والانسجام التكويني مع النظم التشريعية يسود الرفاه وتنزل البركات (ولو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقاً)(٢)، عندما أحاط الصدر بالعمق الدلالي للعدل في بعده الاجتماعي والسياسي لمْ يصرف جهوداً كبيرة في بحوثه في إثبات أصل العدل بقدر ما تحدث عن أبعاده وآثاره، فهو اكتفى بالاشارة إلى دليلين عابرين على صفة العدل في بحثه: (موجز اصول الدين):

الأول: ان حسن العدل وقبح الظلم من أحكام العقل النظري وهذا العقل النظري هو من الله وبالتالي فهو محيط بهذه الأحكام والقيم.

والثاني: أنه من بحكم قدرته الهائلة وسيطرته الشاملة على الكون ليس بحاجة إلى أي مساومة ولف ودوران ومن هنا نؤمن بأن الله عادل لا يظلم أحداً(٣)، ولما كان الصدر يولي العدل أهمية بالغة على مستوى العلاقات الاجتماعية أرجع جملة من الظواهر إلى العدل وفسر عدة قضايا في منظور العدل وأسس جملة من الرؤى استناداً إلى هذا الاصل ونكتفي هنا بثلاث نماذج نقتبسها من فكر باقر الصدر:

* النموذج الأول: ايمانه بأن العدل الاجتماعي هو الركن الثالث للهيكل العام للاقتصاد الإسلامي هذه العدالة التي جسّدها الإسلام فيما زود به نظام توزيع الثروة في

١- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، م. س، ص١٩٧ ـ ١٩٨.

٢- الجن: ١٦.

٣- محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة، م. س، ص٥٤.

١٠١
المجتمع الإسلامي من عناصر وضمانات تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق التوازن المنشود فهذا العدل الاجتماعي هو الوجه الآخر للعدل للإلهي يقول باقر الصدر: (ان العدل الاجتماعي الذي تقوم على أساسه مسؤوليات الجماعة في خلافتها العامة هو الوجه الاجتماعي للعدل الالهي الذي نادى به الأنبياء وأكدت عليه السماء كأصل من أصول الدين يتلو التوحيد مباشرة)(١).

* النموذج الثاني: تصنيفه لطبقات المجتمع الفرعوني على أساس قيمة العدل حيث قسم هذا المجتمع إلى فئات مختلفة يحدّدها موقفها من الظلم والفئات الستة هي:

أ) ظالمون مستضعفون (اعوان الظلمة).

ب) الحاشية المتملقون.

ج) الهمج الرعاع.

د) المهادنون.

هـ ) الرهبانيون.

و) المستضعفون(٢).

* النموذج الثالث: اكتشافه لقانون وسنة تاريخية تقوم على التناسب بين العدل وبين ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة وبالمقابل يتناسب مدى الظلم في المجتمع تناسباً عكسياً مع علاقات الإنسان بالطبيعة (فمجتمع الفرعونية المجزأ المشتت مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات ومن هنا تحبس السماء قطرها وتمنع الأرض بركاتها واما مجتمع العدل فهو على العكس تماماً هو مجتمع تتوحد فيه كل القابليات وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات هذا المجتمع الذي تحدّثنا الروايات عنه تحدثنا عنه من خلال ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) تحدثنا بما تحفل به الأرض والسماء في ظل الإمام

١- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص٤٧.

٢- تفصيلات هذا القسم، انظر المدرسة القرآنية، من ص٢٣٠ إلى ص٢٣٦.

١٠٢
المهدي(عليه السلام) من بركات وخيرات وليس ذلك إلا لأن العدالة دائماً وأبداً تتناسب طرداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة...)(١).

العدل الإلهي والفعل الإنساني:

من المطالب الأساسية التي طرقت في هذا الباب قضية الجبر والاختيار ولقد عكس لنا تاريخ الجدل الكلامي اتجاهين ضحى احدهما بحرية الإنسان لمصلحة التوحيد الافعالي (الأشاعرة) وضحى الآخر بالتوحيد الأفعالي لمصلحة إرادة الإنسان (المعتزلة) ووقفت مدرسة الإمامية موقفاً وسطاً (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين).

ومسألة الجبر والاختيار تنحل إلى مسألتين مسألة كلامية: كما بينا في أصل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة. ومسألة فلسفية وروح البحث فيها يرجع إلى أن فاعل هذه الأفعال سواء فرضناه في المسألة الأولى الإنسان أو الله أو هما معاً هل تصدر منه اختياراً أو بلا اختيار ومن هنا يعرف أن المسألة الكلامية لا تكفي وحدها لحسم النزاع في بحث الجبر والاختيار(٢). وَفي بحث الطلب والإرادة في علم الأصول استعرض الشهيد الصدر في المستوى الكلامي من البحث خمسة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الفاعل محضاً هو الإنسان ولا نصيب لرب العباد في الفاعلية وهذا مذهب التفويض وهو مذهب المعتزلة الذين اعتقدوا امكانية استقلال المعلول بقاء عن علته وانه بحاجة إلى هذه العلة أو إلى سببه حدوثاً لا بقاء.

