×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٥٨١ - ٦٠٠

وقد تحقّق لديّ كلّ هذا بعد البحث والتمحيص، وعندي أدلّة قاطعة على ما أقول : فليتهم إذ يحاولون عبثاً كلّ هذه المحاولات لتبرير أعمال الصحابة الذين انقلبوا على الأعقاب، فجاءت أقوالهم متناقضة بعضها مع بعض ومتناقضة مع التاريخ، ليتهم اتّبعوا الحقّ ولو كان مرّا إذاً لأراحوا واستراحوا، ولكانوا سبباً في جمع شمل هذه الأمّة المتمزّقة والمتناحرة لا لشيء إلاّ لتأييد أقوالهم أو تفنيدها.

وإذا كان بعض الصحابة الأوّلين غير ثقات في نقل الأحاديث النبويّة الشريفة، فيبطلون منها ما لا يتماشى وأهواءهم، وخصوصاً إذا كانت هذه الأحاديث من الوصايا التي أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند وفاته، فقد أخرج البخاري ومسلم بأن رسول الله أوصى عند موته بثلاث :

* أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.

* أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم...

ثمّ يقول الراوي : ونسيت الثالثة (١) .

فهل يعقل أن الصحابة الحاضرين الذين سمعوا وصايا الرسول الثلاث عند موته ينسون الوصية الثالثة، وهم الذين كانوا يحفظون القصائد الشعريّة الطويلة بعد سماعها مرّةً واحدة؟ كلا ولكن السياسة هي التي أجبرتهم على نسيانها وعدم ذكرها، إنّها مهزلة أخرى من مهازل هؤلاء الصحابة، ولأن الوصيّة الأولى لرسول الله كانت بلا شك استخلاف علي بن أبي طالب فلم يذكرها الراوي.

١- صحيح البخاري ٤: ٣١، باب ١٧٦ جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير، صحيح مسلم ٥: ٧٥، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه، سنن أبي داود ٢: ٤١، السنن الكبرى ٩: ٢٠٧، المصنّف للصنعاني ٦: ٥٧، مسند أبي يعلى الموصلي ٤: ٢٩٨، نصب الراية للزيلعي ٤: ٣٤٣.

٥٨١

مع أنّ الباحث في هذه المسألة يجد رائحة الوصيّة لعلي تفوح رغم كتمانها وعدم ذكرها، فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا، كما أخرج مسلم أيضاً في صحيحه في كتاب الوصية أنّه ذكر عند عائشة أنّ النبي أوصى إلى علي (١) . أنظر كيف يظهر الله نوره ولو ستره الظالمون.

أعود فأقول : إذا كان هؤلاء الصحابة غير ثقات في نقل وصايا رسول الله، فلا لوم بعد ذلك على التابعين وتابعي التابعين.

وإذا كانت عائشة أمّ المؤمنين لا تطيق ذكر اسم علي (عليه السلام)، ولا تطيب لها نفساً بخير ـ كما ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته والبخاري في صحيحه ( باب مرض النبي ووفاته ) (٢) ، وإذا كانت تسجد لله شكراً عندما سمعت بموته، فكيف يرجى منها ذكر الوصيّة لعلي، وهي من عرفت لدى الخاص والعام بعدائها وبغضها لعليّ وأولاده ولأهل بيت المصطفى.

فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

١- صحيح البخاري ٣: ١٨٦، كتاب الوصايا، باب ١، صحيح مسلم ٥: ٧٥، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصيّة، مسند أحمد ٦: ٣٢.

٢- الطبقات الكبرى ٢: ٢٣٢ في ذكر مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «قالت عائشة:... فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين ابن عبّاس ـ تعني الفضل ـ ورجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت ابن عباس بما قالت، قال: فهل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عبّاس: هو عليّ، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير...»، وفي مسند أحمد ٦: ٢٢٨، وإرواء الغليل ١: ١٧٨ بتحقيق الشيخ الألباني وقال عنه: «وسنده صحيح».
وفي صحيح البخاري ٧: ١٨ كتاب الطب، لكن بترها ولم يورد: «انّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير»، وكذلك مسلم في صحيحه ٢: ٢٢، كتاب الأذان، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.

