×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر / الصفحات: ٢١ - ٤٠

النبي وحاربته حربا لا هوادة فيها، وبعد حروب طاحنة، ولما هزمها النبي اضطرت مكرهة أن تدخل، أو أن تتظاهر بالدخول في الإسلام، وبنفس الوقت أخفت تركة صراع طويل، وحسدا متمكنا من النفوس، وحقدا دفينا ألقى أجرانه في القلوب. ولما رأت بطون قريش أن النبوة قد أسفرت عن ملك رأت من مصلحتها أن تعترف بهذه النبوة طمعا بالانقضاض على الملك ذات يوم، وعندما تيقنت البطون، بأن الرسول قد رتب مرحلة ما بعد النبوة، وأنه قد عين خليفتين من بعده (كتاب الله وعترة النبي أهل بيته)، صممت بطون قريش أن تستولي على الملك من بعد النبي، وأن تحارب الإسلام بأسلحته فروجت، بإن الإسلام قد جاء بالعدل والمساواة والانصاف، وليس من العدل ولا من الإنصاف أن ينال الهاشميون الملك والنبوة معا، وأن تحرم بطون قريش من هذين الشرفين معا، والأفضل أن يختص الهاشميون بالنبوة، وأن تختص بطون قريش بالملك تتداوله فيما بينها، لذلك صممت بطون قريش على فرض هذه القسمة بالقوة الغاشمة بعد وفاة النبي، وهكذا نقضت بطون قريش عمليا العروة الأولى من عرى الإسلام، وهي الحكم. واتحدت ضد آل محمد بعد وفاة النبي تماما، كما اتحدت ضد النبي، وحاربت آل محمد بكل وسائل الحرب وفنونه، تماما كما حاربت النبي من قبل، واستعدت عليهم العرب، تماما كما استعدت العرب على النبي من قبل!!

وكانت بطون قريش على استعداد أن تمد يدها للشيطان إن ساعدها على تحقيق ذلك كله. وقد وثقنا ذلك في كتابنا (المواجهة) وسقت ٣٩٤ دليلا على ذلك من عيون المراجع المعتمدة عند أهل السنة، فليرجع إليه من يشاء.

٢ - المنافقون:

وهم العمود الفقري للجموع التي دعمت نقض عرى الإسلام، وكانت لهم قواعد في المدينة، وما حولها وفي مكة وما حولها، وقد حمل عليهم القرآن حملات متكررة، حتى كشفهم وعراهم على حقيقتهم، ووضع الله ورسوله معيارا لمعرفة المؤمن من المنافق، فمن والى عليا بن أبي طالب وأحبه، فهو مؤمن، ومن عاداه وأبغضه فهو منافق. (راجع على سبيل المثال صحيح الترمذي ج ٢ ص ٢٩٩ ومسند أحمد بن حنبل ج ٦ ص ٢٩٢ وصحيح النسائي ص ٢٧ وصحيح ابن ماجة ص ٢)..

٢١
وكتابنا (الهاشميون في الشريعة والتاريخ) ص ٢٢٥ يشتمل على عشرات المراجع والمثير للدهشة أنه لم يرو راو قط أن أحدا من المنافقين على الإطلاق قد عارض أي خليفة، أو امتنع عن بيعة أي خليفة، أو تلكأ عن نصرة أي خليفة من الخلفاء الذين حكموا الأمة عبر التاريخ، والوحيد الذي عارضه المنافقون وامتنعوا عن بيعته هو علي بن أبي طالب، وهكذا فعلوا مع ابنه السبط الإمام الحسن!! أتحدى أي عالم على وجه الأرض أن ينقض هذه الحقيقة!! بل الأعظم من ذلك أنه بعد موت النبي اختفت المخاوف من ظاهرة النفاق، واندمج المنافقون في المجتمع اندماجا تاما!! ووقفوا بكل قواهم مع دولة الخلافة، ومارسوا حياتهم بحرية، وأصبح الولاء للدولة هو المعيار لتمييز الحق من الباطل، فمن يوالي دولة الخلافة فهو على الحق، أو مستور الحال بغض النظر عن إيمانه أو نفاقه! ومن يعارضها فهو على الباطل، وشاق لعصا الطاعة، ومفرق للجماعة، ودمه حلال للخليفة!!

٣ - الذين في قلوبهم مرض:

وهم غير الفئة المنافقة، ويمكن أن نسميهم بأصحاب المصالح، أو ضعاف الإيمان، وقد وصفهم القرآن الكريم وصفا دقيقا، وقد ساهمت هذه الفئة في نقض عرى الإسلام.

٤ - الذين في قلوبهم زيغ:

وهم فئة رابعة متميزة عن غيرها من الفئات، وهؤلاء يفرون من الوضوح إلى الغموض، ومن الحق إلى الباطل، وهم التاركون للنص الآخذون بالرأي حرصا على مصلحة الإسلام والمسلمين!!!

٥ - أصحاب التخشع الكاذب:

فئة يتظاهر أفرادها بالورع، والتقى والدين، وهم كاذبون ولهم القدرة على خداع كل الناس، وأبرز مثال على هذه الفئة ابن ذي الثدية، فقد خدع أبا بكر، وخدع عمر رضي الله عنهما، وتصورا أنه خاشع تقي فكلف رسول الله أبا بكر ليقتله فلم يفعل تقديرا لخشوعه، ثم كلف الرسول عمر بقتله فلم يفعل، لأنه قد اغتر بخشوعه، فأمر الرسول عليا بقتله فلم يجده، وأخبر الرسول. أن هذا المتخشع الكاذب مارق، وأن عليا سيقتله ذات يوم وقتله علي بالنهروان بالفعل، (راجع البداية والنهاية لابن كثير ج ٧ ص ٢٩٩، ومجمع الزوائد ج ٦ ص ٢٢٧). وقد ساهمت هذه الفئة بنقض عرى الإسلام، وقد كشف.

