×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ١ - ٢٠

ثم اهتديت - تاليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي(ص ١ - ص ٣٠)



١

ثم اهتديت

٢

مركز الأبحاث العقائدية

إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)‏

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )

الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]

جميع الحقوق محفوظة للمركز

١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

٣

سلسلة الرحلة إلى الثقلين

( ١٨ )

ثم اهتديت

تأليف

دكتور محمد التيجاني السماوي

تحقيق وتعليق

مركز الابحاث العقائدية

٤

السماوي ، محمّد التيجاني ،١٩٣٦ Assamawi : Muhammad al_Tijani .

ثمّ اهتديت / تأليف محمّد التيجاني السماوي.

تحقيق و تعليق مركز الأبحاث العقائديّة.

الكتاب عربي . ٦٤٠ صفحة.

ضمن سلسلة ( الرحلة الي الثقلين : ١٨ ).

١. الشيعة – دفاع وردود.

١. مركز الأبحاث العقائدية (قم)

٨ ث ٨٥ س / ٥ / ٢١٢ ٢٩٧/٤١٧ BP

ثمّ اهتديت

محمّد التيجاني السماوي

الطبعة الفني : ضياء الخفاف

ISBN : ٩٧٨-٦٠٠-٥٦٨٨-٥٤-٢

٥

مقدّمة المؤلّف لهذه الطبعة :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

وأفضل الصّلاة وأزكى التسليم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

ورضوان اللّه‏ تعالى على أصحابه المنتجبين، الذين ثبتُوا من بعده على الحقِّ ولم يغيّروا ولم يبدّلوا وكانوا للّه‏ِ من الشاكرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أكتبُ هذه المقدّمة الجديدة وأنا بجوارِ ثَامِنِ الأئمّة علي بن موسى الرضا عليه السلام، وقد رجعتُ لتوّي من زيارته، وَلازلتُ على طهارتي، وقد صلّيتُ صلاة المغرب والعشاء في حرمه، ولستُ مبالغاً إذا قلتُ بأنّ مليونين من المصلّين رجالاً ونساءً شاركوني تلك الصلوات والابتهالات، وكان دعائي أن يهدي اللّه‏ أُمّة الإسلامِ لما فيه عزّتهم وصلاحهم ووحدتهم، إنّها ذكريات جميلة وأعمال روحية جليلة سوف لن أنساها مَا حييتُ.

أكتبُ هذه المقدّمة، ويجول بخاطري ذلك الموقِفُ الرهيبُ الذي انتابني عندما قرّرْتُ أن أكتُبَ للنّاس قصَّة استبصاري لأوّل مرّة بعد الرؤية التي رأيتها.

كما أذكر أنّني بقيتُ أكثر من شهرين بعد تأليف الكتاب، وأنا أتخيَّر له اِسماً، حتّى وقع بصري عندما استفتحتُ كتاب اللّه‏ على الآية الكريمة رقم ٨٢ من سورة طه والتي تقول : ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَي ﴾، عند ذلك تفتَّقَ ذهني وأسميتُ الكتاب « ثمّ اهتديتُ ».

٦

وما كان يخطُرُ ببالي أنّ كتابي على صِغَرِ حجمِهِ سيلقَى تلك الشُهرةُ الفائقة، فيُقبلُ عليه القرَّاءُ والباحثون ويولوه من العنايةِ ما لم تَحض به أكثر الكتب لأغلب المؤلّفين، فقد فاقت عدد طباعاته الثلاثين، كما بلغت ترجماتُه ستّ وعشرون لغةً عالمية، وظنَّ بعضُهم بأنّ مؤلّفَهُ شخصيّةٌ وهميةٌ لا وجُودَ لها في عالم الأحياء، ونسبوه إلى علماء الشّيعةِ ؛ لأنّه كان سبباً لاستبصار الملايين من المؤمنين.

