×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

مالك، وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال، ويقال إنّه لم ير أجمل منها وفتن خالد بجمالها.

وقال له مالك : يا خالد أبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، وتدخّل عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري، وألحّا على خالد أن يبعثهم إلى أبي بكر، فرفض خالد وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله، فالتفت مالك إلى زوجته ليلى وقال لخالد : هذه التي قتلتني، فأمر خالد بضرب عنقه وقبض على ليلى زوجته ودخل فيها في تلك الليلة (١) .

١- تاريخ الطبري ٢: ٥٠٣، تاريخ اليعقوبي ٢: ٨٩، تاريخ أبي الفداء ١: ٢٢١، وللاطلاع أكثر نورد ما ذكره العلاّمة الأميني في الغدير ٧: ١٥٨ ـ ١٦٥:
رأي الخليفة في قصة مالك:
سار خالد بن الوليد يريد البطاح حتّى قدمها فلم يجد بها أحداً، وكان مالك بن نويرة قد فرَّقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع، إنّا دُعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتّى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإيّاكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرّقوا وادخلوا في هذا الأمر، فتفرّقوا على ذلك، ولمّا قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكلِّ من لم يُجب، وإن إمتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يأذّنوا ويقيموا إذا نزلوا منزلاً فإن أذن القوم وأقاموا فكفّوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلاّ الغارة ثمّ تقتلوا كلّ قتلة الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقرّوا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شيء إلاّ الغارة، ولا كلمة، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السيرة فيهم، وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنَّهم قد أذَّنوا وأقاموا و صلّوا، فلمّا اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء وجعلت تزداد برداً، فأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة القتل فظنَّ القوم أنَّه أراد القتل ولم يرد إلاّ الدفء فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اَ أمراً أصابه، وتزوّج خالد أمّ تميم امرأة مالك، فقال أبو قتادة: هذا عملك؟ فزبره خالد فغضب ومضى. وفي تاريخ أبي الفداء: كان عبد الله بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقتلك وتقدَّم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه.
فقال عمر لأبي بكر: إنَّ سيف خالد فيه رَهَق وأكثر عليه في ذلك فقال: يا عمر! تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وفي لفظ الطبري وغيره: إنَّ أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذاناً فشنّوا الغارة فاقتلوا وحرِّقوا، وكان ممَّن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها، وكان يحدِّث أنَّهم لمّا غشّوا لقوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنّا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون؟ فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثمَّ صلّينا وصلّوا، وكان خالد يعتذر في قتله: انَّه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحباً. ثمَّ قدَّمه فضرب عنقه وعنق أصحابه.
فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدوّ الله عدا على امريء مسلم فقتله ثمَّ نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد، معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطَّمها ثمَّ قال: أرئاء؟ قتلت امرءاً مسلماً ثمَّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنُّ إلاّ أنَّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالسٌ في المسجد فقال خالد: هلمّ إليَّ يا بن اُمّ شملة؟ قال فعرف عمر أنَّ أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه ودخل بيته.
وقال سويد: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً وإنَّ أهل العسكر أثفوا برؤسهم القدور فما منهم رأس إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإنّ القِدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشَر حرَّها أن يبلغ منه ذلك.
وقال ابن شهاب: إنَّ مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلمّا قتل أمر خالد برأسه فنصب أثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه.
وقال عروة: قدم أخو مالك متمِّم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم فكتب له بردِّ السبي، وألحَّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إنَّ في سيفه رهقاً. فقال: لا يا عمر! لم أكن لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وروى ثابت في الدلائل: انَّ خالداً رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني. يعني سأُقتل من أجلك (تاريخ الطبري ٣:٢٤١، تاريخ ابن الأثير ٣: ١٤٩، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥، تاريخ ابن عساكر ٥: ١٠٥، ١١٢، خزانة الأدب ١: ٢٣٧، تاريخ ابن كثير ٦: ٣٢١، تاريخ الخميس ٢: ٢٣٣، الإصابة ١: ٤١٤ و٣: ٣٥٧).
وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إنَّ مالك بن نويرة (رضي الله عنه)قال لامرأته يوم قتله خالد بن الوليد: أقتلتني. أي عرَّضتني بحسنِ وجهكِ للقتل لوجوب الدفع عنكِ، والمحاماة عليك، وكانت جميلة حسناء تزوَّجها خالد بعد قتله فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقيل فيه:

أفي الحق أنا لم تجفّ دماؤنا وهذا عروساً باليمامة خالدُ؟

(الفائق ٢: ١٥٤، النهاية ٣: ٢٥٧، تاريخ أبي الفدا ١: ١٥٨، تاج العروس ٨: ٧٥).

