×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تصحيح القراءة في نهج البلاغة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

قالوا: يا رسول الله! الأنبياء الّذين أكرمهم الله برسالته والنبوة؟

قال: " هم كذلك، ويحقّ لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة الّتي أنزلهم بها ".

قالوا: يا رسول الله! الشهداء الّذين استشهدوا مع الأنبياء؟

قال: " هم كذلك، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة ".

قالوا: فمَن يا رسول الله؟!

قال: " أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدّقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلّق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً "(١).

وأخرج مثله: القرطبي في تفسيره، والبيهقي في الدلائل، والأصبهاني في الترغيب، والطبراني، وابن أبي شيبة، وابن عساكر، وأحمد، والدارمي، والبخاري في تاريخـه بأسانيدهم ; فراجع ثمّة!

أمّـا قولـه تعالى: { وَالسَّـبِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَـجِرِينَ وَالاَْنصَارِ ـ إلى قوله ـ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، فهو يدلّ على أنّ الله سبحانه راض عن السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وقد أخبرنا سبحانه ـ في آيات أُخرى من كتابه الكريم ـ أنّه لا يرضى عن القوم الفاسقين، كما لا يرضى عن المرتدّين عن دينهم ; قال تعالى: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـلُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِ وَأوْلَـئِكَ أَصْحَـبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـلِدُونَ }(٢)..

ومقتضى الجمع بين الآيات المباركة يستلزم القول: إنّ الإقرار بعدالة

١- فتح القدير ١ / ٣٤.

٢- سورة البقرة: الآية ٢١٧.

٦١
المذكورين بالآية المباركة ـ الآية ١٠٠ من سورة التوبة ـ ثابت إلاّ مَن ثبت كفره أو ارتداده أو فسقه، فنخرجه منهم جمعاً بين الأدلّة، وليس في ذلك تنقيصٌ لأحـد، أو بخسٌ لفضله ; إذ لا يمكن لأحـد أن يقول: إنّ الصحابي وإن ارتدّ أو كفر أو فسق، فهو عادل قد رضي الله عنه ورضي هو عن الله، فهذا ممّا يرفضـه الشرع والعقل معاً، ولا يوجد عليه دليل قطعاً، بل القائل به خارج عن جماعة العقلاء والمتشرّعة.

أمّا المهاجرون والأنصار من غير السابقين الأوّلين فحالهم حال سائر الناس في توقّف حُسن حالهم على إحراز اتّباعهم الحسـن.

أمّا قوله تعالى: { لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }، فهو دالّ على أنّ الله سبحانه راض عن بيعة المؤمنين، ولم يقل سبحانه أنّه راض عن جميع المبايعين، أو أنّه راض عن الّذين بايعوا، هكذا بشكل مطلق يستفاد منه العموم، وإنّما قيّد سبحانه رضاه بـ: " المؤمنين " فقط، وعندها علينا إحراز إيمان الشخص المراد شموله بهذه الآية أوّلا، حتّى نقول بعد ذلك: إنّه داخل تحت عموم آية الرضوان، وأنّه حقّاً من الّذين رضي الله عنهم. وإلاّ ـ أي عند الشكّ في الموضوع، وهو الشخص المراد تعديله بهذه الآية ـ لا يصـحّ التمسّك بالعموم ; لأنّه من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، وهو محلّ منع عند الأُصـوليّين.

فقولنا ـ مثلا ـ: أكرم العلماء، لا يصـحّ شموله لزيد ـ فيما إذا كان مصداقاً مشكوكاً في كونه عالماً أو لا ـ ما لم نحرز أنّه عالم حقّاً ; ليصحّ عندئذ إكرامه ودخوله في حكم وجوب الإكرام، وأمّا إدخاله في حكم العامّ ـ أي كونه من العلماء الّذين يجب إكرامهم ـ مع الشكّ في كونه عالماً، فهذا

٦٢
محلّ منع، ولا يمكن المصير إليه ; وذلك لأنّ حكم العامّ لا يحرز موضوعه بنفسه، بل إحراز الموضوع بتمامه يجب أن يتمّ في مرحلة متقدّمة عن الحكم ليصـدق انطباقه عليه.

وعلى أية حال، فقد يقول قائل:

لماذا هذا الشكّ في المصداق، فإنّ الآية كشفت عن إيمان المبايعين، وأنّها دلّت على أنّ كلّ الّذين بايعوا في هذه الواقعة هم من المؤمنين الّذين رضي الله عنهم.

