×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التحول المذهبي / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب التحوّل المذهبي لـ علاء الحسّون (ص ١ - ص ٢٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدّمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الكثير من أتباع أهل السنّة والجماعة توفّرت لهم أجواء تعرّفوا من خلالها على أفكار ومبادىء أهل البيت (عليهم السلام)، فتجلّت لهم حقائق مخالفة للأسس الفكريّة التي هم عليها، فاعترتهم حالة من الاندهاش دعتهم إلى إعادة النظر في مرتكزاتهم الفكرية وبنيتهم المعرفيّة من أجل حلّ إشكاليّة التضارب المعرفي الذي تبلور في أذهانهم.

ومن هذا المنطلق توجّه المهتمّون بأمر دينهم إلى البحث من أجل تلمّس خطى الحقيقة، فغاصوا في أعماق التاريخ ليكتشفوا الحقائق الكامنة فيه، وغربلوا المعتقدات التي هم عليها ليحدّدوا مكانتها من الصحّة والصواب، فانزاحت الستائر بالتدريج عن أبصارهم، وزالت رواسب الجهل واتربة التقليد الأعمى عن ذواتهم، وتجلّت في قلوبهم بارقةُ نور بيّنت لهم الكثير من الحقائق، فانجذبوا إلى هذا النور، وتلمّسوا الطريق إليه حتى استضاءت بصائرهم بنور الولاء لأهل البيت (عليهم السلام). ثمّ وجد الحقَّ الذي تجلّى بأوضح وأجلى معانيه في عقول هؤلاء طريقاً إلى قلوبهم فطهّرها من جميع الأدران والشوائب العالقة بها.

ثمّ تشرّبت عقليّة هؤلاء بالفكر الشيعي، وانتهلت نفوسهم من تُراث أهل البيت (عليهم السلام) ما يروى ظمأها ويحقّق لها التوازن الروحي المفقود.

ثمّ أنهى هؤلاء تقليدهم الأعمى لموروثاتهم العقائديّة، واتّبعوا ما أملت عليهم الأدلّة والبراهين الساطعة، فاعتصموا بأهل البيت (عليهم السلام) وانضمّوا تحت لوائهم وساروا في ظلّ رايتهم متمسّكين بالقرآن والعترة ليعصموا بذلك أنفسهم من الضّلال الذي

٤
حذّر الرسول (صلى الله عليه وآله) أمّتَه من الوقوع فيه من بعده.

والكتاب الماثل بين أيديكم هو دراسه لهذه الرحلة وتحليل لما يواجهه الباحث السنّي خلال استبصاره وتغيير انتمائه من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

ويشتمل هذا الكتاب على ستّة فصول تتناول البحث بصورة تحليليّة حول الطريق إلى الاستبصار، دوافع الاستبصار، موانع الاستبصار، مرحلة الاستبصار ومرحلة مابعد الاستبصار.

وقد تناول الفصل الأخير تبيين أسباب نشوء الاختلاف الدّيني وسبل المبادرة إلى معالجة هذا الأمر، مع ذكر آراء بعض المستبصرين حول الوحدة الإسلامية.

والجدير بالذّكر أنّ الاستبصار مصطلح يتضمّن جميع أنواع تغيير الانتماء من الأديان الأخرى أو المذاهب السنّية والشيعيّة كالزيديّة والاسماعيليّة وغيرها إلى المذهب الإمامي الاثني عشري.

ولكنّنا اقتصرنا في بحثنا التحليلي هذا على تغيير الانتماء من المذهب السنّي إلى المذهب الإمامي الاثني عشري فحسب، لأن التحوّل من الأديان الأخرى أو المذهب الزيدي أو الاسماعيلي إلى المذهب الاثني عشري ظاهرة تختلف دوافعها وموانعها ومساراتها عن التحوّل من المذهب السنّي إلى المذهب الإمامي الاثني عشري، ويتطلّب ذلك تحليل مغاير عن تحليل انتقال صاحب العقليّة السنّيّة إلى التشيّع الإمامي الاثني عشري.

ولهذا حددنا بحثنا التحليلي هذا وخصّصناه في جانب واحد من جوانب الاستبصار، لتكون ثمرته أدق وأفضل مما لو أردنا تعميم البحث وتناول جميع أنواع الاستبصار.

