×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوسل / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

ولمّا سُقي طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين(١).

أمعن النظر في قول الخليفة: هذا والله الوسيلة.

٣ ـ ويظهر من شعر حسّان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: " سأل الإمام... " وكان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء.

قال الدكتور عبد الملك السعدي: " وقد أوّلوا حديث العباس بأنّ عمر طلب من العباس أن يدعو لأنّهم كانوا إذا أجدبوا طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لهم فكذا هنا طلب الدعاء من العباس. وهذا التأويل غير مقبول لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ السنّة أن يدعو الإمام نفسه والقوم يؤمَّنون وهذا ما حصل حيث كان الداعي هو سيدنا عمر لا العباس.

الوجه الثاني: إنّ نص الحديث لا يدل على أنّ عمر طلب الدعاء من العباس بل كان هو الداعي، بدليل قوله: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل... إلخ وهذا عين الدعاء ولم يرد أيّ لفظ يشير إلى أنّه قال للعباس: ادع لنا بالسقيا.

ومع ذلك فأيّ خلل يحصل في الدين أو العقيدة إذا أجرينا النص على ظاهره وتركنا العناد والتعصّب؟

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: " ويستبين من قصة العباس استحباب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة وفيه فضل

١- الجزري: أُسد الغابة: ٣/١١١ طبع مصر.

٨١
العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه(١).

وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكاً ولا ريباً في خلد أحد في جواز التوسّل بالصالحين.

وأمّا ما ذكره من أنّه لو كان المقصود، التوسّل بذات العباس لكان النبي بذلك أفضل، وأعلم، فيلاحظ عليه أنّ الهدف من إخراج عمّ النبي إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة، فكأنّ المصلّين يقولون ربّنا لو لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة، لكن عمّ النبيّ مستحقّ لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة لغير العباس، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبيّ الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسّل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام.

ولو افترضنا صحّة ما يُدَّعى من أنّ الخليفة توسّل بدعاء عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّه عبارة أُخرى عن التوسّل بذات النبيّ لبّاً إذ لولا صلته به لما قُدِّم للدعاء.

١- عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي: ٤٦.

٨٢

«٨»
التوسّل بحقّ الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم


إنّ من التوسّلات الرائجة بين المسلمين منذ وقعوا في إطار التعليم الإسلامي، التوسّل بمنازل الصالحين وحقوقهم على الله، وهناك سؤال يطرح نفسه وهو أنّه: كيف يمكن أن يكون لإنسان حقّاً على الله؟

بل الحقوق كلّها لله على العباد، ولكن الإجابة على السؤال واضحة، إذ ليس معنى ذلك أنّ للعباد أو لبعضهم على الله سبحانه حقّاً ذاتياً يلزم عليه سبحانه الخروج عنه، بل لله سبحانه الحقّ كلّه، فله على الناس حقّ العبادة والطاعة إلى غير ذلك، بل المراد المقام والمنزلة التي منحها سبحانه عباده تكريماً لهم، وليس لأحد على الله حقّ إلاّ ما جعله الله سبحانه حقّاً على ذمّته لهم تفضّلا وتكريماً، قال سبحانه: { وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين } (الروم/٤٧).

٨٣
روى مسلم عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " هل تدري ما حقّ الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة قال: يا معاذ قلت: لبيك رسول الله وسعديك: هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم "(١).

وروى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة (رضي الله عنه)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف "(٢).

فهذان الحديثان قد ثبت بهما وجود حقّ للعباد على الله تعالى، إلاّ أنّه حقّ تكريم لا حقّ إلزام وإيجاب.

إنّ للإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب كلمة قيّمة في تفسير حقّ العباد على الله وإنّ هذا الحقّ ممّا منح سبحانه تفضلا على عباده، قال: " فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت صروف قضائه ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه وتوسّعاً بما هو من المزيد أهله(٣).

وقد أوضح الإمام معنى حقّ الناس على الله وأنّه ليس حقّاً ذاتياً

١ و ٢- الترغيب والترهيب: ٣/٤٣، والنووي على مسلم: ١/٢٣١.

٣- نهج البلاغة قسم الخطب ـ الخطبة ٢١٦.

٨٤
كتاب التوسّل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ٨٥ - ص ٩٩)

٨٥
الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات، نعم اشتمل السند على عطية العوفي فقد وثّقه لفيف من أهل الجرح والتعديل.