٢٢
الله ورسوله حقيقة هذه الفئة، كما كشف حقيقة غيرها من الفئات التي ستقود، وتتبنى عمليا عملية نقض عرى الإسلام.

البيان اليقيني وإقامة الحجة على الجميع

من خلال الترابط والتكامل بين القرآن وبيان النبي لهذا القرآن، وبمتابعة من الوحي الإلهي الذي لم يتوقف، بين الترتيبات الإلهية لمرحلة ما بعد موت النبي، وأثبت بالدليل القاطع، بأن هذه الترتيبات محكمة، وأنها صنع الله، وهي الهدى بعينه، وهي الصراط المستقيم نفسه.

ونجح النبي نجاحا منقطع النظير في وصف الطريق التي سيسلكها المسلمون بعد وفاته، وكشف مخاطرها ومنعطفاتها، وتحديد الأعداء تحديدا دقيقا، وبيان طريق النجاة من كل خطر، والمنهج الفرد لهزيمة الشيطان وأوليائه. وهكذا وضع الله ورسوله تحت تصرف طلاب الهدى التصور اليقيني، لما هو كائن ولما ينبغي أن يكون، فقامت الحجة على الجميع، فمن يترك الطريق القويم لا يتركها بشبهة، أو بعذر لأنه لا شبهة مع اليقين، إنما يتركها منحرفا متعمدا مع سبق الإصرار.

المفاجأة الكبرى

بعد أن وضع النبي تحت تصرف المسلمين التصور اليقيني لما هو كائن، ولما ينبغي أن يكون، وبعد أن رسم لهم مخططا للطريق التي سيسلكونها بعد وفاته، مرض كما أخبرهم من قبل، وأعلن أنه سيموت في مرضه، وأنه سيلخص لهم الموقف خطيا، فيؤمنهم ضد الضلالة والانحراف تأمينا شاملا، وضرب موعدا لكتابة توجيهاته النهائية للأمة، ودعا لهذا الموعد الخلص من أصحابه، ليأمنهم على عهده، وليشهدوا كتابة توجيهاته النهائية، وما أن جلس النبي مع خلص أصحابه، وفي الوقت الذي هم بكتابة توجيهاته النهائية فوجئ النبي والخلص من أصحابه بجمع كبير من بطون قريش يدخل حجرة النبي دون استئذان، ويجلسون دون دعوة متجاهلين بالكامل وجود النبي، ولم يثن هذا التصرف النبي عما أراد، فقال النبي لخلص أصحابه: (قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا)، فتجاهل.

٢٣
جمع بطون قريش وجود النبي، وتجاهلوا ما قاله، ووجهوا كلامهم للخلص من أصحابه قائلين: إن النبي قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله) أن النبي يهجر حسبنا كتاب الله استفهموه! إنه يهجر!!! القرآن وحده يكفينا ولا حاجة لوصية الرسول!!!

احتج الخلص من أصحاب النبي على هذا التصرف المستغرب، واصطدموا مع جمع البطون، وعلت الأصوات بين أصحاب النبي الخلص القلة، وبين الكثرة من بطون قريش، وتنازعوا، فأطلت النسوة من وراء الستر، وقلن: ألا تسمعون رسول الله يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ؟ فنهرهن أحد الصحابة قائلا لهن: (إنكن صويحبات يوسف) هنا تكلم النبي فقال: (إنهن خير منكم) ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه، قوموا فلا ينبغي عندي تنازع!! وهكذا صرف النبي النظر عن كتابة توجيهاته الخطية، إذ لو أصر النبي على الكتابة لأصرت بطون قريش في ما بعد على أن الكتابة قد صدرت عن النبي وهو يهجر حاشاه، مع ما يستتبع ذلك من خطر ماحق على الدين نفسه، وهكذا نجحت بطون قريش ومن لف لفها بإخراج النبي من التأثير على سير الأحداث بلحظات حاسمة، وحرمت الأمة والعالم من الاستفادة من توجيهات النبي النهائية الخطية. وما ذكرناه حقائق رواها البخاري في صحيحه في ست روايات، ورواها مسلم في صحيحه، والنووي في شرحه على صحيح مسلم وابن القيم الجوزي في تذكرة الخواص، وأبو حامد الغزالي في سر العالمين، وكشف ما في الدارين، ولا خلاف إطلاقا بين المسلمين على صحة وحقيقة هذه الوقائع، وهكذا صدمت بطون قريش خاطر النبي الشريف، وقصموا ظهر الإسلام بالفعل. وتلك حادثة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي الإسلامي، فما من خليفة على الإطلاق إلا وقد مرض قبل موته، واشتد به الوجع أكثر مما اشتد الوجع برسول الله. وما من خليفة على الإطلاق إلا وقد كتب توجيهاته النهائية أثناء مرضه، وقبل موته، ولم يصدف على الإطلاق أن قال أحد لأي خليفة من الخلفاء أنت تهجر، أو أن الوجع قد اشتد بك، وأنه لا حاجة لنا بوصيتك، ولا بتوجيهاتك لأن القرآن عندنا وهو يكفينا ويغنينا عنك!!. بل على العكس فقد كانت وصايا الخلفاء وهم على هذه الحالة تنفذ كأنها وحي إلهي.

٢٤
تنزلت به الملائكة علنا، وعلى رؤوس الأشهاد!! وبعض الخلفاء وهو مشرف على الموت أوحى بقتل كل من لا يلتزم حرفيا بتوجيهاته النهائية التي أصدرها، وهو مريض على فراش الموت، ومع هذا نفذت تلك التوجيهات بدقة متناهية.