قلنا:

مع غضّ النظر عن البيان المتقدّم، وما يفيده كلام القائل هنا من استدلال عقيم ; لِما فيه من جنبة الدور، فإنّه مخالف لظاهر الآية الكريمة وللنصـوص الواردة عن الواقعة ; فقد جعل سبحانه في الآية الكريمة بياناً وعلامة ـ أي للمؤمنين المبايعين تحت الشجرة ـ تكشف أنّ رضاه سبحانه كان عن بعض المبايعين لا عن جميع المبايعين..

فقد قال سبحانه عن الّذين رضي عنهم في البيعة: { فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }.. وعند العودة إلى نصوص الواقعة نجد أنّ المبايعين بايعوا على أن لا يفرّوا، وفي بعض النصوص: أنّهم بايعوا على الموت، وفي بعضها: أنّهم بايعوا على أن لا يفرّوا وعلى الموت، وفي رابعة: أنّهم بايعوا على أن لا يفرّوا دون البيعة على الموت، فيكون القدر المتيقّن هو: البيعة على عدم الفرار، وإن كان لازم عدم الفرار هو معنى البيعة على الموت، فلا تختلف عندئد المضامين

٦٣
الواردة في هذه النصوص(١)..

إلاّ أنّنا نجـد أنّ جملة من المبايعـين تحت الشجرة قد فرّوا في أوّل واقعة حصلت بعد هذه البيعة، وهي واقعة خيبر، وما جرى فيها من هزيمة بعضهم، حتّى أنّه رجع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه(٢).

فاضطر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستدعي عليّاً (عليه السلام)، وكان أرمد العين حينها، وأمـره بالتوجّـه إلى خيبر لفتحـها، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل استدعائه عليّاً (عليه السلام)تكلّم بكلام أظهر فيه تذمّره من ظاهرة الفرار الّتي تكرّرت في خيبر ; إذ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " سأُعطي الراية غداً إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار "(٣) (هكذا)، وهو تعريض واضح بمَن تكرّرت منهم حالة الفرار من قبل.

فهل يصحّ لقائل أن يقول، بعد معرفته بشرائط هذه البيعة ومعاهدتهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاء بعدم الفرار(٤)، ثمّ فرارهم الواقعي من المعركة وعدم

١- انظر: فتح الباري ٦ / ٨٢ و ٧ / ٣٤٥، تحفة الأحوذي ١٠ / ١٤١، تاريخ دمشق ٣٩ / ٧٧، تفسير الطبري ٢٦ / ١١٤، تفسير ابن كثير ٢ / ٣٥٧.

٢- وهو: عمر بن الخطّاب ; انظر: المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ ٣ / ٤٠ ; وصحّـحه، تلخيص المستدرك ـ للذهبي ـ ٣ / ٤٠ ; وصحّحه، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٨ / ٥٢١، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ٩٧.

٣- انظر: تاريخ دمشق ٤١ / ٢١٩، السيرة الحلبية ٣ / ٧٣٧، السيرة النبوية ـ لزيني دحلان ـ ٢ / ٢٠٠..

ولا يخفى على المحيط بعلوم العربية أنّ استعمال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صيغة المبالغة: " فعّال " في كلامه، فيه من الدلالة على كثرة الفرّ، والتعريض بفاعله في تلك الواقعة ; لأنّ " فعّال " معناه كثير الفعل، وهذه الصيغة لا تستعمل إلاّ عند الإكثار من الشيء، أو عند التعريض بالإكثار من الشيء.

٤- قال الطبري في تفسيره جامع البيان ٢٦ / ١١٤: وقوله: (فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ)يقول تعالى ذكره: فعلم ربّك يا محمّـد! ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه. انتهى.

٦٤
حصول الفتح على أيديهم، وهم كانوا من المبايعين حتماً، بأنّ: سياق الآية الكريمة يمكن أن يكون هكذا: إنّ الله علم ما في قلوب بعضهم من عدم الوفاء بالبيعة وأنّهم سيفرّون، ومع هذا أنزل السكينة على قلوبهم وأثابهم فتحاً قريباً!!

فهل يمكن قبول مثل هذا البيان وعدّه تفسيراً صحيحاً للآية؟!

