×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تصحيح القراءة في نهج البلاغة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١
قال الدليمي في مقدّمته، في معرض كلامه عن الدعوة إلى التئام المسلمين ولمّ الشمل:

" فلنعصتم بحبل الله، ولنعد إلى كتاب الله، فنأخذ بكلّ ما وافقه ونطرح ما سـواه ; فإنّك واجد أقوالا أُخرى منسوبة إلى عليّ (رضي الله عنه) إلاّ أنّك إذا وزنتها بميزان الحقّ طاشت كفّتها وبان زخرفها.. فعن أبي عبـد الله (رضي الله عنه)، قال: (كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف). وعنه يرفعه: (كلّ ما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه). وأمّا سـيّدنا عليّ فيقول عن القرآن: (فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، مَن تركه من جبّار قصـمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله). وصدق سـيّدنا عليّ (رضي الله عنه) ; فلو رجع المسلمون إلى كتاب الله وتحـرّوا عن كلّ قول أو عمل فأخـذوا بما وجـدوا له شاهداً فيه وإلاّ ردّوه على ما جاء به لَما بقي بينهم خلاف، ولا حصـل بينهم شـقاق "(١).

أقـول:

لم يبيّن لنا الكاتب ـ في ما كتبه هنا وما بعده ـ الأقوال المنسوبة إلى

١- ص ٤.

٤٢
أمير المؤمنين (عليه السلام) الّتي تطيش كفّتها ويبان زخرفها لو وزنت بميزان القرآن!! وإنّما اكتفى بذكر بعض أقوال الإمام (عليه السلام) الواردة في نهج البلاغة، والّتي جاء بها لتصوّره بأنّها تسند مدّعاه في ردّ بعض ما هو معلوم عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، والّذي عليه شيعته وأتباعه، وسنأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ على ذكرها وبيانها بالتفصيل عند متابعتنا لقراءة الكاتب في نهج البلاغة.

وأمّا عن دعوته بالعودة إلى كتاب الله والأخذ بكلّ ما وافقه وطرح ما سـواه، فهو المأثور عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، ولكن لهم في ذلك بيان وتفصيل لم يذكره الكاتب ولم يشر إليه، وترك دعوته هذه مجملة ممّا يشكل على قارئ كتيّبه فهمه أو الاستفادة منه!!

وعلى سبيل المثال: ماذا يقول الكاتب لو سأله سائل ـ مثلا ـ عن كيفية العودة إلى كتاب الله عزّ وجلّ وكلّ فرق المسلمين، الّتي يشملها حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " سـتفترق أُمّتي إلى ثلاث وسـبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة "(١)، تعتمد على كتاب الله، وتتّخـذه مرجـعاً لها في بيان أدلّتها وحجـجها، ومع هذا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها: " كلّها في النار إلاّ واحـدة "!!

الأمر الّذي يدلّ على أن ليس كلّ عائد إلى كتاب الله وآخذ منه مصيب بعودته وأخـذه، فرُبّ عائد إلى كتاب الله يفسّره برأيه ويقول فيه

١- راجع الحديث في سُنن الترمذي ٤ / ١٣٤ ـ ١٣٥، سُنن أبي داود ٢ / ٣٩٠، سُنن ابن ماجة ٢ / ١٣٢١ و ١٣٢٢، سُنن الدارمي ٢ / ٢٤١، مسند أحمد بن حنبل ٢ / ٣٢ و ٤ / ١٠٢، المستدرك على الصحيحين ١ / ٤٧ و ٢١٧، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ـ ٣ / ٤٨٠ ح ١٤٩٢..

وقد صحّحه الترمذي والحاكم في ما تقدّم من كتبهم، وادّعى السيوطي تواتره كما في فيض القدير ٢ / ٢٧، وكذلك الكتاني في نظم المتناثر: ٤٧.

٤٣
بغير علم فيتبوّأ بذلك مقعـده من النار، كما قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه المعروف، الّذي رواه أحمد في مسنده ١ / ٢٣٣: " مَن قال بالقرآن بغير علم فليتبوّأ مقعـده من النار ".