حلقة من مخطط وخطوة على طريق

لم تكن مواجهة بطون قريش للنبي في الحجرة المقدسة وقولهم له (أنت تهجر، والقرآن يغنينا عنك، ولا حاجة لنا بوصيتك) وليدة لحظتها إنما كانت الحلقة قبل الأخيرة من مخطط أعد له بدقة، ونفذ خطوة بعد خطوة. كانت بطون قريش ومن لف لفها تريد أن تبقي من الدين والنبوة فقط، ما هو ضروري لبقاء الملك الذي تمخضت عنه النبوة وما لا يتعارض مع هذا الملك، وتريد في النهاية الاستيلاء على هذا الملك بالقوة والقهر والتغلب، وأن تنسف كافة تعاليم الدين وترتيباته التي تتعارض مع أهدافها تلك. لقد أدركت هذه الجبهة خطورة البيان النبوي، وقدرة النبي على إيصال ما يريد إلى قلوب سامعيه، وأدركت إحكام الترتيبات الإلهية لذلك، وأثناء حياة النبي وصحته كانت بطون قريش تشكك بكل ما قاله النبي، وتصد عن كتابة أحاديث النبي. قال عبد الله بن عمرو بن العاص:

(كنت أكتب كل شئ سمعته من رسول الله... فنهتني قريش وقالت: الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى... (راجع سنن أبي داود ج ٢ ص ١٢٦، وسنن الدارمي ج ١ ص ١٢٥ ومسند أحمد بن حنبل ج ٢ ص ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦ والمستدرك للحاكم ج ١ ص ١٠٥ و ١٠٦ وجامع بيان العلم لابن عبد البر)، وكانت بطون قريش تشيع بأن الرسول يفقد السيطرة على أعصابه، فيسب ويشتم ويلعن من لا يستحق ذلك، (راجع صحيح البخاري، كتاب الدعوات باب قول النبي (من آذيته)، وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبي)، وأن النبي قد سحر وأنه يخيل إليه أنه قد فعل الشئ وما فعله.. (راجع صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وصحيح مسلم باب السحر)..

إلى آخره من تلك الأراجيف والأكاذيب التي لا أساس لها من الصحة، ولما أدركت البطون الطامعة بالملك فشل إشاعاتها، واستبطأت أجل النبي صممت على.

٢٥
قتله، وشرعت في جريمتها في غزوة تبوك، ولكن الله حمى نبيه، كل ذلك يجري تحت خيمة الإسلام التي استظلت بها الفئة الطامعة بالملك، فجاء يوم الرزية كما يسميه ابن عباس، وهو يوم المواجهة في الحجرة المقدسة ليكشف الأسرار، وليظهر حقيقة توجهات البطون الحاقدة على بني هاشم.

كانت جبهة الصد عن سبيل الله تشكل فريقا حقيقيا، وحزبا منظما، رتب كل شئ، واقتسم الملك والغنائم، حتى قبل موت النبي، وجاءت المواجهة في الحجرة المقدسة بمثابة استعراض للقوة، ولإقناع أولياء النبي بأنه لا فائدة ترجى من المعارضة، فإما أن يقبلوا بترتيبات البطون وما قبلته من الإسلام، أو يواجهوا الموت، ويتوقعوا عودة الشرك بعد التوحيد، وهذا يفسر اضطرار بعض الصحابة الكرام لمجاراة هذا التيار الساحق. وكانت هذه الجبهة تضم بطون قريش التي قاومت النبي قبل الهجرة، وحاربته بعد الهجرة، ثم اضطرت مكرهة للدخول في الإسلام، وتضم المنافقين من أهل المدينة، ومن حولها، منافقون من أهل مكة، وممن حولها من الأعراب بالإضافة إلى المرتزقة من الأعراب الذين لا هم لهم إلا الكسب، الذين ينتظرون من تدور عليه الدوائر ليأكلوه، والقاسم المشترك بين هذه الفئات هي كراهيتهم لآل محمد، وعدم قبولهم بأن يجمع الهاشميون النبوة والملك معا!!! لأن في ذلك إجحاف بحق البطون!! فهل من العدل - برأي البطون - أن يجمع الهاشميون النبوة والملك، وأن ينالوا الشرفين، ويحوزوا الفخرين معا، وتحرم بقية البطون!! أليس محمد من قريش!! لماذا يرث سلطانه الهاشميون وحدهم!! ومن الذي يضمن للبطون أن الهاشميين لن يجحفوا عندما يؤول الملك إليهم بعد وفاة النبي!! ثم إن الهاشميين قد وتروا بطون قريش أثناء حروبها مع النبي، فما من بطن من بطون قريش إلا وقتل منه الهاشميون، فهل تقبل بطون قريش رئاسة الذين قتلوا أبناءها، ويتموا أطفالها ورملوا نساءها!! إن من مصلحة الإسلام أن تتوحد بطون قريش خلفه، ولن تتحقق هذه الوحدة إلا إذا استبعد الهاشميون عن الملك، وسلمت قيادة المسلمين لبطون قريش، ومن والاها من العرب خاصة وأن الجميع يتلفظون بالشهادتين والبواطن لله. أما الاحتجاج بالترتيبات التي أعلنها النبي في غدير خم، فالنبي بشر والناس أعلم بشؤون

٢٦
دنياهم!!! وهكذا صارت الفتنة كوجوه البقر، لا تدري أيا من أي، وأصبح أولياء النبي أقلية يخافون مرة ثانية أن يتخطفهم الناس من حولهم. وقد وثقنا كل ذلك بكتابنا، المواجهة.

وهكذا افترق الإسلام عن السلطان (مع أنهما توأمان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالاسلام أس والسلطان حارس، وما لا أس له يهدم، وما لا حارس له ضائع). (رواه الديلمي، راجع كنز العمال ج ٦ ص ١). ومع الأيام آلت الخلافة لمن لا مؤهل له، إلا الغلبة وكثرة الأتباع ولمن لا يعرف من الدين إلا اسمه!!!.

٢٧

الفصل الثاني
بطون قريش وأنصارها يستولون عمليا على مقاليد الدولة الإسلامية

قبل فتح مكة كانت الفئة المؤمنة الصادقة أقلية وسط أغلبية ساحقة من المشركين والمنافقين والمرتزقة من الأعراب. وبعد فتح مكة ودخول العرب بالإسلام بقيت الفئة المؤمنة الصادقة أقلية أيضا وسط أكثرية ساحقة من المنافقين والمرتزقة من الأعراب وحديثي الدخول بالإسلام الذين يجهلون تاريخه ورجاله.

