×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوسل / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم } (الحشر/٥٩).

فدعاء حملة العرش واللاحقين من المؤمنين سبب صالح لإجابة الدعاء، فعلى المسلم الواعي التمسك بمثل هذا السبب وطلب الدعاء منهم.

وفي السنّة الشريفة ما يدل على ذلك، روى مسلم والترمذي عن عبد الله عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله يقول: " إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلّوا عليّ فانّه من صلّى عليّ صلاة، صلّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فانّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة "(١).

فهذا الحديث يدل بظاهره على أنّ الرسول يتوسّل إلى الله تعالى بدعاء أُمته له، أن يؤتيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة ويكون جزاؤه شفاعتَه في حقّهم. فإذا كان هذا حال النبي فأولى لنا أن نتمسك بهذه الوسيلة:

وفي روايات أئمة أهل البيت تصاريح على ذلك، نذكر بعضها لتتجلّى الحقيقة بأجلِّ مظاهرها فانّ العترة الطاهرة أحد الثقلين اللّذين أمر النبي بالتمسك بهما والمتمسك بهما لن يضل:

١ ـ روى أبو بصير، عن أبي جعفر، قال: " إنّ عليّ بن الحسين قال لأحد علمائه: يا بنيّ اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين، ثم قل:

١- مسلم: الصحيح: ٢/٤، كتاب الصلاة، الباب ٦ ; الترمذي: الصحيح: ٥/٥٨٩، كتاب المعاقب، الباب الأول، واللفظ للأوّل.

٤١
اللّهمّ اغفر لعليّ بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حرّ لوجه الله "(١).

٢ ـ روى محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: " كان علي بن الحسين إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة، وكان إذا أذنب العبد يكتب عنده، أذنب فلان، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولم يعاقبه، فيجتمع عليهم الأدب حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم أظهر الكتاب، ثم قال يا فلان: فعلت كذا وكذا ولم أُؤدبك أتذكر ذلك؟ فيقول: بلى يابن رسول الله، ويقررهم جميعاً، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين إنّ ربّك قد أحصى عليك كل ما عملت كما أحصيت علينا... فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو، وكما تحب أن يعفو المليك عنك فاعف عنّا تجده عفوّاً ربك رحيماً ـ إلى أن قال: ـ فيقول لهم: قولوا اللّهمّ اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنّا، فأعتِقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقّ، فيقولون ذلك، فيقول: اللّهمّ آمين ربّ العالمين، إذهبوا فقد عفوتُ عنكم وأعتقتُ رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي "(٢).

٣ ـ وكان أصحاب أئمة أهل البيت يتوسّلون بدعائهم، وهذا هو علي بن محمد الحجال كتب إلى أبي الحسن الإمام الهادي وجاء في كتابه: " أصابتني علّة في رجلي ولا أقدر على النهوض والقيام بما يجب فإن رأيت أن تدعو الله أن يكشف علّتي ويعينني على القيام بما يجب عليّ وأداء الأمانة في ذلك... "(٣).

١- المجلسي: البحار: ٤٦/٩٢، نقلا عن كتاب الزهد لحسين بن سعيد الأهوازي.

٢- المجلسي:البحار:٤٦/١٠٢،نقلا عن كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس المتوفى عام ٦٦٤هـ.

٣- الأربلي: كشف الغمة: ٣/٢٥١.

٤٢

«٦»
التوسّل بدعاء النبي في حياته البرزخية


قد تلونا عليك دعوة القرآن الكريم المذنبين للتوسّل بدعاء النبي الأكرم، وهناك من يخص مفاد الآيات بحياة النبي الجسمانية قائلا بانقطاعه عنّا بموته وانتقاله إلى الحياة البرزخية، وما ذلك إلاّ أخذاً بظاهر الآية الواردة في حياته الدنيوية، وهذه الفكرة لها قيمتها لدى أصحابها، ولكن للمناقشة فيها مجال واسع. فاذا دلّت الآيات الكريمة والسنّة النبوية على امتداد حياته بعد انتقاله إلى البرزخ ووجود الصلة بينه وبيننا، لزم القول بعموم مفاد الآية وشمولها لما بعد الموت، خصوصاً إذا دعمها عمل السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان، فهناك مواضيع من البحث لا يمكن القضاء البات فيها إلاّ بعد دراستها في ضوء الكتاب والسنّة، وهذه المواضيع هي:

٤٣
١ ـ حياة الأنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ.