ورُبّ عائد لم يحط بعلوم القرآن كلّها، ولم يعرف متشابه القرآن من محكمه، أو خاصّـه من عامّه، أو مطلقه من مقيّده، أو ناسخه من منسوخه، ومع ذلك تصدّى لبيان الأحكام منه، ويحسب أنّه على هدىً من أمره، وربّما تبعه على ذلك قوم فتنوا بقوله فعملوا به، فكانت عودة مثل هذا عودة ناقصـة قاصـرة لا تُبرئ ذمّته ولا ذمّة أتباعه بمثل هذا الأخذ الناقص المقتصر عن كتاب الله! قال تعالى: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَْخْسَرِينَ أَعْمَـلاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَوا ةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنـَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }(١).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم فيصـوّب آراءهم جميعاً، وإلههم واحد، وكتابهم واحد، ونبيّهم واحـد..

أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصـوه؟!

أم أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟!

أم كانوا شركاء له ; فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟!

أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّـر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تبليغه وأدائه؟!

١- سورة الكهف: الآيتان ١٠٣ و ١٠٤.

٤٤
والله سبحانه يقول: { مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْء }، وقال: { تِبْيَـنًا لِّكُلِّ شَىْء }، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضاً وأنّه لا اختلاف فيه ; فقال سبحانه: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَـفًا كَثِيرًا }، وإنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضـي غرائبه، ولا تُكشـف الظلمات إلاّ به "(١)..

فكيف تكون إذاً العودة الصحيحة إلى كتاب الله الّتي نضمن بها النجاة من النار، مع علمنا باختلافات العائدين هذه كلّها؟!

وهل من ضابط معين نحلّ به الإشكال السابق في كيفية العودة إلى كتاب الله العزيز، الّذي لا تُكشف الظلمات إلاّ به، كما قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟!

فمن أجل حلّ هذا الإشكال الّذي أوقع الدليمي قارئه فيه، أقول: إنّ الله عزّ وجلّ قد بيّن في كتابه الكريم أنّ للقرآن أهلا سمّاهم في آيتين منه بـ: " أهل الذكر "، وأمر المسلمين بالرجوع إليهم وسؤالهم عند عدم العلم ; قال تعالى: { فَسْـَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }(٢).

وسمّاهم في آية أُخرى منه بـ: " الراسخـين في العلم "، وهم الّذين يعلمون تأويل القرآن وتفسـيره ; قال الله تعالى: { هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتـبَ مِنْهُ ءَايَـتٌ مُّحْكَمَـتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَـبِ وأُخَرُ مُتَشَـبِهَـتٌ فَأَمـَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـبَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى ا لْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِى

١- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٢٨٨.

٢- سورة النحل: الآية ٤٣، سورة الأنبياء: الآية ٧.

٤٥
كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ }(١).

والمستفاد من هذه الآيات الشريفة أنّ العودة إلى القرآن بشكلها التامّ والصحيح تكون بالعودة إلى أهله العارفين به، الّذين أمر الله سبحانه المسلمين بسؤالهم وأخذ علوم القرآن عنهم، وإلاّ فالقرآن " إنّما هو خطّ مسـتور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بُدّ له من ترجمان "، كما يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)(٢).

وقد نهى (عليه السلام) عن جعله مرجعاً وحيداً عند التنازع ; قال لابن عبّـاس عندما بعثه إلى الخوارج لمحاججتهم: " لا تخاصـمهم بالقرآن ; فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه(٣)، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسُـنّة ; فإنّهم لن يجـدوا عنها محيصـاً(٤) "(٥).

أمير المؤمنين (عليه السلام) يبيّن أهل الذكر والراسخين في العلم:

وبالعودة إلى الكتاب نفسه الّذي كان يقرأه الكاتب، وهو كتاب نهج البلاغة، ومن خلال كلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) باب مدينة علم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، سنتمكّن ـ إن شاء الله تعالى ـ من الوصول إلى معرفة " أهل الذكر "، ومعرفة " الراسخـين في العلم "، الّذين عناهم الله عزّ وجلّ بكتابه الكريم، والّذين أمر المسلمين بالرجوع إليهم وأخذ علوم القرآن عنهم..

١- سورة آل عمران: الآية ٧.

٢- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٢ / ٥.

٣- أي يحمل معاني كثيرة إن أخذت بأحدها احتج الخصم بالآخر.

٤- محيصاً: مهرباً.

٥- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبده ـ ٣ / ١٣٦.

