×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الحجّ إلى بيت اللّه‏ الحرام

كان عمري ثمانية عشر عاما عندما وافقت الجمعيّة القوميّة للكشافة التونسيّة على انتدابي للمشاركة في أوّل مؤتمر للكشّافة العربية والإسلامية؛ الذي أقيم في مكّة المكرّمة ضمن مجموعة تتكوّن من ستة أشخاص من كامل الجمهوريّة التونسيّة، ووجدت نفسي أصغر أعضاء البعثة سنّا، وأقلّهم ثقافة، إذ كان اثنان منهما من مديري المدارس، والثالث أستاذا بالعاصمة، والرابع يعمل في الصحافة، والخامس لم أعرف وظيفته غير أنّي علمت بأنّه أحد أقرباء وزير التربية القوميّة في ذلك العهد.

كانت رحلتنا بطريق غير مباشر، فقد نزلنا في أثينا عاصمة اليونان حيث أمضينا فيها ثلاثة أيّام، ومنها إلى عمّان عاصمة الأردن التي مكثنا فيها أربعة أيّام، وصلنا بعدها إلى السعودية حيث شاركنا في المؤتمر، وأدّينا مناسك الحجّ والعمرة.

كان شعوري وأنا أدخل بيت اللّه‏ الحرام لأوّل مرّة لا يُتصوّر، وكان قلبي كأنّه يحطّم الأضلاع ـ التي تحوطه ـ بدقّاته العنيفة يريد الخروج ليرى بعينه هذا البيت العتيق الذي طالما كان يحلم به، وفاضت الدموع حتّى ظننت أنّها لن تتوقّف، وخيّل إليّ بأنّ الملائكة تحملني فوق الحجيج لأصل إلى سطح الكعبة المشرفة، وألبّي نداء اللّه‏ من هناك : « لبّيك اللّهم لبّيك هذا عبدك جاء إليك ».

وقد استنتجت وأنا أسمع تلبية الحجيج بأنّ هؤلاء قضوا أعمارهم وهم يتجهّزون ويعدّون العدّة ويجمعون الأموال للمجيء، أمّا أنا فكان مجيئي مفاجئا على

٢١

غير استعداد منّي، وأذكر أنّ والدي عندما رأى تذاكر الطائرة وتيقّن من سفري إلى الحجّ بكى وهو يقبّلني مودّعا قائلاً : « هنيئاً لك يا بني لقد أراد اللّه‏ لك أن تحجّ قبلي وأنت في هذه السنّ، فأنت ولد سيّدي أحمد التيجاني، أدع اللّه‏ لي في بيته أن يتوب عليّ، ويرزقني الحجّ إلى بيته الحرام ».

لذلك ظننت أنّ اللّه‏ هو الذي ناداني وأحاطني بعنايته، وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت الأنفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء، فمن أحقّ بالتلبية منّي، فكنت أبالغ في الطواف والصلاة والسعي وحتّى في شرب ماء زمزم، والصعود إلى الجبال حيث تتسابق الوفود للوصول إلى غار حراء فوق جبل النور، فلم يسبقني إليه غير شابّ سوداني فكنت « ثاني اثنين »، وتمرّغت فيه وكأنّي أتمرّغ في حجر الرسول الأكرم وأشمّ أنفاسه.. يا لها من صور وذكريات تركت في نفسي أثرا عميقاً سوف لن يمحى أبدا!

عناية ربّانية أُخرى جعلت كُلّ من يراني من الوفود يحبّني ويطلب عنواني للمراسلة، وقد أحبّني رفاقي الذين احتقروني في أوّل لقاء جمعنا في تونس العاصمة لترتيب السفر، وأحسست ذلك منهم، وصبرت لعلمي مسبقا بأنّ أهل الشمال يحتقرون أهل الجنوب ويعتبرونهم متخلّفين، وسرعان ما تغيّرت نظرتهم خلال السّفر والمؤتمر والحجّ، وقد بيّضت وجوههم أمام الوفود بما كنت أحفظه من أشعار وقصائد، وبما أحرزته من جوائز في المسابقات التي أُقيمت بالمناسبة، وقد عدتُ إلى بلادي ومعي أكثر من عشرين عنوانا لأصدقاء من مختلف الجنسيّات.

كانت إقامتنا في السعودية خمسة وعشرين يوما، كنّا نلتقي فيها بعلماء ونستمع إليهم في محاضراتهم، وقد تأثّرت ببعض المعتقدات الوهابيّة التي أعجبت بها، وتمنّيت أن يكون المسلمون عليها، وظننت في تلك الفترة بأنّ اللّه‏ اصطفاهم من بين العباد لحراسة بيته الحرام، فهم أطهر وأعلم خلق اللّه‏ على وجه الأرض، وقد أغناهم اللّه‏

٢٢

بالبترول ليتمكّنوا من خدمة الحجيج ضيوف الرحمن، والسهر على سلامتهم.