والأسلوب الذي اتّبعته في هذا الكتاب هو تحليل مرحلة مرحلة من المراحل التي يمرّ بها المستبصر خلال اعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) مع الاستشهاد في كل خطوة من خطوات الاستبصار بكلام المستبصرين المذكور في مؤلّفاتهم أو مقابلاتهم مع

٥
الصحف والمجلاّت.

وقد خصصت أيضاً جانبا كبيراً من الكتاب لذكر الدوافع التي تحفّز الباحث على الاستبصار والموانع التي يواجهها الباحث خلال استبصاره الذي لا يكون وليد يوم وليلة أو مجرّد نزوة عابرة أو أنقياد أعمى، بل هو وليد فترة ـ تختلف مدّتها من شخص إلى آخر ـ يمضيها الباحث في الدراسة الموضوعيّة والمكثّفة للمدارس المذهبيّة والفلسفات الدينيّة والبحث المضني حول أسس ومباني مذهب أهل البيت (عليهم السلام)واجراء المقارنة بينه وبين المذهب السنّي الذي كان عليه.

وفي الختام آمل أن يسدّ هذا الكتاب حاجة المكتبة الإسلاميّة التي تفتقر إلى هذه النوعيّة من الدراسات في مجال تحليل رحلة الاستبصار وتغيير الانتماء إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما في عالمنا المعاصر الذي فرض هذا الموضوع نفسه في الساحة الإسلاميّة نتيجة إزدياد عدد المستبصرين في شتى أنحاء العالم.


علاء الحسّون

٦
٧


الفصل الاول
الطريق إلى الاستبصار




٨
٩

أهمّية العقيدة:

إنّ العقيدة تشكّل في وجود الإنسان القاعدة الفكرية التي منها تنبثق أفكاره وتصوراته وتتبلور أفعاله وتصرفاته، وهي الأساس والبداية والمنطلق للفكر والسلوك، وهي الركن الأساسي في تكوين وبناء شخصية الإنسان، وهي العنصر الأساسي الموجّه لإرادته والمحرّك لعواطفه، وهي حجر الزاوية ومنطلق الوعي في حركة الإنسان نحو الأهداف السامية.

ولا يختلف اثنان بأنّ الإنسان يحتاج إلى عقيدة يقيم بناءً عليها كلّ حياته، ويلجأ إليها طلباً للحماية والشعور بالأمن النفسي الداخلي وضبط السلوك.

لأن الشخص الذي يعيش في فراغ عقائدي، ولا رأي له في الشؤون العقائديّة، أو الذي دفعته الظروف التي عاش فيها إلى تبنّي عقائد معيّنة، فاعتقد بها من دون وعي ولا إعمال للعقل، فهو إنسان خائر القوى، متردّد الخطى، يعيش حالة الخمول والركود.

ولكن المشكلة تكمن في وصول الإنسان إلى العقيدة المبتنية على الأسس والمبادىء القويّة التي تسمو بالفرد إلى أعلى المستويات، وتحفّزه على اتّباع طريق الحق والخير والرشاد، وترفع من شأنه وتصحّح مسار حياته وتنظّم نزعاته ورغباته، وتوجّه طاقاته نحو الاتجاه السليم.

وذلك لأنّ العقيدة الفاسدة التي تستمد وجودها من الأوهام والتخيلات، ليس من شأنها إلاّ تحفيز الإنسان نحو الانحراف و الوغول في الشرّ والفساد.

ولكن العقيدة الصحيحة والسليمة من التحريف والنقيّة من الشوائب ترسم

١٠
للانسان أفضل المناهج العمليّة لنيل الحياة الطيّبة في الحياة الدنيا والسعادة فيما بعدها، لأنّها تمنح صاحبها القدرة على استبدال الضعف في كيانه بالقوّة والعزم والثبات، وتدفعه إلى استقطاب طاقاته وتسييرها بعزم لخوض غمار الحياة نحو الأهداف النبيلة، وتصوغ شخصيته بحيث يغدو فرداً لا يعرف التردد ولا يرضخ للهوان.

والذي يُوفّق للاستبصار هو الذي يعي بوضوح هذه الأمور ويدرك أن العقيدة تمتلك المكانة الأولى في حياة الإنسان، وأن من حقها أن تلقى من العناية والاهتمام ما يناسب مكانتها ويليق بشأنها.