وبحمد اللّه‏ وفضله فإنّ الطلبات عليه قد ازدادتْ وتكاثرتْ، بالخصوص بعد المناظرات التي أدارتْها قناة « المستقلّة الفضائية » تحت عنوان « الحوار الصريح بعد صلاة التراويح » والتي شاركتُ فيها بالحضور شخصيّاً في شهر رمضان المعظّم، فعرفني النّاس وتبدَّدتْ أُسطورة الشخصيّة الوهميّة، فانهالتْ عليَّ المكالمات التلفونية والرسائل والفاكساتْ مطالبة كلّها بإعادة طبعه من جديد.

ففكرّتُ في طبعه في حلّة جديدة تشتمِلُ على كلّ الاعتراضات والتّساؤلاتِ التي قد يُثيرها بعضُهم في تشخيص الأحداث، أو استبعاد واستحالة ما حصل في أُمّة الإسلام بعد فقد نبيّها عليه وعلى آله أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم.

كما لابدَّ أن تشتمل هذه الطبعة على توثيق وتحقيق لكلّ الروايات التي وردتْ في الكتاب لكي لا يقولَ أحدٌ في المستقبل بأنّ التيجاني كذّابٌ، وأنّ الأحاديث التي يستدلُّ بها غير موجودة في مصادر أهل السنّة والجماعة.

ولكنّ كثرة أشغالي، والعديد من أسفاري، وكذلك قلّةَ المصادر التي في حوزتي بالولايات المتحدة، حالتْ دُون ذلك ومنعتني من الوصول إلى مُبتغايَ.

إلى أنْ منَّ اللّه‏ُ عليَّ بفضله ومنّه ـ وهذا من كرامات أهل البيت عليهم‏السلام، الذين عوّدوني بانفراج الأزمات وتفريج الكربات ـ فسخّر اللّه‏ُ لي من يقوم بهذا العمل الكبير، ويسهّل الأمر العسير، ولا يَطمَعُ من وراء ذلك بالقليل ولا بالكثير، وإنِّما يعمْل ليلاً ونهاراً لإنارة السَّبيل وهداية المسلمين جميعاً إلى الصراط المستقيم، وهو

٧

من وراء ذلك يعمل لوجه اللّه‏ تعالى لا يريد جَزاءً وَلا شكوراً، وهمُّهُ الوحيد هو خدمةُ الدّين وخدمة المسلمين لتكون كلمة اللّه‏ هي العليا ويتوحّد المسلمون.

نعم، هذا العمل المُضني قامَ به مركز الأبحاث العقائديّة بقُم المقدّسة، والذي يشرف على إدارته السيّد الجليل جواد الشهرستاني، والشيخ الفاضل محمّد الحسُّون الذي يقومُ بإدارة المركز والإشراف على كلّ أعماله، فقام بمراجعة كتاب « ثمّ اهتديتُ » مراجعة علميّة وفنيّة وهيَّأهُ للطباعة في حلّته الجديدة المتميّزة.

وأذكر بالمناسبة تلك الحكمة القائلة :

« لا تحقرَّن صغيراً لَعلَّهُ يكْبُرُ، ولا تحقرن قَليلاً لعلَّهُ يكْثُرُ ».

فكتابي الذي بين يديك أيُّها القارئ العزيز كَبُر شَأنُهُ بعد صغر حجمه، وكثُرتْ صفحاتُه بعد قلّتِها، ليُعطيك الدّليلُ القاطِعْ والحجّةُ البالغَة، وليكون لك ـ بحول اللّه‏ ـ نوراً تستضيء به كلّما حَجَبَتْ الغيُومُ نورَ الشَّمْسِ، أَوْ حلَّ الظلامُ مكان الضوءِ ليختفِي الباطِلُ وَرَاءَ الحَقِّ.

