×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة التشيّع ونشأته / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٩ فارغة
كتاب حقيقة التشيّع ونشأته للأستاذ صباح البياتي (ص ١ - ص ٣٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدّمة:

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين...

لقد حظيت مسألة حقيقة التشيّع ونشأته باهتمام الكثير من المؤلفينوالباحثين قديماً وحديثاً، وتضاربت فيها الآراء والأفكار، حيث كان معظم المؤلفين فيها ينظرون الى الشيعة على أنها فرقة من الفرق التي ظهرت في فترة الانقسامات العقائدية، التي شملت شرائح واسعة من الاُمة الإسلامية، بسبب الاختلافات العقائدية التي ظهرت كنتيجة للانقسامات السياسية بعد مرور أقل من نصف قرن على بدء الهجرة النبوية، وحدوث فتن أدت الى انقسام المسلمين الى معسكرات متحاربة يستبيح فيها المسلم دم أخيه، وصارت كل فرقة تعتقد أو توحي على أنها هي صاحبة الحق وخصمها هو المبطل، ولأجل ذلك صارت الفرق الإسلامية تتسابق لتجسيد نظرياتها، من خلال تأوّل بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ثم استفحل الأمر أكثر من ذلك عندما بدأ منظّرو هذه الفرق ومتعصّبوها بالتجرّؤ على الحديث النبوي الشريف،

١٠
فبدأت بوضع وتلفيق بعض الأحاديث التي تدعم وجهة نظرها من جهة، ووضع أحاديث اُخرى في ذم الفرق الاُخرى، فظهرت أحاديث مكذوبة من أمثال: "سيكون في اُمتي قوم لهم نبز يقال لهم الروافض، اقتلوهم فإنهم مشركون".

مع أنّ من المتعارف عليه عند المؤلفين في الفرق أن اسم الروافض قد اطلقه زيد بن علي بن الحسين(عليهم السلام) على الذين فارقوه أثناء ثورته على الاُمويين، وأن هذه المفردة وغيرها من الأسماء التي اُطلقت على الفرق المخالفة للجمهور لم تكن معروفة في زمن النبي(صلى الله عليه وآله).

ومن الأحاديث التي اكتسبت صفة شبه التواتر بعدما روتها كل الفرق حديث انقسام الاُمة الى ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ واحدة، فحاولت كل فرقة أن تثبت أنها هي المعنيّة بالفرقة الناجية وأنّ ما عداها هالك في النار!

وممّا زاد الطين بلّة أنّ هذه العقائد قد بدأت تترسخ على مرّ الأيام، ودخلت هذه الأحاديث المكذوبة في المجاميع الحديثية وصارت تلقّن على انّها من كلام النبي(صلى الله عليه وآله)، مع أنّ هذه الأسماء والمصطلحات لم تكن معروفة في عصر الرسالة ومابعدها بقليل، ولم تبدأ بالانتشار إلاّ بعد أن بدأت المعارك الكلامية تحتدم بين المسلمين بعد انفتاحهم على الثقافات الأجنبية للاُمم التي دخلت

١١
في الإسلام، أو التي تمّ ترجمة تراثها الى العربية، وبدأت كل مدرسة تكوّن لها فلسفة خاصة في العقيدة، مستفيدة من المصطلحات التي أغنتها بها فلسفة وفكر اليونان، والفرس، والهنود وغيرهم.