ولهذا يندفع هكذا شخص إلى مراجعة عقيدته، وتقييم نظرته الكونيّة، ليحاول من جديد تشييدها عن وعي كامل وقناعة تامّة، وعلى أساس الأدلّة والبراهين والاستدلالات العلميّة، ليصل إلى العقيدة التي تبلغ من القوة في الاقناع أن تفرض نفسها على العقل، وأن تستولي على وجود الإنسان، وتهيمن على وجدانه من دون إرادته.

ويعيد هكذا شخص النظر من جديد إلى معتقداته الموروثة والتي تلقاها من البيئة التي عاش فيها، ليرى مدى عنايتها بتقويم تصوراته واغنائه بأسمى وأروع ما يتبناه من الفكر السليم.

ومن هذا المنطلق يقوم هكذا شخص بغربلة أفكاره وتوسيع آفاق رؤيته بالبحث والتنقيب والمطالعة، ليصل إلى عقيدة شاملة تستقي من مشرب الوحي والعقل السليم والهدي القويم، وتستمد وجودها من كلام الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله)الذي لا ينطق عن الهوى، حتى يصل إلى أفكار ورؤي واضحة المفاهيم، جليّة المعالم، لا يكسوها ابهام، ولا يستُرها لغز، وليس فيها تلفيق أو التباس أو تعارض أو تناقض.ليطمئن بعدها أنّه بعيدٌ عن التيّارات الهدّامة التي حملت معها المؤامرة، فانخدع بها الكثير من ابناء المسلمين، وانجرفوا بها حتى سقطوا في أودية التيه والضلال.

١١
ودأب صاحب هكذا شخصيّة خلال غربلته لأفكاره أنّه إنْ وجد في معتقداته أوهام أو قضايا مزيّفة أو تقاليد عمياء، فانّه يقوم بتطهير عقيدته من هذه الشوائب وتنقيحها من الادران العالقة بها.

اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة:

إنّ عقليّة الشخص الذي يوفّق للاستبصار عقليّة علميّة تحاول باستمرار أن تقف وقفة التأمل والتمحيص عند مرتكزاتها الفكريّة و أصولها العقائديّة، لتستبدل أفكارها الخاطئة بالأفكار الصحيحة وتحفّز عقلها على الانعتاق من دوائر التبعيّة والتقليد الأعمى، لتستطيع عبر البحث المبني على القواعد العلميّة الرّصينة أنْ تكوّن لنفسها عقيدة صادقة وأصول و مبادىء سليمة.

لأنّ عقليّة هكذا شخص تدرك بوضوح أهميّة البحث في المجال العقائدي، وتدرك ما للعقيدة من صلة وثيقة بنشاط الإنسان الحيوي والعملي، وتعي أثر المعتقد على الإنسان نفسياً واجتماعياً وفكرياً.

وبهذه العقليّة يدرك هكذا شخص أنّه ينبغي أن يقوم بدراسة دقيقة لأفكاره و موروثاته العقائديّة، ولا يصلح له أن يتغافل عنها أو يغضّ الطرف دونها، لئلا يسير على المسار الخاطىء وهو لا يشعر، ولئلا يستطيع الانتهازيون صرفه عن الحق وهو جاهل، ولئلا يتعلّق بأذيال فهم خاطىء، أو يقع في شباك فرقة ضالّة، ولئلا يكون "إمّعة" في تصديق الأفكار والمعتقدات التي تعرض عليه.

فلهذا لا يكون هكذا الشخص من الذين يقفون من أمر عقائدهم موقف اللامبالاة، أو من الذين يكون موقفهم موقف من لا يعنيه شيء من أمر عقيدته، أو يقومون باغلاق عقولهم عن التفكير في هذا المجال.

بل يقوم هكذا شخص بعمليّة غربلة معتقداته ليطرح أفكاره الرديئة ويستبدلها بالافكار والرؤى السامية، ويخوض رحلة فكريّة بحثا عن الحقيقة، فيحكّم عقله

١٢
ويقوم بتمحيص الحقّ ليعرفه من بين ركام الباطل.