وفي الحالتين كان وجود النبي كقيادة إسلامية، والتفاف الفئة المؤمنة الصادقة حوله الضمانة الوحيدة لنقاء الحكم الإسلامي وبقائه. وهنا يكمن سر تركيز النبي المكثف على من يخلفه. لقد أدركت بطون قريش هذه الناحية، ورأت أن استغلالها هي الطريق الوحيد للوصول إلى الملك، وفصل السلطان عن الإسلام، لذلك استغلت هذه البطون سماحة الإسلام وعدالته، وجمعت حولها كافة العناصر التي اشتركت بمقاومة النبي ومحاربته سابقا، وانصب هدفها على عزل الفئة المؤمنة عن المجتمع، وتهميشها تماما ودس الوقيعة بين رموزها، واستعمال الكثرة الساحقة، كطريق فرد للاستيلاء على الدولة الإسلامية. والتفرد بالملك الذي تمخضت عنه النبوة!! وكمرحلة أولى رأت البطون أن تسند رئاسة الدولة لرموز إسلامية مقبولة ومعروفة (الخليفة الرمز) على أن تكون بطانته، وقادة جنده وعمال ولايته وأهل الحل والعقد عنده، وبعد أن تضرب جذور البطون في الأرض تلغي فكرة الخليفة الرمز وتستولي علنا ورسميا على كافة مقاليد الدولة الإسلامية، وتفرض على الناس مناهجها التربوية والتعليمية، وخلال هذه المدة تمنع رواية

٢٨
الحديث النبوي وكتابته، حتى تطمس كل ما يذكر الناس بالحقيقة وبالشرعية السياسية الإلهية. وسواء في عهد الخليفة الرمز، أو عندما استولت البطون على مقاليد الدولة، كانت الفئة المؤمنة مهمشة تماما. وراجت قناعة بأن أفرادها لا يصلحون للقيادة، وغير موالين لدولة البطون ومتحفزين لشق عصا الطاعة، ومفارقة الجماعة!! ومن مصلحة الإسلام والمسلمين، ومن دواعي استقرار الدولة أن تبقى هذه الفئة تحت الرقابة المباشرة للخليفة الرمز وبطانته، وأن لا يتولى أفرادها أي مصلحة من المصالح العامة، بمعنى أن الفئة المؤمنة عمليا تحت الإقامة الجبرية، فنادرا ما يأذن الخليفة لأحد من أفرادها بمغادرة العاصمة إلى الأقاليم البعيدة عن إشرافه المباشر. ولأن الخليفة عادل فقد كان يغدق على الشخصيات البارزة من أفراد هذه الفئة المؤمنة الأموال الطائلة من بيت مال المسلمين تأليفا لقلوبها، واتقاء لخطرها وطمعا باستقرار الدولة، حتى صارت تلك الشخصيات من أصحاب الملايين في مجتمع أكثريته الساحقة جائعة ومحتاجة!!.

المعايير الجديدة لتعبئة الوظائف العامة

عندما نجح التحالف الذي قادته بطون قريش، بالاستيلاء على مقاليد الدولة اختفت المعايير التي كانت سائدة في زمن الرسول، فلم يعد منها البلاء في سبيل الله، ولا السابقة في الإسلام، ولا العلم، ولا الإخلاص لله ولرسوله، وحلت محلها معايير جديدة أهمها، موالاة دولة البطون، وإرضاء رموزها والأكثرية الساحقة، والقدرة على تنفيذ سياسة الدولة وبرامجها التربوية والتعليمية، ومعاداة أعداء الدولة، والحط من قيمتهم، بحيث لا يبقى لهم شأن ولا ذكر، وإرغام أنوفهم لتبقى دوما في التراب!

الاستعانة بالمنافقين والفاسقين والمرتزقة

قال ابن حجر في فتح الباري (والذي يظهر من سيرة عمر رضي الله عنه في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل كان يضم إليه الذي عنده مزيد من المعرفة السياسية، فلأجل ذلك استخلف معاوية

٢٩
والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم، (راجع فتح الباري، كتاب الأحكام ج ١٣ ص ١٩٨).

قال حذيفة: (أمين سر رسول الله) لعمر بن الخطاب يوما: (يا عمر إنك تستعين بالرجل الفاجر)، (راجع كنز العمال ج ٥ ص ٧٧) (والله يا عمر إنك تستعمل من يخون وتقول ليس عليك شئ وعاملك يفعل كذا وكذا)، (راجع تاريخ الطبري ج ٥ ص ٣١)، وكان عمر يعلم أن الذين يستعين بهم ويستعملهم فجار، أو منافقون أو خونة لله ولرسوله ولكنه كان يبرر استعماله لهم بالقول:

(نستعين بقوة المنافق، وإثمه عليه). (رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، راجع كنز العمال ج ٤ ص ٦١٤). وهكذا صارت الاستعانة وتأمير الفاسقين والمنافقين والفجار طمعا بقوتهم سنة ونظرية تتبناها دولة البطون وتنفذها بوفاء، فأينما وجدت القوة، استعانت بصاحبها بغض النظر عن دينه، أو علمه أو سابقته أو جهاده أو ماضيه، والقوة تعني الالتزام بسياسة الدولة العامة، والولاء لها، وكراهية أعدائها، وحرمان أولئك الأعداء وأوليائهم من كافة الوظائف العامة، والكارثة حقا أن (أعداء) الدولة ومعارضيها سواء بالعلن أم بالسر هم أولياء النبي وقرابته الأدنون، ومن قام الإسلام كله على أكتافهم!!

