×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تصحيح القراءة في نهج البلاغة / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠



الفصل الثاني عشر



مهمّة ولاة الأمر
في الإسلام




٣٤١
٣٤٢
قال الدليمي:

" يقول تعالى: { يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ ذَا لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }(١).

ـ قال: ـ فأفرد تعالى لنفسه طاعة ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) طاعة ولم يفرد لأُولي الأمر طاعة مستقلّة بهم، إنّما طاعتهم داخلة تحت طاعة الله وطاعة رسوله، وأرشد عند النزاع أن نردّ الأمر إلى الله والرسول ولم يقل: (أُولي الأمر)، فلم يجعل لأُولي الأمر شيء عند النزاع، فليس هناك أحد يُردّ إليه الأمر عند النزاع غير الله والرسول.

وإليك ما ورد عن سـيّدنا عليّ (رضي الله عنه) في نهج البلاغة من تفسير هذه الآية طبّقه على نفسه لمّا نازعه القوم فردّهم إلى كتاب الله ولم يردّهم إلى نفسه: (ولمّا دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب الله، وقد قال الله سبحانه: { فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ; فردّه إلى الله أن نحكم بكتابه، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسُـنّته). ج ٢ ص ٥.

١- سورة النساء: الآية ٥٩.

٣٤٣
وهكذا فعل سيّدنا عليّ عند النزاع، ولو كان معصوماً لَما قبل التحكيم وجوّز لهم أن ينازعوه وإنّما يقيم لهم الدلائل على عصمته وبعدها ينتهي كلّ شيء.

ويقول في موضع آخر: (واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأُمور ; فقد قال الله تعالى لقوم أحبّ إرشادهم: { يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ; فالردّ إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والردّ إلى الرسول الأخذ بسُـنّته الجامعة غير المفرّقة). ج ٣ ص ٩٣ ـ ٩٤ "(١).

أقول:

اشـتبه على الكاتب هنا معرفـة مهمّة ولاة الأمـر، وحسب أنّ ولاة الأمـر لا دور لهم عند حـدوث التنازع بين المؤمنين، وأنّ الرجـوع يكون للكتاب والسُـنّة فقط، حسب ما فهمه من الآية " ٥٩ " من سورة النساء، وغاب عنه أنّ حذف كلمة " أُولي الأمر " في عجز الآية كان اعتماداً على قرينة سابقة.

والحذف جائز، بل يجب ـ كما هو معلوم في علم البلاغة ـ إذا دلَّ على المعنى المراد دليل من قرينة لفظية أو حالية، سابقة أو مقارنة.

وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، فعُلم أنّ الردّ يكون إليهم كما يكون لله والرسول، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَْمْرِ

١- ص ٣١ ـ ٣٢.

٣٤٤
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ }(١).

ومهمة ولاة الأمـر في الأساس هي المحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامية بطرفيها: الكتاب الكريم، والسُـنّة الشريفة المبيّنة له، وإيقاف المسلمين على أحكامهما، وتوضيح ما استشكل على المسلمين فهمه من أُمور دينهم، سواء ما كان منه في أُمور العقائد، أو في العبادات والمعاملات وغيرها.

وقد ورد عن أمير المومنين (عليه السلام) قوله في نهج البلاغة: " السلطان وزعة الله في أرضـه "(٢)، وهذه المهمّة العظيمة لولاة الأمر لا يستطيع القيام بها على الوجه الصحيح إلاّ مَن كان معصوماً ; لذا استدلّ الفخر الرازي على عصـمة أُولي الأمر في الآية " ٥٩ " من سورة النساء ; لمحلّ الجزم بطاعتهم، في ما نقلناه عنه سابقاً(٣).

١- سورة النساء: الآية ٨٣.

٢- الوزعة ـ بالتحريك ـ: جمع وازع، وهو: الحاكم يمنع من مخالفة الشريعة، والإخبار بالجمع ; لأنّ " أل " في السلطان للجنس..

راجع: نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٤ / ٧٨.

وقد ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) قوله في الإمامة أو ولاية الأمر، فالمعنى واحد:

" إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أُس الإسلام النامي، وفرعه السامي..

بالإمام تمام الصلاة والزكاة والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف..

فالإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة... ".

راجع: تمام كلامه (عليه السلام) في أُصول الكافي ١ / ١٩٨.

٣- انظر: ص ٣٠٢ ـ ٣٠٣.

