×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

الزمان يكون الرجل من صلبه كذا وكذا رجلا وإن مولى القوم من أنفسهم)..

(الحديث رقم ٧٠٧).

ولكن لماذا قريش بالذات ؟

بطون قريش ال‍ ٢٣ هي التي وقفت وقفة رجل واحد ضد النبي، وضد بني هاشم وضد من والاهم طوال فترة ال‍ ١٣ سنة التي سبقت الهجرة وهي التي تآمرت على قتل النبي مرات متعددة، وحصرته وبني هاشم وقاطعتهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب، وهي التي استعدت عليه العرب وجيشت الجيوش وحاربته بعد الهجرة بكل سهم، وبكل وسائل الحرب، ولم تتوقف بطون قريش عن القتال إلا بعد أن أحاط بها النبي، ودخل عاصمة الشرك، فاستسلمت واضطرت مكرهة لإعلان إسلامها، فسمى رسول الله أبناءها بالطلقاء، وعفى عنهم، وبعد العفو اختلط المهاجر من بطون قريش بالطليق، ورتبوا أمر الانقلاب على الشرعية الإلهية، ورفعوا شعار أن الهاشميين قد أخذوا النبوة ولا ينبغي لهم أن يأخذوا الملك أيضا، وبموجب هذا الشعار أخذت بطون قريش الأئمة الذين اختارهم الله لحكم الأمة، ووضعت بدلا منهم خلفاء موالين للبطون ومن أبنائها، فكانت بطون قريش هي التي وضعت اللبنة الأولى للنظام الوضعي، وهي أول من رفع الحكم الإلهي من الأرض، وهي التي حلت عرى الإسلام بدءا من الحكم وانتهاء بالصلاة والطلقاء منهم هم أول من اخترع فقه الهوى، فهم معدن الظلم ومنبته الأول، ومنهم انطلق كل شئ، وبطون قريش هي التي شرعت قوانين التطريد والتشريد والتقتيل لآل محمد، وهي التي نفذت بأيديها كل تلك الجرائم، فأحرقت، وقتلت، وشردت وهددت، وأذلت آل محمد، وجرأت الناس عليهم، وأخرتهم وهم المتقدمون، وقدمت عليهم كل متأخر، فتخرجت على يد أبنائها كوادر الظالمين، وعتاة الطغاة، فهل تعجب بربك إن قتل الإمام المهدي منهم ألفا وخمسمائة أو ثلاثة آلاف!! من ذريتهم السالكين درب آبائهم وأجدادهم!! إن إبادة تلك النوعية هي الجزاء المناسب لجرائمها! (راجع كتابنا المواجهة تجد التوثيق والتفصيل)..

٢٦١
٨ - قال الإمام الباقر:: (حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة محصنة، فإذا وقع أمرنا، وجاء مهدينا، كان الرجل من شيعتنا أجرأ من ليث، وأمضى من سنان، يطأ عدونا برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد). (راجع الحديث رقم ٨٢٢ ج ٣).

٩ - وروى الإمام الباقر: (اسمه اسمي)، قال الراوي: أيسير بسيرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال الباقر: (هيهات هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته، قلت: جعلت فداك لم ؟ قال: إن رسول الله سار في أمته بالمن، كان يتألف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذلك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا، ويل لمن ناوأه). (الحديث رقم ٨٤٠ ج ٣).

١٠ وروى الإمام الباقر أيضا: (لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم أن لا يروه مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا من قريش، فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس، ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم). (الحديث رقم ٨٤١ ج ٣).

١١ - روى الإمام الباقر أيضا: (.... لما قتل الحسين ضجت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا: إلهنا وسيدنا، أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك، وخيرتك من خلقك)، فأوحى الله عز وجل إليهم: (قروا ملائكتي فوعزتي وجلالي لانتقمن منهم ولو بعد حين، ثم كشف الله عن الأئمة من ولد الحسين للملائكة، فسرت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلي، فقال عز وجل: بذلك القائم أنتقم منهم). (الحديث رقم ٨٤٩) فالإمام المهدي إحدى مهماته هي ثأر الحسين.

١٢ - وروى الإمام الصادق.... (ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ويقتل حتى يقول الجاهل لو كان هذا من ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرحم).

(الحديث رقم ١١٠٨).

١٣ - وروى الإمام الصادق أيضا: (... إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين.

٢٦٢
العرب وقريش إلا السيف ما يأخذ منها إلا بالسيف، وما يستعجلون بخروج القائم، والله ما لباسه إلا الغليظ، وما طعامه إلا الشعير الجشب، وما هو إلا السيف والموت تحت ظل السيف). (الحديث رقم ١١٠٦ ج ٤).

تعامل الإمام المهدي مع الظالمين بعهد من رسول الله

روى الإمام الصادق: (يقتل القائم حتى يبلغ السوق، فيقول له رجل من ولد أبيه، إنك لتجفل الناس إجفال النعم، فبعهد من رسول الله أو بماذا ؟ قال: وليس في الناس رجل أشد منه بأسا، فيقوم إليه رجل من الموالي فيقول له: لتسكنن أو لأضربن عنقك، فعند ذلك يخرج القائم عهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). (راجع الحديث رقم ١١٠٩ ج ٤)..

