×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٦٠١ - ٦٢٠

٦٠١
ثم اهتديت - تاليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي(ص ٦٠١ - ص ٦٣٠)

دعوة أصدقاء للبحث

كان التحوّل بداية السّعادة الروحيّة، إذ أحسست راحة الضّمير، وانشرح صدري للمذهب الحقّ الذي اكتشفته، أو قل للإسلام الحقيقي الذي لا شكّ فيه، وغمرتني فرحة كبيرة واعتزاز بما أنعم الله تعالى عليّ من هداية ورشاد.

ولم يسعني السّكوت والتكتّم على ما يختلج في صدري، وقلت في نفسي : لابدّ لي من إفشاء هذه الحقيقة على النّاس، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) ، وهي من أكبر النّعم، أو هي النّعمة الكبرى في الدنيا وفي الآخرة، و« الساكت عن الحقّ شيطان أخرس »، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلاَلُ﴾ (٢) .

والذي زاد شعوري يقيناً بوجوب نشر هذه الحقيقة هو : براءة أهل السنّة والجماعة الذين يحبّون رسول الله وأهل بيته، ويكفي أن يزول الغشاء الذي نسجه التاريخ حتّى يتّبعوا الحقّ، وهذا ما وقع لي شخصيّاً، قال تعالى : ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾(٣) .

ودعوت أربعة أصدقاء من الأساتذة العاملين معي في المعهد، كان اثنان منهم يدرّسون التربية الدينيّة، والثالث يدرّس مادّة العربيّة، والرابع كان أستاذ الفلسفة الإسلامية، لم يكن أربعتهم من قفصة بل كانوا من تونس ومن جمّال وسوسة.

دعوتهم إلى البحث معي في هذا الموضوع الخطير، وأشعرتهم بأنّي قاصر عن

١- سورة الضحى: ١١.

٢- سورة يونس: ٣٢.

٣- سورة النساء: ٩٤.

٦٠٢

إدراك بعض المعاني، وقد اضطربت وتشكّكت في بعض الأمور، وقبلوا المجيء إلى بيتي بعد إنهاء العمل، وتركتهم يقرأون كتاب المراجعات على أنّ مؤلّفه يدّعي أشياء عجيبة وغريبة في الدّين، وقد استهوى الكتاب ثلاثة منهم، أمّا الرابع الذي يدرّس اللغة العربيّة فقد قاطعنا بعد أربع جلسات أو خمس قائلا : « إنّ الغرب الآن يغزو القمر وأنتم ما زلتم تبحثون عن الخلافة الإسلامية ».

وما أن أتممنا الكتاب خلال شهر واحد حتّى استبصر ثلاثتهم، وقد أعنتهم كثيراً للوصول إلى الحقيقة من أقرب الطّرق، بما تكون عندي من سعة الاطّلاع خلال سنوات البحث.

وذقت حلاوة الهداية، واستبشرت بالمستقبل، وأخذت أدعو في كلّ مرّة بعض الأصدقاء من قفصة، والذين كانت تربطني بهم حلقات الدّرس في المسجد، أو العلاقات المنجرّة من الطرق الصوفيّة، وبعض تلاميذي الذين كانوا يلازمونني، وما مرّت سنة واحدة حتّى أصبحنا بحمد الله عدداً كبيراً نوالي أهل البيت، نوالي من والاهم، ونعادي من عاداهم، نفرح في أعيادهم، ونحزن في عاشوراء، ونعقد مجالس تعزية.

وكانت أولى رسائلي التي تحمل خبر استبصاري إلى السيّد الخوئي والسيّد محمّد باقر الصدر بمناسبة عيد الغدير، إذ احتفلنا به لأوّل مرّة في قفصة، وقد اشتهر أمري لدى الخاصّ والعام بأنّي تشيّعت، وأني أدعو إلى التشيّع لآل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبدأت الاتهامات والإشاعات تروّج في البلاد، على أنّني جاسوس لإسرائيل، أعمل على تشكيك النّاس في دينهم، وبأنّني أسبّ الصحابة، وبأنّني صاحب فتنة.. إلى غير ذلك.