٣٤٥
وأمّا كون أنّ الله عزّ وجلّ لم يفرد لأُولي الأمر طاعة مستقلّة، وإنّما طاعتهم داخلة تحت طاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال الدليمي، فهذا الدليل عليه لا له ; لأنّ الآية جعلت إطاعة أُولي الأمر كإطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم تفصل بينهما، لبيان حالة الاتّحاد والمجانسة بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر، وهو الأمر الّذي أشار إليه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر من مورد ومورد من أحاديثه عند ذكره لولاة الأمر من أهل بيته (عليهم السلام) (١).

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوالي عليّاً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي ; فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي "(٢).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي "(٣).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني "(٤).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللّهمّ مَن آمن بي وصدّقـني، فليتولّ عليّ بن أبي طالب ; فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله عزّ وجلّ "(٥).

١- راجع مَن ذكر أنّ " أُولي الأمر " في قوله تعالى: في الآية " ٥٩ " من سورة النساء هم: عليّ والأئمّة من ولده: الفخر الرازي في تفسيره ٣ / ٣٥٧، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١ / ٨٩، أبو حيّان الأندلسي في البحر المحيط ٣ / ٢٧٨، الحافظ الحنفي في ينابيع المودّة ١ / ٣٤١ و ٣٥٠.

٢- سبق ذكر مصادره في ص ١٧٣ ; وانظر: ص ٢٥٤.

٣- تقدّم ذكر مصادره بالتفصيل في الفصل الرابع من هذا الكتاب عند ذكر النصوص الواردة بالنص على عليّ (عليه السلام) بالخلافة ; انظر: ص ١٣٤.

٤- سبق ذكر مصادره في ص ١٦٩.

٥- تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٩، كنز العمّال ١١ / ٦١١ ; يرويه عن الطبراني، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٨ ; يرويه بلفظ: " مَن تولاّه فقد تولاّني "، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحسب فيهما جماعة ضعفاء، وقد وثّقوا. انتهى.

وانظر: ص ١٧٢.

٣٤٦
وما قلناه سابقاً في أوّل الكتاب عند حديثنا عن العودة إلى القرآن الكريم ـ بأنّ العودة الصحيحة إنّما تكون بالعودة إلى مفسّريه وتراجمته العارفين بعلومه، والّذين سمّاهم الله عزّ وجلّ في كتابه بـ: { أَهْلَ الذِّكْرِ }و { الرَّا سِخُونَ فِى الْعِلْمِ }، وجعلهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عدلا للكتاب، وأخبر أنّ التمسّك بهم مع الكتاب عصـمة من الضلالة أبد الآبدين، وجعل مثلهم في أُمّته كسفينة نوح الّتي مَن ركبـها نجا ومَن تخلّف عنها غرق وهوى ـ يجري هنا في مهمّة ولاة الأمر أيضاً.

وسنطبّق هذا المعنى ـ الّذي أشرنا إليه ـ من خلال الكتاب نفسـه، الّذي كان يقرأه الكاتب، وهو كتاب نهج البلاغة، بل ومن خلال النصّ الّذي جاء به أيضاً..

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسيره لكيفيّة الردّ إلى الله والرسول الوارد في الآية الكريمة ـ " ٥٩ " من سورة النساء ـ: " الردّ إلى الله أن نأخذ بمحكم كتابه(١)، والردّ إلى الرسول الأخذ بسُـنّته الجامعة غير المفرّقة "(٢).

فإنّ الإنصات إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ كونه وليّ الأمر الواجب الطاعة في زمانه ـ في تفسيره لكيفيّة الردّ إلى الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند التنازع كان يحلّ أي مشكلة يمكن أن تحصل بين المسلمين في زمانه،

١- محكم الكتاب: نصّـه الصريح.

٢- سُـنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها جامعة، ولكن رويت عنه سُـنن افترقت بها الآراء ; فإذا أخذت فخُـذْ بما أُجمع عليه، ممّا لا يختلف في نسبته إليه.

نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٣ / ٩٤.

٣٤٧
ولكن ما بالك إذا كان رأي الطرف المقابل له من المسلمين ـ إذا قلنا بعدم لزوم العودة إلى أُولي الأمر والأخذ بقولهم ـ أن يرجع إلى متشابه القرآن دون محكمه، كما فعل الخوارج، أو يرجع إلى السُـنّة المفرّقة دون الجامعة، كما فعل معاوية؟!