٢٦٣

الفصل الخامس
معارك الإمام المهدي وحروبه

ليس لدينا تاريخا مدونا، ومنهجا يحتوي على المعارك الحربية والحروب التي سيخوضها الإمام المهدي، ولا نعرف على وجه اليقين التسلل الزمني لتلك المعارك والحروب، ويكمن السبب في أن التاريخ يتناول حوادث وقعت، ويخرج عن دائرة اختصاصه الحوادث التي لم تقع، ثم إن المعلومات التي وردتنا عن معارك المهدي وحروبه، معلومات غيبية لا يعلمها إلا الله ورسوله، ولا مجال للاجتهاد أو التخمين بها، فهي جميعها تسند للرسول أو لأولئك الذين سمعوه وهو يتحدث بها، وقد تبين أن الحديث النبوي قد تعرض لمحنة هائلة، حيث منعت سلطات دولة الخلافة التاريخية رواية وكتابة الأحاديث النبوية من اليوم الثالث لوفاة الرسول واستمر هذا المنع قرابة مائة عام وبعد المائة عام اقتنع المسلمون بخطأ وفساد قرار دولة الخلافة القاضي بمنع رواية وكتابة الأحاديث النبوية، فأقبل علماء دولة الخلافة على كتابة ورواية أحاديث الرسول بعد قرابة مائة عام من صدورها عنه، ولم تر دولة الخلافة آنذاك ضررا من رواية وكتابة أحاديث النبي، لأن ثقافة التاريخ قد استقرت نهائيا، ولأن فقه دولة الخلافة التاريخية قد ألقى أجرانه في الأرض وفي النفوس رغبة أو رهبة، واكتشف علماء دولة الخلافة من الأحاديث النبوية التفاصيل الكلية (لنظرية المهدي المنتظر) فرووا وأخرجوا كل ما سمعوه حول هذا الموضوع بما لا يتعارض مع الثقافة التاريخية، والسنن التي اخترعها الخلفاء بعد وفاة النبي، ومع الخط العام التي سارت عليه دولة الخلافة

٢٦٤
التاريخية، والذي يقوم على تأخير أهل بيت النبوة، والحط من شأنهم، وعدم الاعتراف بمكانتهم المميزة في الأمة، وعدم تصديق ادعائهم بأنهم ورثة النبي، وأصحاب الحق الشرعي بقيادة الأمة وإظهارهم وإظهار من والاهم بصورة من ينازع الأمر أهله، وبصورة الطامعين بالسلطة، المتربصين بشق عصا الطاعة، وتفريق الأمة والجماعة، ولا نبالغ إذا ما قلنا بأن ثقافة تاريخ دولة الخلافة مكرسة لإثبات تلك المزاعم ولإثبات شرعية حكم أولئك التي استولوا على منصب الخلافة بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع!!

هذا المناخ القائم على تحريف الحقائق أدى إلى عزل أهل بيت النبوة، وعزل أوليائهم، وحرمان الأمة والعالم من الاستفادة من أئمة أهل بيت النبوة الذين ورثوا علمي النبوة والكتاب، وعلى سبيل المثال فإن أئمة أهل بيت النبوة كانوا يعرفون معرفة يقينية التفاصيل الكلية والجزئية لنظرية المهدي المنتظر قبل أن يكتشفها علماء شيعة الخلفاء بمائة عام ونيف، ولكن الأئمة كانوا محاصرين من دولة الخلافة، ومراقبين هم وأوليائهم مراقبة دقيقة من قبل عيون تلك الدولة وجواسيسها الذين كانوا يترصدون كل ما يصدر منه ليجدوا لأنفسهم السبيل لإيذائهم أو قتلهم أو تشريدهم أو تطريدهم!! ولما فتحت أبواب رواية الحديث وكتابته بعد مائة عام من المنع، ألقت الدولة وكل أعوانها بثقلهم كله للتشكيك بكل ما يصدر عن أئمة أهل بيت النبوة، وعن أوليائهم وفي أحسن الأحوال صار حديث إمام أهل بيت النبوة كحديث بعض الرواة!!!

ثم إن الأحاديث التي روتها طواقم معاوية وعماله، والهادفة إلى محق مكانة أهل بيت النبوة، والقضاء على فضائلهم، وإظهارهم بصورة أفراد عاديين من الصحابة. هذه الأحاديث ألقت بظلها القاتم على كل شئ، لأن معاوية لما تم له ما أراد من جمع عشرات الألوف من الأحاديث التي اخترعها رواته وعماله، عمم هذه الأحاديث على الناس، وفرض على الخاصة والعامة تعلمها، ثم تناقلتها الأجيال معتقدة بصحتها وهي باطلة من أساسها، ولما انقضت مدة الألف شهر السوداء، واستولى العباسيون على منصب الخلافة بالقهر والتغلب كما فعل الأمويون من قبلهم، وجد الناس مناهج تربوية وتعليمية جاهزة، وأحاديث موثقة.

٢٦٥
من الناحية الشكلية فنقلوها كما هي دون تعديل ولا تبديل، وإذا وجدوا حديثا يتعارض معها، كان القول الفصل للأحاديث التي روتها طواقم معاوية!!

وبعد مرور مدة طويلة على فتح أبواب رواية الحديث وكتابته، تجمعت ملايين المرويات، واختلط الحابل بالنابل ولم تعد تدري أيا من أي وهذا ما يجعل مهمة الباحث المنصف الطالب للحقائق الشرعية المجردة مهمة شاقة، أصعب من قطع الحجارة.

الطريقة المثلى للوقوف على معارك الإمام المهدي وحروبه

وأفضل الطرق المؤدية للوقوف على معارك الإمام المهدي وحروبه تكمن بسرد الروايات التي تعالج هذه الناحية، والتركيز بشكل خاص على روايات أئمة أهل بيت النبوة الأعلام، لأنهم ورثة علمي النبوة والكتاب، ولأن الله قد شهد بطهارتهم، ولأنهم آل محمد، ولأنهم الثقل الأصغر، وتزداد روايتهم أهمية إذا رواها معهم أو عنهم بعض علماء شيعة الخلفاء، لأن مثل هذه الروايات ستكون حجة على الخصم، وشهادة منه بصحتها، وإدانة منه لنفسه، وقد قصرنا اهتمامنا ما وسعنا الجهد للتركيز والاهتمام الخاص بهذه الروايات.