٥٨٢

٥٨٣

مصيبـتنا في

الاجـتهاد مقـابل الـنّصوص

٥٨٤

٥٨٥

مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النّصوص

استنتجت من خلال البحث أن مصيبة الأمّة الإسلامية انجرّت عليها من الاجتهاد الذي دأب عليه الصحابة مقابل النّصوص الصريحة، فاخترقت بذلك حدود الله، ومحقت السنّة النبويّة، وأصبح العلماء والأئمّة بعد الصحابة يقيسون على اجتهادات الصحابة، ويرفضون بعض الأحيان النّص النبويّ إذا تعارض مع ما فعله أحد الصحابة، أو حتّى النّص القرآني، ولست مبالغاً.

وقد قدّمت كيف أنّهم رغم وجود النّص على التيمّم في كتاب الله وسنّة الرسول الثابتة.. رغم كلّ ذلك اجتهدوا، فقالوا بترك الصلاة مع فقد الماء، وقد علّل عبد الله بن عمر اجتهاده بالنّحو الذي أشرنا إليه في مكان آخر من بحثنا.

ومن أوائل الصحابة الذين فتحوا هذا الباب على مصراعيه هو الخليفة الثاني الذي استعمل رأيه مقابل النّصوص القرآنية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فعطّل سهم المؤلّفة قلوبهم الذين فرض الله لهم سهماً من الزكاة، وقال : « لا حاجة لنا فيكم ».

أمّا اجتهاده في النّصوص النبويّة فلا يحصى، وقد اجتهد في حياة الرسول نفسه وعارضه عدّة مرّات، وقد أشرنا في ما سبق إلى معارضته في صلح الحديبيّة، وفي منع كتابة الكتاب وقوله : « حسبنا كتاب الله ».

وقد وقعت له حادثة أُخرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلّها تعطينا صورة أوضح لنفسيّة عمر، الذي أباح لنفسه أن يناقش ويجادل ويعارض صاحب الرسالة، تلك هي حادثة التبشير بالجنّة، إذ بعث رسول الله أبا هريرة وقال له : « من لقيته من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة »، فخرج

٥٨٦

ليبشّر فلقيه عمر ومنعه من ذلك وضربه حتّى سقط على أسته.

فرجع أبو هريرة إلى رسول الله وهو يبكي، وأخبره بما فعل عمر، فقال رسول الله لعمر : « ما حملك على ما فعلت »؟

قال : هل أنت بعثته ليبشّر بالجنّة من قال لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه؟

قال رسول الله : « نعم ».

قال عمر : لا تفعل فإنّي أخشى أن يتّكل النّاس على لا إله إلاّ الله (١) !

وهذا ابنه عبد الله بن عمر يخشى أن يتّكل الناس على التيمّم فيأمرهم بترك الصلاة! وياليتهم تركوا النّصوص كما هي، ولم يبدّلوها باجتهاداتهم العقيمة التي تؤدّي إلى محو الشريعة، وانتهاك حرمات الله، وتشتيت الأمّة في متاهات المذاهب المتعدّدة، والآراء المتشعّبة، والفرق المتناحرة.

ومن مواقف عمر المتعدّدة اتّجاه النبي وسنّته نفهم بأنّه ما كان يعتقد يوماً بعصمة الرسول، بل كان يرى أنه بشر يخطئ ويصيب.

ومن هنا جاءت الفكرة لعلماء السنّة والجماعة بأنّ رسول الله معصوم في تبليغ القرآن فقط، وما عدا ذلك فهو يخطيء كغيره من البشر، ويستدلّون على ذلك بأن عمر صوّب رأيه في العديد من القضايا.

وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كما يروي البعض من الجهلة ـ يقبل مزمارة الشيطان في بيته، وهو مستلق على ظهره، والنسوة يضربن الدفوف، والشيطان يلعب ويمرح إلى جانبه، حتّى إذا دخل عمر بن الخطّاب هرب الشيطان، وأسرع

١- صحيح مسلم ١: ٤٤، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان، فتح الباري ١: ٢٠٢، صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٠٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٥٦، رياض الصالحين:٣٥٦، تفسير الآلوسي ٢٦:٦٠.

٥٨٧

النسوة فخبأن الدفوف تحت أُستهن، وقال رسول الله لعمر : « ما رآك الشيطان سالكاً فجّاً حتّى سلك فجّا غير فجّك » (١) . فلا غرابة إذاً أن يكون لعمر بن الخطّاب رأي في الدين، وأن يسمح لنفسه بمعارضة النبي في الأمور السياسيّة، وحتى في الأمور الدينيّة، كما تقدّم في تبشير المؤمنين بالجنّة.