وفي تاريخ ابن شحنة هامش الكامل ٧ ص ١٦٥: أمر خالد ضراراً بضرب عنق مالك فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني. وكانت في غاية الجمال، فقال خالد: بل قتلك رجوعك عن الإسلام. فقال مالك: أنا مسلم. فقال خالد: يا ضرار! إضرب عنقه فضرب عنقه وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي:

ألا قل لحيّ أوطؤا بالسنابكِ تطاول هذا الليل من بَعد مالكِ
قضى خالدٌ بغياً عليه بعرسه وكان له فيها هوى قبل ذلكِ
فأمضى هواه خالدٌ غير عاطف عنان الهوى عنها ولا متمالكِ
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك إلى غير أهل هالكاً في الهوالكِ

فلمّا بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر: إنَّ خالداً قد زنى فاجلده. قال أبو بكر: لا، لأنّه تأوّل فأخطأ قال: فإنّه قتل مسلماً فاقتله. قال: لا، إنَّه تأوّل فأخطأ. ثمَّ قال: يا عمر! ما كنت لأغمد سيفاً سلّه الله عليهم، ورثى مالكاً أخوه متمّم بقصائد عديدة. وهذا التفصيل ذكره أبو الفداء أيضاً في تاريخه ١: ١٥٨.
وفي تاريخ الخميس ٢: ٢٣٣: اشتدَّ في ذلك عمر وقال لأبي بكر: ارجم خالداً فإنَّه قد استحلَّ ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل، إن كان خالد تأوّل أمراً فأخطأ وفي شرح المواقف: فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصاً، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفاً شهره الله على الكفار. وقال عمر لخالد: لئن وليتُ الأمر لأقيدنك به.
وفي تاريخ ابن عساكر ٥: ١١٢: قال عمر: إنِّي ما عتبت على خالد إلاّ في تقدُّمه وما كان يصنع في المال. وكان خالد إذا صار إليه شيء قسّمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبي بكر حسابه، وكان فيه تقدّم على أبي بكر يفعل الأشياء التي لا يراها أبو بكر، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته، وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرارة، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الديّة على متمّم بن نويرة وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
] نظرة في القضية[ قال الأميني: يحقُّ على الباحث أن يمعن النظرة في القضيَّة من ناحيتين. الأولى: ما ارتكبه خالد بن الوليد من الطامّات والجرائم الكبيرة التي تُنزَّه عنها ساحة كلِّ معتنق بالاسلام، وتضادُّ نداء القرآن الكريم والسنَّة الشريفة، ويتبرَّأ منها وممَّن اقترفها مَن آمن بالله ورسوله واليوم الآخر. (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)؟ (سورة القيامة آية: ٣٦).
(أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)؟ (سورة البلد آية: ٥). (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ)؟ (سورة العنكبوت آية: ٤).
بأيِّ كتاب أم بأيَّة سنَّة ساغ للرجل سفك تلكم الدماء الزكيَّة من الذين آمنوا بالله ورسوله واتَّبعوا سبيل الحقِّ وصدَّقوا بالحسنى، وأذَّنوا وأقاموا وصلّوا وقد علت عقيرتهم: بأنّا مسلمون، فما بال السلاح معكم؟ (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (سورة آل عمران آية: ١٨٨).
ما عذر الرَّجل في قتل مثل مالك الذي عاشر النبيَّ الأعظم، وأحسن صحبته، واستعمله (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات قومه، وقد عُدَّ من أشراف الجاهليَّة والإسلام، ومن أرداف الملوك. (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (سورة المائدة آية: ٣٢). (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا) (النساء: ٩٣).
وماذا أحلَّ للرجل شنَّ الغارة على أهل أولئك المقتولين وذويهم الأبرياء وإيذائهم وسبيهم بغير ما اكتسبوا إثماً، أو اقترفوا سيِّئة، أو ظهر منهم فساد في الملأ الدينيّ؟ (الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (سورة الأحزاب آية: ٥٨).
ما هذه القسوة والعنف والفظاظة والتزحزح عن طقوس الإسلام، وتعذيب رؤوس أمَّة مسلمة، وجعلها أثفيةً للقِدر وإحراقها بالنار؟ فويل للقاسية قلوبهم، فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يوم أليم.
ما خالد وما خطره بعد ما اتَّخذ إلهه هواه، وسوَّلت له نفسه، وأضلّته شهوته، وأسكره شبقه؟ فهتك حرمات الله، وشوَّه سمعة الإسلام المقدَّس، ونزى على زوجة مالك قتيل غيِّه في ليلته (الصواعق ص ٢١، تاريخ الخميس ٢: ٣٣٣) أنَّه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلا، ولم يكن قتل الرجل إلاّ لذلك السفاح، وكان أمراً مشهوداً وسرّ غير مستسرّ، وكان يعلمه نفس مالك ويخبر زوجته بذلك قبل وقوع الواقعة بقوله إيّاها: أقتلتني. فقتل الرجل مظلوماً غيرةً و محاماةً على ناموسه. وفي المتواتر: من قتل دون أهله فهو شهيدٌ (مسند أحمد ١ ص ١٩١، نص على تواتره المناوي في الفيض القدير٦ص ١٩٥). وفي الصحيحة من قتل دون مظلمته فهو شهيدٌ (أخرجه النسائي والضياء المقدسي كما في الجامع الصغير، وصححه السيوطي راجع الفيض القدير ٦ ص ١٩٥).
والعذر المفتعل من منع مالك الزكاة لا يُبرِّئ خالداً من تلكم الجنايات، أيصدَّق جحد الرجل فرض الزكاة ومكابرته عليها وهو مؤمنٌ بالله وكتابه ورسوله ومصدِّقٌ بما جاء به نبيُّه الأقدس، يقيم الصَّلاة ويأتي بالفرائض بأذانها وإقامتها، وينادي بأعلى صوته: نحن المسلمون، وقد استعمله النبيُّ الأعظم على الصدقات ردحاً من الزمن؟ لا ها الله.