و نجد في أقلام المستبصرين، بوضوح الاشارة إلى اهتمامهم بهذا الأمر ودعوتهم الاخرين إلى البحث في المجال العقائدي، ومنهم يقول طارق زين العابدين:

" إنّ الدين الإسلامي لمّا كان هو نظام الحياة الذي يجب أن يؤسّس كل مؤمن حياته عليه ويبني عليه مصيره، كان لابد أن يقوم اعتقاد كهذا على أساس يبعث اليقين والطمأنينة.

ولا يصحّ أن تُنال المصائر بالظنون والتوهّم، أو تنال بالتقليد الأعمى الذي لا يعرف صاحبه الدليل والحجّة غير ما كان عليه آبائه الأوّلون، فاذا سُئل: لماذا أنت مسلم؟ فانه لا يجيب إلاّ بالصمت والحيرة.

وإذا قيل له لماذا أنت شيعي أو سنّي أو مالكي أو...؟ تراه يخطرف في الإجابة.

كل ذلك لأنّه لم يفكّر في اعتقاده ومصيره من قبل بحريّة، بل قام كل ما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي، فصار على هذا مسلماً: شيعيّاً أو سنّياً "(١).

ويقول هذا المستبصر في مكان آخر من كتابه حول أهميّة التوجّه إلى البحوث العقائديّة:

" إنّ الحياة الدنيا ليست مجالاً لاكتساب أعمال قد أحيطت بالظنون وطُوّقت بالأوهام إذ أنّها حياة ـ وهي تؤدّي إلى مصير كهذا قطعاً ـ لا تحتمل ذلك لمحدوديّتها وقصرها، فلابدّ إذاً أن يكون كلّ فعل يُكتسب فيها مؤسّساً على اليقين والحق، والفعل الذي يبعث الاطمئنان على النتائج، فتأسيس هذه الحياة على الظن والأوهام لا ينتهي إلاّ إلى هذين "(٢).

ثم يضيف هذا المستبصر قائلاً:

١- طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ٨.

٢- المصدر السابق: ١٥.

١٣
" والحصول على هذا اليقين أولى ما يكون في العقيدة، إذ أنّها أصل لكل فرع، وفساده في فسادها الذي هو موجبٌ لكلّ فساد لا محالة، إذ العقيدة هي التي نَعنيها بالتحقيق والتصحيح حتى تبدو وقد تأسّست على الحقيقة واليقين، فلابدّ إذاً من التحقق من سلامتها بالفحص واعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبّر في أحوالها "(١).

ويقول ياسين المعيوف البدراني في هذا الخصوص:

" إنّه من واجب الإنسان الواعي أن يجعل الفكر والتبصر والتأمل رائداً له في سلوك الطريق الذي يوصل إلى الحقّ سبحانه وتعالى آخذاً بالعقائد الصحيحة وتاركاً النزعات القبلية والعنصريّة والقوميّة التي لا تولد عنده إلاّ القلق الدائم والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي "(٢).

ويضيف هذا المستبصر قائلاً:

" يا إخوتي في مثل هذه الحالة العقيمة المرة التي نعيشها وسط مذاهب متعدّدة وطرق إسلاميّة شتى لمَ لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي كي نتمسّك به؟ ولماذا نأخذ الإسلامَ من موقع واحد؟ بينما هناك طرق ومشارب عديدة والله سبحانه وتعالى يقول: ( فَبَشِّرْ عباد الّذينَ يَستَمعُونَ القولَ فَيتَّبعُونَ أحسَنه)(٣).

... وعلى هذا فمن واجب المسلم أن يدرس وأن يتأمّل المذاهب المطروحة في السّاحة الإسلاميّة وأن يعتمد على عقله وتفكيره وعلى عوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه، وعند الاختلاف فإنّ الحق بيّن واضح لا يتعدّد ولا يأخذ مظاهراً وصوراً وأشكالاً شتى خلافاً لما يرى ويقول المصوّبة المغرضون "(٤).

١- المصدر السابق: ١٦ ٢- ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٤٩.

٣- الزمر: ١٧.

٤- ياسين المعيوف البدراني / ياليت قومي يعلمون:٤٩.