ومن فكرة الاجتهاد واستعمال الرأي مقابل النّصوص، نشأت أو تكوّنت مجموعة من الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطّاب، وقد رأيناهم يوم الرزيّة كيف ساندوا وعضدوا رأي عمر مقابل النّصّ الصريح.

ومن ذلك أيضاً نستنتج بأنّ هؤلاء لم يقبلوا يوماً نصوص الغدير التي نصّب بها النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً خليفة له على المسلمين، وتحيّنوا الفرصة السانحة لرفضها عند وفاة النبيّ، فكان اجتماع السقيفة وانتخاب أبي بكر من نتيجة هذا الاجتهاد.

ولما استتبّ لهم الأمر وتناسى الناس نصوص النبيّ في خصوص الخلافة، بدأوا يجتهدون في كلّ شيء، حتّى استطالوا على كتاب الله فعطلّوا الحدود، وأبدلوا الأحكام.

فكانت مأساة فاطمة الزهراء بعد مأساة زوجها وإبعاده عن منصّة الخلافة، ثمّ كانت مأساة قتل مانعي الزكاة، وكل ذلك من الاجتهاد مقابل النّصوص، ثمّ كانت خلافة عمر بن الخطّاب نتيجة حتميّة لذلك الاجتهاد، إذ إنّ أبا بكر اجتهد برأيه وأسقط الشورى التي كان يستدل بها هو نفسه على صحّة خلافته، وزاد عمر في

١- صحيح البخاري ٧: ٩٣، كتاب الأدب، باب الإخاء والحلف، صحيح مسلم ٧: ١١٥، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عمر، مسند أحمد ١: ١٧١، السنن الكبرى ٦: ٦٠، مسند أبي يعلى ٢: ١٣٣، صحيح ابن حبّان ١٥: ٣١٦ وغيرها من المصادر.

٥٨٨

الطّين بلّة عندما ولي أمور المسلمين، فأحلّ ما حرّم الله ورسوله (١) ، وحرّم ما أحلّ الله ورسوله (٢) .

ولمّا جاء عثمان بعده ذهب شوطاً بعيداً في الاجتهاد، فبالغ أكثر ممّن سبقوه، حتّى أثّر اجتهاده في الحياة السياسيّة والدينية بوجه عام، فقامت الثورة ودفع حياته ثمن اجتهاده.

ولما ولي الإمام عليّ أمور المسلمين وجد صعوبة كبيرة في إرجاع النّاس إلى السنّة النبويّة الشريفة وحظيرة القرآن، وحاول جهده أن يزيل البدع التي أدخلت في الدّين، ولكن بعضهم صاح : « واسنّة عمراه » (٣) !

وأكاد اعتقد وأجزم بأنّ الذين حاربوا الإمام عليّاً وخالفوه إنّما فعلوا ذلك لأنه ـ سلام الله عليه ـ حملهم على الجادّة، وأرجعهم إلى النّصوص الصحيحة، مميتاً بذلك كل البدع والاجتهادات التي ألصقت بالدّين طوال ربع قرن، وقد ألفها الناس وخاصّة منهم أصحاب الأهواء والأطماع الدنيويّة، الذين اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا، وكدّسوا الذّهب والفضّة، وحرموا المستضعفين من أبسط الحقوق التي شرّعها الإسلام.

وقد نجد أن المستكبرين في كلّ عصر يميلون إلى الاجتهاد ويطبّلون له; لأنّه يفسح لهم المجال للوصول إلى مآربهم من كلّ طريق، أمّا النّصوص فتقطع عليهم وجهتهم، وتحول بينهم وبين ما يرومون.

١- كقضية إمضاءه الطّلاق الثلاث صحيح مسلم ٤: ٨٤، باب الطّلاق الثلاث من كتاب الطّلاق، سنن أبي داود ١: ٣٤٤ (المؤلّف).

٢- كتحريمه متعة الحجّ ومتعة النساء صحيح مسلم كتاب الحجّ، صحيح البخاري كتاب الحجّ باب التمتّع (المؤلف).

٣- الشافي للمرتضى ٤: ٢١٩، وتلخيص الشافي للطوسي ٤: ٥٢.