وفي تونس العاصمة اتّصلت بالصديقين راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو، وكانت معارضتهما لي عنيفة جداً، وفي حديث دار بيننا في بيت عبد الفتّاح، قلت :

٦٠٣

يجب علينا كمسلمين مراجعة كتبنا ومراجعة تاريخنا، وضربت لذلك مثلا صحيح البخاري الذي فيه أشياء لا يقبلها عقل ولا دين.

وثارت ثائرتهما قائلين لي : من أنت حتّى تنتقد البخاري.

وحاولت كلّ جهدي لإقناعهما للدخول في البحث، فرفضا قائلين : إذا تشيّعت أنت فلا تشيّعنا نحن، وعندنا ما هو أهم من ذلك، مقاومة الحكومة التي لا تعمل بالإسلام.

قلت : ما الفائدة إذا وصلتم أنتم إلى الحكم، فستعملون أكثر منهم ما دمتم لا تعرفون حقيقة الإسلام، وانتهى لقاؤنا بنفور بيننا.

ازدادت على أثره حملة الإشاعات ضدّنا من قبل بعض الإخوان المسلمين الذين لم يكونوا وقتها يعرفون بحركة الاتّجاه الإسلامي، فبثّوا في أوساطهم بأنّني عميل للحكومة، وأنّي أشكّك المسلمين في دينهم، حتّى ألهّيهم عن قضيتهم المتمثّلة في مقاومة الحكومة.

وبدأت العزلة من الشبّان الذين يعملون في صفوف الإخوان المسلمين، ومن الشيوخ الذين يتّبعون الطرق الصوفيّة، وعشنا فترات قاسية غرباء في ديارنا وبين إخواننا وعشيرتنا، ولكنّ الله سبحانه أبدلنا خيراً منهم.

فكان بعض الشبّان يأتون من مدن أخرى يسألون عن الحقيقة، فكنت أبذل قصارى ما في وسعي لإقناعهم، فاستبصر عدد من الشباب في العاصمة، وفي القيروان وفي سوسة، وسيّدي بو زيد، وكنت خلال رحلتي الصيفية إلى العراق مررت بأوروبا حيث التقيت بعض الأصدقاء في فرنسا وفي هولندا، وتحدّثت معهم في الموضوع، فاستبصروا والحمد لله.

وكم كانت فرحتي عظيمة عندما قابلت السيّد محمّد باقر الصدر في النجف الأشرف، وكان في بيته نخبة من العلماء، وأخذ السيّد يقدّمني إليهم بأنّي بذرة التشيع

٦٠٤

لآل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) في تونس، كما أعلمهم بأنّه بكى تأثّراً عندما وصلته رسالتي مهنّئة تحمل إليه بشرى احتفالنا لأول مرّة بعيد الغدير السعيد، وشكوت إليه ما نلاقيه من مقاومة، ومن بثّ الإشاعات ضدّنا، والعزلة التي نواجهها.

وقال السيّد في معرض كلامه : « لابدّ من تحمّل المشاق; لأنّ طريق أهل البيت صعب ووعر، وقد جاء رجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال له : إني أحبّك يا رسول الله!

فقال له : « أبشر بكثرة الابتلاء ».

فقال : وأحبّ ابن عمّك عليّاً!

فقال : « أبشر بكثرة الأعداء »، فقال : « وأحب الحسن والحسين »!

فقال له : « فاستعدّ للفقر وكثرة البلاء ».

وماذا قدّمنا نحن في سبيل دعوة الحقّ التي دفع ثمنها أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)بنفسه وأهله وذريّته وأصحابه، كما دفع ثمنها الشّيعة على مرّ التاريخ، وما زالوا حتّى اليوم يدفعون ثمن ولائهم لأهل البيت، فلابدّ يا أخي من تحمّل بعض الأتعاب، والتضحية في سبيل الحقّ، فلئن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ».