فهل ترى أنّ مثل هذا الاختلاف يحلّ المشكلة؟!

وهل يعدّ فعلهما ردّاً إلى الله ورسوله مع أنّ كليهما حسب الظاهر ردّ إلى الله والرسول؟!!

ومن ذلك، أي ضرورة الأخذ بقول ولاة الأمر الشرعيّين وإطاعتهم، نعلم أهمّية دور أُولي الأمر في إيقاف المسلمين على البيان الصحيح للكتاب والسُـنّة، اللّذين يُعدّان المرجعين الوحيدين للمسلمين في حلّ النزاعات الدائرة بينهم ; فتدبّر!

معرفة ولاة الأمر له دخل في حسن العاقبة:

بل علمنا ـ أيضاً ـ أنّ معرفة ولاة الأمر أمر واجب على كلّ مسلم ومسلمة، وفي كلّ زمان ومكان، وأنّ لهذا الأمر دخل في حسن عاقبة المرء من عدمها..

جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "(١).

١- سبقت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٠٢..

وممّا ورد في مضمون هذا الحديث قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية "..

كتاب السُـنّة: ٤٨٩ ; قال الألباني: إسناده حسن، مسند أبي يعلى ١٣ / ٣٦٦، المعجم الأوسط ٦ / ٧٠، كنز العمّال ١ / ٢٠٧، مجمع الزوائد ٥ / ٢٢٤ و ٢٢٥.

وجاء في الجامـع لأحكام القرآن ـ للقرطـبي ـ ١٠ / ٢٩٧، والدرّ المنـثور ـ للسيوطي ـ ٤ / ١٩٤: عن ابن مردويه، عن عليّ (رضي الله عنه)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاس بِإِمَـمِهِمْ)، قال: يُدعى كلّ قوم بإمام زمانهم وكتاب ربّهم وسُـنّة نبيّهم ". انتهى.

وهناك جملة من الأحاديث الواردة في هذا المضمون يمكن متابعتها مع مصادرها في موسوعة الغدير ١٠ / ٢٧٢ و ٢٧٣.

٣٤٨
كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة للشيخ خالد البغدادي (ص ٣٤٩ - ص ٣٥٩)

٣٤٩
قال: " إلزموا مودّتنا أهل البيت ; فإنّه مَن لقي الله وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والّذي نفسي بيده! لا ينفع عبـداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا "(١).

والملاحظ:

أنّه ليس المراد من معرفتهم هنا مجرّد معرفة أسمائهم وأشخاصهم، وكونـهم أرحام رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فإنّ أبا جهل وأبا لهب ليعرفان ذلك كلّه، وإنّما المراد: معرفة أنّهم أُولو الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، على حدّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية ".

والمراد من حبّهم وولايتهم المذكورَين: الحبّ والولاية اللازمان " عند أهل الحـقّ " لأئمّة الصدق من المتابعة والمطاوعة لهم في أُصول الدين وفروعه، وهذا في غاية الوضـوح(*).

١- المعجم الأوسط ٢ / ٣٦٠، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٢، الصواعق المحرقة: ١٣٨، إحياء الميّت: ١١٢، إسعاف الراغبين: ١١١.

* كما أشار إلى ذلك السيّد شرف الدين في مراجعاته مع شيخ الجامع الأزهر: ٥٨..

وأقـول:

إنّ من جمع أحاديث الباب السابق، أي أحاديث " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "، وأحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الخلفاء والأئمّة من بعده " اثنا عشر، كلّهم من قريش "، الواردة في كتب المسلمين وصحاحهم، استفاد من مجموع ذلك: أنّ وجود الأئمّة الاثني عشر مستمرّ إلى انقضاء الدهر.

ولم يدّع أحد من المسلمين على مختلف فرقهم وطوائفهم إمامة هذا العدد مستمرّاً إلى آخر الدهر سوى الشيعة الإمامية، فيتعيّن من ذلك: أن تكون هي الفرقة الناجية والمتحرّزة من ميتة الجاهلية.

وقد أكّد هذا المعنى: الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر محمّـد بن موسى الشيرازي في تفسـيره: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ (عليه السلام)، حين سأله عن الفرقة الناجية أنّها: المتمسّك بما أنت وشيعتك وأصحابك...