٢ ـ وجود الصلة بيننا وبينهم، حيث يسمعون كلامنا ويجيبون دعوتنا.

٣ ـ سيرة السلف الصالح على التوسّل بعد انتقالهم إلى البرزخ.

وإليك دراسة المواضيع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: حياة الأنبياء والأولياء بعد انتقالهم إلى البرزخ:

هذا الموضوع هو المهم بين المواضيع، ويمكن الاستدلال عليه من خلال أُمور بعضها يدل على حياتهم بصورة مباشرة وأُخرى غير مباشرة، وإذا لاحظنا مجموع الأدلّة نقطع على حياتهم البرزخية بلا ريب وإليك هذه الأُمور:

أ ـ دلّت الآيات الشريفة على حياة الشهداء ; حياة حقيقية مقترنة بآثارها من الرزق والفرح والاستبشار ودرك المعاني والحقائق، قال سبحانه: { ولا تحسبنّ الَّذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالَّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضله وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين } (آل عمران/١٦٩ ـ ١٧١).

فالآية تدل على حياة الشهداء وارتزاقهم عند ربهم مقترنة بالآثار الروحية من الفرح والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم من خلقهم، وتبشيرهم على أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إلى غير ذلك ممّا جاء في الآيتين.

إنّ الله سبحانه يطرح حياتهم لأجل إظهار كرامته ونعمته عليهم، وبذلك يرد الفكرة السائدة في صدر الرسالة من أن موت الشهيد انتهاءُ

٤٤
حياته. وإذا كان الشهداء أحياءً لأجل استشهادهم في سبيل دين الله الذي جاء به النبي الأكرم، فهل يُتصوّر أن يكون الشهداء أحياءً، ولا يكون النبيّ ـ الأفضل ـ القائد حيّاً، وهذا ما لا تقبله الفطرة السليمة، وأيّ مسلم لهج بخلافه فانّما يلهج بلسانه وينكره بقلبه وعقله.

ب ـ هذا هو حبيب النجار لم يكن له شأن سوى أنّه صدق المرسلين ولقى من قومه أذىً شديداً حتى قضى نحبه شهيداً. فنرى أنّه بعد موته خوطب بقوله سبحانه: { قيل ادخل الجنة } ثم إنّه بعد دخوله الجنة يتمنّى عرفان قومه مقامه ومصيره بعد الموت فيقول: { قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين } فهو يتمنّى في ذلك الحال لو أنّ قومه الموجودين في الدنيا علموا أنّه سبحانه غفر له وجعله من المكرمين، يتمنّى ذلك لأجل أن يرغب قومه في مثله وليؤمنوا لينالوا ذلك.

فمن المعلوم أنّ الجنة التي حلّ فيها حبيب النجار كانت قبل يوم القيامة، بشهادة أنّه تمنّى عرفان أهله مقامه وكرامة الله عليه وهم على قيد الحياة الدنيوية، وإن لحقهم العذاب بعد ذلك، قال: { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السّماء وما كنّا منزلين * إن كانت إلاّ صيحة واحدة فإذا هم خامدون } (يس/٢٨ ـ ٢٩) فإذا كان الشهداء والصالحون ـ أمثال حبيب النجار المصدِّق للرسل ـ أحياءً يرزقون فما ظنّك بالأنبياء والصدّيقين المتقدّمين على الشهداء، قال سبحانه: { ومن يطع الله والرَّسول فأُولئك مع الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيّين والصِّدّيقين والشُّهداء والصّالحين وحسن أُولئك رفيقاً } (النساء/٦٩) فلو كان الشهيد حياً يرزق فالرسول الأكرم الذي ربّى الشهداءَ واستوجب لهم تلك المنزلة

٤٥
العليا، أولى بالحياة بعد الوفاة وبعدهم الصدّيقون.

ج ـ دلّت الآيات الكريمة والبراهين العقلية على أنّ الموت ليس فناء الإنسان ونفاذه، وإنّما هو انتقال من عالم إلى آخر، نعم الماديون المنكرون لعالمِ الأرواح، والنافون لما وراء الطبيعة يعتقدون بأنّ الموت فناء الإنسان وضلاله في الأرض بحيث لا يبقى شيء من بعد ذلك إلاّ الذرّات المادية المبعثرة في الأرض، ولهذا كانوا ينكرون إمكان إعادة الشخصية البشرية، إذ ليس هناك شيء متوسط بين المبتدأ والمعاد.