قال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن حجر: عطية بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن صدوق، قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة، قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى أن قال: ـ كان ثقة وله أحاديث صالحة وكان أبوبكر البزّاز يعدّه في التشيّع روى عن جلّة الناس(١).

نعم، هناك من ضعّفه لا لأنّه غير صدوق بل لأنّه كان يتشيّع وليس تشيّعه إلاّ ولاؤه لعلي وأهل بيته وهل هذا ذنب؟!

إنّ لوضع الحديث دوافع خاصة توجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة وصفات الجنة والنار، وأمّا مثل هذا الحديث الذي يعرب بوضوح أنّه كلام إنسان خائف من الله سبحانه ترتعد فرائصه من سماع عذابه فبعيد عن الوضع.

٢ ـ التوسّل بحقّ النبي وبحقّ من سبقه من الأنبياء

روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُم علي ـ رضي الله عنها ـ دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها

١- ابن حجر: تقريب التهذيب: ٢/٢٤ برقم ٢١٦، وتهذيب التهذيب: ٧/٢٢٧ برقم ٤١٣.

٨٦
فقال: رحمكِ الله يا أُمّي كنتِ أُمِّي بعد أُمِّي تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة.

ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها ثم دعا رسول الله أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسوداً يحفرون فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حضره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه وقال: الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد والعباس وأبوبكر.

والاستدلال بالرواية يتوقف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً.

أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه، وأمّا السند فصحيح، رجاله كلّهم ثقاة لا يغمز في حقّ أحد منهم، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبان والحاكم وقد عرفت كلام الذهبي فيه(١).

وقد رواه أئمة الحديث وأساتذته وإليك أسماء من وقفنا على روايتهم:

١ ـ رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الأوسط ٥٦٣ ـ ٧٥٣.

٢ ـ رواه أبو نعيم عن طريق الطبراني في حلية الأولياء ٣/١٢١.

١- لاحظ للوقوف على حال روح بن صلاح المصري ميزان الاعتدال: ٢/٨٥ برقم ٢٨٠١.

٨٧
٣ ـ رواه الحاكم في مستدركه ٣/١٠٨ وهو لا يروي في هذا الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم.

٤ ـ رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب على هامش الإصابة ٤/٣٨٢.

٥ ـ نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/١١٨ برقم ٧.

٦ ـ رواه الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفّى ٧٠٨ في معجم الزوائد ومنبع الفوائد ٩/٥٦٢ ـ ٧٥٢، وقال: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبان والحاكم.

٧ ـ رواه المتّقي الهندي في كنز العمال ١٣/٦٣٦ برقم ٠٨٦٣٧.

هؤلاء الحفّاظ نقلوا الحديث في جوامعهم وصرّحوا بأنّ رجال السند، رجال الصحيح ولو كان هناك شيء ففي روح بن صلاح وقد عرفت توثيقه من أساتذة الفن كابن حبان والحاكم.

وأمّا التوسّل بحقّ الأولياء والشخصيّات الإلهيّة ففي أدعية أئمة أهل البيت نماذج من أدعية التوسّل، وهي كثيرة وموزعة في الصحيفة العلوية(١) ودعاء عرفة(٢) والصحيفة السجادية(٣) وغيرها من كتب الدعاء.

وفيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية:

١ ـ يقول الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء له:

"... بحقّ محمّد وآل محمّد عليك، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم كما أنت أهله، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من

١- وهي المجموعة التي تضم بعض أدعية الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي.

٢- وهو دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفات، يوم عرفة.

٣- وهو بعض أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام).

٨٨
عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين.. "(١).

٢ ـ ويقول الإمام سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة:

"... اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك ".

٣ ـ ويقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

"... اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه "(٢).

إلى هنا تمّت بعض الأدلة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة، وهناك روايات أُخرى في هذا الصدد نتركها لئلاّ يطول بنا الكلام فإنّ الغرض الإيجاز لا الإطناب.

٣ ـ توسّل آدم بحقّ النبي

قد تعرّفت على حقيقة حقّ العبد على الله وربّما يحتمل أن يراد منه منزلته وجاهه عند الله وكرامته لديه قال نور الدين السمهودي:

إعلم أنّ الاستغاثة والتشفّع بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبجاهه وبركته إلى ربّه تعالى من فعل الأنبياء وسير السلف الصالح، واقع في كلّ حال، قبل خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته الدنيوية ومدّة البرزخ وعرصات القيامة.