الاحتمال الثاني: أن يكون الفاعل محضاً هو الله وأن الانسان له القابلية فقط كقابلية الخشب أن يكون مقعداً وهذا الاحتمال قريب من نظرية الكسب الاشعري ولكنه باطل بالوجدان.

١- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، م. س، ص٢٣٨.

٢- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، م. س، ص٢٣٨.

١٠٣
الاحتمال الثالث: أن يكون لكل من الله والإنسان نصيب في الفاعلية فالانسان هو الفاعل المباشر بما اوتي من قدرة وسلطان وعضلات والله هو الفاعل غير المباشر من باب أن هذه القوى مخلوقة حدوثاً وبقاء له ومفاضة آنا فآنا ومعطاة من قبل الله.

الاحتمال الرابع: أن يكون الله هو الفاعل المباشر لكن الارادة ومبادئها مقدمات إعدادية.

الاحتمال الخامس: فاعلية واحدة تنسب إلى الله بنظر وإلى العبد بنظر آخر بناء على قوله إن نسبة العبد إلى الله نسبة الربط والفناء ونسبة المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي ويرى باقر الصدر أن هذا الاحتمال الأخير مبني على تصور صوفي لا يفهمه وبالتالي لا يبقى سوى احتمالين الثالث والرابع ويكون كلاهما صورة معقولة لمبدأ (الأمر بين الأمرين)، ولكنه في الأخير يبطل الرابع (لكن مجرد اختيار المذهب الشيعي في المسألة الأولى (المستوى الكلامي من البحث) القائل بأن للإنسان دخلا في الفاعلية كما أن لله دخلا فيها أو اختيار المذهب المعتزلي القائل بأن الانسان هو الفاعل محضاً لا يحتم كون الإنسان مختاراً غير مجبور في فعله فلعل صدور الفعل من الإنسان كصدور الإحراق من النار بناء على فاعلية النار للاحراق)(١).

ولذلك فالمشكلة لا تنحل إلاّ ببحث (المسألة الثانية الفلسفية): وهي ناشئة من (شبهة فلسفية تنفي الاختيار حتى بعد الاعتراف بأن الفعل فعل الإنسان وهذه الشبهة مركبة من مقدمتين:

المقدمة الأولى: ان الاختيار ينافي الضرورة فان الضرورة تساوق الاضطرار المقابل للاختيار من قبيل حركة يد المرتعش التي هي ضرورية.

المقدمة الثانية: أن صدور الفعل من الإنسان يكون بالضرورة لأن الفعل صادر منه

١- م. ن، ص٣٠.

١٠٤
ممكن من الممكنات فتحكمه القوانين السائدة في كل عالم الإمكان القائلة (بأن الممكن ما لم يجب بالغير لم يوجد) فالجمع بين هاتين المقدمتين تثبت ان الإنسان غير مختار في أفعاله إذ لا يصدر منه فعل إلاّ بالضرورة والضرورة تنافي الاختيار)(١). بلغة أخرى أن الشبهة ناشئة من التلازم بين الضرورة التي تفرضها عموم قانون العلية لعالم الممكنات وبين الحرية التي تتنافى مع الضرورة... فكيف نوفق بين العلية والحرية؟ هذه هي المعضلة التي أرهقت عقول الفلاسفة والاصوليين!... لقد طرحت عدة مسالك لحل المعضلة استعرضها الشهيد الصدر في بحثه الأصولي(٢) وناقشها... هذه المسالك تتراوح بين انكار المقدمة الأولى... (الضرورة تنافي الاختيار) وبين انكار المقدمة الثانية: (قوانين العلية)، أو انكار عموم قوانين العلية وأنها لا تشمل الافعال الإنسانية الاختيارية (محاولة المحقق النائيني) وبين مسلك آخر يرى ان الطبيعة جهزت الإنسان بقابليات يصعب معها التنبؤ بتصرفه والاختيار ينتزع مِنْ هذه الفرصة.. ان كل هذه المحاولات قاصرة عن اثبات الاختيار.. وانما حلت المشكلة صورياً.. وهنا يظهر ابداع الصدر لنظريته المشهورة التي تعتبر الحل الجذري الوحيد لهذه المعضلة الا وهي (نظرية السلطنة): فالسلطنة مفهوم قبالة مفهومي الوجوب والإمكان، وخروج الممكن من حد الاستواء يتحقق بأحد أمرين: إما الوجوب بالغير وإما السلطنة يقول باقر الصدر: (فلو وجدت ذات في العالم تمتلك السلطنة رأى العقل بفطرته السليمة ان هذه السلطنة تكفي للوجود)(٣). والسلطنة تشترك مع الإمكان من حيث تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم ولكنها تختلف عنه في كون الإمكان لا يكفي لتحقيق أحد الطرفين بل يحتاج تحقيقه إلى مؤونة زائدة وأما السلطنة فيستحيل فرض الحاجة معها إلى ضم شيء آخر

١- م. ن، ص٣٠.

٢- انظر مباحث الدليل اللفظي، ج٢، للسيد محمود الهاشمي، ص٣٠ إلى ٣٥.

٣- م. ن، ص٣٧.