وأنّا بدوري أشكر باسمي وباسم كلّ القرّاء الكرام بلْ وباسم جميع المسلمين أشكر السيّد الجليل جواد الشهرستاني والشيخ الفاضل محمّد الحسُّون وكلّ مُعاونيهم والعاملين معهم وأقولُ لهم : بارك اللّه‏ في جهودكم وفي جهادكم العلمي وجعلنا اللّه‏ من الذّاكرين لأفضالكم، كما أتوسَّلُ إليه سبحانه وتعالى بمحمّد وآل محمّد أن يعوّضكم أجراً وثواباً لا يعلَمُ مَدَاهُ إلاّ هو إنّه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه‏ ربّ العالمين، وصلّى اللّه‏ على محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين.

الفقير لرحمة ربّه

محمّد التيجاني السماوي

بتاريخ ١٣ جمادى الأولى ١٤٢٨ موافق ٢٠٠٧/٥/٢٩

٨

٩

مقدّمة المركز

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدُ للّه‏ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه‏ أجمعين، حبيب قلوبنا، أبي القاسم محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم)، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الموبّدة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين، نحمدك اللهّم ونشكرك أن جعلتنا من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام، والسائرين على نهجهم القويم، والمتبرّئين من أعدائهم والناصبين لهم البغض والعداء.

لم يكن من ضمن برنامجنا العلمي في « مركز الأبحاث العقائدية » إعادة طبع الكتب التي تمّ طبعها ونشرها لعدّة مرّات خصوصاً كتب الدكتور التيجاني، التي تتنافس في طبعها ونشرها مراكز علميّة كثيرة ومؤسسات ثقافية عديدة، إذ طُبعت طبعات متعدّدة وترجمت إلى عدّة لغات عالمية.

والذي جعلنا نُقدم على إعادة طباعتها، وتصحيح الأخطاء المطبعية التي وجدت في الطبعات السابقة منها، بل إصلاح بعض الهفوات العلميّة التي وقع فيها المؤلّف، واستخراج كافّة الأقوال الفقهية وغيرها والأحاديث الشريفة وبيان صفاتها التوثيقية ـ وإن كان هذا العمل بحدّ ذاته يستحقّ التقدير ـ هو الإجابة على الشبهات والردود التي أثارها بعض علماء السنّة حول كتب الدكتور التيجاني، الذي وصفوه بشخصية خيالية اختلقها بعض علماء الشيعة للتشنيع على المذهب السنّي، فقد جمعنا كتبهم فكانت خمسة كتب هي :

١ - « كشف الجاني محمّد التيجاني» لعثمان بن محمّد الخميس، والظاهر أنّه أوّل

١٠

من تصدّى للردّ على الدكتور التيجاني، إذ أنّ الطبعة الثانية لهذا الكتاب صدرت عن مؤسسة الفجر في لندن سنة ١٤١١هـ ، والطبعة الثالثة صدرت عن دار الأمل في القاهرة وكتب عليها « طبعة مزيدة منقّحة ».

وبما أنّ الطبعتين الأُولى والثانية كانتا عبارة عن كُتيب صغير، لذلك اضطرّ الخميس في طبعته الثالثة أن ينقل من كتاب « الانتصار » ـ الذي يأتي الحديث عنه برقم ٢ ـ ثلاث وأربعين صفحة، وذلك من أجل زيادة صفحات كتابه، علماً بأنّه في كتابه هذا الذي يقع في مائتين صفحة تقريباً يحاول الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة وهي : « ثمّ اهتديت » و « فاسألوا أهل الذكر » و « لأكون مع الصادقين » و « الشيعة هم أهل السنّة ».

٢ - « الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماويّ الضالّ » للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي، صدرت طبعته الأُولى سنة ١٤١٨هـ عن مكتبة الغرباء الأثرية في المدينة المنوّرة، وكان المؤلّف ينوي الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة التي ذكرناها سابقاً، إلاّ أنّ الذي صدر هو القسم الأوّل منه فقط، وهو ردّ على كتاب « ثمّ اهتديت ».