٤٦
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبة له: " واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشـد حتّى تعرفوا الّذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي نقضـه، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الّذي نبـذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله ; فإنّهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه "(١).

ثمّ يقول (عليه السلام) في خطبة أُخرى له يذكر فيها آل محمّـد (عليهم السلام)، ويبيّن حقيقة منزلتهم للمسلمين: " هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهـم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحقّ في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية ; فإنّ رواة العلم كثير، ورعاته قليل "(٢).

١- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٢ / ٣٢.

٢- ولائج: جمع وليجة ; وهي: ما يدخل فيه الساتر اعتصاماً من مطر أو برد أو توقّياً من مفترس.

نصابه: أصله ; والأصل في معنى النصاب: مقبض السكين، فكأنّ الحقّ نصل ينفصل عن مقبضه ويعود إليه.

وانزاح: زال.

وانقطاع لسان الباطل عن منبته ـ بكسر الباء ـ: أي عن أصله ; مجاز عن بطلان حجّته وانخذاله عند هجوم جيش الحقّ عليه.

عقل الوعاية: حفظ في فهم، والرعاية: ملاحظة أحكام الدين وتطبيق الأعمال عليها، وهذا هو العلم بالدين حقيقة، أمّا السماع والرواية مجرّدين عن الفهم والرعاية فمنزلتهما لا تخالف منزلة الجهل إلاّ في الاسـم.

نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبده ـ ٢ / ٢٣٢.

٤٧
وفي موضـع آخر من النهج نفسـه، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)من خطبة له يذكر فيها فضل أهل بيت النبوّة (عليهم السلام): " أين الّذين زعموا أنّهم الراسـخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى، إنّ الأئمّة من قريش غرسـوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سـواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم "(١).

ويقول (عليه السلام) في موضـع آخر: " انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم(٢)، واتّبِعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردىً ; فإن لبدوا فالبدوا(٣)، وإن نهضوا فانهضـوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخّـروا عنهم فتهلكوا "(٤).

وفي أهل البيت أيضاً يقول (عليه السلام): " فيهم كرائم القرآن، وكنوز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا "(٥).

أقـول:

هذا غيض من فيض نهج البلاغة في بيان أهل الذكر والراسخين في العلم، الّذين أمر الله المسلمين بسؤالهم وأخذ علوم القرآن عنهم، فلو أنّ الدليمي كان قد ذكر هذه النصوص عند قراءته للـ " نهج " وعند دعوته بالعودة

١- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٢ / ٢٧.

٢- السمت ـ بالفتح ـ: طريقهم أو حالهم أو قصدهم.

٣- لَبَدَ ـ كـ: نَصَـرَ ـ: أقام ; أي: إن أقاموا فأقيموا.

٤- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ١ / ١٨٩.

٥- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ ٢ / ٤٤.

٤٨
إلى كتاب الله الكريم، لوفّر على قارئ كتيّـبه مشقّة الإجمال الّذي أوقعه فيه، ولانقلَب منه القارئ على علم هدىً ومصباح دجىً في كيفية العودة إلى كتاب الله العزيز والأخـذ منه(١).

وسيأتي عند بيان النقطة الثانية عشرة أنّ الله سبحانه قد أمر المسلمين بالردّ إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أُولي الأمر، كما في قوله تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ }(٢).

ومع هذا كلّه فنحـن نلزم الكاتب بما ألزم به نفسه من العودة إلى كتاب الله الكريم والأخذ بما وافقه وطرح ما سواه، وندعوه ـ حسب دعوته ـ إلى ترك كلّ الاجتهادات الّتي صدرت عن الخلفاء الثلاثة الأوائل مقابل النصوص القرآنية وعدم الالتزام بها(٣)، وترك ما أفتى به أئمّة أهل السُـنّة مقابل النصوص القرآنية من قياسات واستحسانات ما أنزل الله بها من سلطان.

وعلى سـبيل المثال: هل يسـتطيع الكاتب أن يمتثل لأمر الله تعالى في القرآن ويمسح رجله في الوضوء بدل الغسل ; لأنّ القرآن جاء بالمسح

١- راجع مَن ذكر نزول قوله تعالى: (فَسْـَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَتَعْلَمُونَ) في أهل البيت (عليهم السلام): الطبري في تفسـيره، وابن كثير في تفسـيره، والآلوسي في تفسـيره، والقرطبي في تفسـيره..