١٠٥
إليها لتحقيق أحد الطرفين إذ بذلك تخرج عن كونها سلطنة وهي كالوجوب لانها كافية لتحقيق الشيء وتمتاز عنه أن صدور الفعل من الوجوب ضروري ومن السلطنة ليس ضرورياً فالبون شاسع بين (له ان يفعل) و(عليه أن يفعل).

ويرى باقر الصدر ان السلطنة موجودة في الإنسان والدليل على ذلك منحصر في الشرع والوجدان.

الأصل الثالث: النبوة

ترتبط ظاهرة النبوة بقانون الهداية العامة الذي ينص أن (كل شيء في هذا الكون الواسع يحمل معه قانونه الرباني الصارم الذي يوجهه ويرتفع به مدى ما يتاح له من ارتفاع وتطور فالبذرة يتحكم فيها قانونها الذي يحولها ضمن شروط معينة إلى شجرة والنطفة يتحكم فيها قانونها الذي يطورها إلى إنسان وكل شيء من الشمس إلى البروتون ومن الكواكب السيارة في مدار الشمس إلى الالكترونات السيارة في مدار البروتون يسير وفق خطة ويتطور وفق امكاناته الخاصة)(١)، والإنسان ليس استثناء من هذا القانون فهو كغيره من مفردات الكون خاضع لقانون الهداية العامة: (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الاعلى: ٣) ولكن خصوصية الاختيار وحرية الارادة الذي يتمتع بها تجعل لتطبيق هذا القانون ظروفه الخاصة فبينما تَعْملُ الكائنات الطبيعية البحتة من أجل أهداف مرسومة من قبل واضع الخطة لا من أجل أهداف تعيشها هي وتتوخى تحقيقها فإن الإنسان كائن هادف يعمل من أجل هدف يريد هو تحقيقه. من الطبيعي أن تكون هذه الأهداف التي يحددها الإنسان وفقاً لمصلحته وحاجاته، ولكن من جهة اخرى إن خلق الإطار الموضوعي لضمان عمل الإنسان وسعيه لمصالح

١- محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة، م. س، ص٥٩.

١٠٦
الجماعة شرط لابدَّ منه لاستقرار الحياة الاجتماعية وديمومتها فينشأ التعارض بين ما تفرضه طبيعة الحياة المدنية من مصالح جماعية وما تدعو إليه توازع الفرد إلى مصالح شخصية وكان لابدَّ من صيغة تحل هذا التناقض: (والنبوة بوصفها ظاهرة ربانية في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحل هذه بتحويل مصالح الجماعة وكل المصالح الكبرى التي تتجاوز الخط القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطه الطويل وذلك عن طريق اشعاره بالامتداد بعد الموت والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يحشر الناس فيها ليروا اعمالهم (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)(١) وبذلك تعود مصالح الجماعة مصالح للفرد نفسه على هذا الخط الطويل)(٢)، وتتألف هذه الصيغة من جانب نظري وجانب تطبيقي: الاول يتمثل في النظرية التي تستند إليها الصيغة وهي عقيدة المعاد: أما الجنبة التطبيقية فهي الممارسة التربوية للإنسان على هذه النظرية وهي عملية قيادية ربانية تعتمد على الغيب ولذلك لا توجد الا بوحي من السماء (النبوة).

النبوة الخاصة والدليل الاستقرائي:

كما طبق باقر الصدر الدليل الاستقرائي لإثبات الصانع يجريه هنا لاثبات نبوة النبي محمد(صلى الله عليه وآله) واهمية هذا الاستدلال انه يتجاوز الطريقة القديمة والمتعارفة لاثبات النبوة والتي تعتمد اساساً المعجزة كمظهر خارق للعادة يكشف كشفاً إنياً عن اتصال صاحب المعجزة ـ بالغيب ـ ويقوم هذا الدليل على أربع خطوات.

الخطوة الأولى: إن هذا الشخص الذي أعلى رسالته إلى العالم ينتسب إلى شبه الجزيرة العربية وهي بيئة متخلفة فكرياً وحضارياً وينتمي إلى مجتمع الحجاز بالذات الذي يعيش تخلفاً اجتماعياً تطغى عليه العقلية القبلية ولم ينل حظاً من ثقافة عصره

١- الزلزلة: ٧ ـ ٨.

٢- م. ن، ص٦١.

١٠٧
رغم انخفاضها وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يمثل شخصية اعتيادية فهو لم يكن يقرأ ولا يكتب ولم يتلقَّ أي تعليم منظم أو غير منظم ولم يساهم النبي قبل البعثة في النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه ولم يؤثر عنه أي تميز عن ابناء قومه الا في التزاماته الخلقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفته.

الخطوة الثانية: يستقرىء في هذه الخطوة خصائص الرسالة التي جاء بها النبي، وهي رسالة القرآن الكريم والشريعة الإسلامية التي تميزت بخصائص عديدة منها:

أ) تتضمن ثقافة دينية واسعة وفريدة وهي أكبر من كل الثقافات الدينية التي عرفها العالم.

ب) جاءت بقيم ومفاهيم عن الكون والإنسان والحياة من أروع من عرفه الإنسان من قيم وتشريعات.

ج) تحدثت الرسالة عن تاريخ الإنسان والأمم السابقة بما لم يكن معروفاً بين العرب.