" وإذا جاز السؤال بالأعمال ـ كما في حديث الغار الصحيح وهي مخلوقة ـ فالسؤال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى. وفي العادة أنّ من له عند شخص قدر فتوسّل به إليه من غيبته فإنّه يجيب إكراماً للمتوسل به وقد يكون

١- الصحيفة العلوية للسماهيجي: ٥١.

٢- الصحيفة السجادية: دعاء رقم ٤٤.

٨٩
ذكر المحبوب أو المعظّم سبباً للإجابة "(١).

قال الدكتور عبد الملك السعدي: " إذا قلت: اللّهمّ إنّي توسّلت إليك بجاه فلان، لنبي أو صالح فهذا أيضاً مما ينبغي أن لا يحصل بجوازه خلاف، لأنّ الجاه ليس له ذات المتوسّل به بل مكانته ومرتبته عند الله وهي حصيلة الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى قال عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ { وكان عند الله وجيهاً } وقال عن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ { وجهياً في الدنيا والآخرة } فلا ينكر على من يتوسّل بالجاه إذا كنّا منصفين، لأنّه لا يحتمل نسبة التأثير إلى المتوسّل به إذ ليس هو المقصود بل المتوسّل به جاهه ومكانته عند الله لا غير(٢).

وقال أيضاً في قصة استسقاء الخليفة بالعباس: " إنّ عمر لم يقل واليوم نستسقي بالعباس بن عبد المطلب بل قال: بالعباس عمّ نبيّك، فالوجاهة حصلت له لأنّه عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الميّت وهذا اعتراف بأنّ جاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته ما زال باقياً حتى سرى إلى عمّه العباس(٣).

ونحن نضيف إلى ذلك: أنّه إذا جاز التوسّل بالقرآن ـ كما مرّ في الفصل الثاني ـ لمكانته عند الله ومنزلته لديه وهو كلام الله الصامت، فالتوسّل بالنبي الأكرم وهوكلام الله الناطق بطريق أولى.

عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اقترف آدم الخطيئة قال: ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرتَ لي، فقال الله عزّ وجلّ: يا آدم، كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: لأنّك يا ربّ لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش

١- السمهودي: وفاء الوفا: ٤/١٣٧٢.

٢- عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: ٤٥.

٣- المصدر نفسه: ٤٩.

٩٠
مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فعلمت أنّك لم تُضِفْ إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال الله عزَّ وجلّ: صدقت يا آدم. إنّه لأحبّ الخلق إليَّ وإذا سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد لما خلقتك "(١).

يقع الكلام في سند الحديث أوّلا ومتنه ثانياً.

أمّا الأوّل: فرجاله ثقاة، نعم وقع الكلام في واحد منهم وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقد قال البيهقي: وهو ضعيف، ولكن الحاكم صحّح الحديث على شرط الشيخين، ولو قلنا بأنّه لا يعتمد على تصحيح الحاكم وحده فتكون الرواية مؤيّدة، إذ ليس معنى كون الراوي ضعيفاً أن الرواية مكذوبة.

وهناك نكتة أشرنا إليها سابقاً، وهي أن لو كان التوسّل بشخص النبي أمراً منكراً بين المسلمين لما تجرّأ الواضع بوضع الحديث الذي يتضمّن ذلك الأمر المنكر، لأنّ هدفه من الوضع إقبال الناس إلى كلامه وتسليمهم بالرواية، وهذا لا يجتمع مع كون المضمون أمراً مخالفاً لما عليه المسلمون في ظرف النقل، وبذلك يُعلم أنّ الرواية سواء أكانت صحيحة أم لا، تُثْبت ما بيّناه في جواز التوسّل بذات النبي.

نعم هنا شبهات حول الرواية، تجب الإجابة عنها:

الشبهة الأُولى

إنّ الحديث يتضمّن الإقسام على الله بمخلوقاته، فالإقسام على

١- البيهقي: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر أحمد بن حسن البيهقي (ت٣٨٤ ـ ٤٥٨ هـ) طبع دار الكتب العلمية بيروت: ٥/٤٨٩ ولاحظ الدر المنثور: ١/٥٩ ونقله كثير من المفسرين في قصة توبة آدم.

٩١
الله بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ حلف المخلوق على مخلوق حرام، فالحلف على الله بمخلوقاته من باب أولى.

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به على حرمة الإقسام على الله بمخلوقاته عن طريق أنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، مردود جداً، لأنّ القرآن مليء بالحلف بمخلوق على المخلوق، قال سبحانه:

{ والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين } (التين/١ ـ ٣).

{ والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلّى } (الليل/١ ـ ٢).

{ والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر } (الفجر/١ ـ ٤).

ففي هذه الآيات حلف بمخلوق على مخلوق، والحالف هو الله والمحلوف به هو هذه الموجودات والمحلوف عليه هم الناس أو المسلمون قاطبة.

فلو كان الحلف بمخلوق على مخلوق أمراً خطيراً وبمقربة من الشرك أو هو نفسه كما يقوله بعض الناس(١).

لما حلف به سبحانه، لأنّ ماهية العمل إذا كانت ماهية شركية، فلا يفرق بينه وبين عباده كما أنّه إذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء، فالله وعباده فيه سيّان، قال الله تعالى: { قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تفعلون } (الأعراف/٢٨).

إنّ الحلف بهذه العظائم ذات الأسرار إنّما لأجل أحد الأمرين: إمّا للدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها والنواميس السائدة عليها واللطائف

١- الرفاعي: التوصل إلى حقيقة التوسّل: ٢١٧.

٩٢
الموجودة فيها، أو لإظهار عظمة المحلوف به وكرامته عند الله كما هو الحال في حلفه سبحانه بحياة النبي، قال: { لعمرُك إنّهم لفي سكرتهم يعمهون } (الحجر/٧٢).

ولا عتب علينا إذا عرضنا المسألة على السنّة النبويّة، فقد جاءت فيها موارد قد ورد فيها الحلف بخلوق على مخلوق، نكتفي بما رواه مسلم في صحيحه، وما ظنّك برواية مسلم في جامعه!

١ ـ روى مسلم في صحيحه:

" جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أيّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما وأبيك لَتُنَبَّأنَّهُ: أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء "(١).

٢ ـ روى مسلم أيضاً:

" وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من نجد ـ يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: خمس صلوات في اليوم والليل.

فقال: هل عليّ غيرهنّ؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوع، وصيام شهر رمضان.

فقال: هل عليّ غيره؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوع، وذكر له رسول الله الزكاة.

فقال الرجل: هل عليَّ غيرها؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوع.

فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص.

١- صحيح مسلم: ٣/٩٤ كتاب الزكاة، باب أفضل الصدقة.

٩٣
فقال رسول الله: أفلح وأبيه(١) أن صدق.

أو قال: دخل الجنة ـ وأبيه ـ أن صدق "(٢).

فإذ بطل الأصل: حرمة الحلف بمخلوق على مخلوق، بطل ما بُني عليه من حرمة الإقسام على الله بحقّ مخلوقه.

إلى هنا تمّ بيان أنّ الشبهة شبهة غير صحيحة، وإنّما دعا القائل إلى التمسّك بها لدعم رأيه المسبق.

الشبهة الثانية

إنّ الحوار الوارد في الحديث كان بعد اقتران الخطيئة ولكنّه قبل أن يخطأ، علّمه الله الأسماء كلّها، ومن جملة الأسماء اسم محمد وعَلِم أنّه نبيّ ورسول وأنّه خير الخلق أجمعين، فكان أحرى أن يقول آدم: ربّي إنّك أعلمتني به أنّه كذلك لما علّمتني الأسماء كلّها(٣).

نقول على هامش الشبهة: إنّ ردّ السنّة الشريفة بمثل هذه التشكيكات، جرأة عليها إذ أيّ مانع أن يكون هنا عِلْمَين: علم جزئي وقف عليه عندما فتح عينيه على الحياة في الجنّة، وعلم واسع علّمه سبحانه بعد ذلك الظرف، عندما أراد سبحانه إثبات كرامته على الملائكة.

إنّ هذا النوع من التشكيك يستمد من إثبات الرأي والصمود على العقيدة وإن كان الحديث على خلافها.

وهناك نكتتان ننبّه عليهما:

١- أي حلفاً بأبيه، فالواو للقسم.

٢- صحيح مسلم ج ١، باب ما هو الاسلام: ٣٢.

٣- الرفاعي: التوصل إلى حقيقة التوسّل: ٢١٨.

٩٤
الأُولى: إنّ أحاديث التوسّل وإن كانت تتراوح بين الصحيح والحسن والضعيف، لكن المجموع يعرف عن تضافر المضمون وتواتره، فعند ذلك تسقط المناقشة في اسنادها بعد ملاحظة ورود كمية كبيرة من الأحاديث في هذا المجال، وأنت إذا لاحظت ما مضى من الروايات، وما يوافيك تذعن بتضافر المضمون أو تواتره.