وإليك تمام الحديث:

روى الحافظ الشيرازي في تفسيره، الّذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر لعلماء أهل السُـنّة: تفسير أبي موسى يعقوب بن سفيان، تفسير ابن جريح، تفسير مقاتل بن سليمان، تفسير وكيع بن جرّاح، تفسير أبي عبيدة القاسم بن سلام، تفسير عليّ بن حرب، تفسير السـدّي، تفسير مجاهد، تفسير مقاتل بن حيان، وتفسير أبي صالح ; وكلّهم من السُـنّة..

رووا عن أنس بن مالك، قال: كنّا جلوساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتذاكرنا رجلا يصلّي ويصوم ويتصدّق ويزكّي، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا أعرفه ".

فقلنا: يا رسول الله! إنّه يعبد الله ويسبّحه ويقدّسـه ويوحّـده.

فقال: " لا أعرفه ".

=>

٣٥٠

<=

فبينا نحن في ذكر الرجل، إذ طلع علينا فقلنا: يا رسول الله! هو ذا. فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لأبي بكر: " خـذ سيفي هذا وأمضِ فيه إلى هذا الرجل واضرب عنقه ; فإنّه أوّل مَن يأتي في حزب الشيطان ".

فدخل أبو بكر فرآه راكعاً، فقال: لا والله لا أقتله ; فإنّه نهانا عن قتل المصلّين.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اجلس فلست بصاحبه، قم يا عمر! فخذ سيفي هذا من يد أبي بكر وادخل المسجد واضرب عنقه ".

قال عمر: فأخذت السيف من يد أبي بكر ودخلت المسجد ورأيت الرجل ساجـداً، وقلت: لا والله لا أقتله، وقد استأذن مَن هو خير منّي، فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا رسول الله! إنّي وجدته ساجداً!

فقال: " يا عمر! اجلس فلست بصاحبه، قم يا عليّ! فإنّك قاتله فإن وجدته فاقتله ; فإنّك إن قتلته لم يبقَ بين أُمّتي خلاف أبداً ".

قال عليّ (عليه السلام): " فأخـذت السيف ودخـلت المسـجد فلم أره، فرجعت إلى رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: يا رسول الله! ما رأيته ".

فقال: يا أبا الحسن! إنّ أُمّة موسى (عليه السلام) افترقت على إحدى وسبعين فرقة، فرقة ناجـية والباقـون في النار، وإنّ أُمّـة عيسـى افترقت على اثنتين وسبعين فرقـة، فرقة ناجية والباقون في النار، وسـتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار ".

فقلت: " يا رسول الله! فما الناجية؟ ".

قال: " المتمسّك بما أنت وشيعتك وأصحابك ".

فأنزل الله في ذلك الرجل: (ثَانِىَ عِطْفِهِى لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ). سورة الحجّ: الآية ٩..

يقول: هذا أوّل مَن يظهر من أصحاب البدع والضلالات ; قال ابن عبّـاس: والله! ما قتل الرجل إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم صِفّين (صوابه: يوم النهروان).

قال تعالى: (لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ) أي: بالقتل، (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) أي: بقاتله عليّ بن أبي طالب. انتهى.

وقد ذكر هذا الحديث الشريف أيضاً: العلاّمة الشيخ حسن الصيمري في كتابه: الإلزام، ورواه بعين ما تقدّم: العلاّمة عليّ الكركي في نفحات اللاهوت: ٨٦، ط الغري، عن الإلزام.

ورواه العلاّمة السـيّد محمّـد بن يوسف التونسي ـ الشهير بـ: «الكافي» ـ في السيف اليماني المسلول: ١٦٩ ; قال: روى أبو بكر الشيرازي في كتابه، المستخرج من التفاسير الاثني عشـر: قال عليّ: " يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! مَن الفرقة الناجية؟ "، فقال: " المتمسّكون بما أنت عليه وأصحابك ". انتهى.

ولمزيد المتابعة ; راجع: إحقاق الحقّ ١ / ١٤٨.

=>

٣٥١

<=

والرجل الّذي أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله هو رأس الخوارج فيما بعد، الملقّب بـ: ذي الثدية..

راجع: مسند أحمد ٣ / ١٥، ترجمة ذي الثدية في الإصابة ـ لابن حجر ـ ١ / ٤٨٤، العقد الفريد ـ لابن عبـد ربّه الأندلسي ـ ١ / ١٦٧ و ٢ / ٤٠٣ و ٤٠٤.