٥٨٩

ثمّ إنّ الاجتهاد وجد له أنصاراً في كلّ عصر ومصر حتّى من المستضعفين أنفسهم لما فيه من سهولة التطبيق وعدم الالتزام.

ولأن النّص فيه التزام وعدم حريّة، وقد يسمّى عند رجال السياسة الحكم الثيوقراطي، يعني ( حكم الله )، ولأنّ الاجتهاد فيه حريّة وعدم الالتزام بالقيود، فيسمّونه الحكم الديمقراطي، يعني ( حكم الشعب ) فالذين اجتمعوا في السقيفة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ألغوا الحكومة الثيوقراطية التي أسّسها رسول الله على مبدأ النّصوص القرآنيّة، وأبدلوها بحكومة ديمقراطيّة يختار الشعب فيها من يراه صالحاً لقيادته، على أنّ أولئك الصحابة لم يكونوا ليعرفوا كلمة « الديمقراطيّة » لأنّها ليست عربيّة، ولكنّهم يعرفون نظام الشورى (١) .

فالذين لا يقبلون النّص على الخلافة اليوم هم أنصار « الديمقراطيّة »، ويفتخرون بذلك، مدّعين أنّ الإسلام هو أوّل من ارتأى هذا النّظام، وهم أنصار الاجتهاد والتجديد، وهم اليوم أقرب ما يكونون من النظم الغربيّة، ولذلك نسمع اليوم من الحكومات الغربيّة تمجيداً لهؤلاء، وتسميتهم بالمسلمين المتطوّرين والمتسامحين.

أما الشّيعة أنصار « الثيوقراطيّة » أو حكومة الله يرفضون الاجتهاد مقابل النّص، ويفرّقون بين حكم الله والشورى، فالشورى عندهم لا علاقة لها بالنّصوص، وإنّما الاجتهاد والشورى في ما لا نّص فيه.

أفلا ترى أن الله سبحانه هو الذي اختار رسوله محمّداً، ومع ذلك قال له : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٢) .

١- رغم أنّه في الواقع لم يحصل حتّى هذا النوع من الانتخاب إذ إنّ الذين انتخبوا لا يملكون حقّ تمثيل الأمّة بأيّ وجه من الوجوه (المؤلّف).

٢- سورة آل عمران: ١٥٩.

٥٩٠

أما فيما يتعلّق باختيار القادة الذين يقودون البشريّة قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (١) .

فالشّيعة عندما يقولون بخلافة الإمام عليّ بعد رسول الله إنّما يتمسّكون بالنّص، وهم عندما يطعنون في بعض الصحابة إنّما يطعنون في الذين أبدلوا النّص بالاجتهاد، فضيّعوا بذلك حكم الله ورسوله، وفتحوا في الإسلام رتقاً لم يلتئم حتّى اليوم.

ومن أجل هذا أيضاً نجد الحكومات الغربيّة ومفكّريهم ينبذون الشّيعة، ويَسِمُونهم بالتعصّب الدّيني، ويُسمّونهم رجعيّين ; لأنّهم يريدون الرجوع إلى القرآن الذي يقطع يد السارق، ويرجم الزاني، ويأمر بالجهاد في سبيل الله، وكلّ ذلك عندهم عنجهيّة بربريّة.

وفهمت خلال هذا البحث لماذا أغلق بعض علماء أهل السنّة والجماعة باب الاجتهاد منذ فقهاء القرن الثاني للهجرة، فربما كان ذلك لما جرّه هذا الاجتهاد على الأمّة من ويلات ومصائب وخطوب وحروب دامية أكلت الأخضر واليابس، وقد أبدل الاجتهاد خير أمّة أخرجت للناس أمّة متناحرة متقاتلة، تسودها الفوضى، وتحكم فيها القبليّة، وتنقلب من الإسلام إلى الجاهليّة.

أمّا الشّيعة الذين بقي عندهم باب الإجتهاد مفتوحاً ما دامت النصوص قائمة، ولا يمكن لأيّ أحد تبديلها، وأعانهم على ذلك وجود الأئمّة الاثني عشر الذين ورثوا علم جدّهم، فكانوا يقولون : ليس هناك مسألة إلاّ ولله حكم فيها، وقد بيّنه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ونفهم أيضا بأنّ أهل السنّة والجماعة لما اقتدوا بالصحابة المجتهدين الذين منعوا كتابة السنّة النبويّة، وجدوا أنفسهم مضطرّين أمام غياب النّصوص للاجتهاد

١- سورة القصص: ٦٨.