٣ - « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية، مع دراسة لبعض الكتب المذهبيّة وسبل التقريب » لأبي الحسن محيي الدين الحسني، انتهى من تأليفه في الأوّل من رجب سنة ١٤١٧هـ ، صدر عن مطبعة المدينة في بغداد، وهو ردّ على كتاب التيجاني « لأكون مع الصادقين » فقط.

٤ - « النشاط الشيعي الإمامي أو الاستنساخ العقدي، التيجاني السماوي نموذجاً » للزبير دحان، صدر سنة ١٤٢٣هـ ضمن سلسلة نقد المعتقد برقم ١، وهو ردّ على كتاب « المراجعات » للسيّد عبد الحسين شرف الدين، وكتب الدكتور التيجاني.

١١

٥ - « بل ضللتَ » لخالد العسقلاني، صدر سنة ١٤٢٤هـ عن دار المحدّثين للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، وهو ردّ على كتاب الدكتور التيجاني « ثمّ اهتديت ».

عملنا في هذا الكتاب :

١ ـ قراءة نصّ الكتاب بشكل دقيق، ثمّ تقطيع عباراته إلى عدّة فقرات متناسقة، واستعمال علامات الترقيم حسبما تقتضيه الطرق الفنيّة لتحقيق الكتب.

٢ ـ استخراج كُلّ ما يحتاج إلى استخراج : من آيات قرآنيّة كريمة، وأقوال فقهيّة وكلاميّة وتأريخيّة وغيرها، وأحاديث شريفة، وأشعار وغيرها، كلّ ذلك من مصادرها الرئيسيّة.

٣ ـ بيان صفات الأحاديث الشريفة التي استدلّ بها المؤلّف، وتمييز الصحيح عن غيره، استناداً إلى آراء كبار علماء المسلمين من الفريقين؛ ليقف القارئ على صحّة كلام المؤلّف وزيف ادّعاء المخالف له.

٤ ـ إبقاء تعليقات المؤلّف التي كانت في الطبعة السابقة كما كانت، وتمييزها عن عملنا بإضافة كلمة « المؤلّف » في آخرها.

٥ ـ إذا ذكر المؤلّف مصدراً أومصدرين لكلامه أو للقول أو الحديث الذي يستدلّ به، فإننّا نضيف لها مصادر أُخرى معتبرة عند عامّة المسلمين، ليقف القارئ على حقيقة الأمر.

٦ ـ قمنا بردّ الشبهات التي أثارها عثمان الخميس في كتابه « كشف الجاني محمّد التيجاني » على هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وبيّنا زيف ادّعاء الخميس وقلّة اطّلاعه على التاريخ، وكيفيّة محاولته لإضلال الرأي العامّ بادّعاءات واهية لا أساس لها، بل محاولته بتر حديث الدكتور التيجاني، وهذه مغالطات يلجأ إليها الضعفاء.

١٢

كذلك قمنا بردّ الإشكالات التي وجّهها خالد العسقلاني في كتابه « بل ضللتَ » على خصوص هذا الكتاب، وهي في الواقع إشكالات واهية تنمّ عن تعصبّ أعمى بعيداً عن روح النقاش والتفاهم الحرّ الذي يسعى صاحبه للوصول إلى الحقيقة.

وكذلك قمنا بردّ بقية الإشكالات التي وجهها باقي العلماء الذين ألّفوا رسائل وكتباً ردّاً على التيجاني.

ولم نكتف بردّ إشكالاتهم بل شرحنا العبارات المغلقة التي أوردها التيجاني، والتي تحتاج إلى شرح وتوضيح واِضافة مصادر أُخرى لها غير ما ذكره المؤلّف.

وأشرنا أيضاً إلى المناظرة العقائدية التي جرت سنة ١٤٢٣هـ في قناة « المستقلّة » بين بعض الوهابيّة وبعض أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام، والذي كان للدكتور التيجاني دور مهمّ فيها.