أيوجب الردَّة مجرَّد امتناع الرجل المسلم الموحِّد المؤمن بالله وكتابه عن أداء الزكاة لهذا الإنسان بخصوصه وهو غير منكر أصل الفريضة؟ أو يُحكم عليه بالقتل عندئذ؟ وقد صحَّ عن المشرِّع الأعظم قوله: لا يحلُّ دم رجل يشهد أن لا إله إلاّ الله، وإنّي رسول الله إلاّ باحدى ثلاثة: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة (صحيح البخاري ١٠: ٦٣، كتاب المحاربين. باب: قول الله تعالى ان النفس بالنفس، صحيح مسلم ٢: ٣٧، الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ١٠، سنن أبي داود ٢: ٢١٩، سنن ابن ماجة ٢: ١١٠، مصباح السنّة ٢: ٥٠، مشكاة المصابيح ص ٢٩١).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلاّ باحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس (الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ٩، سنن ابن ماجة ٢: ١١٠، سنن البيهقي ٨: ١٩).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): اُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها منعوا منِّي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله (صحيح مسلم ١: ٣٠، الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ١٧، ١٨، سنن ابن ماجة ٢: ٤٥٧، خصائص النسائي ص ٧، سنن البيهقي ٨: ١٩، ١٩٦).
وعهد أبو بكر نفسه لسلمان بقوله: من صلّى الصلوات الخمس فإنَّه يصبح في ذمَّة الله ويمسي في ذمَّة الله تعالى فلا تقتلنَّ أحداً من أهل ذمَّة الله فتخفر الله في ذمَّته فيكبّك الله في النار على وجهك (أخرجه أحمد في الزهد كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٧٠).
أيسلب امتناع الرجل المسلم عن أداء الزكاة حرمة الإسلام عن أهله وماله وذويه ويجعلهم أعدال أولئك الكفرة الفجرة الذين حقَّ على النبيِّ الطاهر شنُّ الغارة عليهم؟ ويحكم عليهم بالسبي والقتل الذريع وغارة ما يملكون، والنزو على تلكم الحرائر المأسورات؟
وأمّا ما مرَّ من الاعتذار بانَّ خالداً قال: ادفئوا أسراكم وأراد الدفء وكانت في لغة كنانة: القتل. فقتلوهم فخرج خالد وقد فرغوا منهم. فلا يفوه به إلاّ معتوهٌ استأسر هواه عقله، وسفه في مقاله، لِماذا قتل ضرار مالكاً بتلك الكلمة وهو لم يكن من كنانة ولا من أهل لغتها؟ بل هو أسديٌّ من بني ثعلبة، ولم يكن أميره يتكلّم قبل ذلك اليوم بلغة كنانة.
وإن صحَّت المزعمة فلماذا غضب أبو قتادة الأَنصاري على خالد وخالفه وتركه يوم ذاك وهو ينظر إليه من كثب، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب؟
ولِماذا اعتذر خالد بانَّ مالكاً قال: ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا؟ وهذا اعترافٌ منه بانَّه قتله غير أنَّه نحت على الرجل مقالاً، وهو من التعريض الذي لا يجوِّز القتل «بعد تسليم صدوره منه» عند الاُمَّة الإسلامية جمعاء، والحدود تُدرأ بالشبهات.
ولِماذا رآه عمر عدوّاً لله، وقذفه بالقتل والزنا؟ وإن لم يفتل ذلك ذؤابة (مثل يضرب يقال: قتل ذؤابة فلان. أي أزاله عن رأيه) أبي بكر.
ولِماذا هتكه عمر في ملأ من الصحابة بقوله إيّاه: قتلتَ امرءاً مسلماً ثمَّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنَّك بأحجارك؟
ولِماذا رأى عمر رَهَقاً في سيف خالد وهو لم يقتل مالكاً وصحبه وإنَّما قتلتهم لغة كنانة؟
ولِماذا سكت خالد عن جوابه؟ وما أخرسه إلاّ عمله، إنَّ الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
ولِماذا صدَّق أبو بكر عمر بن الخطّاب في مقاله ووقيعته على خالد وما أنكر عليه غير أنَّه رآه متأوِّلاً تارةً، ونَحَت له فضيلة اُخرى؟
ولِماذا أمر خالد بالرؤوس فنصبت أثفيةً للقدور، وزاد وصمة على لغة كنانة؟
ولِماذا نزى على امرأة مالك، وسبى أهله، وفرَّق جمعه، وشتَّت شمله، وأباد قومه، ونهب ماله؟ أكلُّ هذه معرَّة لغة كنانة؟
ولِماذا ذكر المؤرّخون انَّ مالكاً قُتل دون أهله محاماتاً عليها؟
ولِماذا أثبت المترجمون ذلك القتل الذريع على خالد دون لغة كنانة، وقالوا في ترجمة ضرار وعبد بن الأزور: إنّه هو الذي أمره خالد بقتل مالك بن نويرة (الاستيعاب ١: ٣٣٨، أُسد الغابة ٣: ٣٩، خزانة الأدب للبغدادي ٢: ٩، الإصابة ٢: ٢٠٩) وقالوا في ترجمة مالك: إنَّه قتله خالد. أو: قتله ضرارٌ صبراً بأمر خالد؟ (الإصابة ٣: ٣٥٧، مرآة الجنان ١: ٦٢) هذه أسؤلة توقف المعتذر موقف السَدِر، ولم يحر جواباً.
ما شأن أبناء السلف وقد غرَّرت بهم سكرة الشبق، وغالتهم داعية الهوى، وجاؤا لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمَّة واولئك هم المعتدون؟ فترى هذا يقتل مثل مالك ويأتي بالطامّات رغبةً في نكاح اُمِّ تميم.
وهذا يقتل سيِّد العترة أمير المؤمنين شهوةً في زواج قطام.
وآخر (هو ضرار بن الأزور زميل خالد بن الوليد وشاكلته في النزو على الحرائر) شنَّ الغارة على حيّ من بني أسد فأخذ امرأة جميلة فوطئها بهبة من أصحابه، ثمَّ ذكر ذلك لخالد فقال: قد طيَّبتها لك «كأنَّ تلكم الجنود كانت مجنَّدة لوطىء النساء وفضِّ ناموس الحرائر» فكتب إلى عمر فأجاب برضخه بالحجارة (تاريخ ابن عساكر ٧: ٣١، خزانة الادب ٢: ٨، الإصابة ٢: ٢٠٩).
وهذا يزيد بن معاوية يدسُّ إلى زوجة ريحانة رسول الله الحسن السبط الزكيِّ السمَّ النقيع لتقتلَه ويتزوَّجها (تاريخ ابن عساكر ٤: ٢٢٦) أو فعله معاوية لغاية له كما يأتي.
ووراء هؤلاء المعتدين قومٌ ينزِّه ساحتهم بأعذار مفتعلة كالتأويل والاجتهاد ـ وليتهما لم يكونا ـ وتخطأة لغة كنانة، والله يعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون، وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط إنَّ الله يحبُّ المقسطين.
٥٦١
الصفحات: ٥٦٢ - ٥٦٧ فارغة