إنّ هذا في الواقع كلام لا يمكن لأحد أن ينطق به، فضلا عن قبوله ; لأنّ السكينة تعني الطمأنينة والثبات، وهي خلاف الخوف والفرار من المعركة، كما أنّ إثابة الفتح تعني الفوز والنصر، وهي خلاف الهزيمة وعدم الفـتح، فكيف يصـير الجمع بين هذه المتخالفات في كلام الحقّ سبحانه لتتمّ استفادة رضاء الله تعالى عن جميع المبايعين تحت الشجرة كما يرغب بعضـهم؟!!

إنّ الآية الكريمة في الحقيقة لا تفيد المدّعي في دعواه، بل هي على خلاف المدّعى تماماً ; لِما فيها من تمييز المرضي عنهم عن غير المرضي عنهم، وهو خلاف دعوى رضاه سبحانه عنهم جميعاً.

ومع ذلك، لو تنزّلنا عن هذا أيضاً وقبلنا بأنّ الآية دلّت على شمول جميع المبايعين تحت الشجرة بالرضوان، فلا يمكننا قبول القول باستمرار الرضوان عن الجميع ; وذلك لوقوع المعصية منهم بالفرار ـ في ما بعد ـ ونقض العـهد..

٦٥
قال تعالى: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَآءَ بِغَضَب مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَلـهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }(١).

أي: قد توعّد سبحانه على الفرار بالغضب والنار، فدلّ على كونه معصـية، والجمع بين استمرار رضا الله وبين وقوع المعصية من العبد باطل، بل يعدّ موهناً لحقّ الربوبية ومعنى العبودية ; فلا يمكن المصير إليه مطلقاً...

بل أقـول:

لا يستقيم الأمر لأصحاب هذه الدعوى باستمرار الرضوان عن جميع المبايعين، خاصّة إذا علمنا أنّ قاتل عمّار، أبا الغادية، هو ممّن شهد بيعة الرضوان أيضاً(٢) ; وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث يصحّحه الحاكم والذهبي والهيثمي والألباني وغيرهم قوله: " إنّ قاتل عمّار وسالبه في النار "(٣)، فتأمّل!

١- سورة الأنفال: الآية ١٦.

٢- انظر: الفصل في الملل والنحل ٤ / ١٢٥.

٣- المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٣٧ ; وقال الحاكم: الحديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، كما في ذيل المستدرك، مجمع الزوائد ٧ / ٢٩٧ ; وقال الهيثمي: رواه الطبراني... ورجاله رجال الصحيح، سير أعلام النبلاء ١ / ٤٢٥، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥ / ١٩ ح ٢٠٠٨ ; وقال الألباني ـ عن رواية أحمد، وابن سعد في الطبقات ـ: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم. انتهى.

وانظر: مسند أحمد ٤ / ١٩٨، الإصابة ٧ / ٢٥٩، الطبقات الكبرى ٣ / ٢٦١، البداية والنهاية ٧ / ٢٩٨.

٦٦
هذا كلّه، بالإضافة إلى أنّ الاستدلال بهذه الآية على عدالة جميع الصحابة يكون أخصّ من دعوى المدّعي ; لأنّ المبايعين تحت الشجرة إنّما كانوا ألفاً وأربعمائة فقط، بينما مجموع الصحابة يتجاوز المائة وعشرين ألف، وعليه فلا تتمّ إرادة العموم على مختلف الوجوه والحالات من هذه الآية الشريفة أيضاً، فتدبّر جيداً!

أمّا قول الكاتب:

" وفيهم الخلفاء الراشـدون وبقيّة العشرة المبشَّرة بالجـنّة... ".

فأقـول:

إنّ حديث العشرة المبشَّـرة بالجنّة، الّذي يشير إليه الكاتب هنا، لم يظهر إلاّ في زمن معاوية على لسان راويه سعيد بن زيد ـ وهو أحد العشرة المبشَّـرة حسب روايـته(١) ـ..

وهذه الرواية لا يوجد في طرقها إسناد يصحّ الاحتجاج به ; لمحل الخدش في الرواة، وهي تفوح منها رائحة السياسـة الأموية الّتي سيأتي الكلام عنها، وكيف أنّ زمان بني أُميّة امتاز عن غيره من الأزمنة بوضع الأحاديث في الصحابة ; كيداً لأهل البيت (عليهم السلام)، كما أنّ نصّ الرواية لا يمكن التعويل عليه ; لمحاولته الجـمع بين الأضـداد(٢).