شكر وتقدير :

ختاماً فإننا نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكافة الإخوة الأعزاء في « مركز الأبحاث العقائدية » الذين ساهموا في إحياء هذا الأثر وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة، وأخصّ بالذكر الأخ الفاضل المحقّق الشيخ لؤي المنصوري الذي أخذ على عاتقه عملية الاستخراج كاملةً وردّ الشبهات والإشكالات التي وجّهت لهذا الكتاب، فجزاهم اللّه‏ جميعاً خير الجزاء، وجعله في ميزان أعمالهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه‏ بقلب سليم.

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

١٩ جمادى الأولى ١٤٢٨هـ

البريد الإلكتروني: [email protected]

الصفحة على الإنترنيت: www.aqaed.com/muhammad

١٣

الإهداء

كتابي متواضع لا تكلّف فيه، هو قصّة رحلة، قصّة اكتشاف جديد، ليس اكتشافا في عالم الاختراعات التقنيّة أو الطبيعيّة، ولكن في دنيا المعتقدات، في خضمّ المدارس المذهبيّة والفلسفات الدينيّة.

ولمّا كان الاكتشاف يعتمد أوّلاً على العقل السليم والفهم القويم الذي ميّز الإنسان عن بقية المخلوقين؛ فإنّني أهدي كتابي إلى كُلّ عقل سليم، يمحّص الحقّ فيعرفه من بين ركام الباطل، ويزن الأقوال بميزان العدل فيرجّح كفّة المعقول، ويقارن الكلام والأحاديث فيتبيّن المنطقي

من المعسول، والقويّ من المهزول، قال تعالى : ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّه‏ُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾(١).

إلى كُلّ هؤلاء أهدي كتابي هذا، راجيا منه سبحانه وتعالى أن يفتح بصيرتنا قبل بصرنا، وأن يهدينا، وينوّر قلوبنا، ويرينا الحقّ حقّا لا غبار عليه فنتّبعه، ويرينا الباطل باطلاً لا لبس فيه فنجتنبه، ويدخلنا في عباده الصالحين إنّه سميع مجيب.

محمّد السّماوي التيجاني

١- سورة الزمر: ١٧ ـ ١٨.

١٤

١٥

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

ديباجة

الحمد للّه‏ ربِّ العالمين، خلق الإنسان من سلالة من طين، فجعله في أحسن تقويم، وفضّله على سائر المخلوقين، وأسجد له ملائكته المقرّبين، وكرّمه بالعقل الذي يبدّل شكّه باليقين، وجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهداه النجدين، وأرسل له رسلاً مبشّرين ومنذرين لينبّهوه ويمنعوه من ضلالات إبليس اللعين، وعهد إليه أن لا يعبد الشيطان لأنّه له عدوّ مبين، وأن يعبد اللّه‏ وحده ويتّبع صراطه المستقيم، على بصيرة وإيمان وعلم يقين، وأن لا يقلّد في عقيدته الأصحاب والأقربين والآباء الأولين، الذين اتّبعوا من قبلهم بلا أدلّة واضحة ولا براهين، ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى اللّه‏ وعمل صالحا وقال : إننّي من المسلمين.

وصلوات ربّي وسلامه وتحياته وبركاته على المبعوث رحمة للعالمين، ناصر المظلومين والمستضعفين، ومنقذ البشرية من ضلالة الجاهلين، إلى هداية المؤمنين الصالحين، سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد اللّه‏ نبيّ المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين اصطفاهم اللّه‏ على سائر المخلوقين، ليكونوا قدوة المؤمنين، ومنار العارفين، وعلامة الصّادقين المخلصين، وأوجب مودّتهم في القرآن الكريم، بعد أن أذهب عنهم الرّجس، وجعلهم من المعصومين، ووعد من ركب

١٦

سفينتهم بالنجاة ومن تخلّف عنهم كان من الهالكين، وعلى أصحابه الكرام الميامين، الذين نصروه وعزّروه ووقّروه وباعوا أنفسهم لنصرة الدين، وعرفوا الحقّ فبايعوه بيقين، وثبتوا بعده على المنهاج القويم، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا وكانوا من الشاكرين، فجزاهم اللّه‏ خيرا عن الإسلام والمسلمين، وعلى التابعين لهم والسائرين على هديهم إلى يوم الدّين.