الرسول الأعظم يلخص معارك الإمام المهدي وحروبه

لخص رسول الله معارك الإمام المهدي بسلسلة من الأحاديث التي عالجت هذه الناحية نوجزها فيما يلي:

١ - قال رسول الله أن المهدي المنتظر (... لا يبدأ إلا بقريش فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس، ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد رحم). (راجع الحديث رقم ٨٤١ ج ٣).

وتكمن علة هذه البداية بأن بطون قريش هي صاحبة نظريات تأخير آل محمد، وتجاهل مكانتهم، وعدم الاعتراف بها، وهي صاحبة النظرية الشهيرة.

٢٦٦
كتاب حقيقة الاعتقاد للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٦٧ - ص ٢٩٠)
٢٦٧
ومنها إلى حجب النور حيث كلمه الله تعالى قائلا: (وبالقائم منكم أعمر أرضي، وبه أطهر الأرض من أعدائي، وأورثها أوليائي...) (الحديث رقم ١٢٣ ج ١).

٥ - وأكد الرسول الأعظم أن الإمام المهدي في معاركه وحروبه ملتزم بالشرعية، ومنفذ لغاياتها وعبر عن هذه الحقيقة بقوله: (وهو رجل من عترتي يقاتل على سنتي، كما قاتلت على الوحي). (راجع الحديث رقم ١٣٦ ج ١ وراجع مراجع أهل السنة المدونة تحته). وبين الرسول الأعظم حقيقة هذا الالتزام بقوله: (يقفوا أثري لا يخطئ). (راجع الحديث رقم ١٣٧).

٦ - وتقريبا للصورة، أجرى رسول الله مقارنة بين فتوحات ذي القرنين، وبين فتوحات المهدي فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (... حتى لا يبقى منهلا ولا موضعا من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه، يظهر الله عز وجل له كنوز الأرض ومعادنها وينصره بالرعب).. (الحديث رقم ١٥٨ ج ١).

٧ - أكد الرسول الأعظم بأن الإمام المهدي سيفتح بإذن الله شرق الأرض وغربها، بقوله: (... يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، فيفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد، ويسير بسيرة سليمان بن داود، ويدعو الشمس والقمر، فيجيبانه، وتطوى له الأرض، ويوحى إليه فيعمل بالوحي بأمر الله). (راجع الحديث رقم ٨٥٩ ج ٤).

٨ - وبين الرسول أيضا: (بأنه إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل أقليم رجلا يقول له: (عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر في كفك واعمل بما فيها. (الحديث رقم ٨٥٨ ج ٤).

الترتيب الزمني وتسلسل أحداث معارك الإمام المهدي وحروبه

وقفنا قبل قليل على التقاطيع الأساسية للصورة العامة والمجملة التي رسمها رسول الله لمعارك الإمام المهدي وحروبه، واستوعبنا تأكيداته القاطعة بأن الإمام المهدي سيفتح كافة حصون الضلالة في العالم، وسيقضي على كل جبار وابن جبار فيه، وسيتولى نتيجة لهذه المعارك والحروب وثمرة للآيات والمعجزات.

٢٦٨
والدعم على كافة أقاليم الكرة الأرضية، وأنه سيولي على كل إقليم من أقاليم الأرض أحد رجاله. أما تاريخ كل معركة من معارك الإمام المهدي، ومتى تقع، وكيف تتسلسل الأحداث بالدقة التامة، فهذه أمور لا نعرفها على وجه الدقة واليقين، ولا أحد في العالم كله يعرفها إلا رسول الله، وأئمة أهل بيت النبوة الذين ورثوا علمي النبوة والكتاب، لأن معارك الإمام المهدي وحروبه لم تقع للآن ولم تحدث ولم تتحول إلى تاريخ، بل ما زالت في رحم الغيب، ثم إن كافة الأمور المتعلقة بنظرية الإمام المهدي قضايا غيبية إيمانية مستقبلية أوحاها الله لرسوله، وبينها الرسول للمسلمين بحدود قدرة الكلام على البيان، فهي كقضايا الجنة والنار والصراط والحساب أمور ستحدث حتما، ولكن متى وكيف ؟ فإن الإجابة بحدود المعلومات اليقينية التي وصلتنا من رسول الله، ولا نملك أن نزيد في هذه المعلومات أو أن ننقص منها لأنه لا مجال للاجتهاد في هذه الأمور الغيبية.

والخلاصة أن الترتيب الزمني لمعارك الإمام المهدي وحروبه لا يمكن تحصيله إطلاقا، ولا يمكن الوقوف عليه، لأن تلك المعارك والحروب لم تقع بعد، صحيح أن الرسول قد بين كل شئ، وأنه قد أورث علمي النبوة والكتاب لأئمة أهل بيت النبوة، وهم مؤهلون وقادرون على الإجابة على كل سؤال، وقد بينا أن دولة الخلافة قد منعت رواية وكتابة الأحاديث النبوية من اليوم الثالث لوفاة الرسول، وحتى طوال مائة عام، وبينا الظروف التي عاشها أئمة أهل بيت النبوة والمعاناة التي تعرضوا لها، والعزلة التي فرضت عليهم وكل هذا قد أدى إلى حرمان المسلمين من الوقوف على حقيقة كل ما قاله رسوله، لأن أحاديثه قد رويت بعد مائة سنة من صدروها عنه، وحرمان الناس من الانتفاع الكلي من علمي النبوة والكتاب الذين ورثهما أئمة أهل بيت النبوة، وبالتالي تمخض هذا عن وجود أسئلة بدون أجوبة، وأمور مفتوحة بدون تغطية، خاصة وأنه لا يوجد الآن إمام لأهل بيت النبوة، فخاتم الأئمة هو المهدي المنتظر وهو غير ظاهر، بمعنى أن الوقوف على الترتيب الزمني لمعارك المهدي وحروبه ضرب من المستحيلات في أيامنا هذه.