جاء الوحي يندد بتلك الفكرة ويفنِّد دليلهم المبني على قولهم: { أ إذا ضللنا في الأرض أإنّا لفي خلق جديد } فردّهم بقوله: { قل يتوفّاكم ملك الموت الَّذي وكّل بكم ثم إلى ربّكم ترجعون } (السجدة/١٠ ـ ١١).

وتوضيح الردّ أنّ الموت ليس ضلالا في الأرض وأنّ شخصية الإنسان ليست هي الضالة الضائعة في ثنايا التراب، وإنّما الضال في الأرض هو أجزاء البدن المادّي، فهذه الأجزاء هي التي تتبعثر في الأجواء والأرض، ولكن هذه لا تشكّل شخصية الإنسان، بل شخصيته شيء آخر هو الذي يأخذه ملك الموت، وهو عند الله محفوظ، كما يقول: { يتوفّاكم ملك الموت الَّذي وكّل بكم ثم إلى ربِّكم ترجعون } فإذاً لا معنى للتوفّي إلاّ الأخذ وهو أخذ الأرواح والأنفس ونزعها من الأبدان وحفظها عند الله.

وهناك آية أُخرى تفسّر لنا معنى التوفّي بوضوح وأنّه ليس بمعنى الموت والفناء، بل الأخذ والقبض أي قبض شيء موجود وأخذ شيء واقعي، يقول سبحانه: { الله يتوفّى الأنفس حين موتها والّتي لم تمت في منامها فيمسك الّتي قضى عليها الموتَ ويرسل الأُخرى إلى أجل مسمّى إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون } (الزمر/٤٢) فمفاد الآية أنّ الله يقبض الأنفس

٤٦
ويأخذها في مرحلتين: حين الموت وحين النوم، فما قضى عليها بعدم الرجوع إلى الدنيا أمسكها، ولم يردّها إلى الجسد، وما لم يقض عليها كذلك أرسلها إلى أجل مسمّى. كل ذلك يكشف عن أنّ الموت ليس فناءَ الإنسانِ وآية العدم، بل هناك انخلاع عن الجسد وارتحال إلى عالم آخر.

د ـ وهناك كلمة قيّمة لأبي الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) توضح هذه الحقيقة إذ قال لأصحابه في يوم عاشوراء: " صبراً يا بني الكرام فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء، إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إنّ أبي حدّثني عن رسول الله أنّ الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ما كذبتُ ولا كُذِّبتُ "(١).

وفي هذه الآيات غنى وكفاية لثبوت الحياة البرزخية للأنبياء والشهداء والصديقين، بل لغيرهم وقد شهدت بذلك الآيات الكريمة التي لا مجال لنقلها، وهذه الحقيقة ممّا أجمع عليها أئمة أهل السنّة، فهذا الإمام الأشعري يقول: " ومن عقائدنا أنّ الأنبياء (عليهم السلام) أحياءٌ " وقد ألّف كتاباً أسماه "حياة الأنبياء"(٢).

فلنقتصر بهذا البيان في إثبات الموضوع الأوّل وقد تركنا الاحتجاج على حياتهم بما ورد في السنّة النبويّة وسيوافيك بعضها في المستقبل.


*  *  *

١- مصطفى الموسوى: بلاغة الحسين: ص ٤٧.

٢- السبكي: طبقات الشافعية: ٣/٤٠٦.

٤٧

الثاني: الصلة بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخية:

هذا هو الموضوع الثاني من المواضيع الثلاثة التي يتوقف عليها إثبات ما هو المقصود في هذا الفصل.

القول بالحياة البرزخية للأنبياء والصدّيقين لا يفي وحده بما هو المهم هنا ما لم يثبت أنّ هناك صلة بيننا وبينهم في البرزخ، بحيث يسمعوننا ويستطيعون أن يردّوا علينا، وهذا هو الموضوع الثاني الذي أشرنا إليه وهنا نكتفي بأبرز الآيات الواردة في هذا المضمار التي تدل على إمكان الاتصال بالأرواح المقدسة الموجودة في عالم البرزخ، وهذا وإن أثبته علم النفس بعد تجارب كثيرة، ولكنّنا أخذنا على أنفسنا أن نستدل بالكتاب والسنّة، ولو كان هناك شيء في العلم فهو أيضاً يدعم مدلول الكتاب والسنّة.