٥٦٨

ماذا عساني أن أقول في هؤلاء الصحابة الذين يستبيحون حرمات الله، ويقتلون النفوس المسلمة من أجل هوى النفس، ويستبيحون الفروج التي حرّمها الله، ففي الإسلام لا تنكح المرأة المتوفى زوجها إلاّ بعد العدّة التي حدّدها الله في كتابه العزيز، ولكنّ خالداً اتّخذ إلهه هواه فتردّى، وأيّ قيمة للعدّة عنده بعد أن قتل زوجها صبراً وظلماً، وقتل قومه أيضاً وهم مسلمون بشهادة عبد الله بن عمر وأبي

٥٦٩

قتادة الذي غضب غضباً شديداً ممّا فعله خالد، وانصرف راجعاً إلى المدينة، وأقسم أن لا يكون أبداً في لواء عليه خالد بن الوليد (١) .

وحسبنا في هذه القضية المشهورة أن ننقل اعتراف الأستاذ هيكل في كتابه « الصدّيق أبو بكر » إذ قال تحت عنوان : ( رأي عمر وحجته في الأمر ) :

« أما عمر، وكان مثال العدل الصارم، فكان يرى أن خالداً عدا على امرىء مسلم، ونزا على امرأته قبل انقضاء عدّتها، فلا يصحّ بقاؤه في قيادة الجيش حتّى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب، قال : ولا يصحّ أن يترك بغير عقاب على ما أتمّ مع ليلى.

ولو صحّ أنّه تأوّل فأخطأ في أمر مالك، وهذا ما لا يجيزه عمر، وحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحدّ، فليس ينهض عذراً له إنه سيف الله، وأنّه القائد الذي يسير النصر في ركابه، فلو أن مثل هذا العذر يقبل لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم، ولكان أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله، لذلك لم يفتأ عمر يعيد على أبي بكر، ويلحّ عليه، حتّى استدعى خالداً وعنّفه... » (٢) .

وهل لنا أن نسأل الأستاذ هيكل وأمثاله من علمائنا الذين يراوغون حفاظاً على كرامة الصحابة، هل لنا أن نسألهم : لماذا لم يقم أبو بكر الحدّ على خالد؟

وإذا كان عمر كما يقول هيكل مثال العدل الصارم، فلماذا اكتفى بعزله عن قيادة الجيش، ولم يقم عليه الحدّ الشرعي حتّى لا يكون ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله كما ذكر؟

وهل احترموا كتاب الله وأقاموا حدود الله؟

١- المصادر نفسها.