طواقم جديدة من الولاة

بعد أقل من شهرين على وفاة الرسول الأعظم تم عزل كافة العمال والولاة والأمراء الذين عينهم الرسول، وقتل بعضهم شر قتلة، كمالك بن نويرة، ونجا أسامة بن زيد الذي عينه الرسول أميرا على جيش من العزل بأعجوبة!! وعينت الدولة طواقم جديدة من الولاة والأمراء بدلا من الذين عينهم رسول الله، واقتسمت بطون قريش الوظائف العامة، وحصل البطن الأموي على نصيب الأسد، لأن هذا البطن قد ساهم مساهمة فعالة بإقامة دولة البطون. وهذا البطن مشهور بعداوته للنبي وببغضه لآل النبي، وحقده عليهم، فالعرب كلهم بل العالم بأسره يعلم بأن أبا سفيان وأولاده خاصة، والأمويين عامة هم الذين قادوا جبهة الشرك ضد رسول الله طوال فترة ال‍ ١٥ سنة التي سبقت الهجرة، وأنهم هم الذين جيشوا

٣٠
الجيوش وألبوا العرب على رسول الله وحاربوه بكل فنون القتال، وعادوه بكل وسائل العداء حتى أحيط بهم عندما فتح الرسول مكة، فاضطروا مكرهين للتلفظ بالشهادتين، وكتموا إحباطهم وحقدهم على آل محمد، لأنهم فئة موتورة، فما من بيت من بيوت البطن الأموي إلا وأصاب الهاشميون منه مقتلا، وقد بين الرسول لأصحابه، بأن الأمويين هم أكثر بطون قريش بغضا لآل محمد، وأنهم طامعون بملك النبوة لأنه رآهم ينزون على منبره نزو القردة، وطلب من الناس أن يعتزلوهم وأن يحذروا منهم، وبعد وفاة النبي بفترة وجيزة ولت الدولة يزيد بن أبي سفيان قائدا عاما لجيش الشام، ولما مات يزيد عينت أخاه معاوية أميرا على الشام خلفا لأخيه، (راجع البداية والنهاية ج ٨ ص ١١٨، وتاريخ الطبري ج ٥ ص ٦٩، والاستيعاب ج ٣ ص ٥٩٦، وكنز العمال ج ١٣ ص ٦٠٦) وأطلق عمر بن الخطاب يد معاوية في بلاد الشام، وأعطاه الحرية الكاملة ليفعل ما يشاء، وليتصرف على الوجه الذي يراه، بلا رقيب ولا حسيب، فقد قال عمر لمعاوية يوما: (... لا آمرك ولا أنهاك)، (راجع البداية والنهاية ج ٨ ص ١٢٥، وتاريخ الطبري ج ٦ ص ١٨٤)، وكان عمر يوطد له بين الناس فيقول عن معاوية: (إنه فتى قريش وابن سيدها)، (راجع البداية والنهاية ج ٨ ص ١٢٥، والاستيعاب ج ٨ ص ٣٩٧)، وكان يقول للناس: (تذكرون كسرى وعندكم معاوية)، (راجع تاريخ الطبري ج ٦ ص ١٨٤)، وخاطب عمر أصحاب الشورى قائلا: (إذا اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام)، (راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ٥٣٥). وكان عمر يعرف أن معاوية يعد أهل الشام للخروج، وأنه سيخرج ذات يوم، فقد صرح عمر في يوم من الأيام قائلا: (يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق). (راجع الدلائل لابن سعد، وكنز العمال ج ١٢ ص ٣٥٤). ومع هذا لم يتعرض له عمر، إنما تركه ليكمل استعداداته وعدته ويخرج في الوقت المناسب!! وكان وراء تأمير عمرو بن العاص، فقد أعلن عمر أمام علية القوم قائلا: (لا ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا).

(راجع الإصابة ج ٥ ص ٣)، واستعان عمر بقوة الوليد بن عقبة، مع أن الوليد فاسق بنص القرآن، وكان يسكر علنا وصلى بالناس وهو سكران. (راجع الإصابة.

٣١
ج ٣ ص ٣٦٣). واستعان عمر بعبد الله بن أبي سرح، وكان من المقربين إليه، (راجع تاريخ الطبري ج ٥ ص ٥٩، والبداية والنهاية ج ٨ ص ٢١٤). وعبد الله ابن أبي سرح هذا هو الذي افترى على الله الكذب، وأباح الرسول دمه حتى لو تعلق بأستار الكعبة، ثم أتمها عمر على بني أمية، ووضع الأساس المتين لحكمهم يوم عهد عمليا بالخلافة لعثمان.

واستعان عمر بقوة أبي الأعور السلمي الذي شهد حنين مشركا، (راجع الإصابة ج ٢ ص ٥٤٠، وأسد الغابة ج ٦ ص ١٦)، وقد لعنه رسول الله (رواه أبو نعيم، راجع كنز العمال ج ٨ ص ٨٢). وكان من أشد المبغضين لعلي بن أبي طالب، وقد أمره عمر، وجعله على مقدمة جيش. (راجع الإصابة ج ٢ ص ٥٤١).

وأمر عمر يعلى بن منبه على بعض بلاد اليمن، وكان من الحاقدين على علي بن أبي طالب، فقد أعان الزبير بأربعمائة ألف عندما خرج على علي، واشترى لعائشة أم المؤمنين جملا يقال له (عسكر)، وجهز سبعين رجلا من قريش لقتال علي بن أبي طالب. (راجع الاستيعاب ج ٣ ص ٦٦٢ - ٦٦٣).

واستعان عمر ببسر بن أرطأة، وأياس بن صبيح، وهو من أصحاب مسيلمة الكذاب، أسلم وولاه عمر القضاء على البصرة، (راجع الإصابة ج ١ ص ١٢٠).