ربّي تقبّل منّي فأنت السميع العليم، واشرح لي صدري فأنت الهادي إلى حقّ اليقين، واحلل عقدة من لساني فأنت واهب الحكمة لمن تشاء من عبادك المؤمنين، ربِّي زدني علما وألحقني بالصالحين.

١٧

لمحة وجيزة عن حياتي

لا زلت أذكر كيف أخذني والدي معه إلى مسجد الحيّ الذي تقام فيه صلاة التراويح في شهر رمضان، وكان عمري عشر سنوات، وقدّمني إلى المصلّين الذين لم يخفوا إعجابهم.

كنت أعلم منذ أيّام أنّ المؤدب(١) رتّب الأمور لكي أشفع(٢) بالجماعة ليلتين أو ثلاثة، وجرت العادة أن أصلّي خلف الجماعة مع مجموعة من أطفال الحي وأنتظر وصول الإمام إلى النّصف التالي من القرآن الكريم أي إلى سورة مريم، وبما أنّ والدي حرص على تعليمنا القرآن في الكتّاب(٣) وفي البيت خلال حصص ليليّة يقوم بها إمام الجامع، وهو من أقاربنا مكفوف البصر يحفظ القرآن الكريم، وبما أنّي حفظت النصف في تلك السّن المبكرة؛ أراد المؤدب أن يظهر فضله واجتهاده من خلالي، فعلّمني مواقع الركوع من التلاوة، وراجعني عدة مرّات ليتأكد من فهمي...

بعد نجاحي في الامتحان وإنهاء الصلاة والتلاوة بالجماعة على أحسن ما كان يتوقع والدي والمؤدّب، انهال عليّ الجميع مقبّلين ومعجبين وشاكرين المعلّم الذي علّمني،

١- المؤدّب: هو معلّم القرآن المؤلف.

٢- أشفع: أصلّي التراويح، سمّيت صلاة التراويح للاستراحة بين كلّ ركعتين، وسمّيت أيضا صلاة الإشفاع لأنّها تشفع يوم القيامة لمن يقيمها، كما يروي أهل السنة المؤلف.

٣- الكتّاب: هي المدرسة القرآنية التي يتعلم فيها الأطفال حفظ القرآن الكريم المؤلف.

١٨

ومهنئين والدي، والكلّ يحمد اللّه‏ على نعمة الإسلام « وبركات الشيخ ».

وعشت أيّاما سوف لن تمحى من مخيّلتي لمّا لقيته بعد ذلك الحدث من إعجاب وشهرة تعدّت حارتنا إلى كُلّ المدينة، وطبعت تلك الليالي الرمضانيّة في حياتي طابعا دينيا بقيت آثاره حتّى اليوم، ذلك أنّي كُلّما اختلطت عليّ السبل أحسست بقوّة خارقة تشدّني وترجعني إلى الجادّة، وكُلّما شعرت بضعف الشخصية وتفاهة الحياة رفعتني تلك الذكريات إلى أعلى الدرجات الروحية، وأوقدت في ضميري شعلة الإيمان لتحمّل المسؤوليّة.

وكأنّ تلك المسؤولية التي حمّلنيها والدي، أو بالأحرى مؤدّبي لإمامة الجماعة في تلك السنّ المبكّرة جعلتني أشعر دائما بأنّني مقصّر عن أن أكون في المستوى الذي أطمح إليه، أو على الأقل المستوى الذي طُلب منّي.