٢- كتاب (الصديق أبو بكر) للأستاذ هيكل: ١٣٩.

٥٧٠

كلاّ إنّها السياسة وما أدراك ما السياسة؟ تصنع الأعاجيب وتقلب الحقائق، وتضرب بالنصوص القرآنية عرض الجدار.

وهل لنا أن نسأل بعض علمائنا الذين يروون في كتبهم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)غضب غضباً شديداً عندما جاء أُسامة ليشفع لامرأة شريفة سرقت، فقال (صلى الله عليه وآله) : « ويحك أتشفع في حدّ من حدود الله، والله لو كانت فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها، إنّما أهلك من كان قبلكم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ » (١) .

فكيف يسكتون عن قتل المسلمين الأبرياء، والدخول بنسائهم في نفس الليلة، وهنّ منكوبات بموت أزواجهنّ؟!

ويا ليتهم يسكتون! ولكنهم يحاولون تبرير فعل خالد باختلاق الأكاذيب، وبخلق الفضائل والمحاسن له حتّى لقّبوه بسيف الله المسلول!!

ولقد أدهشني بعض أصدقائي، وكان مشهوراً بالمزح وقلب المعاني، فكنت أذكر له مزايا خالد بن الوليد في أيام جهالتي، وقلت له : إنّه سيف الله المسلول، فأجابني : إنّه سيف الشيطان المشلول، واستغربت يومها، ولكن بعد البحث فتح الله بصيرتي، وعرّفني قيمة هؤلاء الذين استولوا على الخلافة، وبدّلوا أحكام الله وعطّلوها، وتعدّوا حدود الله واخترقوها.

وخالد بن الوليد له في حياة النبي قصّة مشهورة، إذ بعثه النبي إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام ولم يأمره بقتالهم، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا : صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر بهم، ودفع الأسرى إلى أصحابه وأمرهم بقتلهم،

١- صحيح البخاري ٨: ١٧ كتاب الحدود، صحيح مسلم ٥: ١١٤، كتاب الحدود، باب قطع السارق، سنن النسائي ٨: ٧٣، سنن الدارمي ٢: ١٧٢، سنن أبي داود ٢: ٣٣٢، سنن الترمذي ٢: ٤٤٢، سنن البيهقي ٨: ٢٥٤، مجمع الزوائد ٦: ٢٥٩.

٥٧١
ثم اهتديت - تاليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي(ص ٥٧١ - ص ٦٠٠)

وامتنع البعض من قتلهم لما تبيّن لهم أنّهم أسلموا، ولما رجعوا وذكروا ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله)قال : « اللّهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ـ قالها مرّتين ـ » (١) .

وبعث علي بن أبي طالب إلى بني جذيمة ومعه مال، فودّى لهم الدّماء وما أصيبت لهم من أموال حتّى ودّى لهم ميلغة الكلب، وقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه إلى السماء حتّى إنّه ليرى ما تحت منكبيه، يقول : « اللّهم إني أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد ـ ثلاث مرات ـ » (٢) .

فهل لنا أن نسأل : أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدّعونها؟!

وإذا كان خالد بن الوليد وهو عندنا من عظمائنا حتّى لقّبناه بسيف الله، أفكان ربنا يسلّ سيفه ويسلّطه على المسلمين والأبرياء وعلى المحارم فيهتكها، ففي ذلك تناقض لأن الله ينهى عن قتل النفس، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

ولكنّه ـ أي خالد ـ في نفس الوقت يسل سيف البغي ليفتك بالمسلمين، ويهدر دماءهم وأموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، إن هذا زور من القول وبهتان مبين، سبحانك ربّنا وبحمدك تباركت وتعاليت عن ذلك علوّاً كبيراً، سبحانك ما خلقت السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.

كيف جاز لأبي بكر وهو خليفة المسلمين أن يسمع بتلكم الجرائم الموبقة

١- صحيح البخاري ٤: ١٧١، كتاب الأحكام، باب ٣٦، مسند أحمد ٢: ١٥١، سنن النسائي ٨: ٢٣٧، المصنّف للصنعاني ٥: ٢٢٢، صحيح ابن حبّان ١١: ٥٤، الاستيعاب لابن عبد البر ٢: ٤٢٨، تغليق التعليق لابن حجر ٣: ٤٨٢.

٢- شرح السير الكبير للسرخسي ١: ١٦٧، تاريخ الطبري ٢: ٣٤٢، البداية والنهاية ٤:٣٥٨، السيرة النبويّة لابن هشام ٤: ٨٨٤ .

٥٧٢

ويسكت عنها، بل ويدعو عمر بن الخطّاب بأن يكفّ لسانه عن خالد، ويغضب على أبي قتادة لإنكاره فعل خالد؟!

أكان مقتنعاً حقّاً بأنّ خالد تأوّل فأخطأ؟ فأيّ حجّة بعد هذا على المجرمين والفاسقين في هتكهم الحرمات وادّعائهم التأويل.