إنّ الكتاب والسنّة تضافراً على إمكان اتصال الإنسان الموجود في الدنيا بالإنسان الحي في عالم البرزخ وإليك بعض الآيات:

١ ـ النبي صالح يخاطب قومه الهالكين:

أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم عن النبي صالح (عليه السلام) أنّه دعا قومه إلى عبادة الله، وترك معجزته (الناقة) وأمرهم بعدم مسّها بسوء ولكنّهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربّهم:

{ فأخذتهم الرَّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون النّاصحين } (الأعراف/٧٨ ـ ٧٩).

ترى أنّ الله يخبر على وجه القطع والبت بأنّ الرجفة أهلكت أُمة

٤٨
صالح (عليه السلام) فأصبحوا في دارهم جاثمين، وبعد ذلك يخبر أنّ النبي صالح تولّى عنهم ثم خاطبهم قائلا: { لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون النّاصحين }.

والخطاب صدر من صالح لقومه بعد هلاكهم، وموتهم بشهادة جملة { فتولّى } المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم.

ثم إنّ ظاهر قوله: { ولكن لا تحبّون النّاصحين } يفيد أنّهم بلغت بهم العُنجهية أن كانوا لا يحبّون الناصحين حتى بعد هلاكهم.

٢ ـ مخاطبة النبي شعيب قومه الهالكين:

لم تكن قصة النبي صالح هي القصة الوحيدة من نوعها في القرآن الكريم، فقد تبعه في ذلك "شعيب" إذ خاطب قومه بعد أن عمّهم الهلاك، قال سبحانه: { فأخذتهم الرَّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الّذين كذّبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها الَّذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين * فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين } (الأعراف/٩١ ـ ٩٣).

وهكذا يخاطب شعيب قومه بعد هلاكهم ويكون صدور هذا الخطاب بعد هلاكهم بالرجفة. فلو كان الاتصال غير ممكن، وغير حاصل، ولم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين خطابَ صالح وشعيبَ، فما معنى خطابهما لهم؟

أيصح أن يفسّر ذلك الخطاب بأنّه خطاب تحسّر وإظهار تأسف؟

كلا، إنّ هذا النوع من التفسير على خلاف الظاهر، وهو غير

٤٩
صحيح حسب الأصول التفسيرية، وإلاّ لتلاعب الظالمون بظواهر الآيات وأصبح القرآن الكريم لُعبة بيد المغرضين، يفسّرونه حسب أهوائهم وأمزجتهم.

على أنّ مخاطبة الأرواح المقدّسة ليست أمراً ممتنعاً في العقل حتى يكون قرينة عليه.

٣ ـ أمر النبي بالتكلم مع الأنبياء:

جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى لنبيه: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرَّحمن آلهة يعبدون } (الزخرف/٤٥).

ترى أنّ الله سبحانه يأمر النبي الأكرم بسؤال الأنبياء الذين بعثوا قبله، ومن التأويل الباطل إرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب استظهاراً من قوله سبحانه: { فإن كنت في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءُون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحقُّ من ربِّك فلا تكوننّ من الممترين * ولا تكوننّ من الَّذين كذّبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } (يونس/٩٤ ـ ٩٥) إذ لا مانع من السؤال عنهم وعن أمتهم ولكل موقفه.

هذا هو الذي يرشدنا إليه الوحي في إمكانية الارتباط بالأرواح المقدسة، وأمّا السنّة الدالة على إمكانه، فهي أكثر من أن تحصى، ولكن نكتفي هنا بالبعض.


*  *  *

الأحاديث وإمكان الارتباط بالأرواح:

١ ـ روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه وقف على قليب "بدر" وخاطب المشركين الذين قتلوا وأُلقيت جثثهم في القليب:

٥٠
" لقد كنتم جيران سوء لرسول الله، أخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه، فقد وجدتُ ما وعدني ربّي حقّاً ".

فقال له رجل: يا رسول الله ما خطابك لهام قد صديت؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " والله ما أنت بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلاّ أن أعرض بوجهي ـ هكذا ـ عنهم "(١).