١- انظر: سُـنن أبي داود ٢ / ٤٠١، سُـنن الترمذي ٥ / ٣١١ و ٣١٥، مسند أحمد ١ / ١٨٧ و ١٨٨.

٢- راجع: موسوعة الغدير ١٠ / ١١٨ ـ ١٢٨ ; لتقف على التحقيق في الرواية، ومجلّة " تراثنا "، العـدد المزدوج (٤١ ـ ٤٢) لسنة ١٤١١ هـ، الصادرة عن مؤسّـسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث في قم.

٦٧
أمّا الرواية الأُخـرى للحديث، الّتي يرويها عبـد الرحمن بن حميد الزهري، عن أبيه حميد، عن عبـد الرحمن بن عوف تارة، وعن رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُخرى(١)، فهي لا تصـحّ أيضاً ; لأنّ هذا الإسناد باطل لا يتمّ، نظراً لوفاة حميد بن عبـد الرحمن ـ وهو ليس صحابياً وإنّما كان من التابعـين ـ سنة ١٠٥ هـ (٢) عن ٧٣ عاماً، وهذا يعني أنّه مولود سنة ٣٢ هـ، أي في سنة وفاة عبـد الرحمن بن عوف أو بعدها بسنة، ولذلك يرى ابن حجر رواية حميد عن عمر وعثمان منقطعة قطعاً(٣)، وعثمان قد توفّي بعد عبـد الرحمن بن عوف.

أمّا بقيّة الآيات الكريمة الّتي جاء بها الكاتب ليستدلّ بها على صلاح الصحابة جميعاً فهي ممّا لا يتمّ بها المطلوب مطلقاً..

قال الكاتب:

" ووعدهم ـ أي الصحابة ـ جميعاً بالجنّة، الّذين آمنوا من قبل الفتح والّذين آمنوا من بعده، فقال سبحانه: { لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ا لْفَتْحِ وَقَـتَلَ أوْلَـبِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّن الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـتَلُواْ وَكُلاّ وَعَدَ اللَّهُ ا لْحُسْنَى } الحديد ـ ١٠، والله لا يخلف الميعاد، هو القائل: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أوْلَـبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ

١- انظر: سُـنن الترمذي ٥ / ٣١١، مسند أحمد ١ / ١٩٣، أُسد الغابة ٢ / ٣٠٧.

٢- كما اختاره: أحمد، والفلاس، والحربي، وابن أبي عاصم، وابن خياط، وابن سفيان، وابن معين ; انظر: تهذيب التهذيب ٣ / ٤١.

٣- تهذيب التهذيب ٣ / ٤٦.

٦٨
حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـلِدُونَ } الأنبياء ـ ١٠١، ١٠٢ "(١).

وأقـول:

إنّ هذه الآيات لا تدلّ سوى على أنّ الله وعد المنفقين والمقاتلين في سبيله من الصحابة الحسنى، وهي مثل قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَا لَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَلـةِ وَالاِْنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(٢)، الشامل لكلّ مؤمن أنفق وجاهد في سبيل الله.

كما أنّ الآية السابقة الّتي استدلّ بها الدليمي ـ وهي الآية ١٠ من سورة الحديد ـ تخرج عنها صنفين من الصحابة:

١ ـ مَن لم ينفق ويقاتل في سبيل الله وكان من القاعدين، وقد دلّ القرآن الكريم عليهم في مواضـع عديدة منه(٣).

٢ ـ مَن أنفق وقاتل ولكن في سبيل مصالح دنيوية وأطماع شخصية، كـ: " قزمان بن الحرث "، الّذي قاتل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أُحد قتال الأبطال، فقال أصحاب النبيّ: ما أجزأ عنّا أحد كما أجزأ عنّا فلان. فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أما إنّه من أهل النار. ولمّا أصابته الجراح فسقط قيل له: هنيئاً لك الجنّة يا أبا الغيداق. قال: جنّة من حرمل! والله ما قاتلنا إلاّ على

١- ص ٦.

٢- سورة التوبة: الآية ١١١.

٣- اقرأ على سبيل المثال: الآيات الكريمة من سورة التوبة: ٤١ ـ ٥٧ و ٨٦ ـ ٨٩.