أما أنا فلا أعتقد بأنّ أبا بكر كان متأوّلا في أمر خالد الذي سمّـاه عمر بن الخطّاب بـ « عدو الله »، وكان من رأيه أن يقتل خالد لأنّه قتل امرءاً مسلماً، ويرجمه بالحجارة لأنّه زنى بزوجة مالك ( ليلى )، ولم يكن شيء من ذلك قد وقع لخالد، بل خرج منها منتصراً على عمر بن الخطّاب; لأن أبا بكر وقف إلى جانبه، وهو يعلم حقيقة خالد أكثر من أيِّ أحد.

فقد سجّل المؤرّخون بأنّه بعثه بعد تلك الواقعة المشينة إلى اليمامة التي خرج منها منتصراً، وتزوّج في أعقابها بنتاً كما فعل مع ليلى، ولمّا تجفّ دماء المسلمين بعدُ ولا دماء أتباع مسيلمة، وقد عنّفه أبو بكر على فعلته هذه بأشد ممّا عنّفه على فعلته مع ليلى (١) .

ولا شك أن هذه البنت هي الأخرى ذات بعل، فقتله خالد ونزا عليها كما فعل بليلى زوجة مالك، وإلاّ لمّا استحق أن يعنّفه أبو بكر بأشدّ مما عنّفه على فعلته الأولى. على أنّ المؤرّخين يذكرون نصّ الرسالة التي بعث بها أبو بكر إلى خالد بن الوليد، وفيها يقول : « لعمري يا بن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفّ بعد »(٢) .

ولما قرأ خالد هذا الكتاب قال : « هذا عمل الأعسر »، يقصد بذلك عمر بن

١- الأستاذ هيكل في كتابه «الصدّيق أبو بكر»: ١٤٠.

٢- تاريخ الطبري ٢: ٥١٩، الفتوح لابن أعثم ١:٣٧.

٥٧٣

الخطّاب!

فهذه من الأسباب القويّة التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يترضون عنهم، والذين يدافعون عنهم بكل حماس، ويتأوّلون النصوص، ويختلقون الروايات الخياليّة لتبرير أعمال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص وإخوانهم.

اللّهم إنّي أستغفرك وأتوب إليك..

اللّهم إنّي أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدّت حدودك.

وأبرأ إليك من أتباعهم وأشياعهم ومن والاهم على بصيرة وعلم بكُلّ ذلك، وأغفر لي ما سبق من موالاتهم إذ كنت من الجاهلين، وقد قال رسولك : « لا يعذر الجاهل بجهله ».

اللّهم إنّ ساداتنا وكبراءنا قد أضلّونا السبيل، وحجبوا عنّا الحقيقة، وصوّروا لنا الصحابة المنقلبين بأنّهم أفضل الخلق بعد رسولك، ولا شك إن آباءنا وأجدادنا كانوا ضحيّة الدّس والغشّ الذي توخّاه الأمويون ومن بعدهم العباسيّون.

اللّهم فاغفر لهم ولنا فأنت تعلم السرائر وما تخفي الصدور، وما كان حبّهم وتقديرهم واحترامهم لأولئك الصحابة إلاّ عن حسن نيّة على أنهم أنصار رسولك محمّد صلواتك وسلامك عليه وأحباؤه.. وأنت تعلم ـ يا سيّدي ـ حبّهم وحبّنا للعترة الطاهرة، الأئمّة الذين أذهبت عنهم الرِّجس وطهّرتهم تطهيراً، وعلى رأسهم سيّد المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وإمام المتّقين، سيّدنا علي بن أبي طالب.

واجعلني اللّهم من شيعتهم، ومن المتمسّكين بحبل ولائهم، والسائرين على

٥٧٤

منهاجهم، والرّاكبين في سفينتهم، والمستمسّكين بعروتهم الوثقى، والداخلين من أبوابهم، والدائبين في محبتهم ومودّتهم، العاملين بأقوالهم وأفعالهم، والشّاكرين لفضلهم ونوالهم.

اللّهم واحشرني في زمرتهم، فقد قال نبيّك صلواتك عليه وعلى آله : « يحشر المرء مع من أحبّ » (١) .

٢ ـ حديث السّفينة:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » (٢) .

١- بحار الأنوار ٦٦: ٨١، العهود المحمدية للشعراني: ٤٢.