وأخـرج الثعلبي في تفسيره الكبير: عن جابر، في معنى هذه الآية، قال: لمّا نزلت هذه الآية قال عليّ: " نحـن أهل الذكر ".

٢- سورة النساء: الآية ٨٣.

٣- راجع كتاب: النصّ والاجتهاد، للسـيّد عبـد الحسين شـرف الدين العاملي ; لتقف على عشرات الموارد الّتي اجتهد فيها بعض الصحابة مقابل النصوص القرآنية، والّتي ما زال الكثير من المسلمين يأخذون بهذه الاجتهادات ويعملون بها رغم مخالفتها لصريح القرآن.

٤٩
لا الغسـل(١)، ويترك زخرف القول الّذي يخالفه ويخالف بذلك قومه وأهل مذهبه؟!

فإن لم يفعل ـ ولا أظنّه سيفعل ـ فإنّه سيكون عندئذ ممّن يصدق عليه قوله تعالى: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }(٢).

والخلاصـة:

١ ـ لا خلاف بيننا في لزوم الاعتصام بالقرآن، ولكنّ القرآن فيه محكم ومتشابه، واختلف العلماء في تفسـيره، فكيف يُتمسّك به وحده؟!

٢ ـ لزوم الاعتصام بالعترة النبوية كما هو مفاد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المشهور المتواتر: " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ; ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً "(٣)، الّذي يفهم منه أنّ

١- راجع: التفسير الكبير ـ للفخر الرازي ـ ٣ / ٣٧٠ عند تفسيره لآية الوضوء من سورة المائدة، وانظر قوله: فثبت أنّ قراءة وأرجلَكم بنصب اللام توجب المسح أيضاً. وقوله: ثمّ قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار ; لأ نّها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخـبر الواحد لا يجـوز. انتهى.

٢- سورة الصـفّ: الآيتان ٢ و ٣.

٣- راجع حديث الثقلين بمختلف ألفاظه في صحيح مسلم ٧ / ١٢٣ كتاب الفضائل باب: فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، صحيح الترمذي ٥ / ٣٢٨، مصابيح السُـنّة ـ للبغوي ـ: ٢٠٦، المعجم الكبير ٣ / ٦٥ و ٦٦، كنز العمّال ١ / ١٧٢، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ وصحّحه، وأقرّه الذهبي ; كما في تلخيص المستدرك بذيل المستدرك، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ: ٩٣، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ـ ٤ / ٣٥٥..

قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: ٩٠ ـ بعد بيان سرّ انتشار الحديث واشتهاره ـ: ثمّ اعلم إنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.

٥٠
النجاة والعصـمة من الضلال أبد الآبدين، هو في التمسّك بهما ـ أي القرآن والعترة ـ معاً، وإلى هذا المعنى كانت تشير الكلمات السابقة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، والمتحصّل من ذلك أنّ مَن لم يتمسّك بالعترة مع الكتاب لا نجاة له!


*  *  *

٥١


الفصل الثاني



عدالة الصحابة




٥٢
٥٣
قال الدليمي:

" قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } آل عمران ـ ١١٠، فعلمت أنّ صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(*) هم المعنيّون بها ; إذ أنّ هذه الآية عليهم نزلت، وعليهم قرأها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي صلواتهم تليت، والخطاب فيها موجّه إليهم، والأُمّة زمن نزولها لم تكن إلاّ مجـموع الصحابـة، فهم { خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }، وهم خير هذه الأُمّـة، وذلك مصـداق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديـث الصـحيح: (خير القرون قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم).

* من المؤاخذات على الكاتب في كتيبه هذا: أنّه لم يصلّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة الّتي أمر الله بها ورسوله المؤمنين، بل كان يأتي بالصلاة المنهي عنها، وهي الصلاة البتراء ; فقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا تصلّوا علَيَّ الصلاة البتراء.

فقيل: يا رسول الله! ما الصلاة البتراء؟

قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّـد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّـد وعلى آل محمّـد.

راجع: الصواعق المحرقة ـ لابن حجر الشافعي الهيتمي ـ: ٧٨، كشف الغمّة ـ للشعراني ـ ١ / ٢١٩ فصل في الأمر بالصلاة على النبيّ.