٦٩
الأحساب(١).

وغير قزمان من الصحابة من الّذين كانوا يقاتلون مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن من أجل غايات دنيوية ومطامع فردية، حتّى سُمّي بعضهم بـ: " قتيل الحمار " ; لأنّه كان يبغي من مقاتلته لأحد المشركين أن ينتصر عليه ويأخذ الحمار الّذي كان يركبه، ولكن المشرك كان أسرع منه فقتله، ثمّ كشف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدها عن نيّة هذا الصحابي المقتول.

وهناك مَن سمّاه المسلمون بـ: " مهاجر أُمّ جميل "...

إلى غيرها من الشواهد المذكورة في كتب السير والتاريخ الّتي تبيّن لنا أن ليس كلّ مَن أنفق وقاتل أو هاجر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أهل الجـنّة(٢).

١- الإصابة في تمييز الصحابة ٥ / ٣٣٥.

٢- وقد ورد أيضاً أنّ من الصحابة: مَن قتل نفسه في إحدى المعارك بسهم، وقد أخـبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه قبل ذلك بأنّه من أهل النار ; راجع: سُـنن البيهقي ٨ / ١٩٧، ورواه البخاري ومسلم.

ومنهم: مَن قتل نفسه بمشاقص ورفض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلّي عليه ; راجع: سُنن البيهقي ٤ / ١٩، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن عون بن سلام، وقريب منه في سُـنن ابن ماجة ١ / ٤٨٨.

ومن الصحابة: مَن قام بقتل المسلِّم عليه، فخالف بذلك أُسلوب ردّ التحية في الإسلام، الّتي نزل بها القرآن وعلّمهم إيّاها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; راجع: المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ ٢ / ٢٥٦ وصحّحه، وتلخيص المستدرك ـ للذهبي ـ ٢ / ٢٥٦ وصحّحه، سُـنن الترمذي ٤ / ٣٠٧، سُـنن البيهقي ٩ / ١١٥.

بل منهم: مَن كان يتمنّى أو ينتظر موت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كي يتزوّج من نسائه، ومن أجل ذلك أنزل الله تعالى قوله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَا جَهُ مِن بَعْدِهِى أَبَدًا إِنَّ ذَا لِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) ; راجع: سُـنن البيهقي ٧ / ٦٩، والآية في سورة الأحزاب: ٥٣... إلى غير ذلك من الشواهد.

٧٠
فلا معنى بعد هذا لقول الكاتب: " ووعدهم جميعاً الجنّة... "!!

فالأوْلى بالكاتب، بل بكلّ باحث، أن يسلك في هذا الموضوع منهجاً وسطاً لا إفراط فيه ولا تفريط، ويعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، ولا يخلط الحابل بالنابل، فيأتي بأدلّة من القرآن الكريم تفيد العموم مثلا، وهو بعد لم يراجع مخصّصاتها، ليصل إلى القول الفصل في الموضوع، ويطلق أحكامه قبل ذلك، وقد اشتهر على لسان العلماء: ما من عامّ إلاّ وقد خـصّ!

وقد أعجبني من كتّاب أهل السُـنّة الّذين بحثوا هذا الموضوع بتجرّد وموضوعية تنمّ عن قدرة كبيرة في البحث والتنقيب: الكاتب والباحث الأُردني المحامي " أحمد حسين يعقوب " في كتابه: نظرية عدالة الصحابة، فليرجع الدليمي إليه فإنّه سيجد الفائدة المرجوة إن شاء الله تعالى.

ولا يشفع للدليمي أن يذهب إلى ما ذهب إليه من رأي مشبع بالخيال حول صلاح جميع الأصحاب أن يقول مثلا: " إنّ الطعن فيهم ـ أي في الصحابة ـ تكذيب صريح لكتاب الله "(١).

أقـول:

كيف يكون بيان الحقّ، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، تكذيب صريح لكتاب الله، ولم يدلّنا على هذا البيان سوى كتاب الله عزّ وجلّ؟!

ألم يقرأ الدليمي قوله تعالى: { يَـأَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَْرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ

١- ص ٣٧.

٧١
الاَْخِرَةِ فَمَا مَتَـعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فِى الاَْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَتَضُرُّوهُ شَيْــًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }(١)..