وعند رجوعي من الحجّ إلى بلادي، كنت مرتديا اللباس السعودي بالعقال، وفوجئت بالاستقبال الذي أعدّه لي والدي، فكانت جموع من الناس محتشدة في المحطّة يتقدّمهم شيخ الطريقة العيساوية وشيخ التيجانية وشيخ القادرية بالطبول والبنادير(١).

وطافوا بي شوارع المدينة مهلّلين ومكبّرين، وكُلّما مررنا بمسجد أوقفوني على عتبته بعض الوقت، والناس من حولي يتسابقون لتقبيلي وخصوصا الشيوخ المسنّين كانوا يلثمونني وهم يبكون شوقا لرؤية بيت اللّه‏، والوقوف على قبر رسوله، وهم لم يعتادوا رؤية حاج في مثل عمري، كما لم يروا هذا في قفصة قبلي.

وعشت أسعد أيّام حياتي في ذلك الوقت، وقد جاء إلى بيتنا أشراف المدينة وكبراؤها يسلّمون مهنّئين وداعين، وكثيرا ما كان يطلب منِّي قراءة الفاتحة مع الدّعاء بحضرة والدي، فكنت أخجل حينا وأتشجع أحيانا، وكانت والدتي في كُلّ مرة تدخل بعد خروج الزّائرين لإطلاق البخور والتعاويذ لحمايتي من شّر الحاسدين، ودفع كيد الشياطين.

وأقام والدي ثلاث ليال متواليات للحضرة التيجانية يذبح في كُلّ يوم كبشا للوليمة، وكان الناس يسألونني عن كُلّ كبيرة وصغيرة، وكانت أجوبتي كلّها تنطوي على الكثير من الإعجاب والإطراء على السعوديّين، وما يقومون به لنشر الإسلام ونصرة المسلمين.

١- البنادير: مفرده بندير، وهو طبل مثل الدفّ يستعمله الصوفية للمدائح والأذكار والشطح، ويقال: إنّ سيّدي عبد السّلام الأسمر أوّل من استعمله، وقد نزل بنديره من السماء؟! المؤلف.

٢٣

ولقّبني سكّان المدينة « بالحاج » فإذا أطلق هذا الاسم لا ينصرف إلاّ إليّ، وأصبحت بعد ذلك معروفا أكثر، وخصوصا في الأوساط الدينية كجماعة الإخوان المسلمين، فكنت أطوف في المساجد، وأنهى الناس عن تقبيل الأضرحة والتمسّح بالأخشاب، وأحاول جهدي إقناعهم بأنّ ذلك شرك باللّه‏.

وازداد نشاطي توسّعا، فكنت ألقي الدروس الدينية في المساجد يوم الجمعة قبل خطبة الإمام، وأتنقل من جامع أبي يعقوب إلى الجامع الكبير، لأنّ صلاة الجمعة تقام فيهما في أوقات مختلفة، بينما تصلّى الأولى وقت الظهر تقام الثانية وقت العصر، وكثيرا ما كان يحضر تلك الحلقات التي أقيمها يوم الأحد أغلب تلاميذ المعهد الثانوي الذي أدرّس فيه مادّة التكنولوجيا والمبادئ التقنّية، وكانوا يعجبون لهذا

ويزدادون حبّا وتقديراً لأنّي أعطيتهم من وقتي الكثير، لأزيح عن أفكارهم تلك الغيوم التي لبّدها بعض أساتذة الفلسفة الملحدين والمادّيين والشيوعيين وما أكثرهم!

فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر موعد تلك الحلقات الدّينيّة ومنهم من يأتي إلى البيت، فقد اشتريت بعض الكتب الدّينيّة والتهمتها بالمطالعة حتّى أكون في مستوى الإجابة عن الأسئلة المختلفة.

وفي تلك السنّة التي حججت فيها ملكت أيضا نصف ديني، فقد رغبت والدتي - رحمها اللّه‏ - في تزويجي قبل موتها، وهي التي ربّت كلّ أولاد زوجها وحضرت زواجهم، فكانت أمنيتها أن تراني عريسا، وقد أعطاها اللّه‏ ما تتمنّى، وأطعت أمرها في الزواج من فتاة لم أرها من قبل، وحضرت ميلاد ابني الأوّل والثاني، وفارقت الحياة وهي عنّي راضية كما سبقها والدي - رحمه اللّه‏ - قبل عامين، وقد حجّ بيت اللّه‏ الحرام وتاب توبة نصوحا قبل وفاته بعامين.