د) بلغ القرآن قمة الروعة والجمالية في أساليب البيان.

الخطوة الثالثة: يؤكد في هذه الخطوة وفي ضوء الاستقراء العلمي أن هذه الرسالة بتلك الخصائص السابقة وغيرها مما لم نذكر (اختصاراً) هي أكبر بدرجة عظيمة من الظروف والعوامل التي حددناها في الخطوة الأولى.

الخطوة الرابعة: يطرح التفسير الوحيد المعقول للموقف: كيف نشأت هذه الرسالة بتلك الخصائص الرفيعة في تلك الظروف الموضوعية المتخلفة؟ ان الجواب الوحيد: هو (افتراض عامل اضافي وراء الظروف والعوامل المحسوسة وهو عامل الوحي عامل النبوة الذي يمثل تدخل السماء في توجيه الأرض)(١).

١- م. ن، ص٧٣.

١٠٨

ضرورة النبوة:

لقد غاب عن البحث الكلامي القديم الحاجة الاجتماعية للنبة لأنها استغرقت في قضايا (العصمة) وعلاقة النبوة باللطف والمعجزة... الخ... لكن التحديات الفكرية المعاصرة جعلت باقر الصدر ينظر إلى النبوة كما نظر إلى بقية اصول الدين نظرة مغايرة تُبْرِزُ الابعاد الاجتماعية لهذه الاصول الاعتقادية ودورها في البناء الحضاري ولذلك كشف في بحوثه المتفرقة عن الحاجة الماسة إلى النبوة... والرابط بين كل ما كتب في هذا الموضوع هو تأكيد الحاجة الملحة والضرورة الحضارية للنبوة:

أ) النبوة حاجة معرفية: الانسان بحكم جهازه الادراكي حسي اكثر منه عقلي فهو ينفعل بالمحسوس أكثر من أي شيء آخر. ولذلك كانت الحضارات في التاريخ متأثرة بهذا الميل نحو الحس. والحضارة الغربية اليوم في ثقافتها وانتاجها العلمي والتقني تكشف عن نزوع للحس والتجربة أكثر من أي شيء آخر، ولكن هناك معارف اخرى: المعقولات والقيم الاخلاقية التي لا يمكن أن يدركها الإنسان بالحس والتجربة بل يتفاعل معها عادة بالعقل والوجدان. ولكن إدراك هذه القيم الروحية والمعنوية لا يرقى إلى الحس ولذلك نرى عبر التاريخ أن التفاعل معها يبقى باهتاً فاتراً... لا يبلغ حرارة الادراك الحسي وقوته... من هنا نشأت الحاجة إلى الأنبياء في تعميق الإدراك لهذه القيم ولقد تمكن الإنسان عبر هؤلاء الأنبياء من الانفتاح الحسي على القيم العقلية والروحية. ولولا الوحي لما كان للبشرية من إدراك حسي للمعنويات فالأنبياء هم الطليعة البشرية التي عايشت حسياً هذه الأحكام العقلية والمفاهيم الروحية والعنوية وهم بدورهم يعسكون هذه التربية الحسية على الناس ولولا الوحي لا نحصر الحس بالمادة ولتضخم الوعي بها على حساب المعنويات (فالوحي حسب الحقيقة اذن هو المربي الأول للبشرية الذي لم يكن بالإمكان للبشرية ان تربى بدونه لان البشرية بدون الوحي ليس لها إلاّ حس بالمادة والإدراك عقلي غائم قد يصل إلى مستوى

١٠٩
الإيمان بالقيم والمثل وبالله إلاّ أنه ايمان عقلي على أي حال لا يهز قلب هذا الإنسان ولا يدخل ضميره ولا يسع كل وجوده ولا يتفاعل مع كل مشاعره وعواطفه)(١).

ب ـ النبوة وتحرير الإنسان: إن النبوة في المنظور الصدري تحرر الإنسان على المستوى الذاتي وعلى المستوى الموضوعي: اما على (المستوى الذاتي) فهو ما بيناه في هذا الأصل ومعرض الاستدلال على النبوة العامة وارتباطها بقانون الهداية العامة من حلّ الجدل الداخلي والتمزق الداخلي بين مصالح الذات والنظام المدني ومقتضياته.

أما (المستوى الموضوعي): فهي ما تتحرك فيه النبوة على قاعدة (لا اله إلاّ الله) لتحطيم كل القيود الإجتماعية والسياسية المتمثلة في جميع أنواع الظلم والاستغلال فدور الأنبياء في مكافحة الاستبداد ومقاومة الطغيان من أكثر الأدوار أهمية.

ج ـ النبوة والثورة: يرى باقر الصدر ان النبوة ثورة تحررية (وان الإسلام الذي كان من أجله الأنبياء ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان وعلى الوان الاستغلال والاستعباد)(٢).

هذه الثورة فريدة في نسيجها لانها حررت الإنسان من الداخل وحررت الكون من الخارج في وقت واحد ويفسر باقر الصدر في أطروحته خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء كيف أن هذه الثورة تعد ضرورة لمقاومة الانحراف الطارىء على خط خلافة الإنسان لله في الكون وحتمية تدخل الأنبياء ليعيدوا المسيرة إلى مسارها الصحيح.