٢- هذا الحديث رواه عدّة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وابن عبّاس، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك. وطرق الحديث إلى هؤلاء الصحب مستفيضة، وقفنا على ستّة طرق مختلفة في طبقاتها، وعدّة طرق تتداخل في بعض طبقاتها فراجع فضائل الصحابة لأحمد ابن حنبل ٢: ٧٨٥، المصنّف لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٣، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٤٤ ـ ٤٥، والمعجم الأوسط ٤: ١٠ و٥: ٣٠٦ ـ ٣٥٥ و٦: ٨٥، المعجم الصغير ١: ١٩٣ و٢: ٢٢، مستدرك الحاكم ٢: ٣٤٣ و٣: ١٥١، تاريخ بغداد ١٢: ٩٠١، الحلية لأبي نعيم ٤: ٣٠٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٠٩، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٦٨، الجامع الصغير للسيوطي ٢: ٥٣٣. قال الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٣: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه». وقال الحافظ السخاوي في استجلاب ارتقاء الغرف ٢: ٤٨٤ بعد ان ذكر عدّة طرق: «وبعض هذه الطرق يقوّي بعضها بعضاً».
وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق: ٣٥٢: «وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها بعضاً مثل: أهل بيتي»، وفي رواية: «إنّما مثل أهل بيتي، وفي أُخرى: إنّ مثل أهل بيتي»، وفي رواية: «ألاّ إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»، وفي رواية: «من ركبها سلّم ومن تركها غرق، «وإن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له».
وفي جواهر العقدين: ٢٥٩ للسمهودي باباً باسم «ذكر أنّهم أمان الأُمّة وأنهم كسفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
فإذن الحديث صحيح لوجود طرق متعدّدة له يقوّي بعضها الآخر، ولأجل ذلك حكم قسم من العلماء بصحّته كمّا تقدّم ذكرهم، وطرق الحديث كالتالي عن عمرو بن ثابت عن سمّاك بن حرب عن حنش عن الطبري في الأوسط ٥: ٣٥٥.
عن عطية عن أبي سعيد عن الطبراني في الأوسط ٦: ٨٥، وعن ابن عبّاس كما في حلية الأولياء ٤: ٣٠٦، وعن أنس بن مالك كما في تاريخ بغداد ١٢: ٩١، وعن عامر ابن واثلة كما في الكنى للدولابي ١: ٧٦، وعليه فما ذكره عثمان الخميس في كشف الجاني: ١١٦ غير صحيح لجهله بالطرق الأخرى للحديث، فهو ليس له طريق واحد حتّى يحكم بضعفه وإنّما له طرق متعددة.

٥٧٥

« وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له » (١) .

وقد أورد ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة هذا الحديث ثمّ قال : « ووجه تشبيههم بالسّفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفّر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.

١- الفضائل لأحمد ٢: ٧٨٥ ح١٤٠٢، المعجم الصغير للطبراني ٢: ٢٢، الأوسط ٦: ٨٥، فرائد السمطين ٢: ٢٤٢ ح٥١٦، جواهر العقدين ٢: ١٩٠، المناقب لابن المغازلي: ح١٧٤ ـ ١٧٧، الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٥، وقال: «وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً».

٥٧٦

ووجه تشبيههم بباب حطّة، أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا، أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأمّة مودّة أهل البيت سبباً لهم » (١) .

ويا ليتني أسأل ابن حجر هل كان من الذين ركبوا السفينة، ودخلوا الباب وأخذوا بهدي العلماء، أم أنّه من الذين يقولون ما لا يفعلون ويخالفون ما يعتقدون؟! وكثيرون هم أولئك الجهلة الذين عندما أسألهم واحتجّ عليهم يقولون لي : نحن أولى بأهل البيت وبالإمام عليّ من غيرنا، نحن نحترم أهل البيت ونقدّرهم، وليس هناك من ينكر فضلهم وفضائلهم!

نعم، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، أو أنّهم يحترمونهم ويقدّرونهم ولكن يقتدون ويقلّدون أعداءهم ومن قاتلهم وخالفهم، أو أنهم في أغلب الأحيان لا يعرفون من هم أهل البيت، وإذا سألتهم : من هم أهل البيت؟ يجيبون على الفور : هم نساء النبي اللاّتي أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً.

وقد كشف لي أحدهم عن هذا اللّغز عندما سألته وأجابني قائلا : أهل السنّة والجماعة كلّهم يقتدون بأهل البيت.

وتعجّبت وقلت : كيف ذلك؟

فقال : قال رسول الله : « خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء » (٢) يعني

١- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٦، الآيات الواردة فيهم، الآية السابعة.

٢- ورد بلفظ: «خذوا شطر دينكم...» في كُلّ من: المبسوط للسرخسي ١٠:١٦٣ تحفة الأحوذي ١٠: ٢٥٩، تذكرة الموضوعات: ١٠٠، كشف الخفاء ١: ٣٧٤، إرواء الغليل ١: ١٠، الأحكام للآمدي ١: ٢٤٨، البداية والنهاية ٣: ١٥٩، السيرة النبويّة لابن كثير ٢: ١٣٧، النهاية في غريب الحديث ١:٤٣٨، لسان العرب ٤:٢٠٩، تاج العروس ٦:٣٠١.

٥٧٧

عائشة، فنحن أخذنا نصف الدين عن أهل البيت!!

وعلى هذا الأساس يفهم كلامهم حول احترام وتقدير أهل البيت، أمّا إذا سألتهم عن الأئمّة الاثني عشر فلا يعرفون منهم غير علي والحسن والحسين، مع أنّهم لا يقولون بإمامة الحسنين، وهم يحترمون معاوية بن أبي سفيان الذي دسّ السم للحسن فقتله ويسموّنه « كاتب الوحي » وعمرو بن العاص كاحترامهم الإمام علي (عليه السلام)!!