٢ ـ روي أنّ الإمام علياً بعد أن وضعت الحرب في معركة الجمل أوزارها مرّ على كعب بن سور وكان قاضي البصرة فقال لمن حوله: " أجلسوا كعب بن سور " فأجلسوه بين شخصين يمسكانه ـ وهو صريع ـ فقال (عليه السلام): " يا كعب بن سور قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتَ ما وعدك ربك حقاً؟ " ثم قال: " أضجعوه " ثم سار قليلا حتى مر بطلحة بن عبيد الله صريعاً، فقال: " أجلسوا طلحة " فأجلسوه، فقال (عليه السلام): " يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ " ثم قال: " أضجعوا طلحة " فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال (عليه السلام): " يا رجل والله لقد سمعا كلامي، كما سمع أهل القليب كلام رسول الله "(٢).

ثم إنّ المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ـ يسلّمون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة عند ختامها فيقولون: " السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ".

وينطلقون في ذلك من تعليم النبي ذلك للمسلمين، وانّ سنّة

١- صحيح البخاري: ٥/٧٦، باب قتل أبي جهل ; وسيرة ابن هشام: ٢/٢٩٢.

٢- المفيد: حرب الجمل، ص ١٩٥ ; والسيد عبد الله شُبَّر: حق اليقين: ٢/٧٣.

٥١
النبي ثابتة له في حياته وبعد وفاته(١).

فإذا كانت صلاتنا وعلاقتنا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انقطعت بوفاته فما معنى مخاطبته والسلام عليه يومياً؟

إنّ هذ السلام يدل على إمكان الارتباط بروحه المقدّسة بل وقوعه.

فلو كانت الصلة منقطعة فما معنى قول الرسول فيما تواتر عنه في زيارته لأهل البقيع لعائشة:

" أمرني ربي أن آتي البقيع فأستغفر لهم " قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال:

" قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين ".

وفي رواية: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا وإيّاكم متواعدون غداً، أو مواكلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد ".

إلى غير ذلك من الصور المختلفة لزيارة النبي لبقيع الغرقد، والاختلاف في الصور انّما هو لأجل تكرار العمل منه (صلى الله عليه وآله وسلم)فلاحظ المصادر(٢).

قال رسول الله: " إنّ لله تعالى ملائكة سيّاحين في الأرض تبلغني عن أُمتي السلام ".

١- كتاب الخلاف: ١/٤٧، وقد اتفقت كلمة أئمة المذاهب الأربعة على وجود هذا السلام في التشهد.

٢- صحيح مسلم: ٢/٦٣، باب ما يقال عند دخول القبر ; سنن النسائي: ٣/٧٦، وسنن أبي داود.

٥٢
" ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عزّ وجلّ عليّ روحي حتى أرد عليه السلام ".

" من صلّى عليّ عند قبري سمعته ومن صلّى عليَّ نائياً أُبْلِغْتُ ".

" صلّوا عليّ فانّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".

" من زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام عشراً، وزاره عشرة من الملائكة كلّهم يسلّمون عليه، ومن سلّم عليّ في بيت ردّ الله عليّ روحي حتى أُسلّم عليه "(١).

الثالث: سيرة السلف الصالح في التوسّل بدعاء النبي بعد رحيله:

النظر إلى سيرة المسلمين بعد لحوق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى يثبت أنّهم كانوا يتوسّلون بدعائه، كتوسّلهم به قبل لحوقه به فما كانوا يرون فرقاً بين الحالتين، فمن تصفّح سيرة المسلمين ورجع إلى غضون الكتب وشاهد عملهم في المسجد النبوي قرب مزاره الشريف، يلمس بسهولة استقرار السيرة على التوسّل بدعائه من غير فرق بين حياته وانتقاله، وها نحن نذكر من أعمال بعض الصحابة والتابعين شيئاً يسيراً ونترك الباقي للمتصفّح في غضون الكتب.

إنّنا لا يمكننا تصديق جميع ما روي مع العلم بأنّ بين المرويات قضايا صادقة صدرت عن أُناس صالحين غير أنّها بكثرتها تدل على أنّ التوسّل كان أمراً رائجاً منذ عصر الصحابة إلى زماننا هذا، ولم يكن أمراً غريباً عند المسلمين.

١- راجع سنن أبي داود: ٢/٢١٨، كنز العمال: ١٠/٣٨ ; طبقات الشافعية للسبكي: ٣/٤٠٦ ـ ٤٠٨.

٥٣
ولو فرضنا أنّ بعض هذه القضايا تخالف الواقع، فلا ريب أنّه من باب استغلال الوضّاعين لأصل مسَلَّم صحيح بين المسلمين، وهو صحّة التوسّل بدعاء النبي الأكرم بعد رحيله. فانّهم نسجوا بعض القضايا في ظل ذلك الأصل.