وهذه الثورة تمتاز عن غيرها لأنّها لا تحاول كما هو الحال في كل الثورات استبدال مواقع الاستغلال وإنما تسعى جاهدة لاستئصال الاستغلال كقيمة سلبية ومدمرة للمجتمع واقتلاع جذورها من نفوس الظالمين أنفسهم.

فالثائر الذي يتحرك في إطار النبوة ورسالتها لا ينطلق في حركته وحربه على

١- محمد باقر الصدر، أهل البيت: تنوع ادوار وحدة هدف، م. س، ص٥١.

٢- محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، م. س، ص١٧١.

١١٠
الاستغلال من أجل استرداد حق شخصي ضائع ولا بدافع ذاتي كالانتقام بل يندفع الثائر النبوي في ثورته للقضاء على العلاقات الاجتماعية القائمة على أساس الجور والاستغلال وليقتلع الظلم بوصفه قيمة سلبية يعطل حركة المجتمع ويصادر مصالح المستضعفين بل مصالح المستغلين أنفسهم على المدى البعيد (وعلى هذا الأساس نؤمن بأن الثورة الحقيقة لا يمكن أن تنفصل بحال عن الوحي والنبوة ومالها من امتدادات في حياة الناس كما أن النبوة والرسالة الربانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان)(١).

د) النبوة وقيادة المجتمعات: إن النبوة بما هي الصلة الموضوعية بين الناس والمثل الأعلى المطلق للمسيرة الانسانية هي الأقدر على قيادة الجماهير وتنظيم قواها ودفعها إلى الأمام نحو الغايات السامية الواقعية والسعادة الحقة لذلك فإن القيادة من لوازم النبوة التي لا تنفك عنها والتي تفرضها المهمة الأساسية لها المتمثلة في (الشهادة) على خط خلافة الإنسان ويتمثل هذا الدور في الأبعاد التالية(٢):

اولا: استيعاب الرسالة السماوية.

ثانياً: الاشراف على ممارسة الإنسان لدوره في الخلافة.

ثالثاً: التدخل لمقاومة الانحراف واتخاذ كل التدابير الممكنة من أجل سلامة المسيرة.

وكمدلول واقعي لهذه القيادة وانسجاماً مع هذه الأدوار للنبوة يعتقد الصدر أن الدولة ظاهرة نبوية يقول (فمن ناحية تكون الدولة ونشوئها تاريخياً نرفض إسلامياً نظرية القوة والتغلب ونظرية التفويض الالهي الاجباري ونظرية العقد الاجتماعي ونظرية تطور الدولة عن العائلة ونؤمن بأن الدولة ظاهرة نبوية وهي تصعيد للعمل

١- م. ن، ص١٧٢.

٢- م. ن، ص١٦٣.

١١١
كتاب التجديد الكلامي للأستاذ الأسعد بن علي (ص ١١٢ - ص ١٢٩)
١١٢
هل هي أصل أم فرع؟ ما هي صفات الإمام؟ ما الطرق لنصبه ومعرفته؟... الخ...

ولكن ما يهمنا في المقام كيفية دراسة باقر الصدر للمسألة انطلاقاً من منهجيته المتميزة ففي منظوره أن الإمامة كالنبوة حاجة حضارية متأصلة في حركة المجتمع والتاريخ. لقد شرح باقر الصدر هذا التوافق والانسجام بين النبوة والإمامة وانهما يعبران عن حقيقة واحدة في أطروحته (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) حيث أبرز كيف أن البشرية في مسيرتها تمثّل خط الخلافة لله عزوجل.

وهذه المسيرة تحتاج إلى إشراف وتوجيه وتسديد: وهو الخط الثاني الذي تولى هذه المهمة (خط الشهادة) (وضع الله سبحانه وتعالى إلى جانب خط الخلافة خلافة الإنسان الخليفة من الإنحراف وتوجيهه نحو اهداف الخلافة الرشيدة)(١). لقد حدد الصدر أهداف هذا الخط: خط الشهادة (ذكرناها في أصل النبوة)، ولقد اعتمد في تحديد هذا المهام على الآية ٤٤ من سورة المائدة (إنَّا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) كما استخلص من هذه الآية في تفسير فريد مبتكر حلقات هذا الخط ـ خط الشهادة ـ وهم: الأنبياء ـ الأئمة ـ فالفقهاء العدول، ويقدم بذلك استدلاللا متميزاً غير مسبوق ولقد التفت (شبي ملاط) في دراسته (تجديد الفقه الإسلامي محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم) لهذا الابتكار فقارن بين تفسير باقر الصدر للآية وبين غيره من المفسرين من علماء الشيعة والسنة ليستنتج: (أن قراءة الصدر لهذه الآية قراءة دستورية تختلف مع القراءة القديمة التي تحصر الآية في أسباب النزول)(٢). إن هذه الأهداف: أضحت في فترة تاريخية معنية من مسار خلافة الإنسان تمثل حاجة ماسة فالمجتمع البشري مر بمرحلة الفطرة (التوحيد) ولم تكن هناك انقسامات أو

١- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص١٦١.

٢- شبلي ملاط، م. س، ص٨٦.