كما نصحني السيّد الصدر بعدم الانزواء، وأمرني بأن أتقرّب أكثر من إخواني أهل السنّة كلّما حاولوا الابتعاد عنّي، وأمرني أن أصلّي خلفهم حتّى لا تكون القطيعة واعتبارهم أبرياء، فهم ضحايا الإعلام والتاريخ المزيّف، والنّاس أعداء ما جهلوا.

وقد نصحني السيّد الخوئي بالشيء نفسه تقريباً، كما كان السيّد محمّد علي الطباطبائي الحكيم يبعث لنا دائما بنصائحه في رسائل متعدّدة، كان لها أثر كبير في سيرة الإخوة المستبصرين على الهدى.

هذا وقد تعدّدت زياراتي للنجف الأشرف، ولعلماء النجف في مناسبات كثيرة، وقد آليت على نفسي أن أقضي العطلة الصيفيّة من كلّ عام في رحاب الإمام

٦٠٥

عليّ، أحضر دروس السيّد محمّد باقر الصدر التي استفدت منها كثيراً ونفعتني أيّما نفع، كما آليت على نفسي أن أزور مقامات الأئمّة الاثني عشر، وقد حقّق الله أمنيتي بأنّ وفّقني حتّى لزيارة الإمام الرضا الذي يوجد مرقده في مشهد، وهي مدينة قرب الحدود الروسية في إيران، وهناك تعرّفت على أبرز العلماء، واستفدّت منهم كثيراً.

كما أعطاني السيّد الخوئي ـ الذي كنّا نقلّده ـ وكالة للتصرّف في الخمس والزكاة، وإفادة المجموعة المستبصرة عندنا بما تحتاجه من كتب وإعانات وغير ذلك، وقد كوّنت مكتبة مفيدة بها أهم المصادر التي تخصّ البحث، وتجمع كتب الفريقين، وتحمل اسم مكتبة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد أفادت الكثيرين والحمد لله.

وزاد الله فرحتنا فرحتين وسعادتنا سعادتين، فقبل حوالي خمسة عشر عاماً إذ سخّر لنا الله الكاتب العام لبلدية قفصة، فوافق على تسمية الشارع الذي أسكن فيه باسم شارع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا يفوتني هنا أن أشكر له هذه اللفتة المشرّفة، فهو من المسلمين العاملين، وله ميل كبير ومحبّة فائقة لشخص الإمام علي، وقد أهديته كتاب المراجعات، وهو يبادل مجموعتنا حبّاً وتقديراً واحتراماً، فجزاه الله خيراً، وأعطاه ما يتمنّى.

وقد عمل بعض الحاقدين على إزالة اللّوحة وأعيتهم الحيل، وشاء الله تثبيتها، وأصبحت الرّسائل ترد علينا من كلّ أنحاء العالم، وعليها اسم شارع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ; الذي بارك اسمه الشريف مدينتنا الطيّبة العريقة.

وعملا بنصائح الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك بنصائح علماء النجف الأشرف، عمدنا إلى التقرّب من إخوتنا من المذاهب الأخرى ولازمنا الجماعة فكنّا نصلّي معاً، وخفّت بذلك حدّة التوتر، وتمكّنا من إقناع بعض الشباب من خلال تساؤلاتهم عن كيفية صلاتنا ووضوئنا وعقائدنا.

٦٠٦

٦٠٧

هـــدى الـــحقّ

٦٠٨

٦٠٩

هدى الحقّ

في إحدى قرى الجنوب التّونسي وخلال حفل زفاف، كانت النساء يتحدّثن عن فلانة زوجة فلان، واستغربت العجوز الكبيرة التي كانت تجلس وسطهنّ وتسمع حديثهنّ أن تكون فلانة قد تزوّجت فلاناً، ولما سألنها عن سبب استغرابها أخبرتهنّ بأنّها أرضعت الاثنين فهما أخوان من الرّضاعة.

ونقل النّسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهن وتثبّت الرجال، فشهد والد المرأة بأن إبنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنّها مرضعة، كما شهد والد الزوج بأنّ ابنه أرضعته نفس المرضعة.