وعندما بدأ عصر التدوين بالازدهار، وأدلى المفكرون المسلمون بدلوهم في مختلف العلوم والفنون، كان أتباع مدارس الكلام قد بدأوا ينظّرون النظريات في الخلافة والإمامة واُسلوب الحكم. وكانت الطامة عندما بدأت الكتابة في الفرق والمذاهب والأديان، فقد كان معظم الكتّاب في هذا المضمار، كالشهرستاني والبغدادي وغيرهما من الجمهور، الذي يمثّل هوى ورأي الأكثرية في الاُمة الإسلامية، والذي اصطلح فيما بعد على تسميته بأهل السنة والجماعة، فكانت هذه المؤلفات كلّها تركز على نقطة معينة، وهي محاولة حصر الفرق الإسلامية بثلاث وسبعين فرقة، ثمّ بيان ضلال اثنتين وسبعين منها وإثبات أنّ الفرقة التي تمثّل الجمهور هي الفرقة الناجية، وأنّ بقية الفرق ـ ومنها الشيعة ـ هي ليست إلاّ فرقاً من المبتدعة الزائغة عن جادة الصواب. ولأجل إثبات ذلك فقد تضاربت الآراء في نشأة هذه الفرقة وعقائدها، فنسبت تارة الى أنها أتباع ابن سبأ وتستمد عقائدها من اليهودية، وتارة الى أنّها فارسية تستمد أفكارها من عقائد المجوس، واُخرى

١٢
الى أنّها فرقة تكوّنت كردّ فعل على ما جرى على أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)من بلاء، كواقعة كربلاء واستشهاد الحسين(عليه السلام)، ومن قبله استشهاد علي بن أبي طالب(عليه السلام).

وهكذا تضاربت الأقوال في تاريخ نشأة التشيّع، فعزا البعض نشأتها الى ما بعد حادثة السقيفة، وآخرون أرّخوها بعصر عثمان وأحداث الفتنة، وآخرون عزوها الى بدء معركة الجمل، أو صفين، أو الى ما بعد استشهاد الحسين(عليه السلام).

وكان سبب هذه النظرة الغائمة الى نشأة التشيع، هو عدم معرفة حقيقة التشيّع كخط يمثّل حقيقة الإسلام بكل مظاهره وعقائده، وأنه ليس حدثاً طارئاً على فكر الاُمة الإسلامية أو عقيدة مستوردة من إحدى الاُمم، بل هي عقيدة إسلامية بكل معنى الكلمة، بذر بذرتها الاُولى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، واستمرت في النموّ يوماً بعد يوم يُغذّيها أهل البيت(عليهم السلام)، ويبيّنون ملامحها ويدرءون عنها الشبُهات ويحاربون المتطفّلين والمتسللين إليها، ويفضحون المتستّرين بأهل البيت(عليهم السلام) للوصول الى أغراض اُخرى تستهدف هدم الإسلام.

ومن هنا جاء الخلط عند البعض، فحاولوا أن ينسبوا عقائد اُولئك المتسللين الى الشيعة على أنها تمثّل الفكر والاتجاه والعقيدة الشيعية، ملصقين بالشيعة عموماً تهمة التحريض والتآمر على

١٣
الإسلام، حتى قالوا بأن التشيّع أصبح ملاذاً لكل الأفكار الهدّامة، التي تستهدف القضاء على العروبة والإسلام. على ذلك سار الأوّلون وتبعهم الآخرون.

ومن المؤسف حقاً أن ينبري الباحثون المعاصرون للطعن في الشيعة والتشيّع بالاعتماد على ما قيل فيهم من خصومهم، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة والاطلاع على عقيدة كلّ فرقة من خلال تراثها. وبخاصة فإنّ العصر الحديث قد أتاح كلّ ذلك وهيّأ أدوات البحث العلمي لكلّ من أراد الوصول الى الحقيقة بتجرّد.

إنّ سلامة النيّات هي التي تحدّد اتجاه الباحث عن الحقيقة، فإذا فقد هذا الشرط فإنّه لا أمل في ظهور الحقيقة على كتاباته.

على أن الزمن لم يعدم عدداً من الباحثين ـ ومن بينهم بعض المستشرقين ـ ممن لا يتوخّون سوى الحقيقة، فاكتشفوا وكشفوا عن وجه الحقيقة أو بعضها، كما انبرى مؤلفو الشيعة وباحثوها،الى تصنيف الكتب وتدوين أبحاثهم في هذا المجال، لكي تكون سابلاً لمن يريد أن يتصدى للبحث في هذا الموضوع طلباً للحقيقة.