١١٣
خلافات تمزق وحدة المجتمع ولكن في مسار تطور المجتمع.. بدأ الانشقاق يدب وبدأت الخلافات تظهر بحكم تفاوت القابليات والإمكانات (وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا) (يونس: ١٩)، وأتاح ذلك ظهور طبقات وفئات مستغلة واخرى مستضعفة محرومة... وكان لابدَّ من (ثورة) على هذه الأوضاع تعيد الأمور إلى نصابها وترجع للمجتمع وحدته وانسجامه هذه الثورة: قادها الأنبياء: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)(١)، (ومن هنا دعا الأنبياء إلى جهادين أحدهما (الجهاد الأكبر) من أجل أن يكون المستضعفون أئمة وينتصروا على شهواتهم وبينوا أنفسهم بناء ثورياً صالحاً والآخر الجهاد الأصغر من أجل إزالة المستغلين والظالمين عن مواقعهم)(٢).

ولكن لما كانت هذه الثورة الالهية على يد الأنبياء ثورة شاملة. على الجاهلية والانحراف بكل محتواه الفكري والنفسي وبكل جذوره العفنة ومظاهره المتخلفة من استبداد واستغلال (كان شوط الثورة أطول عادة من العمر الاعتيادي للرسول القائد وكان لابد للرسول أن يترك الثورة في وسط الطريق ليلتحق بالرفيق الأعلى وهي في خضم أمواج المعركة بين الحق والباطل)(٣). فالإمام كالنبي شهيد وخليفة لله في الأرض من أجل أن يواصل الحفاظ على الثورة وتحقيق أهدافها غير أن جزء من دور الرسول يكون قد اكتمل وهو إعطاء الرسالة والتبشير بها والبدء بالثورة الاجتماعية على أساسها فالوصي ليس صاحب رسالة ولا يأتي بدين جديد بل هو المؤتمن على الرسالة والثورة التي جاء بها الرسول(٤)، هكذا وفي ضوء هذه النظرية للنبوة كثورة إلهية والامامة كامتداد لها في الزمن تصبح الأصول العقائدية الخمسة البرنامج الثوري لهذه القيادة

١- البقرة: ٢١٣.

٢- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص١٧٨.

٣- م. ن، ص١٨١.

٤- م. ن، ص١٨٢.

١١٤
الإلهية (وإذا عرفنا أن النبي هو حامل الثورة ورسولها من السماء وأن الإمامة بمعنى الوصاية هي مرحلة الانتقال التي تواصل السماء من خلال قيمومتها على الثورة إلى أن ترتفع الأمة إلى مستوى النضج الثوري المطلوب إذا عرفنا ذلك يتبين بكل وضوح أن أصول الدين الخمسة التي تمثل على الصعيد العقائدي جوهر الإسلام والمحتوى الأساسي لرسالة السماء هي في نفس الوقت تمثل باوجهها الاجتماعية على صعيد الثورة الاجتماعية التي قادها الأنبياء الصورة المتكاملة لأسس هذه الثورة وترسم للمسيرة البشرية معالم خلافتها العامة على الأرض)(١).

الدليل الاستقرائي في بحوث الإمامة:

إلى حد الآن كنا نتحدث عن الإمامة العامة في فكر الصدر أما الإمامة الخاصة فنحن نلتقي معه على منهج جديد لاثبات ولاية علي(عليه السلام) حيث يستند إلى دليل يقترب في جوهره من نظرية الاحتمالات كما بلورها في المذهب الذاتي للمعرفة(٢). حيث يحصر الطرق التي كان بامكان رسول الله اتخذاها لتدبير مستقبل الدعوة في ثلاثة احتمالات ثم يبطل كل من الاحتمال الاول والثاني ليثبت الاحتمال الأخير بعد ان يعزّزه بشواهد يستقرئها من تاريخ الدعوة الإسلامية ومن أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) أما الاحتمالات الثلاثة فهي:

الاحتمال الأول: الطريق السلبي وإهمال أمر الخلافة وهذا لا يمكن قبوله في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله) لانه ناشىء من أحد أمرين:

الأمر الأول: أن يعتقد الرسول ان ذلك غير مؤثر في مستقبل الرسالة.

الأمر الثاني: نظرته للدعوة نظرة مصلحية ولا يهمه إلاّ أن يحافظ على الرسالة ما

١- م. ن، ص٥٢.

٢- صاغ هذا الدليل في بحثه حول نشأة التشيع. نُشر تحت عنوان بحث حول الولاية وكذلك تحت عنوان نشأة الشيعة والتشيع. وهو في الحقيقة مقدمة لكتاب عبدالله فياض (تاريخ الإمامة واسلافهم من الشيعة، صدر سنة ١٩٧٠).

١١٥
دام حياً ولا يعنيه مستقبلها وحمايتها من بعده.

الاحتمال الثاني: الموقف الايجابي المتمثل في نظام الشورى ولكن الصدر بحكم طبيعة الأشياء واستقراء جملة من الشواهد من تاريخ الرعيل الأول ومواقفه يبطل هذه الفرضية.