وقامت قيامة العشيرتين وتقاتلوا بالعصي، كلّ منهما تتّهم الأخرى بأنّها سبب الكارثة التي سوف تجرّهم إلى سخط الله وعقابه، وخصوصاً أنّ هذا الزواج مرّ عليه عشرة أعوام، وأنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال، وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها، وامتنعت عن الأكل والشراب، وأرادت الانتحار لأنّها لم تتحمّل الصدمة وكيف أنّها تزوجت من أخيها وولدت منه وهي لا تعلم، وسقط عدد من الجرحى من العشيرتين، وتدخّل أحد الشيوخ الكبار وأوقف المعارك، ونصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضيّة عسى أن يجدوا حلاًّ.

فصاروا يتجوّلون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حلّ لقضيّتهم، وكلّما اتّصلوا بعالم وأطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج، وضرورة تفريق الزوجين إلى الأبد، وتحرير رقبة أو صيام شهرين، إلى غير ذلك من الفتاوى.

٦١٠

ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفسه، لأنّ المالكية كلّهم يحرّمون الرّضاعة، ولو من قطرة واحدة، اقتداء بمالك الذي قاس الحليب على الخمر، إذ إنّ : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » (١) ، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب.

والذي وقع أن أحد الحاضرين اختلى بهم، ودلّهم على بيتي قائلا لهم : اسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا فإنّه يعرف كلّ المذاهب، وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات، فيبزّهم بالحجّة البالغة.

هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيّاً عندما أدخلته إلى المكتبة، وحكى لي كلّ القضيّة بالتفصيل من أوّلها إلى آخرها، وقال : « يا سيدي أنّ زوجتي تريد الانتحار وأولادي مهملون، ونحن لا نعرف حلاّ لهذه المشكلة، وقد دلّونا عليك، وقد استبشرت خيراً لمّا رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها، فعسى أن يكون الحلّ عندك ».

أحضرت له قهوة وفكّرت قليلا ثمّ سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة فقال : لا أدري، غير أن زوجتي رضعت منها مرّتين أو ثلاث، وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرّتين أو ثلاث مرات إلى تلك العجوز المرضعة.

فقلت : إذا كان هذا صحيحاً، فليس عليكما شيء والزواج صحيح وحلال محلّل، وارتمى المسكين عليّ يقبّل رأسي ويديّ ويقول : بشّرك الله بالخير، لقد فتحت أبواب السكينة أمامي، ونهض مسرعاً ولم يكمّل قهوته ولا استفسر منّي ولا طلب

١- كتاب الأمّ ٦:١٥٦، سبل السلام ٤:٣٥، نيل الأوطار ٩:٥٨، مسند أحمد ٢:٩١ سنن ابن ماجة ٢:١١٢٤، سنن الترمذي ٣:١٩٤، سنن النسائي ٨:٣٠٠، مسند أبي يعلى ٧:٥٠، فتح الباري لابن حجر ١٠: ٣٦ وغيره من المصادر.

٦١١

الدّليل، غير أنّه استأذن للخروج حتّى يسرع فيبشّر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته.

لكنّه رجع في اليوم التّالي ومعه سبعة رجال، وقدّمهم إليّ قائلا : هذا والدي، وهذا والد زوجتي، والثالث هو عمدة القرية، والرابع إمام الجمعة والجماعة، والخامس هو المرشد الدّيني، والسادس شيخ العشيرة، والسابع هو مدير المدرسة، وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرّضاعة، وبماذا حلّلتها؟

وأدخلت الجميع إلى المكتبة، وكنت أتوقّع جدالهم، وأحضرت لهم القهوة، ورحّبت بهم، قالوا : إنّما جئناك نناقشك في تحليلك الرّضاعة، وقد حرّمها الله في القرآن، وحرّمها رسوله بقوله : « يحرم بالرّضاعة ما يحرم بالنّسب »، وكذلك حرّمها الإمام مالك.