١٤

دوافع اهتمام المستبصرين بالبحوث العقائديّة:

إنّ الشخص الذي يوفّق للاستبصار ـ كما ذكرنا ـ دأبه التطلّع نحو المعرفة المُبتنية على الأدلّة الرّصينة والبراهين السديدة، وديدَنه السير في طريق البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة.

وهذه الحركة نحو البحث من أجل فهم الواقع لا تتقدّم إلاّ عبر وجود ما يحفّزها، ومن جملة الدوافع الكثيرة التي تستثير همّة الانسان للبحث العقائدي، الحقيقة، وتشعل في صدره جذوة البحث عن الحقيقة، يمكننا ذكر الأمور التالية:

١ ـ حبّ المعرفة والاستطلاع والشعور بالرغبة في تلمّس الحقيقة، وتوسيع دائرة الوعي، والنهوض بالمستوى العلمي، والاستزادة من معرفة الحق، والوقوف على كنهه وحقيقته.

وهذا هو السبب الذي دفع ياسين المعيوف البدراني للبحث، حيث أنّه يقول:

" طلباً للمعرفة واستزادةً منها التقيت بعينات من أهل القرى والمدن مما جعل بيني وبينهم بعض المناقشات والمحاورات التي ولّدت عندي حافزاً جديداً لأن أعيد النظر في قراءاتي السابقة وأن أقارن بينها وبين كتب أخرى وما تحمل في طيّاتها من قضايا التاريخ ومجرياته.

ولقد وجدت عند الكثير ممّن كنت أحاورهم وآخذ منهم تقاعساً عن اقتحام الحقيقة وصمتاً أمام الدّليل الواضح متمشين في ذلك مع ما يطلب الواقع ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد، لكنّني عزمت على العمل الدؤوب والاستمرار في تقصّي الحقيقة ومعرفتها "(١).

٢ ـ التوجّه بعد سموّ الوعي إلى الاهتمام بتنقيح القناعات وبنائها على ضوء الفكر السليم، والبحث الجادّ من أجل تطهير العقل من الخرافات المحتملة التي تأخذ بيده إلى

١- ياسين المعيوف البدراني/ ياليت قومي يعلمون: ٥.

١٥
عالم الأوهام، لأن الرأي الفاسد الواحد يكفي لتهيئة العقل لتقبّل المزيد من شاكلته.

٣ ـ إيقاظ روح الجري وراء الحقيقة وتقصّيها، والتطلّع إلى كسب البراهين، من أجل الوصول إلى العقيدة والرؤى الفكريّة التي لم ينسجها الخيال البشري وفق ما تقتضي مصالحه ومآربه وأهواءه النفسيّة، ومن ثم التمكّن من صيانة النفس من الاتجاهات الباطلة والوصول إلى العقيدة السليمة التي تحفظ الإنسان من قبول الأفكار الضالة والمنحرفة.

وبعبارة أخرى، الوصول إلى العقيدة التي تقدّم لصاحبها الحقيقة بصورة مقنعة وشاملة، وتعينه ليحصل على اليقين الكامل والتفسير النهائي، بحيث تهديه إلى الصراط المستقيم وتوصله إلى سبيل الرشاد.

ولهذا يقول إدريس الحسيني:

" والسؤال الذي يجب أن يطرحه كلّ مسلم على نفسه: لماذا أنا من هذه الفرقة ولست مع تلك؟

هل الوراثة هي السبب أم الاجتهاد والقناعة؟

إذا كانت القناعة كما يدّعي البعض، فهي تعني الانسحاب من المذهب والبدء في مسيرة بحث محايدة ومتكافأة، أو قراءة التاريخ من أجل البحث عن الصواب، والاستعداد النفسي لخسران الكثير من المسلّمات. والقراءة عن هذه الفرقة وكأنّها فرقة القارىء.. ثم تحكيم العقل، والقرآن والوجدان.. وجدير بنا القول آنئذ: (اللهمّ ما عَرّفتَنا من الحَقّ فحمّلناه وما قَصُرنا عَنه فبلّغناه).

أمّا أن نصم الأذان، ونعمي الأبصار، بحجة الايمان والتقوى هو خداع نفسي، وهروب من ضغوط الحق، ودفن للرأس في الرمال "(١).

٤ ـ إبراء الذمّة أمام الله سبحانه وتعالى، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) حذّر أمته بأنّها ستفترق

١- إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٩٦ـ٩٧.