ولا يبقى أمامنا إلا محاولة ترتيب حوادث ومعارك وحروب الإمام المهدي حسب الرقم المتسلسل لوقوعها، بمعنى أن تقع حادثة، فنعرف الحادثة التي تليها.

٢٦٩
بالضبط، ثم نعرف الثالثة والرابعة.. الخ. وتوضيحا للصورة نسأل ما هو أول إقليم من أقاليم الأرض قد أخضعه الإمام المهدي لسلطانه ؟ وما هو الإقليم الثاني والثالث والرابع فلا نقوى على ربط الأحداث بتسلسل وقوعها، ولا معرفة أقاليم الأرض بتسلسل فتح الإمام المهدي لها، لكن معرفة تسلسل وقوع الحوادث أهون على الباحث من معرفة التسلسل الزمني لوقوعها، فمعرفة التسلسل الزمني لوقوع معارك المهدي وحروبه مستحيل استحالة مطلقة، أما ترتيب الأحداث والمعارك والحرب بتسلسل وقوعها فممكن إن تعاون على تحقيقه عصبة من العلماء الأفذاذ، وبالرغم من كثرة بحوثي في هذا المجال، ومحاولاتي التي لم تتوقف للاطلاع على ما كتب فيه، فإني لم أجد أفضل ولا أشمل ولا أعمق ولا أقرب لروح العصر من كتاب سماحة العلامة الشيخ علي الكوراني الموسوم (بعصر الظهور) لقد كان الجهد الذي بذل فيه كبيرا، فجاء الكتاب كثمرة طيبة لذلك الجهد، إن ترتيب الشيخ الكوراني لتسلسل الأحداث وربطها أمر يثير الإعجاب والاحترام، ولا عجب فالشيخ الكوراني هو الذي أشرف على جمع وتبويب موسوعة أحاديث الإمام المهدي، مما أهله وأعده لينجز كتابه الرائع (عصر الظهور)، ومما مكنه من أن يكون بحق أعظم المراجع بالأمور المتعلقة بنظرية الإمام المهدي المنتظر.

والخلاصة أنه من غير المعقول ولا المنطقي أن ننقل كل ما ورد في كتاب عصر الظهور لنقف على تسلسل معارك وحروب الإمام المهدي، إنما اكتفينا بالإشارة إليه، وأرى أن الأنسب لي أن أضع (سيناريو) لتسلسل الأحداث والمعارك والحروب التي خاضها الإمام المهدي وأصحابه بالحجم وبالمدى التي أشارت إليه الأحاديث النبوية، والأحاديث التي رواها الأئمة الأعلام من أهل بيت النبوة، وأرى أنني غير ملزم بسد الثغرات، لأن هذه الأمور لا مجال للافتراض ولا للاجتهاد بها، وتركها أولى من محاولات سدها..

٢٧٠

الفصل السادس
تسلسل أحداث ظهور الإمام المهدي ومعاركه وحروبه (السيناريو)

ظهور نظرية الإمام المهدي المنتظر وتغيبها كفكرة

ظهرت نظرية الإمام المهدي المنتظر على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد بين للمسلمين ما أوحى إليه ربه حول الإمام المهدي المنتظر، وأطلعهم على كليات وتفاصيل هذه النظرية تماما، كما أوحيت إليه، وفهم المسلمون الذين استمعوا إليه، وفهموا منه بأن الإمام المهدي المنتظر هو خاتم أئمة أهل بيت النبوة الذين اختارهم الله تعالى لقيادة الأمة من بعده، وأن ظهور الإمام المهدي من الحتميات الإلهية التي لا بد من وقوعها، ذات يوم، وأكد الرسول هذه الحقيقة بكل وسائل التأكيد، وبينها بكل طرق البيان إلى درجة أن الرسول قد قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذات اليوم حتى يبعث الله الإمام المهدي فيملأ الأرض عدلا)، وقد فصلنا ذلك ووثقناه توثيقا كافيا في الأبواب السابقة وأجمعت الأمة على حتمية صدور هذه الأحاديث عن رسول الله. كان المسلمون على عهد رسول الله يرسلون هذه الحقائق التي سمعوها من رسول الله إرسال المسلمات، ويعتبرونها جزءا من علوم الغيب التي خص الله بها نبيه، ويؤمنون بها كما يؤمنون ببقية الأمور الغيبية من جنة ونار وعذاب وثواب، مع الاختلاف بعمق هذا الإيمان من فرد إلى فرد..