قلت : يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية وأنا واحد، فإذا تكلّمت مع الجميع فسوف لن أقنعكم، وتضيع المناقشة في الهامشيّات، وإنّما اقترح عليكم اختيار أحدكم حتّى أتناقش معه، وأنتم تكونون حكماً بيني وبينه!

وأعجبتهم الفكرة واستحسنوها، وسلّموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين بأنّه أعلمهم وأقدرهم، وبدأ السيّد يسألني : كيف أحلّل ما حرّم الله ورسوله والأئمّة؟!

قلت : أعوذ بالله أن أفعل ذلك! ولكنّ الله حرّم الرّضاعة بآية مجملة، ولم يبيّن تفصيل ذلك، وإنّما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف والكم.

قال : فإن الإمام مالك يحرّم الرّضاعة من قطرة واحدة.

قلت : أعرف ذلك، ولكن الإمام مالك ليس حجّة على المسلمين، وإلاّ فما هو قولك بالأئمّة الآخرين؟

٦١٢

أجاب : رضي الله عنهم وأرضاهم، فكلّهم من رسول الله ملتمس.

قلت : فما هي إذن حجّتك عند الله في تقليدك الإمام مالك الذي يخالف رأيه نصّ الرسول (صلى الله عليه وآله)؟

قال محتاراً : سبحان الله، أنا لا أعلم بأنّ الإمام مالكاً إمام دار الهجرة يخالف النّصوص النبويّة، وتحيّر الحاضرون من هذا القول، واستغربوا منِّي هذه الجرأة على الإمام مالك، والتي لم يعهدوها من قبل في غيري.

واستدركت قائلا : هل كان الإمام مالك من الصحابة؟

قال : لا.

قلت : هل كان من التّابعين؟

قال : لا، وإنّما هو من تابعي التّابعين.

قلت : فأيّهما أقرب هو أم الإمام علي بن أبي طالب؟

قال : الإمام عليّ أقرب فهو من الخلفاء الرّاشدين، وتكلّم أحد الحاضرين قائلا : سيّدنا علي كرّم الله وجهه هو باب مدينة العلم.

فقلت : فلماذا تركتم باب مدينة العلم واتّبعتم رجلا ليس من الصحابة ولا من التابعين، وإنما ولد بعد الفتنة وبعدما أبيحت مدينة رسول الله لجيش يزيد، وفعلوا فيها ما فعلوا، وقتلوا خيار الصحابة وانتهكوا فيها المحارم، وغيّروا سنّة الرّسول ببدع ابتدعوها، فكيف يطمئنّ الإنسان بعد ذلك إلى هؤلاء الأئمّة الذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة; لأنهم أفتوها بما يلائم أهواءهم؟!

وتكلّم أحدهم وقال : سمعنا أنك شيعي تعبد الإمام عليّاً، فلكزه صاحبه الذي كان بجانبه لكزة أوجعته وقال له : أسكت أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا، وقد عرفت العلماء وحتّى الآن لم تر عيني مكتبة مثل هذه

٦١٣

المكتبة، وهذا الرجل يتكلّم عن معرفة ووثوق ممّا يقول!

أجبته قائلا : أنا شيعي هذا صحيح، ولكن الشّيعة لا يعبدون عليّاً، وإنّما عوض أن يقلّدوا الإمام مالكاً فهم يقلّدون الإمام عليّاً ; لأنّه باب مدينة العلم حسب شهادتكم.

قال المرشد الديني : وهل حلّل الإمام علي زواج الرضيعين؟

قلت : لا، ولكنّه يحرّم ذلك إذا بلغت الرّضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتواليات، أو ما أنبت لحماً وعظماً.

وتهلّل وجه والد الزوجة وقال : الحمد لله فابنتي لم ترضع إلاّ مرّتين أو ثلاث مرّات فقط، وإنّ في قول الإمام علي هذا مخرجاً لنا من هذه الورطة ورحمة لنا من الله بعد أن يئسنا.