١٦
إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة، وهذا ما يوجب على المسلم الاهتمام بمعرفة الحقّ.

ولهذا يقول محمد علي المتوكّل:

" فالأمر كما ترى جد خطير، فمجرّد أن يكون هناك احتمال، ولو بنسبة ١%، أنْ تكون من الأغلبيّة الضالّة هو أمر يدعو إلى الخوف ويدفع إلى التدقيق وإمعان النظر في كلّ الموروث ومراجعته، علّه يكون زائفاً.

وطالما أن الأمر أمرُ جنّة أو نار، فهو جدير بأن ينذر المرء ما تبقى من أيّام عمره- إذا تطلب الأمر- للبحث والتحقيق وتحري السبيل التي تقود إلى النجاة والطريق التي تنتهي به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم التصميم على اتّباع نتائج البحث حتى ولو كانت نسفاً لكلّ التراث الفكري والعقائدي، وخروجاً على الأسرة والمجتمع.

قد لاتكون في شك من سلامة أيٍّ من معتقداتك ومسلّماتك التاريخيّة، مع أنّها في الغالب تكون مجرّد تقليد أعمى وتبعيّة ساذجة للاسرة والمجتمع، فلماذا لا تخصّص جزءاً من وقتك واهتمامك للتحقق من مطابقة معتقداتك لحقائق الدين، ومسلّماتك التاريخيّة للواقع التاريخي؟ فإنّك إن فعلت لن تخسر شيئاً، بل تكون لك الحجة إذا ما سئلت عن مصدر قناعاتك، ولا تكون من الذين يقولون إنّا وجدنا آباءنا على ملّة وإنّا على آثارهم مقتدون، وعندئذ تكون حجّتك داحضة وعذرك مردوداً "(١).

ويقول طارق زين العابدين في هذا المجال:

" إنّ الاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلاّ فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟

١- محمد علي المتوكّل/ ودخلنا التشيّع سجّداً: ٨.

١٧
هذا امر لا أظنّ سيَستَهونَه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب ثمّ ثواب أو عقاب، ولا أظنّ إنساناً صدّق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النّجاة والسلامة. فالتحقيق والبحث هو سبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة "(١).

ويقول مروان خليفات أيضاً في هذا المجال:

" ونحن نرى اليوم أن المسلمين فرق عديدة، وكلّ واحدة تدّعي أنّها على الحق، وقد رأيت أن هذا الأمر مهم جدّاً، وعليه يتوقّف مصير الإنسان، لذا فحري بكلّ مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة فيتبعها.

... ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحريّة و موضوعية، كي تبرأ ذمّته ويلقى ربّه بقلب سليم "(٢).

ويقول إدريس الحسيني حول أهمية الوصول إلى القطع الذي تثبت به براءة الذمّة:

" وليكن ما يكون، ولكن لابدّ لي أن أفكّر، وأمارس كينونتي في الوجود، لأبرىء ذمّتي، طلباً للحقّ والتماساً للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري.

المهم هو الوصول إلى (القطع) الذي تثبت به المعذريّة.

وهذا القطع لابدّ أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث "(٣).

ويقول التيجاني السماوي حول تأثّره بحديث الافتراق والأهميّة التي يحظاها هذا الحديث:

" قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (افترقت بنو اسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمّتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة).

فلا كلام لنا مع الأديان المتعدّدة التي يدّعي كلّ منها أنه هو الحق وغيره الباطل،

١- طارق زين العابدين/ دعوة إلى سبيل المؤمنين: ١٦ـ١٧.

٢- مروان خليفات/ وركبت السفينة: ١٩.

٣- إدريس الحسيني/ لقد شيّعني الحسين: ٩٤.

١٨
ولكن أعجب واندهش واحتار عند قراءة هذا الحديث.

وليس عجبي واندهاشي وحيرتي للحديث نفسه، ولكن للمسلمين الذين يقرؤون هذا الحديث ويردّدونه في خطبهم ويمرّون عليه مرّ الكرام بدون تحليل ولا بحث في مدلوله لكي يتبيّنوا الفرقة الناجية من الفرق الضالة.