الاحتمال الثالث: الإيجابية متمثلة في إعداد من يقود الأمة (وهذا هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجماً مع طبيعة الأشياء ومعقولا في ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي(صلى الله عليه وآله) وهو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً فيختار بأمر الله سبحانه وتعالى شخصاً يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة فيعده إعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً لتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة)(١)، ويستدل على هذا الاعداد الخاص بشواهد من التاريخ ونصوص من أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) كحديث (الدار) وحديث (الثقلين) و(المنزلة) وحديث (الغدير) وغيرها...

أمّا التطبيق الثاني للدليل الاستقرائي في بحوث الإمامة: فيتمثل في الاستدلال على إمامة المهدي (عج) رغم صغر سنه ودفع الشبهة الواردة في المقام: لقد مثلت الإمامة المبكرة ظاهرة في الفترة الأخيرة من تاريخ الأئمة الأطهار فالامام الجواد تولى الإمامة وهو في الثامنة والإمام الهادي تولاها وعمره تسع سنين والإمام العسكري والد المهدي تولى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره.. إن هذه ظاهرة حسية عاينها الناس ولمسوها عن قرب (ولا يمكن ان نطالب باثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أمة)(٢).

ولكن يمكن أن نستل من كلمات السيد استدلالا استقرائياً قائماً على رصد جملة

١- محمد باقر الصدر، نشأة الشيعة والتشيع، تحقيق عبدالجبار شرارة، مؤسسة الثقلين، ص٦٣.

٢- محمد باقر الصدر، بحث حول المهدي، دار التعارف، ص٥٢.

١١٦
من الظواهر ينحصر تفسيرها في واقعية هذه (القضية) وهي الإمامة المبكرة.

فلابدَّ أن نسجل هذه الحقائق أولا: وهي:

أولا: إن الإمامة لم تكن مركزاً من مراكز السلطان وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشيعة من الاقتناع الفكري والروحي للجماهير بهذه الزعامة.

ثانياً: أن القاعدة الشعبية الشيعية تشكلت في عصر الباقر والصادق(عليهما السلام) وأصبحت مدرسة تتسع للعديد من الفقهاء والمتكلمين والعلماء وتياراً فكرياً واسعاً.

ثالثاً: إن الشروط التي تؤمن بها هذه المدرسة في الإمام شروط شديدة.

رابعاً: إن المدرسة وقواعدها كانت دوماً تقدم تضحيات جسام في سبيل الصمود على عقيدة الإمامية.

خامساً: إن الأئمة(عليهم السلام) لم يكونوا معزولين عن قواعدهم ولم يكونوا يحتجبون عن الناس إلاّ أن تفعل ذلك السلطات القائمة: فالأئمة لهم أصحاب ينشرون علومهم في الآفاق ولهم وكلائهم في البلدان حتى في الظروف المستعصية لهم قنوات خاصة للاتصال بشيعتهم.

سادساً: إن الخلافة المعاصرة للأئمة(عليهم السلام) كانت تنظر اليهم على أنهم مصدر على كيانها ووجودها. لذلك تبعث للتنكيل بالأئمة وبشيعتهم.

وبلحاظ هذه النقاط السابقة: لا يمكن أن نُفسر انقياد الشيعة بكل رموزها وعلمائها، وصمود الشيعة وتضحياتهم الجسام في سبيل اعتقادهم بامامة الحجة وعدم لعب السلطات بهذه الورقات لتشويه الشيعة والطعن في الإمامة لا يمكن أن نفسر كل هذه الظواهر إلاّ بالاقرار ان ظاهر الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية وأن إمامة المهدي (عج) مثلها كمثل نبوة يحيى(عليه السلام) في تاريخ الرسالات (يا يحيى خذ الكتب بقوة وآتيناه

١١٧
الحكم صبياً)(١).

العصمة ومدلولها الاجتماعي:

من النكات الدقيقة التي اشار اليها الصدر في بحوثه حول الإمامة رؤيته المتميزة للعصمة وإلحاحه على القراءة الاجتماعية لهذه المفردة العقائدية التي تبدو لأول وهلة موغلة في الغيبية بعيدة كل البعد عن الجانب الرسالي والحركي للمعصوم.

لكن الصدر له تقريبان أساسيان لمسألة العصمة يدفع من خلالهما هذا الوهم المسيطر:

التقريب الأول: نقرأه في محاضراته: (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف)(٢) فانه يؤكد أن العصمة ليست بدعة شيعية وإنما هو شرط يشترطه أي اتجاه عقائدي فان (أي اتجاه عقائدي في العالم ان يبني الإنسان من جديد في إطاره ويريد ان ينشىء للإنسانية معالم جديدة فكرية وروحية واجتماعية يشترط لأن ينجح وأن ينجز وأن يأخذ مجراه في خط التاريخ يشترط أن يكون القائد الذي يمارس تطبيق هذا الاتجاه معصوماً)(٣)، ولكن كل ما في الأمر أن العصمة في الإسلام ذات صيغة اوسع نطاقاً من العصمة في الاتجاهات العقائدية الاخرى لأن رسالة الإسلام رسالة شمولية تمس كل جوانب الحياة وتدخل في كل ابعاد الإنسان. ولما كان الإسلام يؤسس لعاطفة وفكر وسلوك معين اقتضت العصمة الاندماج الكامل في هذه الأبعاد الثلاثة وتكون (عصمة الإمام عبارة عن نزاهة في كل فكرة وفي كل عاطفة وكل شأن والنزاهة في كل هذا عبارة عن انصهار كامل مع مفاهيم وأحكام الرسالة الإسلامية في كل مجالات هذه الأفكار والعواطف والشؤون)(٤).