٥٩١

بالرأي والقياس، والاستصحاب، وسدّ باب الذرائع إلى غير ذلك.

ونفهم أيضاً من كلّ ذلك بأنّ الشّيعة التفّوا حول الإمام علي، وهو باب مدينة العلم، والذي كان يقول لهم : « سلوني عن كلّ شيء، فقد علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لكُلّ باب ألف باب » (١) . وغير الشّيعة التفّوا حول معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن يعرف من سنّة النبي إلاّ قليلا.

وأصبح إمام الفئة الباغية، أميراً للمؤمنين، بعد وفاة الإمام علي، فعمل في دين الله برأيه أكثر من الذين سبقوه، وأهل السنّة والجماعة يقولون بأنّه كاتب الوحي، وأنّه من العلماء المجتهدين!

كيف يحكمون باجتهاده وقد دسّ السم للحسن بن علي سيّد شباب أهل الجنّة فقتله؟ ولعلّهم يقولون : هذا أيضاً من اجتهاده فقد اجتهد وأخطأ!

كيف يحكمون باجتهاده وقد أخذ البيعة من الأمّة بالقوّة والقهر لنفسه، ثمّ لابنه يزيد من بعده، وحوّل نظام الشورى إلى الملكيّة القيصريّة؟

كيف يحكمون باجتهاده ويعطوه أجراً، وقد حمل النّاس على لعن علي وأهل البيت ذريّة المصطفى من فوق المنابر، وأصبحت سنّة متّبعة لستّين عاماً؟!

وكيف يسمّونه ( كاتب الوحي ) وقد نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، كان معاوية لأحد عشر عاماً منها مشركاً بالله ولمّا أسلم بعد الفتح لم نعثر على رواية تقول بأنه سكن المدينة، في حين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)لم يسكن مكة بعد الفتح.. فكيف تسنّى لمعاوية كتابة الوحي يا ترى؟!

فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، والسؤال يعود دائماً : أيّ الفريقين على الحقّ وأيّهما على الباطل؟ فأمّا أن يكون عليّ وشيعته ظالمين وعلى غير الحقّ، وأمّا

١- ينابيع المودّة ١: ٢٢٢ ح٤٣ عن فرائد السمطين ١: ١٠١ ح٧٠، بحذف أوّله.

٥٩٢

أن يكون معاوية وأتباعه ظالمين وعلى غير الحقّ.

وقد أوضح رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّ شيء، غير أنّ بعض مدّعي أتباع السنّة يبغونها عوجاً.

وقد اتّضح لي من خلال البحث ومن خلال الوقوف على الدفاع عن معاوية أنّهم ( المدافعين ) أتباع معاوية وبني أميّة، وليسوا كما يدّعون أتباع السنّة النبويّة، وخصوصاً إذا تتبعت مواقفهم، فهم يكرهون شيعة علي، ويحتفلون بيوم عاشوراء عيداً، ويدافعون عن الصحابة الذين آذوا رسول الله في حياته وبعد وفاته، ويصحّحون أخطاءهم، ويبرّرون أعمالهم.

تُرى كيف تحبّون عليّاً وأهل البيت وتترضّون في نفس الوقت على أعدائهم وقاتليهم؟!

كيف تحبّون الله ورسوله، وتدافعون عمن بدّل أحكام الله ورسوله، واجتهد وتأوّل برأيه في أحكام الله؟!

كيف تحترمون من لم يحترم رسول الله، بل يرميه بالهجر ويطعن في إمارته؟!

كيف تقلّدون أئمّة نصّبتهم الدولة الأمويّة أو الدولة العباسيّة لأمور سياسيّة، وتتركون الأئمّة الذين نصّ عليهم رسول الله بعددهم (١) وبأسمائهم (٢) ؟!

كيف تقلّدون من لم يعرف النبي حقّ معرفته، وتتركون باب مدينة العلم، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى؟!

١- مسند أحمد ٥:٨٧، صحيح البخاري ٨:١٢٧، كتاب الأحكام، صحيح مسلم ٦:٣، كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش، سنن أبي داود ٢:٣٠٩، المستدرك على الصحيحين ٣:٦١٧، مجمع الزوائد ٥:١٧٨، المصنّف لابن أبي شيبة ٧:٤٩٢.