وانظر كذلك: التعليم النبوي لهذه الصلاة عند نزول الأمر بها من قبل الله عزّ وجلّ في صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ)..

٥٤
وقرأت في القرآن آيات يصعب عدّها، في مدحهمّ والترضّي عنهم والشهادة لهم بالجنّة، منها: { وَالسَّـبِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَـجِرِينَ وَالاَْنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـن رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـت تَجْرِى تَحْتَهَا الاَْنْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَا لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة ـ ١٠٠.

ومنها: قوله: { لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ ا لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }الفتح ـ ١٨، وكانوا ألفاً وأربعمائة، منهم الخلفاء الراشدون وبقيّة العشـرة المبشَّـرة بالجنّة، قال عنهم النبيّ (صلى الله عليه وسلم): (كلّهم مغفور له)... "(١).

أقـول:

نحن نسلّم أنّ أُمّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانه وبعده خير أُمّة، كما نصّ الكتاب العزيز، كيف لا؟! وفيها أهل البيت (عليهم السلام)، والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان... فهؤلاء هم المخاطبون في الآية، وأمّا الكفّار والمنافقون والفاسقون فهم شرّ أُمّة ولا يمكن وصفهم بالخيرية أبداً..

فقوله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } لا يدلّ بالضرورة على خيرية جميع الصحابة ; لأنّ من الأصحاب مَن كان ظاهر النفاق ومنهم مَن كان مبطنه، وقد أخبر الله تعالى عنهم نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }(٢)، فلا يمكن أن يكون هؤلاء المنافقون من الأخيار وإنّما المراد

١- ص ٥.

٢- سورة التوبة: الآية ١٠١.

٥٥
من هذه الآية: أنّ مجموع هذه الأُمّة بمَن فيها من أبرارهم وأئمّتهم من حيث المجموع ـ لا من حيث الأفراد فرداً فرداً ـ خير من مجموع سائر الأُمـم ; وأين هذا من الدليل على خيرية الصحابة جميعاً؟!

بل إنّ دخول الصحابة ـ فرداً فرداً ـ في مضمون الآية موقوف على إحراز كونهم صلحاء أبرار ; لعدم جواز دخول المنافقين منهم ـ الّذين علمنا بوجودهم الإجمالي سابقاً ـ..

فلو أثبتنا خيرية الجميع على نحو الأفراد بهذه الآية للزم الدور المحال ; لأنّ الأصحاب لا يدخلون في مضمون هذه الآية إلاّ أن يكونوا من الأبرار، ولا يكون الدليل على أنّ الأصحاب أبرار إلاّ بهذه الآية، وهذا هو الدور الّذي عنيناه، فتأمّل يرحمك الله!!

ويجدر الالتفات أيضاً إلى أنّ ذيل الآية، وهو قوله تعالى: { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } يصف الأُمّة الخيّرة بهذه الصفات، ومن الواضح أنّ هناك من الصحابة مَن يأمر بالمنكر.

روى مسلم في صحيحه: عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟

فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم...(١).

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " سُباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "(٢)!!

أمّا الحديث الّذي جاء به الكاتب وسمّاه ـ على مبناه ـ: صحيحاً، وهو: خير القرون قرني... الخ، فبغضّ النظر عن مناقشة سند الحديث

١- راجع تمام الرواية في صحيح مسلم ٧ / ١٢٠.

٢- صحيح البخاري ٧ / ٨٤ كتاب الأدب.

٥٦
وطرقه، فإنّ في نصّ الحديث من التهافت والتداعي ممّا لا يصحّ صدوره عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعاً!

فالقرن الّذي جاء بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسين سنة كان شرّ قرون الدنيا، وهو أحد القرون المذكورة في النصّ، وهو القرن الّذي قُتل فيه سـيّد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسين (عليه السلام)، ذبحاً من القفا، وأُوقع بالمدينة(١)، وحوصرت مكّة، ونُقضـت الكعبة(٢)، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه عند القوم والمنتصبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية وليزيد بن عاتكه وللوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونقشت على أيديهم كما يُنقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبـد الملك وإمرة الحجّاج.

وإذا تأمّلت كتب التاريخ وجدت الخمسين الثانية أكثرها شرّاً لا خير في رؤسائها وأُمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم! فكيف يصحّ هذا الخبر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!