الثانية: نحن نفترض أنّ الحديث الراهن مجعول موضوع، ولكنّه يعرب عن أنّ التوسّل بالمخلوق والإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركاً ولا ذريعة إليه، بل ولا حراماً.

وذلك لأنّه لو كان شركاً وذريعة إليه أو حراماً، لما رواه الثقاة واحد عن واحد، وهم أعرف بموازين الشرك ومعاييره، ولما أورده الأكابر من العلماء في المعاجم الحديثة، كالبيهقي في دلائل النبوة والحاكم في مستدركه، والسيوطي في تفسيره، والطبراني في المعجم الصغير، وأكابر المفسّرين في القرون الغابرة، لأنّ الشرك أمر بيّن الغي، فلا معنى ولا مسوغ لنقله بحجة أنّه رواية.

فكل ذلك يعرب عن الفكرة الخاطئة في الحكم على الحلف على الله بمخلوقاته شركاً.

٩٥

«٩»
التوسّل بمقام النبي ومنزلته عند الله


إنّ هذا النوع من التوسّل ليس قسماً آخر بل يرجع إلى التوسّل بحقهم، بل التحقيق هو: أنّ التوسّل ليس له إلاّ قسم واحد وهو توسيط قداسة النبي وشخصيته وحرمته عند الله تبارك وتعالى، حتى يستجيب دعاء الإنسان لأجلها، ولو كان لدعاء النبي أثر هو الإجابة فإنّما هو في ظلّ قداسته وشخصيته، وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمد الفقي في هذا الصعيد نأتي بنصّها:

يمتاز الأنبياء والرسل عن سواهم بمميزات لها خطورتها وعِظَم شأنها، ويتمتعون بخصوصيات تجل عن التقدير والتعبير، فهم يتفاوتون عن الخلائق بشتّى الخوارق، ويختصّون بأنواع رائعة من المعجزات وأسمى المقامات: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله

٩٦
ذوالفضل العظيم } (الحديد/٢١).

والذي وهبهم هذه العطايا وأنعم عليهم بهذه الامتيازات، كتب لهم في سجل الحوائج قضاء ما يطلبون، وما يرجون لأنّهم رسله إلى خلقه يلجأ إليهم عند الشدائد، ويستغاث بهم في الملمّات وقد أكرم الله كذلك من بين خلقه، رجالا لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، واقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والأبصار، وهم أولياؤه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلهم الحظوة لديه، والقبول عنده بتفضيل عليهم بالاستجابة لدعائهم وقبول الاستغاثة منهم.

وفي جواز التشفّع، والاستغاثة بجاهه، تواترت الأحاديث واستفاضت الأخبار، خصوصاً عندما يطول الموقف ويشتدّ الكرب ويعظهم الهول، يوم تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. فتطلب الخلائق في هذا الموقف من الأنبياء إغاثتهم، والاستشفاع بهم، فيحيلونهم كل بدوره إلى خير شفيع، وأعظم مغيث فيقصدون كعبة الشفاعة وقبلة الإغاثة، فيستجيب لرغباتهم ويسارع لإغاثتهم وإنقاذهم ويهمّ لمرضاتهم بما عهد فيه من فضل، وما عرف عنه من كرم(١).

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: أنا سيّد الناس يوم القيامة. هل تدرون بِمَ ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد ويسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنوا الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول

١- محمد الفقي (من علماء الأزهر الشريف): التوسّل والزيارة: ١٦١.

٩٧
الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك إشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنّ ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنّه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سمّاك الله عبداً شكوراً إشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنّ ربّي عزّ وجلّ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنّه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض إشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله (وإنّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فذكرهنّ أبو حيان(١) في الحديث)، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبكلامه على الناس إشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنّي قد قتلت نفساً لم أُؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا

١- ما تفرّد به أبو حيان مخالف للكتاب والعقل فلا عبرة به.

٩٨
إلى غيري إذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلّمت الناس في المهد صبيّاً إشفع لنا ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إنّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله (ولم يذكر ذنباً)، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فيأتون محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر إشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع، فأرفَعُ رأسي فأقولُ: أُمّتي يا ربّ أُمّتي يا ربّ، فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميرا وكما بين مكّة وبصرى(١).

فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا من أنت رسول وخاتم الأنبياء، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم إشفع لنا إلى ربك.

إنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية

١- البخاري: الصحيح: ٦/٨٤ ـ ٨٥، صحيح مسلم: ١/١٢٧ ـ ١٣٠، مسند أحمد: ٢/٤١٢.

٩٩
كتاب التوسّل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ١٠٠ - ص ١١٦)

١٠٠