وقوله تعالى: { يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِى فَسَوْفَ يأَتِى اللَّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى ا لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى ا لْكَـفِرِينَ يُجَـهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَبِم ذَا لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَا سِعٌ عَلِيمٌ }(٢).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ في الصحابة قابلية الخطأ، وقابلية التخلّف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجهاد وحبّ الحياة الدنيا، بل قابلية الانقلاب والارتداد عن الدين، أم أنّ المخاطبين بهذه الآيات قوم آخرون غير الصحابة؟!

أو يقرأ قوله تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الاَْعْرَابِ مُنَـفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم }(٣).

أو الآيات الّتي جاءت بعد هذه الآية الكريمة ليقف عندها، ثمّ ينظر إلى التقسيم الإلهي الّذي جاء فيها لواقع الأصحاب وما هم عليه، قال تعالى: { وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ... وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ... وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا

١- سورة التوبة: الآيتان ٣٨ و ٣٩.

٢- سورة المائدة: الآية ٥٤.

٣- سورة التوبة: الآية ١٠١.

٧٢
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ }(١).

فهذا التقسيم القرآني لواقع الأصحاب يعطينا صورة واضحة عمّا كانوا عليه في حياة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكلامه عزّ وجلّ أصدق الكلام، فالأجدر بالكاتب، بل بكلّ باحث عن الحقيقة، راغب في بيانها واطّلاع الناس عليها، أن يتّخذه أساساً له في البحث في هذا الموضوع، وأن لا يقول في دين الله إلاّ الحقّ، ولا يغلو في الأصحاب ويحكم بعدالة كلّ فرد سـمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو رآه من المسلمين مطلقاً(٢).

فالأصحاب ـ وحسب التقسيم القرآني المستفاد من الآيات السابقة وآيات أُخرى ـ فيهم العدول، وهم عظماء الصحابة وعلماؤهم وأولياء أُمورهم، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال.

بل على الكاتب أن يقرأ قوله تعالى في سورة التوبة ذاتها، الآية ١١٩: { يَـأَ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّـدِقِينَ }، الدالّ بكلّ وضـوح على أنّ في الأُمّة صنفين من الناس:

الأوّل: المطالَبون بالتقوى، وبالكون مع الصادقين، وهم عامّتها.

والثاني: الصادقون، الّذين أمر الله المؤمنين بالكون معهم..

فإن قلنا: إنّ الصحابة هم الصادقون حسب هذا الخطاب، وكذلك هم المؤمنون المطالبون بالتقوى ; يكون معنى الآية إذاً: يا أيّها الصحابة! كونوا مع أنفسكم!! وهذا الكلام غير مراد قطعاً، فهو لا يصدر من البليغ، لأنّه

١- سورة التوبة: الآيات ١٠٢ و ١٠٦ و ١٠٧.

٢- انظر: نظرية عدالة الصحابة، للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب ; لتقف على تعاريف القوم للصحبة وأقوالهم فيها.

٧٣
لا معنى له، فلا بُدّ أن يكون الصادقون، الّذين أمر الله المؤمنين أن يكونوا معهم حسب هذه الآية، قوماً آخرين غير مجموع الصحابة، فمَن هؤلاء؟!

أقـول:

مَن رجع إلى حديث الثقلين المار ذكره، يجد الجواب جليّاً لا غطش ـ لا ظلمة ـ فيه(١).

وسيأتي بعد قليل بيان السُـنّة النبوية لواقع الأصحاب وما هم عليه بما يؤيّد القرآن الكريم ويطابقه تماماً.

قال الدليمي:

" إنّ الطعن فيهم... طعن في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنّه معلّمهم ومربّيهم "(٢).

أقـول:

لم نعلم أنّ الطعن في التلميذ طعن في المعلّم حتّى قرأنا كلام الدليمي هنا، فمن أين أتت الملازمة بين الاثنين يا ترى؟!

وما ذنب المعلّم الناصـح الشفيق الّذي لم يقصّـر في تربية تلاميذه قيد شعرة بينما كان بعض تلاميذه لاهين ساهين يتركون معلّمهم قائماً في خطبته وتأديبه لهم لِيُهرَعُوا نحو تجارة أقبلت قد سمعوا طبولها، أو لهو

١- راجع: تفسير الرازي للآية الكريمة تجده يفسّرها كما بيّناه أعلاه.