فقال المرشد : أعطنا الدليل على هذا القول حتّى نقتنع، فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، وقرأ هو بنفسه عليهم باب الرّضاعة، وفرحوا بذلك فرحاً عظيماً وخصوصاً الزّوج الذي كان خائفاً أن لا يكون لديّ الدليل المقنع، وطلبوا منّي إعارتهم الكتاب حتّى يحتجّوا به في قريتهم، فسلّمته إليهم وخرجوا مودّعين داعين معتذرين.

وبمجرّد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين، وحملهم إلى بعض علماء السّوء، فخوّفوهم وحذّروهم بأنّي عميل لإسرائيل، وأنّ كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إياه كلّه ضلالة، وأن أهل العراق هم أهل الكفر والنّفاق، وأنّ الشّيعة مجوس يبيحون نكاح الأخوات، فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الأخت من الرّضاعة.. إلى غير ذلك من التّهم والأراجيف! وما زال بهم يحذّرهم حتّى ارتدّوا على أعقابهم وانقلبوا بعد اقتناعهم، وأجبروا الزوج على أن يتقدّم بدعوى عدليّة

٦١٤

للطلاق لدى المحكمة الابتدائيّة في قفصة، وطلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا إلى العاصمة ويتّصلوا بمفتي الجمهوريّة ليحلّ هذا الإشكال.

وسافر الزوج وبقي هناك شهراً كاملا حتّى تمكّن من مقابلته، وقصّ عليه قصّته من أوّلها لآخرها، وسأله مفتي الجمهوريّة عن العلماء الذين قالوا بحلّية الزواج وصحتّه، فأجاب الزوج بأنّه ليس هناك من قال بحلّيته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي، وسجّل المفتي اسمي وقال للزوج : إرجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة، وبالفعل جاءت الرّسالة من مفتي الجمهوريّة وأطّلع عليها وكيل الزوج، وأعلمه بأنّ مفتي الجمهوريّة حرّم ذلك الزواج.

هذا ما قصّه على زوج المرأة الذي بدأ عليه الضعف والإرهاق من كثرة التّعب، وهو يعتذر إليّ ممّا سبّبه لي من إزعاج وحرج، فشكرته على عواطفه، متعجّباً! كيف يُبطل مفتي الجمهوريّة الزواج القائم في مثل هذه القضيّة، وطلبت منه أن يأتيني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتّى أنشرها في الصحف التونسيّة، وأبيّن أن مفتي الجمهوريّة يجهل المذاهب الإسلامية، ولا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرّضاعة.

فقال الزوج بأنّه لا يمكنه أن يطّلع على ملفّ قضيّته فضلا عن أن يأتيني برسالة منه، وافترقنا.

وبعد بضعة أيام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة، يأمرني فيها بإحضار الكتاب والأدلّة على عدم بطلان ذلك الزواج بين الرضيعين؟!، وذهبت محمّلا بعدّة مصادر انتقيتها مسبقاً، ووضعت في كلّ منها بطاقة في باب الرّضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة.

وذهبت في اليوم والساعة المذكورة، واستقبلني كاتب المحكمة وأدخلني إلى مكتب الرّئيس، وفوجئت برئيس المحكمة الابتدائيّة، ورئيس محكمة الناحية، ووكيل

٦١٥

الجمهوريّة، ومعهم ثلاثة أعضاء، وكلّهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء، وكأنّهم في جلسة رسميّة، ولاحظت أيضاً أن زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم، وسلّمت على الجميع فكانوا كلّهم ينظرون إليّ باشمئزاز واحتقار، ولمّا جلست خاطبني الرئيس بلهجة خشنة قائلا : أنت هو التيجاني السماوي؟

قلت : نعم.

قال : أنت الذي أفتيت بصحّة الزواج في هذه القضيّة؟

قلت : لا لست أنا بمفت، ولكن الأئمّة وعلماء المسلمين هم الذين أفتوا بحليّته وصحّته!

قال : ومن أجل ذلك دعوناك، وأنت الآن في قفص الاتّهام، فإذا لم تثبت دعواك بالدليل فسوف نحكم بسجنك، وسوف لن تخرج من هنا إلاّ إلى السجن.