٢- ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ٣: ٢٨١.

٥٩٣

مـن الذي أطـلق

مصطـلح أهل السـنّة والجـماعة ؟!

٥٩٤

٥٩٥

من الذي أطلق مصطلح أهل السنّة والجماعة ؟!

لقد بحثت في التاريخ فلم أجد إلاّ أنّهم اتّفقوا على تسمية العام الذي استولى فيه معاوية على الحكم بعام الجماعة، وذلك أنّ الأمّة انقسمت بعد مقتل عثمان إلى قسمين : شيعة علي وأتباع معاوية، ولما استشهد الإمام علي واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن، وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين، سُمِّيَ ذلك العام بعام الجماعة.

إذن فالتسمية بأهل السنّة والجماعة دالّة على اتباع سنّة معاوية والاجتماع عليه، وليست تعني اتّباع سنّة رسول الله.

فالأئمّة من ذريّته وأهل بيته أدرى وأعلم بسنّة جدّهم من الطلقاء، وأهل البيت أدرى بما فيه، وأهل مكّة أدرى بشعابها، ولكنّنا خالفنا الأئمّة الاثني عشر الذين نصّ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) واتّبعنا أعداءهم.

ورغم اعترافنا بالحديث الذي ذكر فيه رسول الله اثني عشر خليفة كلّهم من قريش (١) ، إلاّ أنّنا نتوقّف دائماً عند الخلفاء الأربعة.

١- ولا يخفى أنّ الحديث لا يدلّ على لزوم تصدّي هؤلاء الاثني عشر للحكم الظاهري، فلا يقدح فيه عدم جريان أحكام بعض الأئمّة (عليهم السلام) في الظاهر، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم) مشيراً إلى الحسنين: «إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا»، فالحديث يدلّ على أنّ أمر النّاس سيكون ماضياً والإسلام سيكون عزيزاً إذ وليهم اثنا عشر خليفة، فما دام لم يليهم هؤلاء لم يكونوا أعزّاء بل أصيبوا طيلة حياتهم منذ وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا بأنواع الفتن والمحن، وهذا نظير قوله تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً) فبما أنّهم لم يستقيموا لم يسقوا، وبما انّ المسلمين لم يتمسّكوا بهؤلاء الاثني عشر لم يكونوا أعزّاء.
ثمّ إنّ هذا الحديث من المعاجز النبويّة ومن الأمور الغيبيّة التي أخبر بها نبيّ الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أثبتها الرواة ورووها قبل اكتمال عدد الأئمّة (عليهم السلام) فلا يحتمل فيها الوضع من قبل الشّيعة، ولا يقدح في تمسّكنا به افتراق بعض الشّيعة، فانّ الضلال له أسباب ودوافع مختلفة منها المعاندة، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)، فافتراق بعض الشّيعة وانحرافهم عن الصراط المستقيم لا يدلّ على عدم صحّة تمسّكنا بهذا الحديث.
ثمّ إنّه لا يقال: «إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أبلغ النّاس ولا يذكر الأعمّ وهو قوله: كُلّهم من قريش، ويريد الأخصّ وهو عليّ وأولاده، فهذا خلاف البلاغة».
لأنّنا نقول:
أوّلا: ذكر العام وإرادة الخاص يكون قبيحاً فيما إذا لم تكن هناك قرائن متّصلة أو منفصلة تعيّن المراد، وهذه القرائن بحمد الله موجودة سواء كانت متّصلة أو منفصلة، أما القرائن المتّصلة فيدلّ على وجودها النظّر في متن الحديث وما وقع الضجيج والغوغاء بعد تكلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث لم يسمع الراوي تمام الحديث ولذا اضطرّ بالسؤال من أبيه أو عمّه أو غيرهما ـ كما ورد في الأحاديث ـ فقد جاء في مسند أحمد ٥: ٩٣: «ثمّ تكلم بكلمة لم أفهمها وضجّ النّاس»، وفي لفظ الطبراني ٢: ١٩٦: «ثمّ لغط النّاس وتكلموا فلم أفهم قوله بعد كلّهم»، وفي المعجم أيضاً ٢: ٢٤٩: «ثمّ تكلم بشيء لم أسمعه فزعم القوم أنّه قال: كلّهم من قريش» فهذه النّصوص وغيرها، تدلّ على وجود قرائن في الكلام حاول البعض إخفاءها كما فعلوا فيما بعد عند مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) من لغطهم واختلافهم.
وفي لفظ كفاية الأثر للخزّاز القمي ص ١٠٦ هكذا جاء: «الأئمّة بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم» وهذا هو المعوّل عندنا.
وأما القرائن المنفصلة فهي كثيرة منها: حديث الثقلين، ومنها: ما ورد عن عليّ (عليه السلام)كما في النهج الخطبة ١٤٢ حيث قال: «إنّ الأئمّة من قريش في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا يصلح الولاة من غيرهم».
ثانياً: لو فرضنا أنّ القرائن اللفظيّة انعدمت لكن العقل هو الحاكم هنا وهو الذي يخصّص هذا العموم، قال الآمدي في الأحكام ٢: ٣٣٩: «مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي... ودليل ذلك قوله تعالى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء) متناول بعموم لفظه لغة كلّ شيء مع أنّ ذاته وصفاته أشياء حقيقيّة وليس خالقاً لها... وكذلك قوله: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ...) فإنّ الصبيّ والمجنون من النّاس حقيقة وهما غير مرادين من العموم بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم».
فما نحن فيه من هذا القبيل أي ننصرف عن عموم اللفظ في الحديث بدلالة نظر العقل على امتناع تولّي من لا أهلية له بهذا المنصب، لأنّ الإمامة تلو النبوّة واستمرارً لها ولا ينالها إلاّ من كان بمرتبة النبيّ وبمنزلته علماً وورعاً وشجاعة وغيرها من الصفات، فيخرج من العموم بضرورة العقل كلّ من لم يكن بمنزلة النبيّ في جميع صفاته وأحواله سوى نزول الوحي، وإن كان قرشيّاً، فلابدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من عترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسباً وأفضلهم حسباً وأكرمهم عند الله، وكان علمهم متّصلا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوراثة واللدنيّة.