وراجع: مَن ذكر أنّ المراد بالكون مع الصادقين في الآية الكريمة أي: مع عليّ ابن أبي طالب في الصواعق المحرقة: ٩٠، وفتح القدير ٢ / ٤١٥ وغيرها.

٢- ص ٧.

٧٤
كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة للشيخ خالد البغدادي (ص ٧٥ - ص ٩١)

٧٥
إنّ هذا في الواقع تهافت من التفكير، وإلغاء للحجّة مع تمام المحجّة ; إذ لا تلازم بين الاثنين كما ترى، فهل يشكّ أحد ـ مثلا ـ في إخلاص نبيّ الله نوح (عليه السلام) ـ وهو شيخ الأنبياء ـ في إعداده وتربيته لابنه، ومع هذا قد حصل الانحراف من الابن، بل بان هذا الانحراف واشتهر حتّى صرّح المولى سبحانه بحقّه: { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـلِح }(١).

فادّعاء الملازمة بأنّ الطعن في التلميذ يستلزم الطعن في المعلّم هذا الأمر لا وجه له، بل ترد عليه اشكالات لا مخرج منها، كما تقدّم.

وبعد هذا فلينظر الكاتب إلى أقوال النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصحابه، ممّا رواه أهل السُـنّة في كتبهم..

أخرج البخاري في صحـيحه: عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: " يرد علَيَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحلّؤن(٢) عن الحوض، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى "(٣).

وعن أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " بينا أنا قائم إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم. فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم. فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل

١- سورة هود: الآية ٤٦.

٢- أي: يُطردون ويُبعـدون.

٣- صحيح البخاري ٧ / ٢٠٨ كتاب الرقاق، باب: في الحوض.

٧٦
النعم "(١).

أقـول:

ومَن قرأ قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِى الرُسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْــًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّـكِرِينَ }(٢)، ثمّ قرأ قوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ }، تبيّن له تطابق الكتاب والسُـنّة في هذا المورد تماماً، وإنّهما يصدّقان بعضهما البعض ; فانظر هل ترى من فطور؟!

قال تعالى: { مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَـنِ مِن تَفَـوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِـيرٌ }(٣) صدق الله العليّ العظيم.

وكذا أخرج مسلم في صحيحه عن قيس، عن عمّار، أنّ حذيفة بن اليمان أخبره، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سـمّ الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدُّبيلة "(٤)، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم(٥).

١- صحيح البخاري ٧ / ٢٠٨..

قال في لسان العرب ١١ / ٧١٠: وفي حديث الحوض: " فلا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم"، الهمل: ضوالّ الإبل، واحدها: هامل ; أي: إنّ الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالّة.

٢- سورة آل عمران: الآية ١٤٤.

٣- سورة الملك: الآية ٣ و ٤.

٤- الدُّبيلة: خُرّاج ودُمّل كبير، تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً، وورد تفسيرها في بعض أحاديث الباب بأنّها: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك.

٥- صحيح مسلم ٨ / ١٢٢ ح ٩، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.

٧٧
وأيضاً أخرج البخاري ـ واللفظ له ـ ومسلم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله: " إنّي فرطكم على الحوض، مَن مرّ علَيَّ شَرِب، ومَن شَرِب لم يظمأ أبداً، ليرِدنّ علَيَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال بيني وبينهم "..

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عيّاش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهدُ على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: " فأقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً! لمَن غيَّرَ بعدي "(١).

وهذه الأحاديث رواها حفّاظ الحديث من أهل السُـنّة بطرق كثيرة جدّاً وبألفاظ متقاربة، وفي ما ذكرناه كفاية(٢).

قال الدليمي:

" إنّ الطعن فيهم... هو قنطرة للقول بتحريف القرآن، إضافة إلى السُـنّة النبوية ; لأنّهم هم الّذين رووا ذلك كلّه وعن طريقهم نقل، والطعن في الراوي طعن في الرواية ولا بُدّ "(٣).

١- صحيح البخاري ٧ / ٢٠٨، صحيح مسلم ٧ / ٦٦.

٢- راجع إن شئت: سُـنن ابن ماجة ٢ / ١٠١٦، مسند أحمد ١ / ٣٨٤، و ٤٠٢ و ٤٠٦ و ٤٠٧ و ٤٢٥ و ٤٣٩ و ٤٥٣ و ٤٥٥، و ج ٥ / ٣٣٩ و ٣٩٣، مجمع الزوائد ١٠ / ٣٦٣ و ٣٦٤.