ولو فرضنا أنّه لم يكن أمراً رائجاً بين المسلمين بل كان أمراً غريباً أو محظوراً لما تجرّأ المستغِل أن ينسج قضية كاذبة على نول الشرك أو المحرم، فانّ الذي يحفّز الوضّاع على نسج الخرافة هو استعداد العامة لقبول تلك الخرافة ولولاه لما تجرّأ عليه لعدم حصول الغاية المتوخّاة من نسجها.

فهذه القضايا الكثيرة تدل ـ على كلا التقديرين ـ على المطلوب، فإن كانت صادقة فبصدقها، وإن كانت كاذبة فلأجل حكايتها عن وجود أصل مسلّم بين المسلمين وهو التوسّل بدعاء النبي الأكرم قبل وبعد موته، وكان هذا الأصل ربما يستغل أحياناً من بعض المتاجرين بالدين.

على أنّ بعضها ممّا رواه الإمام البخاري وسائر أصحاب الصحاح فلنذكر نماذج:

١ ـ هذا أبوبكر: أقبل على فرسه من مسكنه بالسنخ حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة ـ رضي الله عنها ـ فتيمم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مسجّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها(١).

فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين فما معنى قوله: " بأبي أنت يا

١- البخاري: الصحيح: ٢/١٧، كتاب الجنائز.

٥٤
نبي الله " لو لم يكن سماع فماذا قصد ذلك الصحابي من قوله: " لا يجمع الله عليك موتتين ".

٢ ـ روى السهيلي في الروض الأنف: " دخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجّى في ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذُقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً "(١).

٣ ـ روى الحلبي في سيرته وقال: " جاء أبوبكر من السنخ وعيناه تهملان فقبّل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: بأبي أنت وأُمي طبت حياً وميتاً "(٢).

٤ ـ روى مفتي مكّة المشرّفة زيني دحلان في سيرته فذكر ما ذكراه، وقال: قال أبوبكر: طبت حياً وميتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع للأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك(٣).

٥ ـ قال أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " بأبي أنت وأُمي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والإنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال: ـ بأبي أنت وأُمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك "(٤).

١- أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي (٥٠٨ ـ ٥٨١ هـ)، الروض الأنف: ٤/٢٦٠.

٢- الحلبي علي بن برهان الدين (٩٧٥ ـ ١٠٤٤ هـ): السيرة الحلبية: ٣/٤٧٤ طـ. دار المعرفة، بيروت.

٣- سيرة الزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ٣/٣٩١، طـ. مصر.

٤- نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة ٢٣٥.

٥٥
 كتاب التوسّل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ٥٦ - ص ٧١)

٥٦
مستغفراً ربك من ذنوبي، متشفعاً بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:


يا خير من دفنت بالقاع أعظمهفطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنهفيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم استغفر وانصرف، قال: فرقدت فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نومي وهو يقول: إلحق الرجل وبشّره بأنّ الله غفر له بشفاعتي، فاستيقظت، فخرجت أطلبه فلم أجده.

قلت: بل قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه "مصباح الظلام": إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه وما وعينا عنك، وكان فيما أُنزل عليك: { ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك فاستغفروا الله... } وقد ظلمت، وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: انّه قد غفر لك، انتهى.

وروى ذلك أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله الكرخي عن علي بن محمد بن علي، قال: حدثّنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن ابن صادق، عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فذكره، ولا منافاة بين النقلين لإمكان التعدّد، وعلى فرض الوحدة فأحد النقلين اقتصر، والآخر أسهب في النقل، فنقل جميع القصة.

وقد أدرك ذلك الأعرابي بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة التي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي حتى يطلبوا منه أن يستغفر لهم،

٥٧
ليست خاصة بحياة النبي الدنيوية، بل تعم الحياة الأُخروية، فلأجل ذلك قام يطلب من النبي أن يستغفر له، وقال عياض في الشفاء بسند جيد عن ابن حميد ـ أحد الرواة ـ عن مالك فيما يظهر، قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال مالك: " يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فانّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النَّبي } الآية، ومدح قوماً فقال: {إنّ الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله } الآية، وذمّ قوماً فقال: { إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات } الآية، وانّ حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله أستقبلُ القبلة وأدعو أم أستقبلُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام) إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله تعالى قال الله تعالى: { ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم } الآية.