التقريب الثاني: نعثر على هذا التقريب في اطروحته (خلافة الانسان وشهادة

١- مريم: ١٢.

٢- انظر ص٧٣.

٣- محمد باقر الصدر، أهل البيت، م. س، ص٧٣.

٤- م. ن، ص٧٥.

١١٨
الأنبياء) فهو يرى أن العصمة لابدَّ أن تتوفر في الشاهد الرباني لانه يكون في نفس الوقت خليفة بما هو إنسان وممثل لخط الخلافة وهو أيضاً شهيد وممثل لخط الشهادة وهذا الاندماج بين الخطين في ذات النبي(صلى الله عليه وآله) أو الإمام(عليه السلام) يوجب كونهما معصومين لان هذا الاندماج يوجب درجة عالية من النزاهة والموضوعية وإلاّ بدونها كيف يكون رقيباً ومراقباً في نفس الوقت؟ يقول باقر الصدر (في كل حالة يقدر للخطين ان يجتمعا في شخص واحد بحكم ضرورات التغيير الرشيد نجد ان العصمة شرط اساسي في المحور الذي يقدر له ان يمارس الخطين معاً لأنه سوف يكون هو الشهيد وهو المشهود عليه في وقت واحد)(١) ويتحدث عن عصمة الإمام خاصة فيقول: (وهذا القائد الرباني هو الإمام ويجب أن يكون معصوماً لأنه يستقطب الخطين معاً ويمارس وفقاً لظروف الثورة خط الخلافة إلى جانب خط الشهادة معاً وعمصة الإمام تعني أن يكون قد استوعب الرسالة التي جاء بها الرسول القائد استيعاباً كاملا بكل وجوده وفكره ومشاعره وسلوكه ولم يعش لحظة شيئاً من رواسب الجاهلية وقيمها (لم تدنسه الجاهلية بانجاسها ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها) لكي يكون قادراً على الجمع بين الخطين في دور واحد)(٢).

وفي محاضراته القرآنية (المدرسة القرآنية) يعطي سراً آخر من أسرار العصمة والاستقامة على خط الجهاد والتغيير(٣)، قد يسأل: لماذا كان الأنبياء على مر التاريخ اصلب الثوار على الساحة التاريخية؟ لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كل مساومة وفوق كل مهادنة وفوق كل تملل يمنة أو يسرة؟ لماذا كانوا هكذا؟ لماذا انهار كثير من الثوار على مر التاريخ ولم يسمع أن نبياً من أنبياء التوحيد انهار أو تململ أو انحرف يمنة أو يسرة عن الرسالة التي بيده وعن الكتاب الذي يحمله من السماء؟ ثم

١- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة (م. س)، ص١٧٩.

٢- م. ن، ص١٨٢.

٣- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص١٨٧.

١١٩
يجيب (لأن المثل الأعلى المنفصل عنه الذي هو فوقه الذي اعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية وهذا الشعور بالمسؤولية تجسد في كل كيانه في كل مشاعره وأفكاره وعواطفه.

ومن هنا كان النبي معصوماً على مر التاريخ)، ان هذا التحليل وإن كان يهم مباشرة النبي لكن بنفس الملاك يجري على الإمام وهو يعتبر ان الشعور الموضوعي بالمسؤولية الذي يمثّل حاجة ماسة للإنسان تساهم العبادات في إشباعها كما بين الصدر في نظرة عامة في العبادات (خاتمة الفتاوى الواضحة).

ولكن هذه الحاجة تشهد لدى المعصوم أقوى استجابة وأعمقها فهو يعيش ارقى الاتصال بالله والانشداد له ومن هنا يستشعر أعلى درجة ممكنة من المسؤولية تجاه الله عزوجل. والعصمة في المنظور الصدري لا تلغي الجانب الموضوعي من تكامل المعصوم وخضوع دوره التاريخي وتفاعله الاجتماعي للقوانين العامة والنواميس الكونية لأن العصمة لا تخرج المعصوم عن الاطار التاريخي لحركة الإنسان لانها لا تخرجه عن كونه انساناً متعالياً ولا تجعل منه (ما فوق الإنسان)، ان حال المعصوم في هذه الجهة حال الرسالة نفسها التي رغم كونها في مضمونها الرسالي ربانية ولا ترتبط بالظروف الموضوعية و(لكنها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف)(١).

كنموذج لخضوع (العصمة) للقوانين الموضوعية وسنن التغيير:

نذكر مثالين أشار إليها في موضعين مختلفين:

المثال الأول: تفسيره لظاهرة أن الأوصياء يكونون دائماً من سلالة النبي. حيث يؤكد (أن هذا ليس من أجل القرابة بوصفها علاقة مادية تشكل اساساً للتوارث بل من

١- محمد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص٧٦.

١٢٠