٣- ص ٧.

٧٨

أقـول:

حاشا لله! أن يجعل رواة كتابه الكريم ـ وهو خاتمة الكتب السماوية ـ ونقلته إلى الأجيال اللاحقة من المنافقين أو الفاسقين أو البغاة، الّذين علمنا بوجودهم الإجمالي، ووجودهم التفصيلي في بعض الموارد، بين الصحابة(١).

وحاشا أيضاً للصادق الأمـين (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتمن على أمانته العظيمة ـ القرآن الكريم ـ أمثال هؤلاء، بل الثابت المعلوم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن جماعة من الصحابة يحفظون القرآن ثمّ يعرضـونه عليه، وكان كلّ ذلك يجري تحت عنايته وإشرافه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كـ: ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وغيرهما(٢).

١- انظر: قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَـهَدَ اللَّهَ لَئنْ ءَاتَـلـنَا مِن فَضْلِهِ ى لَنَصَّدَّقَنَّ ـ إلى قوله ـ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَاوَعَدُوهُ)، سورة التوبة: الآية ٧٥ ـ ٧٧، الّذي جاء بحقّ الصحابي ثعلبة.

وقوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ)، سورة السجدة: الآية ١٨، والمؤمن في الآية هو: عليّ بن أبي طالب، والفاسق هو: الصحابي الوليد بن عقبة.

وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الاِْسْلَـمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ)، سورة الصفّ: الآية ٧، الّذي جاء بحقّ الصحابي عبـد الله بن أبي سرح، الّذي ولاّه الخليفة عثمان بعد ذلك مصـر.

راجع تفسير الآيات وسبب نزولها في تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، و الكشّاف للزمخشري، و أسباب النزول للسيوطي، و السيرة الحلبية ـ للحلبي الشافعي ـ باب: فتح مكّة، وغيرها.

٢- جاء في تفسير مجمع البيان ـ للشيخ الطبرسي ـ ١ / ١٥، وأيضا عن الشبلنجي المصري في نور الأبصار: ٤٨ ـ في ما نقله عن العلاّمة الدميري في حياة الحيوان ـ: وأمّا مَن جمع القرآن حفظاً على عهده (صلى الله عليه وسلم) فأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو يزيد الأنصاري، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفّان، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيّوب الأنصاري. انتهى.

وانظر للاستزادة: البرهان في علوم القرآن ـ للزركشي ـ ١ / ٢٤٠ فصل: في بيان مَن جمع القرآن حفظاً من الصحابة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

٧٩
أضف إلى ذلك: وجود باب مدينة علم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) بين ظهراني الصحابة بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الّذي كان يقول: " والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى مَن نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولا، ولساناً طلقاً "(١).

كما كان (عليه السلام) يقول: " سلوني عن كتاب الله! فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل... "(٢).

الأمر الّذي يدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل لدينه قلوباً صافيات وآذاناً واعيات، كما في قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام) عند نزول قوله تعالى: { وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَا عِيَةٌ }(٣): " سألت الله أن يجعلها أُذنك يا عليّ ". قال عليّ: " فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى "(٤).

كلّ هذا مع ملاحظة: أنّ القرآن لا يدّعي أحد بأنّ نقله قد تمّ عن فلان الثقة عن مثله وهكذا ; إذ لم يثبت بهذه الطريقة، وإنّما ثبت القرآن بالتواتر جيلا عن جيل، وعصر عن عصر، وقرن عن قرن، وأُمّة عن أُمّة، ولهذا لا يُلتفت حينئذ لتوثيق الأفراد فرداً فرداً عند التواتر، فلا تثبت عدالة جميع الصحابة ; لأنّها لا تشترط في ثبوت القرآن وإثباته!!

وهنا أودّ أن أسأل الكاتب سؤالين يتعلّقان بكلامه السابق:

١- حلية الأولياء ١ / ٦٨، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٩٧.

٢- الطبقات الكبرى ٢ / ٣٣٨.

٣- سورة الحاقة: الآية ١٢.

٤- راجع تفسير الآية في تفاسـير: الطبري، والسيوطي، والرازي، وابن كثير، والقرطبي، والشوكاني، وغيرهم.

٨٠