٢٧١

تغييب نظرية الإمام المهدي وإخفائها

بعد فتح مكة، وبعد أن بردت جراحات المواجهة بين الرسول وبين بطون قريش وبعد أن استسلمت بطون قريش، واضطرت لإعلان إسلامها، حدث تقارب بين المهاجرين والطلقاء من أبنائها، واستذكر الطرفان قتلى البطون وتفاصيل المواجهة بين تلك البطون وبين رسول الله وآله، وفهموا حقيقة، أن الرسول قد رتب الأمور من بعده ليكون أول خلفائه علي بن أبي طالب، ويتعاقب على الحكم من بعده أحد عشر إماما أو خليفة وكلهم من ذرية النبي ومن بني هاشم وأن الرسول قد أعلن كل ذلك على المسلمين، بسلسلة مترابطة من الأحاديث النبوية، وأخبرهم بأن ترتيب الأمور من بعده عمل رباني ولا علاقة له به وما هو إلا عبد مأمور يعلن ما يأمره الله بإعلانه، هذه الترتيبات لم ترق لبطون قريش ولا لأبنائها المهاجرين منهم والطلقاء، واستبعد أبناء البطون أن يكون الله تعالى قد رتب مثل هذه الأمور، فهل يعقل برأي البطون أن يكون النبي من بني هاشم، وأن يكون الخلفاء هاشميون!!! إن هذا أمر لا يمكن تصديقه!! فكيف يصرف الله تعالى الشرف كله عن بطون قريش ال‍ ٢٣ ويحصر شرفي النبوة والخلافة ببني هاشم!!

وقدر قادة البطون بأن محمدا كبشر هو الذي وضع هذا الترتيب ولا علاقة لله به!!

ثم توصلوا أي نتيجة مفادها بأن حصر النبوة والخلافة ببني هاشم إجحاف على حد تعبير عمر بن الخطاب!! وأن الأفضل والأوفق والأصوب أن يختص الهاشميون بالنبوة لا يشاركهم فيها أحد من البطون، وأن تختص بطون قريش بالخلافة لا يشاركهم فيها أي هاشمي قط، وبناء على هذا أجمعت قريش إلا من هدى الله، وصممت أن تستولي على منصب الخلافة بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع وأخذت تعد العدة وتتربص، وتنتظر بفارغ الصبر موت النبي لتنفذ ما اتفقت عليه، ولما قعد النبي على فراش المرض، وأيقنت البطون بحتمية موته، شرعت بالفعل بتنفيذ مخططها الرامي إلى الاستيلاء على منصب الخلافة بالقوة والتغلب، وكثرة الأتباع، وتجاهل كافة الترتيبات التي أعدها النبي لعصر ما بعد النبوة، وأعلن أنها ترتيبات إلهية!! إلى درجة أن زعامة بطون قريش قد واجهت النبي شخصيا وهو مريض.

٢٧٢
وقالت له: (أنت تهجر، ولا حاجة لنا بوصاياك، لأن القرآن عندنا وهو يكفينا!!!) وقد أكد أئمة أهل بيت النبوة ومن والاهم أن هذه التصريحات الخطيرة قد صدرت بالفعل من زعامة بطون قريش، وأكد العلماء الأعلام من شيعة الخلفاء (أهل السنة) بأن هذه التصريحات قد صدرت بالفعل من زعامة بطون قريش للنبي وهو على فراش المرض، فقد رواها البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه... الخ، وقد وثقنا كل ذلك في كتابينا (نظرية عدالة الصحابة) و (المواجهة) وفي الباب الأول من هذا الكتاب.

وما يعنينا إبرازه في هذا المجال هو أن حزب بطون قريش استطاع أن يستولي على منصب الخلافة خلال يومين فقط، وواجه المسلمين بأمر واقع فإما أن يقبلوه، وإما أن يواجه وجاهة الأكثرية (زعامة بطون قريش) تلك الزعامة التي حاربت النبي وقاومته ٢٣ سنة، ومن يقوى على مواجهة بطون قريش بعد النبي!!

ولنفترض أن عليا بن أبي طالب والهاشميين قد قرروا آنذاك مواجهة البطون، فإن تلك المواجهة ستكون انتحارا، وستؤدي إلى فتنة قد تقتلع دين الإسلام من جذوره، وترد الناس إلى الشرك فلا يبقى من الإسلام لا اسمه ولا رسمه ولا مضمونه، بل ستقتلع تلك الفتنة لو حدثت كل ما بناه الرسول من جذوره، لذلك فضل أهل بيت النبوة الاحتجاج بشكل لا يشق جماعة المسلمين، ولو تيسرت لأهل بيت النبوة أسباب القوة لتمكنوا من هزيمة الانقلابيين بأقل الخسائر، ولكن سريعا قبض الانقلابيون على منصب الخلافة والنفوذ والمال وفتحوا أبواب مواجهة بين المسلمين وبين الدولتين الأعظم.

كيف غيبت دولة الخلافة نظرية الإمام المهدي المنتظر وأحفتها ؟

لما قبضت بطون قريش على منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر وكثرة الأتباع، عزلت أهل بيت النبوة وأولياءهم عزلا تاما، وحرمت عليهم تولي الوظائف العامة وبنفس الوقت قربت أعداء أهل بيت النبوة، ومن لا يرون لأهل البيت أي فضل، وسلمتهم الإمارات وقيادات الجيوش والأعمال، وحتى لا تحرج.