وعرفت وقتها أنّني بالفعل في قفص الاتّهام، لا لأنّني أفتيت في هذه القضية، ولكن لأنّ بعض علماء السّوء حدّث هؤلاء الحكّام بأنّني صاحب فتنة، وأنّني أسبّ الصحابة، وأبثّ التشيّع لآل البيت النبويّ، وقد قال له رئيس المحكمة، إذا أتيتني بشاهدين ضدّه فسوف ألقيه في السجن.

أضف إلى ذلك أن جماعة من الإخوان المسلمين استغلّوا هذه الفتوى، وروّجوا لدى الخاص والعام بأنّني أبيح نكاح الأخوات، وهو قول الشّيعة على زعمهم!

كلّ ذلك عرفته من قبل وتيقّنته عندما هدّدني رئيس المحكمة بالسجن، فلم يبق أمامي إلاّ التحدّي والدفاع عن نفسي بكلّ شجاعة، فقلت للرّئيس : هل لي أن أتكلّم بصراحة وبدون خوف؟

قال : نعم تكلّم فأنت ليس لك محام.

٦١٦

قلت : قبل كلّ شيء أنا لم أنصّب نفسي للإفتاء، ولكن ها هو زوج المرأة أمامكم فاسألوه، فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي ويسألني، فكان واجباً عليّ أن أجيبه بما أعلم، وقد سألته بدوري عن عدد الرّضعات، ولمّا أعلمني بأنّ زوجته لم ترضع غير مرّتين أعطيته وقتها حكم الإسلام فيها، فلست أنا من المجتهدين ولا من المشرّعين.

قال الرّئيس : عجباً! أنت الآن تدّعي أنّك تعرف الإسلام ونحن نجهله؟!

قلت : أستغفر الله أنا لم أقصد هذا، ولكن كلّ النّاس هنا يعرفون مذهب الإمام مالك ويتوقّفون عنده، وأنا فتّشت في كلّ المذاهب ووجدت حلاّ لهذه القضيّة.

قال الرئيس : أين وجدت الحلّ؟

قلت : قبل كلّ شيء هل لي أن أسألكم سؤالا يا سيّدي الرئيس؟

قال : اسأل ما تريد.

قلت : ما قولكم في المذاهب الإسلامية؟

قال : كلّها صحيحة، فكلّهم من رسول الله ملتمس، وفي اختلافهم رحمة.

قلت : فارحموا إذن هذا المسكين ـ مشيراً إلى زوج المرأة ـ الذي قضّى الآن أكثر من شهرين وهو مفارق لزوجه وولده، بينما هناك من المذاهب الإسلامية من حلّ مشكلته.

فقال الرّئيس مغضباً : هات الدّليل وكفاك تهريجاً، نحن سمحنا لك بالدّفاع عن نفسك فأصبحت محامياً لغيرك.

فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، وقلت : هذا مذهب أهل البيت وفيه الدّليل.

وقاطعني قائلا : دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به.

٦١٧

كنت متوقّعاً هذا، ولذلك أحضرت معي بعد البحث والتنقيب عدّة مصادر لأهل السنّة والجماعة، كنت رتّبتها حسب علمي، فوضعت البخاري في المرتبة الأولى، ثمّ صحيح مسلم، وبعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت، وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، وكتاب زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، وعدّة مصادر أخرى من كتب أهل السنّة.

ولمّا رفض الرّئيس أن ينظر في كتاب السيّد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها؟ قال : البخاري ومسلم.

وأخرجت صحيح البخاري وفتحته على الصفحة المعيّنة وقلت : تفضّل يا سيدي اقرأ.

قال : اقرأ أنت؟

وقرأت : حدّثنا فلان عن فلان عن عائشة أمّ المؤمنين قالت : توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يحرّم من الرّضعات إلاّ خمساً فما فوق (١) .