واستعان عمر بطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد النبي، وقد أعجب عمر به ورضي عنه، وكتب إلى أمرائه أن يشاوروه. (راجع البداية والنهاية ج ٧ ص ١٣٠). وابن عدي الكلبي الرجل النصراني الذي تلفظ بالشهادتين، وفورا دعا له عمر برمح فولاه الإمارة، قال عوف بن خارجة، ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله، (راجع الإصابة ج ١ ص ١١٦). واستعمل عمر أبا زبيد على صدقات قومه وكان نصرانيا، ولأنه قوي استعمله، ولم يستعمل نصرانيا غيره. (راجع الإستيعاب ج ٤ ص ٨٠). واستعان عمر بكعب الأحبار اليهودي الذي أسلم فصار من خلص الخليفة وأصفيائه ومرجعه وموضع أسراره، والمجيب الموثوق على كل تساؤلاته، وتولى كعب عملية القص في المساجد وصار القص سنة. (راجع الإصابة ج ٣ ص ٣١٦)، فكان كعب يقص ما يحلو له.

٣٢
كتاب حقيقة الاعتقاد للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٣٣ - ص ٥٥)
٣٣
عليه، وأنه لم يبق من السلام السياسي إلا لقب الخليفة (أمير المؤمنين)، وأن الولايات والأعمال والوظائف العامة بالكامل مع بني أمية، وأموية من جميع الوجوه، بمعنى أن الدولة بكل مؤسساتها قد أصبحت تحت سيطرة الذين عادوا رسول الله وحاربوه بالأمس، وأن الفئة المؤمنة مهمشة بالكامل، وأقلية، وليس لها من أمر الدولة شئ. ولو تولى الخلافة بعد عثمان أي رجل في الدنيا غير علي بن أبي طالب لما استطاع أن يصمد بمثل هذه الظروف أكثر من ساعة من الزمان، لأن الملك الأموي، وسلطان المنافقين والفاسقين، قد توطد وضربت جذوره في الأرض وفي النفوس والمصالح طوال عهود الخلفاء الثلاثة، ووفقا للمعايير التي عممتها الدولة، فلا فرق بين أي صحابي من السابقين في الإيمان، ومن أهل البلاء وبين أبي سفيان، أو الحكم بن العاص، فهم بدون تفصيلات صحابة، لأنهم شاهدوا النبي، وكلهم عدول والتفاضل بينهم في الآخرة، وليس في الدنيا، والاهم من ذلك هو اعتقاد الأكثرية، بأن أبا سفيان والحكم بن العاص أصلح لإمارة الناس من أصحاب السابقة، ومن أهل البلاء في سبيل الله، ممن قامت الدولة النبوية على أكتافهم وبسواعدهم، أما أهل بيت النبوة، فقد تم التعتيم رسميا على كل فضائلهم، ولا يجرؤ أحد على ذكرهم بخير، وهم في أحسن الظروف صحابة مثلهم مثل أبي سفيان، ومروان بن الحكم، ومعاوية، بل إن هؤلاء وأمثالهم أعظم شانا عند الأكثرية والأولى بالطاعة من أهل بيت النبوة، لأن وسائل إعلام الدولة الرسمية نفخت الثلاثة وأمثالهم، وأعطتهم أحجاما أسطورية ليست لهم في الحق والحقيقة، بينما تجاهلت وسائل إعلام الدولة التاريخية أهل بيت النبوة، وعتمت على صورهم، وسخرت الدولة كافة مواردها لإبراز أهل بيت النبوة بصورة النكرات!!! واستقرت تلك الأوهام التي خلقتها وسائل الإعلام، وإمكانيات دولة الخلافة في قلوب الأكثرية الساحقة من أبناء الأمة، لأن تلك الأوهام كانت بمثابة القناعات الرسمية التي تبنتها دولة البطون، وعلى منوالها سارت عهود الخلافة التاريخية.

وباختصار شديد فإن أهل بيت النبوة، وأولياء النبي وهم علماء الإسلام وأساتذته الذين قامت دعوة الإسلام ودولة النبوة على أكتافهم، قد أخروا بالقوة،.

٣٤
وصاروا رعايا ومحكومين، لا تقدم مواقفهم ولا تؤخر مع إجماع أغلبية ساحقة، أما الذين قاوموا النبي والنبوة قبل الهجرة وحاربوا النبي بعد الهجرة، وجهلوا أحكام الدين فقد غلبوا بعد وفاة النبي، وتسلموا بالقوة أو بالعهد والتسلل مقاليد الدولة، فصاروا هم السادة والحكام والأساتذة وأصحاب الكلمة المسموعة، لأن بيدهم النفوذ والجاه والمال والسلطة، ومؤهلهم الوحيد هو القوة. تلك حقيقة لا يماري فيها إلا جاهل، أو متجاهل أو عابد هواه.

وتحقق ما حذر منه النبي وتفكك الإسلام وحلت كافة عراه!!!

بينا بأن رسول الله وقبل أن ينتقل إلى جوار ربه، حذر المسلمين وبأنهم إن لم يلتزموا بما أمرهم به، فإن الإسلام سيتفكك، وستحل عراه عروة بعد عروة، فكلما انتقضت عروة تثبت الناس بالتي تليها، وأن أول عرى الإسلام نقضا الحكم، وآخرها نقضا الصلاة. (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، راجع كنز العمال ج ١ ص ٢٣٨).

وكرر النبي التحذير في مناسبات متعددة، وأطلعهم على ما هو كائن وبالتصوير الحي البطئ، وأحيط الجميع علما بما حذر منه الرسول، وقامت الحجة على الجميع. ولخص الرسول الموقف للجميع، وأكد هذا التلخيص بكل وسائل التأكيد، وبينه وبكل طرق البيان، وحذر المسلمين بأنهم لن ينجحوا ولن يهتدوا، ولن يتجنبوا الضلالة من بعده، إلا إذا تمسكوا بالثقلين كتاب الله، وعترة النبي أهل بيته.