وبحثنا هذا هو إحدى هذه المحاولات المتواضعة، عسى الله أن ينفع بها من يريد أن ينتفع أو يلقي السمع وهو شهيد، والله من وراء القصد.

١٤
١٥

الفصل الأوّل
الإسلام والتسليم


قال ابن منظور: الإسلام والاستسلام: الانقياد.

والإسلام من الشريعة: إظهار الخضوع واظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي(صلى الله عليه وآله)، وبذلك يحقن الدم ويستدفع المكروه، وما أحسن ما اختصر به ثعلب ذلك فقال: الإسلام باللسان والإيمان بالقلب.

وأما الإسلام: فإنّ أبا بكر محمد بن بشار، قال: يقال فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما هو المستسلم لأمر الله، والثاني هو المخلص لله العبادة(١).

ومن هنا يمكن أن نتبيّن أنّ هناك فرقاً قد لا يبين لأوّل وهلة بين الاستسلام لأمر الله، وبين الاخلاص للعبادة، فالمعنى الأوّل هو

١- لسان العرب: ١٢/٢٩٣.

١٦
أكثر استيعاباً لحقيقة الإيمان الذي يحكم علاقة الفرد بربّه، فإنّ الاستسلام لأمر الله يتضمن التعبّد المطلق لكل أوامر الله ونواهيه، دون أن يكون للفرد أي إرادة أمام إرادة المولى سبحانه وتعالى، وتبعاً لذلك فإنه يخضع خضوعاً تاماً لكلّ ما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله)، باعتباره مبلِّغاً عن الله، وإيماناً منه بأنّ النبيّ لا ينطق عن الهوى، بل بوحي من الله سبحانه، وهذا ينسحب على كلّ ما يأمر به أو ينهى عنه النبي(صلى الله عليه وآله)، سواء ما كان يتعلق بالأحكام التشريعية وأداء العبادات، أو حتى ما يتعلق بالخصومات والخلافات التي قد تقع بين أفراد الاُمة، وذلك عملاً بقوله تعالى: (وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(١)، وقوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)(٢)، وقوله تعالى: (فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليما)(٣).

فمن هنا يتبين أن الإسلام الذي يريده الله سبحانه من عباده، هو المتضمن لكل معاني التسليم لقرارات النبي(صلى الله عليه وآله)، حتى لو كانت هذه المقررات ممّا يخالف ما تهواه نفس الإنسان وتصبو إليه، أو

١- الحشر (٥٩): ٧.

٢- النساء (٤): ٥٩.

٣- النساء (٤): ٦٥.

١٧
كان الفرد يعتقد أنّ المصلحة تقتضي غير ذلك، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنّ التسليم لأمر الله ورسوله مقدّم على مقتضيات المصلحة، التي يراها الفرد باجتهاد منه أو تبعاً لبعض الأعراف السائدة، وأنّ الإسلام الحقيقي يجب أن يتضمن الخضوع والاستسلام المطلق لإرادة النبي(صلى الله عليه وآله) أيضاً،باعتباره مبلّغاً عن الله وأن طاعته هي امتداد لطاعة الله سبحانه.

أما الاصطلاح الثاني الذي هو الاخلاص لله في العبادة، فهو يتضمن اخلاص التعبد لله في المسائل الشرعية التي تتضمن العبادات المتعلقة بأداء الجوارح، كالصلاة والصوم والحج وما الى ذلك، وهي في مفهومها أضيق من مفهوم التسليم المطلق لأوامر النبي(صلى الله عليه وآله) ونواهيه، لأنّ التعبد بالأحكام الشرعية قد يتساوى فيه كثير من الناس ويجتهدون فيه، إلاّ أن الفرد منهم قد لا يتحمل التعرض لأي فتنة، أو بلاء، أو قد لا يسلم لحكم يعتقد أنّ المصلحة في غيره.