أقول:

ويوجد دليل آخر على كون الفرقة الناجية هم: عليّ وشيعته، أو أصحابه ; لأنّ الشيعة لغة هم: الصحب والأتباع، وهو:

مـا رواه ابـن عساكـر فـي: تاريـخ دمشـق ٤٢ / ٣٣٣، الخـوارزمـي الحـنفي فـي المناقب: ١١١، الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ٢ / ٤٦٧، الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: ٢٤٥ و ٣١٣ و ٣١٤، المناوي الشافعي في كنوز الحقائق: ٨٣، السيوطي الشافعي في الدرّ المنثور ٦ / ٣٧٩، سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص: ٥٤، والشوكاني في فتح القدير ٥ / ٤٧٧:

أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عن عليّ (عليه السلام): " والّذي نفسي بيده! إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ". انتهى.

قال ابن خلدون في المقدّمة: ١٩٦: اعلم أنّ الشيعة لغة: الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلّمين من الخلف والسلف على أتباع عليّ وبنيه، رضي الله عنهم.

وقال الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ١٤٦: الشيعة هم الّذين شايعوا عليّاً (رضي الله عنه)على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّة، إمّا جلياً وإمّا خفياً، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده. انتهى.

٣٥٢
أمّا عن قول الدليمي:

" ولو كان ـ أي الإمام عليّ (عليه السلام) ـ معصوماً لَما قبل التحكيم وجوّز لهم أن ينازعوه، وإنّما يقيم لهم الدلائل على عصمته وبعدها ينتهي كلّ شيء ".

أقـول:

مَن قال إنّ إقامة الدلائل للخصـوم ينهي كلّ شيء؟!

فهل هناك أعظم وأبين من دلائل الأنبياء (عليهم السلام) لأقوامهم؟!

ومع ذلك تجد أنّ تلك الأقوام قد خرجت على أنبيائها ولم تؤمن بهم، بل رمتهم بالسحر، ونَعَتتهُم بالكفر، وسعت في تعذيبهم وقتلهم، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي ذكرها القرآن الكريم، وهي تتلى على مسامع الناس بكرةً وأصيلا.

كما أنّه لا يوجد تلازم بين العصمة وقبول التحكيم أو رفضـه ; فإنّ للظروف والسياسات أحكامها، فهل ترى أنّ العصمة غابت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قَبِل بصلح الحديبية؟!

٣٥٣
مع أنّ الطرف المقابل له في ذلك الصلح كان من المشركين، بينما الطرف المقابل لأمير المؤمنين (عليه السلام) في حادثة التحكيم بصِفّين من المسلمين!

نعم، حصل تشكيك بنبوّة النبيّ محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد المسلمين الّذين شهدوا صلح الحديبية مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)! وذلك بعد صحبته للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يقرب من عشرين عاماً منذ إسلامه إلى يوم الحديبية!!

وهذا الأمر ـ في الواقع ـ من غرائب فعل الأصحاب مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; إذ واجه هذا المسلم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسـه بهذا التشكيك وقال له: ألست نبيّ الله حقّاً؟

قال: " بلى ".

قال: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟

قال: " بلى ".

قال: فلِمَ نعطي الدنيّة من ديننا إذاً؟

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري ".

قال: أولست كنتَ تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّـوّف به؟

قال: " بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ ".

قال: لا.

قال: " فإنّك آتيه ومطّـوّف به ".

ولم يكتفِ عمر بن الخطّاب بما واجه به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من كلام هنا، وبما اسـتمع إليه من جواب مـنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ذهب إلى أبي بكر وواجهه

٣٥٤
بمثل ما واجـه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(١)..

ثمّ قيل بعد ذلك أنّ عمر بن الخطّاب أحسّ بعظيم الذنب لِما بدر منه يوم صلح الحديبية. وروي عنه في هذه القضية أنّه قال: ما زلت أصوم وأتصـدّق وأُصلّي وأعتق مخافة كلامي الّذي تكلّمت به(٢).

ولعلّ الّذي أصاب الدليمي هنا من تشكيك بعصمة الإمام (عليه السلام) لقبوله التحكيم في واقعة صِـفّين، هو من سنخ ما أصاب الخليفة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لقبوله صلح الحديبية، والله أعلم!

ومع هذا فإنّ مَن رجع إلى واقعة صِـفّين واطّلع على حادثة التحكيم فيها تبيّن له عذر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقبولها.