ونجحت الثورة الليبيّة في تلك الظروف التي يعاني فيها المسلمون والعرب من

٢٤

هزيمة النكبة في حربهم ضد إسرائيل، وطلع علينا ذلك الشاب قائد الثورة وهو يتكلّم باسم الإسلام، ويصلّي بالناس في المسجد، وينادي بتحرير القدس.

وقد استهواني كما استهوى أغلب الشباب المسلم في البلاد العربية والإسلامية، ودفعنا حب الاطلاع إلى تنظيم رحلة ثقافية إلى ليبيا، وجمعنا أربعين رجلاً من رجال التعليم حيث قمنا بزيارة إلى القطر الشقيق في بداية الثورة، ورجعنا من هناك معجبين بما رأينا مستبشرين بالمستقبل الذي رجونا أن يكون في صالح الأُمّة العربية والإسلامية في كُلّ المعمورة.

طوال السنوات المنصرمة كانت الرسائل مع بعض الأصدقاء متواصلة والأشواق متزايدة، وقد توطّدت علاقتي مع نخبة منهم ألحّوا عليّ أن أزورهم، فأعددت العدّة ورتّبت الأمور للقيام برحلة طويلة تستغرق عطلة الصّيف التي تدوم ثلاثة أشهر، وكان التخطيط يمر بليبيا عن طريق البرّ، ثمّ إلى مصر، ومنها إلى لبنان عبر البحر، ثمّ إلى سوريا والأردن فالسعودية، وهي المقصودة لأداء العمرة وتجديد العهد مع الوهابيّة التي روّجت لها كثيرا في أوساط الشباب الطلابي، وفي المساجد التي يكثر فيها الإخوان المسلمون.

وتعدّت شهرتي حدود مدينتي إلى مدن أُخرى مجاورة، فقد يمرّ المسافر فيصلّي الجمعة ويحضر تلك الدروس ويتحدّث بها في مجتمعه، ووصل الحديث إلى الشيخ إسماعيل الهادفي صاحب الطريقة الصوفية المعروفة بمدينة توزر عاصمة الجريد، ومسقط رأس أبي القاسم الشابي الشاعر المعروف. وهذا الشيخ له أتباع ومريدون في كامل الجمهورية التونسية وخارجها في الأوساط العمّالية بفرنسا وألمانيا.

وجاءتني منه دعوة لزيارته، عن طريق وكلائه في قفصة الذين كتبوا إليّ رسالة طويلة يشكرونني فيها على ما أقوم به لخدمة الإسلام والمسلمين، ويدّعون

٢٥

أنّ ذلك لا يقرّبني من اللّه‏ قيد أنملة ما لم يكن عن طريق شيخ عارف، وعلى الحديث المشهور عندهم : « من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان »(١)، ويقولون أيضا : « لابدّ لك من شيخ يريك شخوصها وإلاّ فنصف العلم عندك ناقص »، وبشروني بأنّ « صاحب الزمان » ويقصدون به الشيخ إسماعيل قد اصطفاني من بين الناس لأكون من خاصّة الخاصّة.

وطار قلبي فرحا لهذا الخبر، وبكيت تأثرا لهذه العناية الربّانية التي ما زالت ترفعني من مقام سام إلى ما هو أسمى، ومن حسن إلى ما هو أحسن، لأنّني اتبعت فيما مضى من حياتي سيدي الهادي الحفيان، وهو شيخ متصوّف يحكى عنه عدة كرامات وخوارق، وصرت من أعزّ أحبائه، كما صاحبت سيدي صالح بالسّائح، وسيدي