٥٩٦

٥٩٧

ولعلّ معاوية الذي سمّانا بأهل السنّة والجماعة كان يقصد الاجتماع على السنّة التي سنّها بسبّ عليّ وأهل البيت، والتي استمرّت ستّين عاماً، ولم يقدر على إزالتها

٥٩٨

إلاّ عمر بن عبد العزيز...

وقد يحدّثنا بعض المؤرّخين أنّ الأمويّين تآمروا على قتل عمر بن عبد العزيز وهو منهم; لأنّه أمات السنّة وهي لعن علي بن أبي طالب!!

يا أهلي ويا عشيرتي لنتجّه ـ على هدى الله تعالى ـ إلى البحث عن الحقّ، وننبذ التعصّب جانباً، فنحن ضحايا بني العباس، وضحايا التاريخ المظلم، وضحايا الجمود الفكري الذي ضربه علينا الأوائل.. إنّنا لا شكّ ضحايا الدهاء والمكر الذي اشتهر به معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وأضرابهم.

ابحثوا في واقع تاريخنا الإسلامي لتبلغوا الحقائق الناصعة، وسيؤتيكم الله أجركم مرّتين، فعسى أن يجمع الله بكم شمل هذه الأمّة التي نكبت بعد موت نبيّها، وتمزّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، هلمّوا لتوحيدها تحت راية لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله والاقتداء بأهل البيت النبويّ الذين أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)باتّباعهم فقال : « لا تتقدّموهم فتهلكوا، ولا تتخلّفوا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (١) .

لو فعلنا ذلك، لرفع الله مقته وغضبه عنّا، ولأبدلنا من بعد خوفنا أمناً، ولمكّننا في الأرض واستخلفنا فيها، ولأظهر لنا وليّه الإمام المهدي (عليه السلام)، الذي وعدنا به رسول الله ليملأ أرضنا قسطاً وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً، وليتمّ به الله نوره في كلّ المعمورة.

١- المعجم الكبير ٥: ١٦٧، مجمع الزوائد ٩: ١٦٤، كنز العمال ١: ١٨٨ ح٩٥٧، الصواعق المحرقة ٢: ٤٣٩ الآية الرابعة من الآيات النازلة فيهم، الدرّ المنثور ٢: ٦٠، أُسد الغابة ٣: ١٣٧، باختلاف يسير في الألفاظ.

٥٩٩

دعـوة

أصدقـاء للـبحث

٦٠٠