ثمّ إنّ النـبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لو سلّمنا بصـدور الحديث عنه ـ مدح القرن ولم يقل بإيمان كلّ مَن عاش فيه، كيف؟! وفي أهل ذلك الزمان الكفّار والمنافقون والفسّاق والمبتدعون، كـ: النواصب والخوارج والمرجئة والمعطّلة والجهمية والقدرية وغيرهم.

١- راجع نتائج معركة الحَرّة سنة ٦٣ هـ في كتب التاريخ.

٢- راجع هجوم جيش يزيد على مكّة، وهدم جانب من البيت بفعل المنجنيق الّذي كان يضرب به قائد جيش يزيد الكعبة في الإمامة والسياسة ٢ / ١٧، سير أعلام النبلاء ٤ / ٢٢٨.

٥٧
كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة للشيخ خالد البغدادي (ص ٥٨ - ص ٧٤)

٥٨
غريب الحديث: أي يصيب الرعية فيه عنف وظلم كأنّهم يُعضّـون فيه عضّاً(١). انتهى.

وفي حديث صحّـحه الحاكم في مستدركه، وحسنّه ابن حجر في فتح الباري: يا رسول الله! هل أحد خيرٌ منّا، أسلمنا معك وجاهدنا معك؟! قال: " قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني "(٢).

وأيضاً أخرج أحمد في مسـنده: عن أبي هريرة، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّه أتى مقبرة فسلّم على أهل المقبرة فقال: " سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ". ثمّ قال: " وددت أنّا قد رأينا إخواننا ".

قال: فقالوا يا رسول الله! ألسنا بإخوانك؟!

قال: " بل أنتم أصحابي، وإخواني الّذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض ".

فقالوا: يا رسول الله! كيف تعرف مَن لم يأتِ من أُمّتك بعد؟!

قال: " أرأيت لو أنّ رجلا كان له خيل غرّ محجّلة بين ظهراني خيل بهم دهم، ألم يكن يعرفها؟! ".

قالوا: بلى.

قال: " فإنّهم يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض "، ثمّ قال: " ألا ليذادنّ رجال منكم عن حوضي كما يُذاد البعير الضالّ، أُناديـهم: ألا هلمّ، فيقال: إنّهم بدّلوا بعدك. فأقول:

١- النهاية في غريب الحديث ٢ / ٢٥٣.

٢- المستدرك على الصحيحين ٤ / ٨٥، فتح الباري ٧ / ٥.

٥٩
سحقاً سحقاً "(١). انتهى.

وروى ابن حبّان في صحيحه: عن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مثل أُمّتي مثل المطر لا يُدرى أوّله خير أم آخره "(٢).

وفي سياق ما تقدّم قال ابن حجر: وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: " يأتي أيام للعامل فيهنّ أجر خمسين "، قيل: منهم أو منّا يا رسول الله؟! قال: " بل منكم "... قال ابن حجر: وهو شاهد لحديث: مثل أُمّتي مثل المطر(٣).

وروى أحمد بسنديه: عن أنس بن مالك، وعن أبي حامد، مرفوعاً: " طوبى لمَن رآني وآمن بي، وطوبى لمَن آمن بي ولم يرني " سبع مرّات(٤).

وجاء في فتح القدير ـ للشوكاني ـ: أخرج البزّار، وأبو يعلى، والحاكم وصحّحه: عن عمر بن الخطّاب، قال: كنت جالساً مع النبيّ (صلى الله عليه وآله)فقال: " أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيماناً ".

فقالوا: يا رسول الله! الملائكة؟

قال: " هم كذلك، ويحقّ لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة الّتي أنزلهم بها ".

١- مسند أحمد ٢ / ٣٠٠ ; وانظر: صحيح مسلم ١ / ١٥٠، صحيح ابن خزيمة ١ / ٧.

٢- صحيح ابن حبّان ١٦ / ٢٠٩ ; قال ابن حجر في فتح الباري ٧ / ٥: وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحّـة.

٣- فتح الباري ٧ / ٥.

٤- مسند أحمد ٣ / ١٥٥ و ٥ / ٢٤٨ ; وانظر: مجمع الزوائد ١٠ / ٦٧ ; قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعري، وهو ثقة.

٦٠