١- عبارة مشهورة عند الصوفيّة، راجع العهود المحمّدية للشعراني: ٨٧٤، وقد حاول بعضهم تفسير هذه العبارة فقال: «هي عبارة تنقل عن واحد من كبار الصوفية، ونحب أن نكون واضحين ونحن نناقش هذا الأمر. إنّ علماء الأُصول لم يعتبروا رأي الصحابي نفسه ملزماً للأمّة، فكيف رأي غيره؟ وإنّما يكسب قول أي إنسان قوة بقدر ما تؤيده النصوص، فعلينا أن نتذكّر دائماً هذا الأصل، فإذا اتضح هذا الأصل نقول: إنّ هذه العبارة صحيحة في صورة واحدة وهي: أنّه لو وجد إنسان جاهل وليس عنده قدرة على أن يتعلم لنفسه العلوم الشرعية فهذا إنسان يصير في عباداته ومعاملاته وتصرفاته على غير علم، فهذا لا شكّ شيخه الشيطان.
أمّا الإنسان القادر على أن يتعلم بنفسه، وهو يسير على ضوء العلم الصحيح، فهذا شيخه العلم الصحيح وشيخه الكتاب، أمّا الإنسان الذي يأخذ العلم عن أهله فهذا له شيوخه.
فإذا أدركنا هذا عرفنا محلّ هذه العبارة، وعرفنا الخطأ المتعمّد أو الجاهل الذي به يحاول بعض الناس أن يحمّلوا هذه العبارة على من لا شيخ صوفياً له» تربيتنا الروحية: ٢٤٠.

٢٦

الجيلاني وغيرهم من أهل الطرق المعاصرين، وانتظرت ذلك اللقاء بفارغ الصّبر.

ولمّا دخلت بيت الشيخ كنت أتفرّس الوجوه بلهفة، وكان المجلس مليئا بالمريدين وفيهم مشايخ، يرتدون لباسا ناصِعَ البياض، وبعد مراسم التحيّة خرج علينا الشيخ إسماعيل وقام الجميع يقبّلون يده باحترام فائق، وغمزني الوكيل بأنّ الشيخ هو ذا، فلم أبد حماسا؛ لأنّني كنت منتظرا غير الذي رأيت، وقد كنتُ رسمت له صورة خيالية حسب الكرامات والمعجزات التي رسّخها في ذهني وكيل الشيخ وأتباعه، ورأيت شيخا عاديا ليس فيه وقار ولا هيبة، وخلال المجلس قدّمني الوكيل إليه فرحّب بي وأجلسني على يمينه وقدّم إلي الطعام، وبعد الأكل والشرب بدأت الحضرة، وقدّمني الوكيل من جديد لأخذ العهد والورد من الشيخ، وهنّأني الجميع بعد ذلك معانقين ومباركين.

وفهمت من خلال حديثهم بأنّهم يسمعون عنّي الكثير، وقد دفعني هذا الإعجاب إلى أن أعترض على بعض أجوبة الشيخ التي كان يلقيها على السائلين، وأعلّل رأيي بالقرآن والسنة، واستاء بعض الحاضرين من هذا التطفّل واعتبروه سوء أدب في حضرة الشيخ، وقد اعتادوا أن لا يتكلّموا بحضرته إلاّ بإذنه، وأحسّ الشيخ بحرج الجالسين، فأزاح تلك السّحابة بلباقة وأعلن قائلاً : « من كانت بدايته محرقة تكون نهايته مشرقة »، واعتبر الحاضرون أنّ هذا وساما من حضرته، وسوف يكون أكبر ضمان لنهايتي المشرقة وهنّأوني بذلك.

ولكنّ شيخ الطريقة ذكيّ ومدرّب لم يترك لي المجال مفتوحا لمواصلة هذا التطفّل المزعج، وروى لنا قصّة أحد العارفين باللّه‏ عندما جلس في حلقته بعض العلماء، قال له : قم فاغتسل، وذهب العالم واغتسل وجاء ليجلس في الحلقة، فقال له ثانية : قم فاغتسل، وذهب العالم وعاود الغسل كأحسن ما يكون ظنّا منه بأنّ الغسل الأوّل لم يكن على الوجه الصحيح، وجاء ليجلس فانتهره الشيخ العارف

٢٧

وأمره بالاغتسال من جديد، فبكى العالم وقال له : يا سيدي لقد اغتسلت من علمي ومن عملي ولم يبق عندي إلاّ ما يفتح اللّه‏ به على يديك! عند ذلك قال له العارف : الآن اجلس.

وعرفت بأنّي أنا المقصود من هذه القصّة، كما عرف ذلك الحاضرون الذين لاموني بعد خروج الشيخ للاستراحة، وأقنعوني بالسّكوت ولزوم الاحترام بحضرة الشيخ صاحب الزمان لئلا تحبط أعمالي، مستدلّين بالآية الكريمة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾(١) صدق اللّه‏ العظيم.

وعرفت قدري، وامتثلت للأوامر والنصائح، وقرّبني الشيخ منه أكثر، وأقمت عنده ثلاثة أيّام كنت أسأل خلالها أسئلة عديدة بعضها للاختبار ـ وكان الشيخ يعرف ذلك منّي ـ فيجيبني قائلاً : بأنّ للقرآن ظاهرا وباطنا إلى سبعة أبطن، كما فتح لي خزانته وأطلعني على كرّاسه الخاصّ، والذي فيه سلسلة الصالحين والعارفين، مسندة ومتّصلة منه إلى أبي الحسن الشاذلي مرورا بعدّة أولياء مذكورين إلى أن يصل السند إلى الإمام علي بن أبي طالب كرّم اللّه‏ وجهه ورضي اللّه‏ عنه.