٢٧٣
دولة الخلافة نفسها، وحتى لا يحتج أهل بيت النبوة وأولياؤهم بالنصوص الشرعية والأحاديث النبوية، أصدرت دولة الخلافة قرارا أو مرسوما يمنع منعا باتا كتابة ورواية الأحاديث النبوية بأي أمر من الأمور، وكان هذا أول مرسوم أعلنه الخليفة الأول بعد استلامه للسلطة، والأعظم أن دولة الخلافة قامت بحرق المكتوب من أحاديث الرسول، وبررت دولة الخلافة مرسومها هذا بالقول: (بأن كتاب الله يكفي ولا حاجة لحديث رسول الله، لأنه يورث الخلاف والاختلاف على حد تعبير الخليفة الأول فقد خاطب المسلمين قائلا: (فمن سألكم عن شئ فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله. وبقيت قرارات مؤسسي دولة الخلافة سارية المفعول طوال مائة عام، لأنه لم يجرؤ أحد أن يعيب أو ينقض سنة الخلفاء الثلاثة الأول المؤسسين للخلافة التاريخية لأن تلك الخلافة راشدة، وبالتالي لم يتمكن أحد من رواية وكتابة الأحاديث النبوية التي اشتملت عليها نظرية المهدي المنتظر، لأن هذا المهدي من أهل بيت النبوة، ولأن النبي قد أكد بأنه ختم أئمة أهل البيت، فإذا انتشرت الأحاديث النبوية التي تصدع بإمامته فيقول المسلمون ما بال الذين سبقوه من أئمة أهل البيت لم يتولوا الخلافة!! وفي ذلك إحراج للخلفاء، ونسف لثقافتهم، لذلك غيبت كافة الأحاديث النبوية التي تحدثت عن المهدي المنتظر طوال المائة عام التي منعت فيها دولة الخلافة كتابة ورواية الأحاديث النبوية، ولم يكن بوسع أحد من المسلمين أن يتحدث خلال تلك المدة عن المهدي المنتظر أو عن أهل بيت النبوة، أو يروي عنهم أي حديث نبوي إلا سرا، خوفا من بطش دولة الخلافة، وتجنبا لإسخاط الخلفاء، وحرصا على العطاء، أو الحصول على حصة مناسبة من النفوذ بتلك الدولة. أما أئمة أهل بيت النبوة، ورثة علمي النبوة والكتاب، فقد كانوا يتحدثون بالسر للصفوة القليلة من أوليائهم حتى لا يجعلوا لدولة الخلافة عليهم سبيلا لأن هدف دولة الخلافة آنذاك كان منصبا على إيجاد السبل للقضاء التام على أهل بيت النبوة حتى لا يكشفوا حقيقة ما جرى فيما بعد، وحتى لا يكتشف الناس طبيعة دولة الخلافة. والأسس التي قامت عليها، وهكذا نجح الخلفاء بتغييب وإخفاء المعالم الأساسية لنظرية المهدي المنتظر طوال مائة عام. ويمكنك أن تقف على محنة الحديث النبوي وأساليب زعامة بطون قريش.

٢٧٤
للتشكيك به وتفريغه من مضامينه ومحتواه في كتابنا (المواجهة).

نظرية الإمام المهدي تعود للظهور في عهد معاوية!!

لقد كان معاوية أوضح من الذين سبقوه بمنع رواية وكتابة الأحاديث النبوية فقد قهر المسلمين، ولم يعد هناك ما يخشاه، لقد قدر معاوية أن الغاية من منع رواية وكتابة الأحاديث النبوية تكمن في رغبة بطون قريش بإخفاء المكانة، والفضائل التي خص بها الله ورسوله آل محمد، وإذا كان قرار منع رواية وكتابة الحديث النبوي قد ظل ساريا طوال هذه المدة، فما الذي يضمن لمعاوية سريانه طول الزمان!! فبوقت يطول أو يقصر سيضطر المسلمون لرواية الأحاديث النبوية وكتابتها، وحينها سيكتشفون مكانة أهل بيت النبوة وفضائلهم التي لا تعد ولا تحصى وسجلهم التاريخي الحافل بالفخر والأمجاد، وسيكتشفون أيضا أن لمعاوية وأخوته وأبيه وأجداده سجل تاريخي أسود حافل بالعداء لله ولرسوله وللاسلام وهو مختلف بالكامل عن سجلهم الرسمي الذي كتبوه بالرعب والارهاب والقوة وأجبروا الرعية على التسليم بصحة ما جاء فيه!!

وفكر معاوية طويلا، فرأى أن الرأي كل الرأي بإبقاء قرار منع رواية وكتابة الأحاديث النبوية ساريا كما أراد الخلفاء المؤسسون، ولمواجهة المستقبل واحتمالية رواية وكتابة الحديث فيما بعد، رأى معاوية أن يقود بنفسه حملة لرواية فضائل الخلفاء الثلاثة الأول خاصة الثالث الأموي لا حبا بهم - مع أنهم هم الذين مكنوا له وأوصلوه للخلافة عمليا - ولكن كراهية بآل محمد وأهل بيته وللبطن الهاشمي عامة، وتتفرع من حملة فضائل الخلفاء الثلاثة حملة أخرى تتحدث عن فضائل الصحابة كل الصحابة، معتبرا نفسه وأباه وأخوته وأبناء عمومته من أجلاء الصحابة لأنهم شاهدوا رسول الله وجالسوه وسمعوا منه، لا حبا بالصحابة الكرام السابقين إلى الإيمان ولكنه نكاية بآل محمد وأهل بيته، وإرغاما لأنوفهم، ومحاولة لتجريدهم من كل مميزة أو فضيلة تميزهم عليه وعلى غيره، وسخر معاوية كافة طاقات الدولة وإمكانياتها، وجند كل عمالها لإنجاح هذه الحملة وكان.

٢٧٥
معاوية صريحا في مراسيمه حيث قال: (فلا تدعو خبرا يرويه أحد من الناس بأبي تراب أو بأهل بيته، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة). (راجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج ٣ ص ٥٩٥، تحقيق حسن تميم)، وهذا يعني أن معاوية وعماله وأركان دولته قد قادوا عملية الوضع على رسول الله، وأغرق معاوية وعماله الرواة بالعطايا والصلات، وانشقت الأرض عن الألوف من الرواة فجأة فرووا عشرات الألوف من أحاديث الفضائل التي لم يقلها الرسول ولم ينزل بها الله سلطانا إنما هي محض اختلاق لإرغام أنوف بني هاشم كما يقول ابن نفطويه.