فانظر هذا الكلام من مالك، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستقباله عند الدعاء وحسن الأدب التام معه.

وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب "باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)" وذكر آداب الزيارة، وقال: ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، وذكر كيفية السلام والدعاء.

منه: اللّهم إنّك قلت في كتابك لنبيك (عليه السلام): { ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك } الآية، وإنّي قد أتيت نبيّك مسغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللّهمّ إنّي أتوجه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر دعاءً طويلا(١).

١- السمهودي: وفاء الوفا: ٤/١٣٦٠ ـ ١٣٦٢.

٥٨
هذه نماذج قدمناه إليك لتكون على بيّنة من هذا الأمر وانّه لم يكن هناك فرق بين الحياتين، وقد نقل المؤرخون أُموراً كثيرة يضيق الوقت بنقلها ولو كنّا شاكّين في صدق بعض هذه التوسّلات ولكن نقل علماء السيرة والتاريخ المقدار الهائل من التوسّلات بدعاء النبي ـ بعد رحيله ـ يكشف أنّ التوسّل بدعاء النبي الأكرم كان أمراً رائجاً بين المسلمين ولم يكن أمراً غريباً ولا محظوراً وإلاّ لما صحّ أن ينقل المؤرخ ما يتلقاه المسلمون أمراً مرغوباً عنه. وقد ذكرها لفيف من المحقّقين في كتبهم فراجعها(١).

وليس لنا أن نترك السيرة المستمرة الهائلة التي يلمسها من توقف هنيئة لدى القبر الشريف النبوي وقد قال سبحانه: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنَّم وساءت مصيراً } (النساء/١١٥).

وقد نقل السمهودي نبذاً ممّا وقع لمن استغاث بالنبي أو طلب منه شيئاً عند قبره فأعطى مطلوبه ونال مرغوبه ممّا ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام"(٢).

شبهات لابد من الإجابة عليها

قد تعرفت على أدلة التوسّل بدعاء النبي الأكرم وأنّه أمراً أطبق

١- لاحظ شفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي، والدرر السنية لزيني دحلان، والمبرد المبكي في رد الصارم المنكي لابن علان، ونضرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي للسمهودي.

٢- وفاء الوفا: ٤/١٣٨٠ ـ ١٣٨٧. طالع ذلك الفصل تجد فيه حكايات وقضايا كثيرة تدل على جريان السيرة بين المسلمين على التوسّل بدعاء النبي الأكرم.

٥٩
على جوازه الكتاب والسنّة النبوية وسيرة المسلمين، غير أنّ هناك شبهات أثارها بعض من اتّخذ في هذه المسألة موقفاً مسبقاً فزعم أنّ هناك أشواكاً في الطريق تعثّر طريق السالكين المتوسّلين وبدورنا نذكر هذه الشبهات بألفاظها ثم نأتي بما يقلعها من أساسها.

الشبهة الأُولى: البرزخ مانع من الاتصال

إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله فهي حياة مستقلّة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا يستحيل الاتصال لا ذاتاً ولا صفاتاً وأنّه سبحانه يقول: { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } (المؤمنون/١٠٠) والبرزخ معناه الحاجز الذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء(١).

هذه العبارة تتضمن أمرين قد خلط الكاتب بينهما:

أ ـ إنّ الحياة البرزخيّة لا نعلم حقيقتها.

ب ـ إنّ البرزخ حاجز مانع عن الاتصال.

فعلى هامش الأمر الأوّل نقول: إنّ حقيقة الحياة مطلقاً ـ مادية كانت أم برزخية ـ أمر مجهول لا يعلم حقيقتها إلاّ خالقها، والذي يعود إلى إمكاننا هو التعرف على آثارها وخصوصياتها، فكما أنّ الحياة المادية معلومة لنا ببعض آثارها، وكلّما يتقدم العلم يتقدم الإنسان في ميادين التعرف على آثارها، وهكذا الحياة البرزخية فهي مجهولة الحقيقة ولكنّها معلومة بآثارها، وقد ذكر الكتاب العزيز بعضها، وأنّ الشهداء الأحياء بحياتهم البرزخية يُرزَقون، يَفْرحون بما آتاهم الله،

١- محمد نسيب الرفاعي: التوصل إلى حقيقة التوسّل: ٢٦٧.

٦٠