ولا يفوتني أن أذكر هنا بأنّ الحلقات التي يقيمونها كانت روحيّة، إذ يفتتحها الشيخ بقراءة ما تيسّر من كتاب اللّه‏ المجيد تلاوة وتجويدا، ثُمّ بعد فراغه يبدأ بمطلع القصيدة ويتبعه المريدون الذين يحفظون المدائح والأذكار، وأكثرها ذمّ للدنيا وترغيب في الآخرة، وفيها زهد وورع.

بعد ذلك يعيد المريد الأوّل الجالس على يمين الشيخ قراءة ما تيسّر من القرآن، وعندما يقول صدق اللّه‏ العظيم يبدأ الشيخ مطلعا من قصيدة جديدة

١- سورة الحجرات: ٢.

٢٨

ويشارك الجميع في إنشادها، وهكذا يتناوب الحاضرون ولو بآية واحدة يشاركون بها إلى أن يأخذ الحال الحاضرين، فيتمايلون يمينا وشمالاً على رنّات تلك المدائح، إلى أن ينهض الشيخ وينهض معه المريدون، فتكون حلقة هو قطبها، ويبدؤون بذكر اسم الصدر قائلين : آه. آه. آه. آه.

والشيخ يدور وسطهم متوجها في كلّ مرة إلى واحد منهم حتّى يحمى الوطيس، وتصبح الحركات والشطحات شبيهة بدّق الطبول، ويقفز البعض في حركات جنونية، وترتفع الأصوات في نغمة منسّقة، ولكنها مزعجة إلى أن يعود الهدوء بعد عناء وتعب بقصيدة ختامية للشيخ، فيجلس الجميع بعد ما يكونوا قد قبّلوا رأس الشيخ وأكتافه بالتداول.

وقد شاركتهم بعض هذه الشطحات محاكيا لهم في غير قناعة منّي، ووجدت نفسي متناقضا مع العقيدة التي تبنّيتها، وهي عدم الإشراك أي عدم التوسّل بغير اللّه‏، فسقطت على الأرض جاهشا بالبكاء متحيّرا مشتّتاً بين تيّارين متناقضين، تيار الصّوفية وهي أجواء روحية يعيشها الإنسان فتملأ أعماقه بشعور الرّهبة والزهد والتقرب إلى اللّه‏ عن طريق أوليائه الصالحين وعباده العارفين، وتيّار الوهّابية الذي علّمني أنّ ذلك كلّه شرك باللّه‏، والشرك لا يغفره اللّه‏.

وإذا كان محمّد رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) لا ينفع ولا يتوسّل به إليه سبحانه، فما قيمة هؤلاء الأولياء والصالحين بعده؟!

وبالرغم من المنصب الجديد الذي نصبني فيه الشيخ، إذ أصبحت وكيله في قفصة، لم أكن مقتنعا كلّيا في داخلي، وإن كنت أميل أحيانا إلى الطرق الصوفية، وأشعر دائما أنّي أكنّ لها احتراما ومهابة من أجل أولياء اللّه‏ والصالحين من عباده، ولكنّي أكابر وأجادل محتجّا بقوله تعالى : ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللّه‏ِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاّ

٢٩

هُوَ﴾(١).

وإذا قال لي قائل بأنّ اللّه‏ تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّه‏َ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾(٢)؟

أردّ عليه بسرعة كما علمني علماء السعودية : « الوسيلة هي العمل الصالح »(٣)، والمهّم أنّني عشت تلك الفترة مضطرباً مشوّش الفكر، وقد يتوافد عليّ

١- سورة القصص: ٨٨.

٢- سورة المائدة: ٣٥.