لذلك قضيت طفولتي وشبابي في استقامة نسبيّة لا تخلو من لهو وعبث يسودهما في معظم الأحيان البراءة وحب الاطلاع والتقليد، تحوطني العناية الإلهية لأكون متميزا من بين إخوتي بالرصانة والهدوء وعدم الانزلاق في المعاصي والموبقات.

ولا يفوتني أن أذكر أنّ والدتي ـ رحمها اللّه‏ ـ كان لها الأثر الكبير في حياتي، فقد فتحت عيني وهي تعلّمني قصار السور من القرآن الكريم، كما تعلّمني الصلاة والطهارة، وقد اعتنت بي عناية فائقة لأنّي ابنها الأوّل، وهي ترى إلى جانبها في نفس البيت ضرّتها التي سبقتها منذ سنوات عديدة ولها من الأولاد من يقارب سنّها، فكانت تتسلّى بتربيتي وتعليمي، وكأنّها تتبارى في سباق مع ضرّتها وأبناء زوجها.

كما أنّ اسم التيجاني الذي سمّتني به والدتي له ميزة خاصّة لدى عائلة السّماوي كُلّها التي اعتنقت الطريقة التيجانية وتبنّتها، منذ أن زار أحد أبناء الشيخ سيّدي أحمد التيجاني مدينة قفصة قادما من الجزائر ونزل في دار السماوي، فاعتنق كثير من أهالي المدينة خصوصاً العائلات العلمية والثّرية هذه الطريقة الصوفية

١٩

وروّجوا لها، ومن أجل اسمي أصبحت محبوبا في دار السماوي التي يسكنها أكثر من عشرين عائلة، وكذلك خارجها ممّن لهم صلة بالطريقة التيجانية، لذلك كان كثير من شيوخ المصلّين الذين حضروا تلك الليالي الرمضانيّة التي ذكرتها يقبّلون رأسي ويديّ مهنّئين والدي قائلين له : « هذا فيض من بركات سيّدنا الشيخ أحمد التيجاني ».

والجدير بالذكر أنّ الطريقة التيجانية انتشرت بكثرة في المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، والسودان، ومصر، وأن معتنقي هذه الطريقة متعصّبون نوعاً ما، فهم لا يزورون مقامات الأولياء الآخرين، ويعتقدون بأنّ كلّ الأولياء قد أخذوا عن بعضهم بالتسلسل ما عدا الشيخ أحمد التيجاني، فقد أخذ علمه مباشرة عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) رغم تأخّره عن زمن النبوّة بثلاثة عشر قرنا، ويروون بأن الشيخ أحمد التيجاني كان يحدّث بأن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) جاءه يقظة لا مناما، كما يقولون بأنّ الصلاة الكاملة التي ألّفها شيخهم أفضل من أربعين ختمة من القرآن الكريم.

وحتّى لا نخرج عن الاختصار نقف عند هذا الحدّ من التعريف بالتيجانية، ولنا عودة معهم إن شاء اللّه‏ في موضع آخر من هذا الكتاب.

ونشأت وترعرعت على هذا الاعتقاد كغيري من شباب البلد، فكلّنا مسلمون بحمد اللّه‏ من أهل السنة والجماعة، وكلّنا على مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، غير أنّنا منقسمون في الطرق الصوفية التي كثرت في شمال أفريقيا، ففي مدينة قفصة وحدها هناك التيجانية، والقادرية، والرحمانية، والسلامية، والعيساوية، ولكُلّ من هذه الطرق أنصار وأتباع يحفظون قصائدها وأذكارها وأورادها التي تقام في الحفلات والسهرات بمناسبة عقد القران أو الختان أو النجاح أو النذور، ورغم بعض السلبيات فقد لعبت هذه الطرق دورا كبيرا في الحفاظ على الشعائر الدينية واحترام الأولياء والصالحين.

٢٠