وأخذ الرئيس منّي الكتاب وقرأ بنفسه، وأعطاه إلى وكيل الجمهوريّة بجانبه، وقرأ هو الآخر، وناوله لمن بعده في حين أخرجت صحيح مسلم وأطلعته على نفس الأحاديث، ثمّ فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الأزهر شلتوت، وقد ذكر هو الآخر اختلافات الأئمّة في مسألة الرّضاعة، فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرّم ما بلغ خمس عشرة رضعة، ومنهم من قال بسبعة، ومنهم من حرّم فوق الخمسة عدا مالك

١- ورد في صحيح مسلم ٤: ١٦٧، كتاب الرّضاعة، باب التحريم بهذا اللفظ: «كان فيما اُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن: بخمس معلومات. فتوفّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهنّ فيما يُقرأ من القرآن» والمؤلّف نقله بالمضمون.

٦١٨

الذي خالف النصّ وحرّم قطرة واحدة، ثمّ قال شلتوت : وأنا أميل إلى أوسط الآراء فأقول خمساً فما فوق.

وبعد ما اطلّع رئيس المحكمة على ذلك قال : يكفي ثمّ التفت إلى زوج المرأة وقال له : إذهب الآن وآتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنّهارضعت مرّتين أو ثلاثة، وسوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم.

وطار المسكين فرحاً، واعتذر وكيل الجمهوريّة وبقيّة الأعضاء الحاضرين للالتحاق بأعمالهم وأذن لهم الرّئيس، ولمّا خلا بنا المجلس التفت إليّ معتذراً وقال : سامحني يا أستاذ لقد غلّطوني فيك وقالوا فيك أشياء غريبة، وأنا الآن عرفت بأنّهم حاسدون ومغرضون يريدون بك شرّاً.

وطار قلبي فرحاً بهذا التحوّل السّريع، وقلت : الحمد لله الذي جعل نصري على يديك يا سيّدي الرّئيس.

فقال : سمعت بأنّ عندك مكتبة عظيمة، فهل يوجد فيها كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري؟

قلت : نعم،

فقال : هل تعيرني إيّاه، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه.

قلت : هو لك يا سيّدي متى أردت.

قال : هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبي لنتحدث وأستفيد منك.

قلت : أستغفر الله فأنا الذي أستفيد منك، فأنت أكبر مني سنّاً وقدراً، وعندي أربعة أيّام راحة في الأسبوع وأنا رهن إشارتك.

واتّفقنا على يوم السّبت من كلّ أسبوع; لأنّه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم، وبعدما طلب مني أن أترك له كتابي البخاري ومسلم وكتاب الفتاوى

٦١٩

لمحمود شلتوت لكي يحرّر منها النّص، قام بنفسه وأخرجني من مكتبه مودّعاً.

وخرجت فرحاً أحمد الله سبحانه على هذا النّصر، وقد دخلت خائفاً مهدّداً بالسجن، وخرجت وقد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم، يحترمني ويطلب منّي مجالسته ليستفيد منّي، إنّها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسّك بهم ويأمن من لجأ إليهم.

وتحدّث زوج المرأة في قريته، وشاع الخبر في كلّ القرى المجاورة بعد ما رجعت المرأة إلى بيت زوجها، وانتهت القضيّة بحلّية الزواج، فأصبح الناس يقولون بأنّي أعلم من الجميع، وأعلم حتّى من مفتي الجمهوريّة.

وقد جاء زوج المرأة إلى البيت ومعه سيارة كبيرة، ودعاني إلى القرية أنا وكلّ عائلتي، وأعلمني أن كلّ الأهالي ينتظرون قدومي، وسيذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح، واعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة وقلت له : سوف أزوركم مرّة أخرى إن شاء الله.

وتحدّث رئيس المحكمة إلى أصدقائه واشتهرت القضيّة، وردّ الله كيد الكائدين، وجاء بعضهم معتذرين، وقد فتح الله بصيرة البعض منهم، فاستبصروا وأصبحوا من المخلصين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على سيّدنا محمّد

وعلى آله الطيّبيـن

الطاهرين

٦٢٠