٣- من الأمور التي اختلف فيها الوهابيّة السلفيّة مع غيرهم ـ سواء شيعة أم سنّة أو غيرهم ـ مسألة التوسّل، فقد ذهب الوهابيّة إلى عدم جواز التوسّل بالذوات سواء كانت ذوات أنبياء أو صالحين أو غيرهم، فإنّ الذات ليس لها من الأمر شيء، ولا تختلف ذات عن ذاتٍ حتى يتوسل بأحدهما إلى اللّه دون الأُخرى، فالنبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ كما يقول إبن تيميّة لا تختلف ذاته عن ذات الملحد ـ والعياذ باللّه ـ، وإنّما الاختلاف بالإيمان والتقوى، وعليه فلا يجوز التوسّل والتقرب بنفس الذات إلى اللّه سبحانه وتعالى ما دامت بهذه الحالة.
فعلى ذلك لا يجوز التوسّل بذات النبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ والتقرب بها إلى اللّه تعالى، سواء كان النبيّ حيّاً أو ميّتاً، وسواء كان حاضراً أم غائباً، فضلاً عن التوسّل بذاوات الأولياء والصالحين، الأحياء والأموات، الحاضرين والغائبين.
هذا من جهة.
ومن جانب آخر فإنّ التوسّل اِنّما يصحّ بدعاء الأنبياء والأولياء والصالحين لا بذاتهم، فكُلّ من أراد أن يتوسل بشخص غيره يتوسل بدعائه، بطلب الدعاء منه، سواء كان ذلك المتوسل به نبيّاً أو وليّاً أو صالحاً وقاموا بتأويل كُلّ الآيات والروايات التى تنصّ على توسل بعض الصحابة بالنبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ وببعض الصالحين فى حياته وفى مماته على ضوء ما ينسجم والبيان المتقدّم لهم فى التوسّل.
وخلاصّة كلامهم أنّ التوسّل بالذوات غير جائز مطلقاً، والتوسّل بالدّعاء هو الجائز فقط، وينحصر التوسّل بالعمل وبدعاء الغير.
وعلى ضوء ما تقدّم أخذ السلفية بتقسيم التوسّل إلى عدّة أقسام والإطناب فيه، وخلصوا إلى النتيجة الآنفة، وعطفوا عليها تبديع وتكفير غيرهم من عامّة المسلمين، ممن يتوسّلون بالنبيّ الأكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ حيّاً وميّتاً، بذواتهم المكرّمة عند اللّه سبحانه وتعالى.
وارجع فيما تقدم إلى كتاب التوسّل لابن تيميّة الحرّاني، فإنّه أطنب فى بيان مذهبه وخلص إلى ما تقدم ذكره.
والنظر فيما ذكره ابن تيميّة وأتباعه يحكم علينا أن نرفض طرحه المتقدّم جملة وتفصيلاً، لأنّ ما ذكره مخالف للنصوص الشرعية ومخالف لسيرة الصحابة والسلف الصالح من الأمّة الإسلامية المتّبعة لنبيّها صلّى اللّه‏ عليه وآله، وإن كان السلفية يكفّرون جميع أمّة محمّد صلّى اللّه‏ عليه وآله من صوفية وقدرية وشيعة، ويمدحون الخوارج الذين سمّاهم النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكلاب النار؛ لأنّ الطيور على أشكالها تقع، وارجع إلى كتاب كشف الشبهات لمحمّد بن عبد الوهّاب لترى ذلك بأمّ عينيك.
وأمّا النصوص الشرعية فهي: ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير٩: ٣١ عن عثمان ابن حنيف: «أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفّان، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك، فقال: أئت الميضأة فتوضّأ ثُمّ صلِّ ركعتين ثُمّ قل: اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة.
يا محمّد، إنّي أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي، ثُمّ رُحْ حتّى أروح معك.
فانطلق الرجل ففعل ما قال، ثُمّ أتى باب عثمان، فجاء البوّاب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفّان فأجلسه على طنفسته، فقال: ما حاجتك؟
فذكر له حاجته، فقضى له حاجته وقال: ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة.
ثُمّ خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر فى حاجتي ولا يلتفت إلىّ حتّى كلّمته فيّ.
فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكن شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال: إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك!
قال: يا رسول اللّه، إنّه شقّ عليّ ذهاب بصري، وإنّه ليس لي قائد!
فقال: إئت الميضأة فتوضّأ وصلّ ركعتين ثُمّ قل: اللهم إنّي أسألك..
فقال عثمان بن حنيف: ففعل الرجل ما قال، فواللّه ما تفرّقنا ولا طال بنا المجلس حتّى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنّه لم يكن به ضرّ قط»
وقال عقيبه: «والحديث صحيح».
وقال الحافظ تقي الدين السبكي فى شفاء السقام٦١: «إنّ التوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جائز فى كُلّ حال، قبل خلقه، وبعد خلقه في مدّة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدّة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنّة وهو على ثلاثة أنواع:
النوع الأوّل: أن يتوسّل به، بمعنى أنّ طالب الحاجة يسأل اللّه تعالى به أو بجاهه أو ببركته فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة، وقد ورد في كُلّ منها خبر صحيح.
أمّا الحالة الأولى قبل خلقه فيدلّ على ذلك آثار الأنبياء الماضين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين اقتصرنا منها على ما تبيّن لنا صحّته، وهو ما رواه الحاكم أبو عبد اللّه بن البيّع في المستدرك على الصحيحين أو أحدهما قال: أبو سعيد عمرو بن محمّد بن منصور المعدّل ثنا أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد اللّه بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل بن مسلمة أنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: لمّا اعترف آدم عليه السلام بالخطيئة قال: يا ربّ، أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي، فقال اللّه يا آدم، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟!