لقد عبّر القرآن عن هذين المفهومين وميّز بينهما، فسمى الأوّل إيماناً والثاني إسلاماً، عندما خاطب الأعراب، بقوله: (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في

١٨
قلوبكم)(١)، وهذا يعني أن الأعراب ربّما لم يقصّروا في تأدية التكاليف الشرعية المفروضة عليهم. إلاّ أنّ القرآن قد نبّههم على أنّ ذلك ليس هو الإيمان الذي يتضمّن معنى التسليم المطلق لله تعالى وللرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد تبيّن ذلك من مواقفهم، أو مواقف البعض منهم في غزوة تبوك، مثلاً عندما تخلّفوا عن النبي(صلى الله عليه وآله)، ونزل القرآن بذمّهم، لأنهم اعتقدوا المصلحة في عدم الامتثال لأمر النبي(صلى الله عليه وآله)وظنّوا أن في الأمر سعة وتساهلاً قد يبرّر تخلّفهم، فنزل القرآن بتوبيخهم وتوبيخ بعض الصحابة الذين نهجوا نهجهم، وكان موقف القرآن شديداً منهم.

الاجتهاد في مواقف بعض الصحابة

إنّ استعراض تاريخ فترة الرسالة يؤكد لنا حقيقة مفادها: أنّ الصحابة لم يكونوا كلّهم على درجة واحدة من التسليم لأوامر النبي(صلى الله عليه وآله)، فقسم منهم كان يتلقى أوامر النبيّ ونواهيه ووصاياه على أنها من المسلّمات التي لا ينبغي تجاوزها بأي شكل من الأشكال ـ وهم أقلية ـ بينما كان هناك من يرى أنّ تعليمات النبي(صلى الله عليه وآله)يمكن مناقشتها(٢)، بل وحتى مخالفتها إذا اعتقدت ضرورة

١- الحجرات (٤٩): ١٤.

٢- و (٢) السيرة النبوية والآثار المحمدية بهامش السيرة الحلبية: ١/٣٧٠ ـ ٣٧٣.

١٩
تستدعي ذلك(١)، أو أنّ في ذلك مصلحة، أو حتى من باب التنزّه عن بعض ما يفعله النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وقد جاءت بذلك أخبار كثيرة، منها:

أن النبيّ(صلى الله عليه وآله) عندما خرج بأصحابه في طلب قافلة أبي سفيان، وما كان من تدبير أبي سفيان وقدرته على النجاة من أيدي المسلمين، وما أعقبه من خروج مشركي مكة للدفاع عن أموالهم، حيث وجد المسلمون أنفسهم وجهاً لوجه أمام قريش في خيلها وسلاحها، وكانت رغبة النبيّ(صلى الله عليه وآله) واضحة في مناجزة القوم، خصوصاً وأنّ زعماء المشركين وعلى رأسهم أبو جهل كانوا مصرّين على مقاتلة المسلمين(وظنّهم انّها) فرصة لاستئصال شأفتهم والاستراحة من النبي(صلى الله عليه وآله) ومن دعوته الى الأبد، وكان رجوع النبي(صلى الله عليه وآله) مع المسلمين دون مناجزة يعدّ فراراً من القتال، بل ربّما شجّع المشركين على غزو المسلمين في عقر دارهم، وفي ذلك خطر عظيم. ولكن الصحابة رغم معرفتهم برغبة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في القتال، إلاّ أن الكثير منهم لم يؤيد الفكرة، حتى قال له بعضهم: هلاّ ذكرت لنا القتال حتى نتأهّب له! إنا خرجنا للعير، وفي رواية: يا رسول الله! عليك بالعير ودع العدو، فتغيّر وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله). قال أبو أيوب: وفي ذلك أنزل الله تعالى: (كَمَا أخرَجَكَ رَبُّكَ

٢٠