(راجع المرجع السابق، وكتاب الأحاديث للمدائني)، وبعد أن تجمعت له تلك السيول الجارفة من الروايات أمر معاوية بكتابتها وإشاعتها، وروايتها بين الناس، وفرض على العامة والخاصة حفظها، والعمل بها، ولاح لمعاوية ولأركان دولته بأنهم قد احتاطوا للمستقبل، وهدموا مجد آل محمد وأهل بيته، وجردوهم من مكانتهم وكافة فضائلهم، أو على الأقل ضيعوا فضائل آل محمد وأهل بيته، وسط هذا المحيط المترامي الأطراف من الفضائل. ومن غرائب هذه الحملة أن الرواة قد اكتشفوا بأن فضيلة الطهارة خاصة بأهل بيت النبوة ولا يمكن انتزاعها منهم لأنها مثبتة بالقرآن الكريم، فتفتقت عبقريات الرواة عن حديث يخص أعداء الله (بالطهارة والزكاة)!!! وتفصيل ذلك أن رسول الله لعن نفرا معينا من المسلمين كالحكم بن العاص، ومعاوية نفسه، وأباه وغيرهم وشاع أمر لعن الرسول لهذه النفر بشكل لا يمكن إنكاره أو التنكر له، وعالجت طواقم رواة معاوية هذا الأمر على الصيغة التالية: (بأن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى وأثناء غضبه كان قد لعن بعض الصحابة (الحكم بن العاص) عدو الله ورسوله، ولما سكن عنه الغضب سأل الله أن يجعل هذا اللعن زكاة وطهورا لمن بدرت منه بحقهم!!

واستجاب الله، فصار عدو الله الحكم بن العاص زاكيا ومطهرا وأولى بالخلافة من الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وابنا النبي لماذا لأنهما مطهرين فقط، أما الحكم بن العاص فهو (زاكي ومطهر) وأما ولي الله بالنص، وإمام المتقين بالنص، وفارس الإسلام، وأعلم الناس بأحكامه فهو (ملعون) حاشاه حسب قوانين معاوية، لذلك من واجب الرعية كلها أن تلعنه على المنابر، وفعلا لعنه.

٢٧٦
معاوية، ولعنته رعية معاوية ومن المدهش بالفعل أن البخاري ومسلم قد رويا حديث (تحويل أعداء الله إلى زكاة ومطهرين، وقد وثقنا ذلك في كتابينا (الخطط السياسية) و (المواجهة).

معاوية يظهر نظرية المهدي المنتظر بعد إخفائها بمناسبة الحديث عن الفضائل التي قاد معاوية وأركان دولته حملتها اكتشفوا بأن الإمام المهدي المنتظر من أهل بيت النبوة، وأن عليا بن أبي طالب وأهل بيت النبوة يعتبرونه من مفاخرهم وفضائلهم التي لا تدانى، ولا ترقى لها فضيلة من فضائل القوم، فطالما ردد الإمام علي بفخر ظاهر (بنا فتح وبنا يختم) فلا معاوية ولا أركان دولته لهم القدرة على أن يمحوا من الذاكرة ما قاله الرسول عن الإمام المهدي المنتظر، لقد كانت أحاديث الرسول المتعلقة بالمهدي المنتظر من القوة والشيوع بحيث لا يمكن إنكارها أو التنكر لها، حتى من رجل مثل معاوية وطواقم مثل طواقمه، فكانت حملة الفضائل مناسبة لإظهار نظرية الإمام المهدي بعد إخفائها، ولتأكيد وجود هذه النظرية وقوتها وتأصلها في نفوس المسلمين، واكتشفت طواقم معاوية أن إنكار النظرية مستحيل، وأن تجاهلها أكثر استحالة، وأوامر معاوية واضحة (لا تدعو فضيلة يرويها أحد من المسلمين بأبي تراب أو بأهل بيته إلا وتأتوني بمناقض لها في الصحابة) ولكن كيف يأتوه بمناقض لفضيلة المهدي بالصحابة ؟ هل يقولون بأن المهدي من ذرية أبي بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو أو زيد من الصحابة ؟ ولكن لماذا من ذريتهم وليس من ذرية الرسول ؟ وكيف يمكن اقتلاع قناعة المسلمين وقتذاك بأنهم قد سمعوا الرسول يؤكد بأن المهدي من عترته أهل بيته، لذلك رأت طواقم معاوية بأن البديل الوحيد والممكن هو رواية أحاديث تفيد بأن المهدي من أمة محمد!!! وهذه الأحاديث في ما بعد ستشكك بكون المهدي من آل محمد، وستؤدي بعض المهام التي يرمي لها معاوية.

والخلاصة أن معاوية وبدون قصد منه، وعندما قاد حملة الفضائل وسخر لها.

٢٧٧
موارد دولة الخلافة ساهم مساهمة فعالة بإظهار نظرية الإمام المهدي بعد خفائها.

وبالتأكيد على وجودها وقوتها، واستقرارها في نفوس المسلمين وأن محاولات رواته لتنحية هذا الشرف عن أهل بيت النبوة، وإلحاقه بغيرهم باءت بالفشل الذريع، لأن آل محمد هم من أمته بل هم سنامها وتاج فخارها.