ثم بعد ذلك مرض النبي، وكان ما كان، فما أن مرض النبي حتى تنكرت له الأكثرية الساحقة رغبة أو رهبة، وقالوا له وجها لوجه: (أنت تهجر!! والقرآن وحده يكفينا، ولسنا بحاجة لوصيتك)!! بل والأعظم من ذلك أن هذه الأكثرية بعد أن استولت على مقاليد الحكم منعت رواية وكتابة أحاديث رسول الله منعا باتا، ورفعت شعار (حسبنا كتاب الله)!! وصارت رواية أحاديث الرسول من الجرائم الكبرى التي يستحق مرتكبها القتل، فكان حذيفة يقول: (لو كنت على شاطئ.

٣٥
نهر، وقد مددت يدي لاغترف فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل). (راجع كنز العمال ج ٣ ص ٣٤٥ نقلا عن ابن عساكر) وروى البخاري في صحيحه (كتاب العلم ج ١ ص ٣٤) عن أبي هريرة أنه قد قال:

(حفظت من رسول الله وعائين، فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم)!! وقال: (إني لأحدث أحاديثا لو تكلمت بها في زمن عمر أو عند عمر لشج رأسي). (راجع البداية لابن كثير ج ٨ ص ١٠٧) وفي عهد عمر بن الخطاب عزم أبي بن كعب أن يتكلم في الذي لم يتكلم به بعد وفاة الرسول فقال: (لأقولن قولا لا أبالي أستحييتموني عليه أو قتلتموني). (راجع ابن سعد، الطبقات الكبرى ج ٣ ص ٥٠١ والحاكم باختصار ج ٢ ص ٣٢٩ و ج ٣ ص ٣٠٣). ووعد أن يكشف الحقائق أمام الناس يوم الجمعة، وترقب الناس ذلك اليوم الذي يكشف فيه أبي بن كعب حقائق ما سمعه من رسول الله، ولكن في يوم الأربعاء مات الصحابي العظيم الذي وعد بكشف الحقائق. قال قيس بن عباد: رأيت الناس يموجون، فقلت: ما الخبر ؟ فقالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب، فقلت: ستر الله على المسلمين حيث لم يقم الشيخ ذلك المقام). (راجع المسترشد لابن جرير الطبري ص ٢٨، ومعالم الفتن لسعيد أيوب ج ١ ص ٢٥٧).

والخلاصة أن منع رواية وكتابة أحاديث الرسول قد تحول إلى قانون أساسي، نافذ المفعول في كل أرجاء دولة الخلافة، ولكن لا بأس برواية الأحاديث التي تمدح القائمين على الحكم، وتضفي طابع الشرعية والمشروعية على تصرفاتها، فرواية مثل هذه الأحاديث مباحة حتى وإن كانت مختلقة، ورواة هذه الأحاديث من المقربين، حتى وإن كانوا أعداء لله ولرسوله!! وبمدة وجيزة، حلت عرى الإسلام كلها عروة بعد عروة، ولم يبق غير الصلاة، وحشر المؤمنون الذين كانوا يصلون على طريقة رسول الله، وضيق الخناق عليهم على اعتبار (أنهم شواذ) يخالفون جماعة المسلمين وإمامهم، ويتفردون بصلاة تختلف عن صلاة الأمة!! قال حذيفة أمين سر رسول الله: (لقد ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده وهو خائف). (راجع صحيح البخاري ج ١ ص ١٨٠ كتاب الجهاد والسير). وقال حذيفة أيضا: (فابتلينا حتى جعل الرجل منا.

٣٦
لا يصلي إلا سرا). (راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ١٧٩، ورواه أحمد في الفتح الرباني ج ٢٣ ص ٤٠، و ج ٢ ص ٤٦٢ من معالم الفتن). وروى البخاري أن الزهري قد دخل على أنس بن مالك فوجده يبكي، فقال له ما يبكيك ؟ فقال أنس:

لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت. (راجع الفتح الرباني ج ١ ص ٢٠٠). وقال أنس بن مالك مرة أخرى: (لا أعرف شيئا اليوم مما كنا عليه على عهد رسول الله!! فقلنا: فأين الصلاة ؟ فقال أو لم تضعوا بالصلاة ما قد علمتم ؟)! (رواه أحمد والترمذي، وحسنه وقال في الفتح الرباني ج ١ ص ١٩٩ روي عن أنس من غير وجه).

هذه شهادة حذيفة أمين سر رسول الله، وتكتسب شهادته أهمية خاصة لأنه أمين سر رسول الله بإجماع المسلمين، ولأنه بقي على عهد رسول الله لم يبدل ولم يتبدل، ولم يرجع القهقرى على عقبيه، تدعمها شهادة أنس بن مالك الذي وعى عمليا الصلاة بحكم خدمته للنبي، وكان أنس إلى جانب السلطة دائما عايشها وتعايش معها، ولم يثنه عن الولاء لهذه السلطة تبدلها ولا تغيرها، وكان يسمع مسبته من رجالها بصبر بالغ.

فإذا ثبت بأن المخلصين من الصحابة كانوا يصلون سرا، وهم في حالة خوف، من غضب السلطة، أو من غضب الجماهير الموالية لها، وإذا كان أحد الذين خدموا الرسول فترة طويلة، وشاهد رسول الله مئات المرات وهو يصلي عمليا يشهد ويقر ويعترف بأن الصلاة قد ضيعت بالفعل ونقضت من أصولها، ففي هذا دليل قاطع على أن آخر عروة من عرى الإسلام، وهي الصلاة قد حلت تماما بشهادة شهود عيان عاصروا حكومة الرسول، وحكومة الخلفاء الثلاثة، وحكومة بني أمية، ولا خلاف بين اثنين من المسلمين على أن رسول الله قد أخبر الأمة بما هو كائن، مثلما أخبر الأمة بأن عرى الإسلام ستنقض عروة بعد عروة، وأن نقض نظام الحكم هو أول عرى الإسلام نقضا، وأن نقض الصلاة هو آخر عرى الإسلام نقضا، ولا خلاف بين اثنين من المسلمين على أن رسول الله صادق فيما أخبر، وأنه لم ينطق عن الهوى - على الأقل في هذه الأخبار - حتى نتجنب معارضة أولئك الذين يزعمون بأن محمدا بشر يتكلم في الغضب والرضى!! ثم إنه من المحال.