قال: يا ربّ، لأنكّ لمّاخلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال اللّه: صدقت يا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أوّل حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
ورواه البيهقي أيضاً في دلائل النبوّة وقال: تفرد به عبد الرحمن، وذكره الطبراني وزاد فيه: «وهو آخر الأنبياء من ذريّتك».
وذكر الحاكم مع هذا الحديث أيضاً عن علي بن حمشاذ العدل، ثنا هارون بن العبّاس الهاشمي، ثنا جندل بن والق، ثنا عمرو بن أوس الأنصاري، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عبّاس قال: أوصى اللّه إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمن بمحمّد وأمر من أدركته من أُمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمّد ما خلقت آدم، ولولاه ما خلقت الجنّة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه: لا إله إلاّ اللّه فسكن.
قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، انتهى ما قاله الحاكم.
والحديث المذكور لم يقف عليه ابن تيميّة بهذا الإسناد، ولا بلغه أنّ الحاكم صحّحه، فإنّه قال ـ أعنى ابن تيميّة ـ أمّا ما ذكروه في قصّة آدم من توسّله فليس له أصل ولا نقله أحد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإسناد يصلح للاعتماد عليه ولا للاعتبار ولا للاستشهاد ثُمّ ادعى ابن تيميّة أنّه كذب. وأطال الكلام في ذلك جدّاً بما لا حاصل تحته بالوهم والتخرّص، ولو بلغه أنّ الحاكم صحّحه لماقال ذلك أو لتعرّض للجواب عن وكأنّى به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رواي الحديث.
ونحن نقول: قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم.
وأيضاً عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يبلغ في الضعف إلى الحدّ الذي ادّعاه، وكيف يحلّ لمسلم أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يردّه عقل ولا شرع، وقد ورد فيه هذا الحديث..».
ثُمّ يقول السبكي: «وأمّا ما ورد من توسّل نوح وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء فذكره المفسّرون واكتفينا عنه بهذا الحديث، بجودته وتصحيح الحاكم له، لا فرق في هذا المعنى بين أن يعبّر عنه بلفظ التوسّل أوالاستغاثة أو التشفّع أو التجوّه.
والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة، دعاءه ومستغيث به.. ومستشفع به ومتجوّه به ومتوجّه، فانّ التجّوه، والتوجّه راجعان إلى معنى واحد».
ذكر طائفة من العلماء الذين صرّحوا بجواز التوسّل:
١ ـ الإمام أحمد بن حنبل: قال: «في الاستسقاء يتوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دفع شبه التشبيه ١: ١١٥.
٢ ـ الإمام مالك بن أنس: فقد ذكر في المناظرة التي جرت بينه وبين أبي جعفر المنصور: «ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى اللّه تعالى إلى يوم القيامة» الشفا للقاضي عياض٢:٤١.
٣ ـ الإمام الشافعى: فقد ذكروا عنه أنّه قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيى‏ء إلى قبره في كُلّ يوم ـ يعنى زائراً ـ، فإذا عرضت في حاجة صلّيت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت اللّه تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عنّي حتّى تقضى» تاريخ بغداد ١: ١٣٥، حاشية رد المختار ١: ٥٩ وأضاف: «أنّ الشافعي صلّى الصبح عند قبره فلم يقنت، فقيل له: لم؟
قال: تأدبّاً مع صاحب هذا القبر».
٤ ـ ابن مفلح الحنبلي: فقد قال: «ويجوز التوسّل بصالح، وقيل: يستحب» الفروع ١: ٥٩٥.
٥ ـ البهوتي الحنبلي: فقد قال: «وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسّل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء والمتّقين وقال في المذهّب: يجوز أن يستشفع إلى اللّه برجل صالح، وقيل: يستحب» كشف القناع ٢: ٧٨.
٦ ـ الشيخ علاء الدين المرادي الحنبلي: قال: «ومنها يجوز التوسّل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب، وقيل يستحب».
ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي: يتوسل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره..» الإنصاف ٢: ٤٥٦.
٧ ـ إبراهيم الحربي: قال: قبر معروف، الترياق المجرّب» تاريخ بغداد ١: ١٣٤ وعلّق عليه الذهبي في السير ٩: ٣٤٣: «يريد إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستحب عندها الدعاء».
٨ ـ ابن حبّان البستي: قال في ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: «وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات اللّه على جدّه وعليه ودعوت اللّه اِزالتها عنّي إلا استجيب لي وزالت عنّي تلك الشدّة».
وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك» الثقات ٨: ٤٥٧.
٩ ـ أبو علي الخلاّل قال: «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل اللّه تعالى لي ما أحبّ» تاريخ بغداد ١: ١٣٢.
١١ ـ الفقيه أبو الحسين عبد اللّه بن محمّد: قال: «ما وقعت في ورطة قط، ولا عرض لي أمر مهم فقصدت قبر أبي الوليد وتوسّلت به إلى اللّه عزّ وجلّ إلاّ استجاب لي» الأنساب للسمعاني ٤: ٤٧١.
١٢ ـ السمعاني صاحب الأنساب: قال في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني: «والناس يتبركون به ويزورونه، ويستجاب عنده الدعوة، زرت قبره، بإسفرايين..» الأنساب ١: ١٤٤.
إلى غير ذلك من الكلمات الكثيرة المصرّحة بالقول والفعل بجواز التوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وزيارة قبره والدعاء عنده، وأنّه باب اللّه الذي منه يؤتى، وبالتوجّه به يتقبل اللّه الأعمال والدعوات فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأهل بيته والصالحين يجوز التوسّل بهم والتقرب إلى اللّه تعالى بحبّهم.