إنّه التناقض والخلط والتّلبيس، تلبيس الحقّ بالباطل، وتغليف الضياء بالظّلام، وإلاّ كيف يجتمع في قلب المؤمن حبّ الله والشيطان، قال الله في كتابه المجيد : ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .

وقال أيضاً عزّ من قائل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ (٢) .

٣ ـ حديث من سرّه أن يحيا حياتي:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليّه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذّبين بفضلهم من

١- سورة المجادلة: ٢٢.

٢- سورة الممتحنة: ١.

٥٧٨

أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي » (١) .

وهذا الحديث هو كما نرى من الأحاديث الصريحة التي لا تقبل التأويل، ولا تترك للمسلم أيّ اختيار بل تقطع عليه كلّ حجّة، وإذا لم يُوال عليّاً ويقتدِ بأهل البيت عترة الرسول، فهو محروم من شفاعة جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وتجدر الإشارة هنا بأنّه خلال البحث الذي قمت به شكّكت في البدء في صحّة هذا الحديث واستعظمته، لما فيه من تهديد ووعيد لمن كان على خلاف مع علي وأهل البيت، وخصوصاً أن هذا الحديث لا يقبل التأويل، وخفت الوطأة عندما قرأت في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني بعدما أخرج الحديث قوله : « قلت في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهو واه » (٢) .

وأزال ابن حجر بهذا القول بعض الإشكال الذي علق بذهني إذ تصوّرت أن يحيى بن يعلى المحاربي هو واضعُ الحديث وهو ليس بثقة، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يوقفني على الحقيقة بكاملها.

١- أخرجه الحاكم في المستدرك ٣:١٢٨، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه»، وأبو نعيم في الحلية ٤:٣٨٧، والطبراني في المعجم الكبير ٥:١٩٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢:٢٤٢ من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، مع تفاوت في بعض الألفاظ من حيث الزيادة والنقصان، رواه الرافعي في كتاب تدوين أخبار قزوين ٢:٤٨٥.
والحديث سنده حسن، لأنّ طرق الحديث متعدّدة وليس الطريق منحصراً بيحيى بن يعلى الأسلمي الذي ضعّفوه، وإن أخرج له ابن حبّان في صحيحه ١٥:٣٩٣، وحسّن له الألباني في سنن الترمذي حديثه ٢:٢٦٩.

٢- الإصابة ٢: ٤٨٥ رقم ٢٨٧٢، وهو غفلة منه; لأنّ في السند الأسلمي وليس المحاربي.

٥٧٩

وقرأت يوما كتاب « مناقشات عقائديّة في مقالات إبراهيم الجبهان » (١) ، وأوقفني هذا الكتاب على جليّة الحال، إذ تبيّن أن يحيى بن يعلى المحاربي هو من الثّقات الذين اعتمدهم الشيخان مسلم والبخاري.

وتتبّعت بنفسي فوجدت البخاري يخرّج له أحاديث في باب غزوة الحديبّية من جزئه الثالث في صفحة عدد ٣١، كما أخرج له مسلم في صحيحه في باب الحدود من جزئه الخامس في صفحة عدد ١١٩، والذهبي نفسه ـ على تشدّده ـ أرسل توثيقة إرسال المسلّمات، وقد عدّه أئمّة الجرح والتعديل من الثّقات واحتجّ به الشيخان.

فلماذا هذا الدسّ والتزوير، وتقليب الحقائق، والطعن في رجل ثقة احتجّ به أهل الصحاح؟ ألأنّه ذكر الحقيقة الناصعة في وجوب الاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام)، فكان جزاؤه من ابن حجر التوهين والتضعيف، وقد فات ابن حجر أنّ من ورائه علماء جهابذة يحاسبونه على كلّ صغيرة وكبيرة، ويكشفون تعصّبه وجهله; لأنّهم يستضيئون بنور النبوّة، ويهتدون بهدي أهل البيت (عليهم السلام).

وعرفت بعد ذلك أن بعض علمائنا يحاولون جهدهم تغطية الحقيقة; لئلا ينكشف أمر الصحابة والخلفاء الذين كانوا أمراءهم وقدوتهم، فتجدهم مرّة يتأوّلون الأحاديث الصحيحة الثابتة ويحمّلونها غير معانيها، ومرّة يكذّبون الأحاديث التي تناقض مذهبهم وإن وردت في صحاحهم وأسانيدهم، ومرّة يحذفون من الحديث نصفه أو ثلثيه ليبدّلوه بكذا وكذا!! ومرّة يشكّكون في الرواة الثّقات لأنّهم حدّثوا بما لا تهوى أنفسهم، ومرّة يخرّجون الحديث في الطبعة الأولى ويحذفونه في الطبعات الأخرى بدون أيّ إشارة إلى مبرّر الحذف، رغم أن المطلّعين يدركون سبب ذلك!!

١- مناقشات عقائدية في مقالات إبراهيم الجبهان: ٢٨.

٥٨٠