وأنا هنا أرشد الدليمي إلى نصّـين مهمّين في نهج البلاغة يُغنيانِهِ عمّا سواهما في فهم حادثة التحكيم ; فليقرأ ما قاله (عليه السلام) لأصحابه بعد ليلة الهرير في ج ١ ص ٢٣٣ ـ بتعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ منه، وما قاله (عليه السلام)للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة في ج ١ ص ٢٣٥ ـ بتعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ.

فسيجد ـ حتماً ـ في هذين النصّين ما يدلّ على عصمته ; فانظر إلى قوله للخوارج: " وقد رأيتكم أعطيتموها(٣)، والله لئن أبَيتُها ما وجبت علَيَّ فريضـتها، ولا حمّلني الله ذنبها، والله إن جئتها إنّي للمحقُّ الّذي يُتّبع، وإنّ الكتاب لمعي، ما فارقته منذ صحبته... ".

١- راجع تمام الحادثة في: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد، وصحيح مسلم، باب: صلح الحديبية.

٢- انظر: السيرة الحلبية ـ للحلبي الشافعي ـ ٢ / ٧٠٦ باب: صلح الحديبية.

٣- يريد (عليه السلام) أنّ الخوارج هم الّذين أعطوا قضـيّة التحكيم الصورة الّتي صارت عليها برأيـهم.

٣٥٥
فكلامه (عليه السلام) هنا هو نفس مفاد قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض "(١)، الدالّ على العصمة، وقد ذكرناه في ما مرّ سابقاً من أدلّة حول عصـمته (عليه السلام) ; فراجـع!

وفي الختام أقول:

رحِم الله امرءاً قرأ كلمات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أهل بيته، وكلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة وتدبّر فيها.

وقد بقيت هناك أُمور أشار إليها الدليمي في كتيّبه هذا، لها علاقة بفروع الدين، لم أشأ الحديث عنها طلباً للاختصار، وإنّما يأخذ أحكامها المكلَّف من العالِم الجامع لشرائط التقليد ويعمل حسب فتواه، ولا دخل لآراء غير العلماء في الأحكام الفرعية، ولا يعتدّ بفهم غير العلماء لأي نصّ من الكتاب والسُـنّة ـ الّتي تشمل أقوال المعصومين (عليهم السلام) جميعاً ـ في استخراج الأحكام الفرعية ما لم يبلغوا درجة الاجتهاد والفتوى.

والأوْلى بالمسلم أن يتثبّت من أُصـول دينه أوّلا، ويتحرّز عن ميتة الجاهلية، ثمّ يعطف على الفروع ليناقش فيها.

أسأل الله تعالى العفو والمغفرة والرحمة، واستميح مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) العذر إن كنتُ قصّرت في بيان ما يستوجب علَيَّ بيانه من موضوعات النهج المطروحة في هذا البحث..

وعذري بضـيق الوقت أوّلا ; لأنّ الوقت الّذي خُصّص لإعداد هذا الردّ كان شهراً واحداً فقط، وذلك لكثرة الانشغال بالدراسة والتحصيل،

١- سبقت الإشارة إلى مصادره في ص ١٥٩.

٣٥٦
لا سيّما ما تتطلّبه المراحل الأُولى من الدراسة من الجهد والوقت، ولم تكن المباشَـرة في إعداد هذا الردّ إلاّ بتكليف خاصّ من بعض أهل الفضيلة والعلم، وفّقهم الله تعالى..

وثاني العذر هو قلّة المصادر الّتي بحوزتي أو الّتي استطعت أن أرجع إليها في المكتبات العامّة بهذه العجالة من البحث، وحُسن الظن بأنّ العذر عند الكرام مقبول.

وأسأله جلّ شأنه: أن يمنَّ على المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها بالرحمة الواسعة، والكرامة السابغة، بأن يريهم الحقّ حقّاً كي يتّبعوه، والباطل باطلا كي يجتنبوه، وأن يجمع كلمتهم ويوحّد صفوفهم، وأن يمنحهم من القوّة ما يُرهبون به عدوّ الله وعدوّهم، إنّه سميع مجيب، وهو على كلّ شيء قدير.


وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محمّـد وآله
الطيّبـين الطاهرين

٣٥٧
٣٥٨
٣٥٩
كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة للشيخ خالد البغدادي (ص ٣٦٠ - ص ٣٧٧)

٣٦٠