٣٠
الصفحات: ٣١ - ٣٤ فارغة
ثم اهتديت - تاليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي(ص ٣١ - ص ٦٠)

٣٥

في بيتي بعض المريدين، فنحيي سهراتٍ منتظمة ونقيم العمارة(١).

وبدأ الجيران يتذمّرون من الأصوات المزعجة التي تُبعث من حناجرنا بذكر ( آه )، ولكنّهم لا يجاهرون لي بذلك غير أنّهُم يشتكون لزوجتي عن طريق نسائهم، ولمّا علمت بذلك طلبت من المجموعة أن يقيموا الحلقات في أحد منازلهم، واعتذرت بأنّني سوف أُسافر إلى الخارج لمدّة ثلاثة أشهر... وودّعت الأهل والأقارب وقصدت ربّي متوكلاً عليه، لا أشرك به شيئا.

١- العمارة: هي الحلقة التي يذكر فيها اسم الصدر في شطحات منتظمة المؤلف.

٣٦

٣٧

الرحلة الموفّقة

٣٨

٣٩

في مصر

لم تطل إقامتي في طرابلس ـ عاصمة ليبيا ـ إلاّ بقدر ما حصلت على تأشيرة من السفارة المصرية للدخول إلى أرض الكنانة. وقد التقيت بعض أصدقائي هناك فأعانوني شكر اللّه‏ سعيهم، وفي طريقي إلى القاهرة ـ وهو طريق طويل يدوم ثلاثة أيّام بلياليها ـ كنت في سيارة أُجرة جمعتني بأربعة مصريّين عاملين في ليبيا وعائدين إلى وطنهم، وخلال السّفر كنت أحدّثهم وأقرأ لهم القرآن، فأحبّوني ودعاني كُلّ منهم للنزول عنده، وتخيّرت من بينهم من ارتاحت نفسي إليه لورعه وتقواه اسمه أحمد، وأولاني من الضّيافة والقبول ما هو أهل له جزاه اللّه‏.

وأمضيت عشرين يوما بالقاهرة زرت خلالها الموسيقار فريد الأطرش في عمارته على النّيل، فقد كنت معجبا به لما قرأته عن أخلاقه وتواضعه في مجلات مصرية تباع عندنا في تونس، ولم يكن حظّي منه سوى عشرين دقيقة، لأنّه كان خارجا للمطار ليسافر إلى لبنان.

وزرت الشيخ عبد الباسط محمّد عبد الصمد المجوّد الشهير، وكنت معجبا به أشدّ الإعجاب، بقيت معه ثلاثة أيّام كان النقاش خلالها مع أقاربه وأصدقائه في مواضيع متعددة.

وكانوا يعجبون لحماسي وصراحتي وكثرة اطّلاعي، فإذا تحدّثوا عن الفن

٤٠