٣٧
عقلا أن يخبر الرسول الأمة بهذه الأخبار الخطيرة على مسؤوليته، وباجتهاد منه، وبدون تفويض إلهي!! ومن الناحية الواقعية فقد تحقق ما أخبر به الرسول وحذر منه، فلا أحد من أولياء الخلفاء، ومن شيعة الخلافة التاريخية يمكنه أن يزعم بأن الإسلام كله قد بقي على حاله. أو ينكر بأن عرى الإسلام كلها لم تنقض. لقد بين الرسول ما هو كائن وما سيكون إشفاقا ورحمة بالأمة، وقياما بواجب البيان، ولقد حذر وأنذر إقامة للحجة على المكذبين والمكابرين، وإرشادا للصادقين ليبقوا دائما على الصراط المستقيم. وكان الرسول صادقا في بيانه ورحمته، وتحذيره وإنذاره، وأنه لم يخبر بتلك الأخبار المستقبلية اجتهادا منه كما كانوا يتصورون، أو تحليلا شخصيا، إنما كانت تلك الأخبار الموثوقة ثمرة وحي إلهي، صدقه ما وقع في المستقبل، لأن الله ورسوله لا يقولان إلا الحق والحقيقة..

٣٨

الفصل الثالث
مظاهر نقض عرى الإسلام ووسائله

١ - استبعاد النبي!!

أول وأخطر مظاهر نقض عرى الإسلام هو مواجهة بطون قريش وزعامتها للنبي أثناء مرضه، والحيلولة بين النبي وبين كتابة توجيهاته النهائية وتجاهلهم لوجوده تجاهلا تاما، وقولهم على مسمعه: إن النبي يهجر!! استفهموه إنه يهجر، ولا حاجة لنا بكتابه، حسبنا كتاب الله!!! (راجع صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج ٧ ص ٩ و ج ٤ ص ٣١ و ج ١ ص ٣٧، وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية ج ٥ ص ٧٥، وصحيح مسلم بشرح النووي ج ١١ ص ٩٥، ومسند أحمد بن حنبل ج ٤ ص ٣٥٦ ح ٢٩٩٢، والكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٢ ص ٢٣٠ وكتابنا نظرية عدالة الصحابة ص ٢٨٧ وما فوق).

كانت هذه أول عروة وأخطر عروة تنقض من عرى الإسلام، فقد تجاهلت زعامة بطون قريش وجود النبي، وأعلنت وبكل صراحة، أن القرآن يكفي، ولا حاجة لما قاله النبي أو سيقوله!!

وقد مهدت زعامة بطون قريش لهذا الموقف المدمر، فبثت سلسلة من الشائعات التي تنصب كلها على ضرورة عدم الوثوق بكل ما يقوله النبي، لأنه بشر يتكلم في الغضب والرضى، ودوره مقتصر على تلاوة القرآن، وتبليغ الناس، ما يوحى إليه من هذا القرآن فقط. وقد وثقنا ذلك في كتابنا (المواجهة) مع رسول الله وآله. وعندما تسلمت هذه الزعامة قيادة الأمة بعد وفاة النبي ترجمت أقوالها.

٣٩
وشائعاتها وقناعاتها إلى قوانين ملزمة للرعية بالقوة الجبرية، فمنعت رواية وكتابة الحديث النبوي، وأحرقت المكتوب منه، وصار من المعروف عند العامة والخاصة أن عقوبة من يروي أحاديث النبي المتعلقة بالأمور الأساسية عقوبته قطع البلعوم على حد تعبير أبي هريرة، أو الاستحياء والقتل، كما عبر عنهما أبي بن كعب رضي الله عنه.

وهكذا واعتبارا من اللحظة التي قعد فيها رسول الله على فراش المرض تم استبعاده بالكامل، وجمدت كافة أوامره وتوجيهاته، ولم ينفذ منها شئ، وإن نفذت فقد جاء التنفيذ متأخرا وبالقدر الذي يخدم توجيهات زعامة بطون قريش، وخير مثال على ذلك جيش أسامة، أو بعث أسامة، فالملك ملك النبوة، وزعيم البطون رسميا هو خليفة النبي، والمتصرف بالملك الذي بناه النبي، والأمة هي أمة النبي. ومع هذا فلا يجوز لأي فرد من أفراد الأمة أن يروي أو يكتب حديثا عن النبي!!!

لأن رواية وكتابة أحاديث النبي تسبب الخلاف والاختلاف بين الناس، كما ذكر ذلك الخليفة الأول في أول تصريح له حسب رواية الذهبي في تذكرة الحفاظ وبنفس التصريح أمر الخليفة رعاياه قائلا: (فمن سألكم عن شئ فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله)!!! فعلى العموم، الرسول شخصيا مستبعد (كما في حالة مرضه)، وأحاديثه التي تضمنت توجيهاته مستبعدة من التأثير على الحركة الكلية للمجتمع، إلا إذا كانت هذه الأحاديث تخدم الملك، وتوجهاته الجديدة والقائمين عليه، فعندئذ تعمم هذه الأحاديث وتعامل بقداسة، وتروى وتبرز كأدلة قاطعة على شرعية نظام البطون!! يمكن لمن يشاء أن يروي ما يشاء من أشعار الجاهلية، وخرافات الأقدميين ونجاسات الشرك، ويمكن لفئة أن تقص القصص وأساطير بني إسرائيل في مسجد الرسول نفسه، فلا خطر من ذلك على ألفة الأمة ووحدتها وانقيادها لزعامة البطون. ولكن لا يمكن حتى لأبي بن كعب أن يروي حديثا عن النبي يمس واقع المجتمع أو مستقبله، لأن مثل هذا الحديث يسبب الخلاف، والاختلاف على حد تعبير الخليفة الأول وبهذه الحالة وأمثالها فالقرآن وحده يكفي!!!.

٤٠