الظهور العام والشامل لنظرية الإمام المهدي المنتظر

بعد أن اقتنع رعايا دولة الخلافة التاريخية بعدم صواب، وعدم منطقية استمرار منع رواية وكتابة أحاديث الرسول، وبعد انتقال منصب الخلافة من الأسرة الأموية إلى الأسرة العباسية، وبعد أن استقرت الثقافة التاريخية في النفوس، وألقى فقهها أجرانه في الأرض لم تر دولة الخلافة أي ضرر من كتابة ورواية الأحاديث النبوية، خاصة مع تكون رأي عام ينادي بكتابة ورواية الأحاديث النبوية، وكيف يمكن الاستمرار بمنع رواية وكتابة الأحاديث النبوية، بالوقت الذي تشجع فيه الدولة، وتقبل فيه الرعية على ترجمة كتب الأمم السابقة وفلسفاتها وعلومها وأساطيرها!! ثم إنه لا محذور من أن يتقول على دولة الخلافة، متقول ويتهمها بأنها قد خرجت على سنة مؤكدة من سنن الخلفاء الثلاثة الأول، فالرعية كلها مقتنعة بضرورة كتابة ورواية الأحاديث النبوية بشكل لا يتعارض مع نظام دولة الخلافة، أو ثقافتها، أو فقهها النافذ، وهكذا أرخت الدولة الحبل لرعاياها وعلمائها، وتفتحت أبواب ومنافذ رواية الحديث النبوي وكتابته بعد حظر دام أكثر من مائة عام.

علماء دولة الخلافة يعثرون على نظرية الإمام المهدي

بوقت قصير جدا عثر علماء دولة الخلافة على نظرية الإمام المهدي المنتظر، واكتشفوا أنها نظرية إسلامية من جميع الوجوه، وأن الأحاديث المتعلقة بها قد صدرت بالفعل عن رسول الله، وأن هذه النظرية جزء لا يتجزء من النظام السياسي الإسلامي وأن الرسول قد بشر بالفعل بالمهدي المنتظر، وأكد وبكل

٢٧٨
وسائل التأكيد على حتمية ظهوره، وأن هذا المهدي من عترة النبي أهل بيته، وأنه خاتم أئمة أهل بيت النبوة، وأنه سيبايع حتما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والمقام، وأنه سيؤسس دولة آل محمد، وسيفتح أقاليم الأرض كلها، وينتقم من الظالمين، ويسقط كافة حصونهم، ويكون دولة عالمية، وأنه سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأن سكان العالم في زمانه سيعتنقون جميعهم دين الإسلام، وأن عيسى ابن مريم سينزل من السماء في زمانه، فيكون وزيرا له، ويصلي خلفه، وتوصلوا إلى اسمه واسم أبيه وكنيته، وإلى علامات ظهوره، وكل هذه المعلومات قد استقوها من أحاديث نبوية صحت عندهم، وتواترت بينهم، ورووها عن النبي بنفس الطرق والوسائل التي رووا فيها أحام الدين الأساسية من صلاة وصوم وزكاة وحج... الخ، وبعد أن رووا هذه الأحاديث أخرجوها في صحاحهم ومسانيدهم ولشد ما عجبوا عندما اكتشفوا أن أهل بيت النبوة كانوا يعرفون هذه الأحاديث قبلهم بمائة سنة، وأن مضامين هذه الأحاديث صحيحة عند أهل بيت النبوة، ومتواترة بينهم.

وهكذا أجمعت الأمة أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم، والخلفاء وشيعتهم على صحة نظرية الإمام المهدي المنتظر، وجزمت الأمة بأسرها على أن الأحاديث النبوية التي تحدثت عن المقاطع الأساسية لنظرية الإمام المهدي المنتظر قد صدرت بالفعل عن رسول الله، وأنها جزء من أنباء الغيب التي أوحاها الله لرسوله، لأن الرسول لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياها، وبالتالي صار الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر جزء من عقيدة المسلم الدينية، وظهرت نظرية الإمام المهدي ظهورا عاما وشاملا ونهائيا، فليس بإمكان قوة في الأرض أن تمحو هذا الاعتقاد من نفوس المسلمين، وقد فشلت كافة محاولات التشكيك بهذا الاعتقاد، وبقيت نظرية الإمام المهدي صامدة، وشامخة، وقد تعرضنا لمحاولات التشكيك وأثبتنا فسادها وفشلها..

٢٧٩

الفصل السابع
ترتيب أحداث ووقائع ظهور الإمام المهدي المنتظر

صحيح أن الإمام المهدي المنتظر سيظهر بفجأة كالساعة، ولكن وبالضرورة تسبق ظهوره سلسلة من الوقائع والأحداث التي تفضي حتما إلى هذا الظهور، وتؤدي إليه مباشرة، فيكون الظهور التام للإمام المهدي هو قمة حركة الوقائع والأحداث المبرمجة إلهيا، والمسيرة تماما وفق مخطط إلهي، بحيث يترجم هذا المخطط ترجمة تصب في خانة نواميس نظرية الابتلاء الإلهي، فتستوعب البشرية المكلفة ما يحدث، وتفهمه، وتتفاعل معه سلبا أو إيجابا ليكون هذا التفاعل موضعا للثواب أو العقاب.

وباستقراء الأحاديث النبوية التي غطت أنباء نظرية المهدي المنتظر يتبين لنا، بأن حركة الظهور ستمر عبر سلسلة من المراحل، تتمخض عن ولادة عصر الإمام المهدي بكل ما فيه من كفاية ورخاء وعدل وانسجام مطلق.

المرحلة الأولى
انتشار الاعتقاد بالإمام المهدي وإيمان المسلمين بهذا الاعتقاد

وقد تولى الرسول الأعظم بنفسه، نشر هذا الاعتقاد، فهو الذي بشر بالإمام المهدي المنتظر، وأكد وبكل وسائل التأكيد على حتمية ظهوره، وأنه سيملأ.

٢٨٠