والغريب أنّ كلُّ فرقة تدّعي أنّها هي وحدها النّاجية وقد جاء في ذيل الحديث:

(قالوا: من هم يارسول الله: قال (صلى الله عليه وآله): من هم على ما أنا عليه، أنا وأصحابي).

فهل هناك فرقة إلاّ وهي متمسّكة بالكتاب والسنة؟

وهل هناك فرقة إسلاميّة تدّعي غير هذا؟

فلو سئل الامام مالك أو أبو حنيفة أو الإمام الشافعي أو أحمد بن حنبل، فهل يدّعي أي واحد منهم إلاّ التمسّك بالقرآن والسنّة الصحيحة؟!

فهذه المذاهب السنيّة، وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعيّة التي كنت أعتقد بفسادها وانحرافها، فها هي الأخرى تدّعي أيضاً أنّها متمسّكة بالقرآن والسنّة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطّاهرين (عليهم السلام)، وأهل البيت أدرى بما فيه كما يقولون.

فهل يمكن أن يكون كلّهم على حق كما يدّعون؟

وهذا غير ممكن، لأن الحديث الشريف يفيد العكس، اللهمّ إلاّ إذا كان الحديث موضوع، مكذوب، وهذا لا سبيل إليه، لأنّ الحديث متواتر عند السنّة والشيعة، أم أن الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول وهو الذي لا ينطق عن الهوى وكل أحاديثه حكمة وعبر.

إذاً لم يبق أمامنا إلاّ الاعتراف بأن هنا فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو الباطل، فالحديث يبعث على الحيرة كما يبعث على البحث والتنقيب لمن يريد لنفسه النجاة.

ومن أجل هذا داخلني الشك والحيرة بعد لقائي بالشيعة فمن يدري لعلّهم يقولون حقّاً وينطقون صدقاً؟!

ولماذا لا أبحث ولا أنقب، وقد كلّفني الإسلام بقرآنه وسنّته أن أبحث

١٩
وأقارن وأتبيّن.

قال الله تعالى: ( والّذينَ جَاهَدُوا فينَا لَنَهْديَنَّهُم سُبُلَنا)(١).

وقال أيضاً: ( الّذينَ يَستَمعوُنَ القَولَ فَيَتَّبعوُنَ أحْسَنَه أوْلئكَ الَّذينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأوْلئِكَ هُم أوْلُوا الألْبَابِ)(٢).

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ابحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون); فالبحث والمقارنة واجب شرعي على كلّ مكلّف "(٣).

٥ ـ الرغبة في توسيع آفاق الرؤية والمعرفة وازدياد البصيرة و رفع مستوى الثقافة الدينيّة من خلال الانفتاح على باقي المذاهب.

ويندفع الباحث إلى هذه الأمور لتكون زاوية رؤيته للامور الدينيّة رحبة ومتسمة بالشموليّة، وليتسنّى له بعد الالمام بالرؤية الدينية ان يتّبع أحسنها وأن يسلك أفضلها، ولعلّه يجد ضالّته المنشودة في مذهب آخر!

٦ ـ انقاذ النفس من التيه والضياع والتخبّط والفوضى في الصعيد الفكري والفراغ العقائدي والخواء الروحي، و ملئه بعقيدة تعيد للإنسان توازنه المفقود، وتمدّه بالعطاء والغذاء الروحي، وتأخذ بيده إلى الكمال والتسامي، بحيث يترك ذلك أثره الإيجابي في سلوكه وتصرفاته وتوجّهاته.

٧ ـ ارتقاء المستوى الفكري وبلوغ مرتبة النضج في الادراك والتفكير، والتمكّن من الموازنة بين الأمور بتعقّل وحكمة، ومن ثم التوجّه انطلاقاً من الشعور بالثقة والاحساس بالجدارة نحو البحث عن معين يغذّي العقل بمفاهيم نقيّة لا تشوبها أيّة شائبة.

لأنّ الإنسان نتيجة تراكم التجارب التي يتلقّاها خلال حياته، تنشأ في سريرته مجموعة منبّهات تدفعه ليعيش حالة اليقظة والوعي والبصيرة، فيبدأ الإنسان بعد ذلك

١- العنكبوت / ٦٩.

٢- الزمر: ١٨.

٣- محمد التيجاني السماوي/ ثم اهتديت: ٦٤ـ٦٥.

٢٠