×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الشيعة الإثنى عشرية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

بالصلاة جامعة، فأخذ بيد علي(عليه السلام)، فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا: بلى، قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداه" (١).

وفي مسند أحمد بن حنبل بسنده عن البراء بن عازب أيضاً قال: "كنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في سفر، فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت شجرتين، فصلى الظهر وأخذ بيد علي(عليه السلام)، فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه! قالوا: بلى،قال: فأخذ بيد علي(عليه السلام)فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال له: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (٢).

إنّ هذا الحديث اشتهر باسم "حديث الغدير" نسبة إلى وقوع هذه الحادثة في مكان يسمى "غدير خم" قرب مكة، وهو مما لا يستطيع أحد أن يشكك في روايته، حيث أنّه روي في كثير من كتب

١- سنن ابن ماجة: ج١ ص٤٣، باب فضل علي بن أبي طالب ح١٦، ط دار الفكر، بيروت.

٢- مسند أحمد: ج٤ ص٢٨١.

٤١
الحديث عند أهل السنة، وحتى أنّ بعض العلماء قد أخرج له أكثر من ٨٠ طريقاً من طرق أهل السنة فقط.

ويظهر من الأحاديث السابقة أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أشهد المسلمين على ولايته عليهم عندما سألهم: "ألستم تعلمون بأني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟.... ألستم تعلمون أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟" ويفهم أنّه من يمتلك صفة (أولى بالمؤمنين من أنفسهم) لابد وأن يكون قائداً للمؤمنين كما كان فعلاً الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قائداً، وعندما قرن بينه وبين علي(عليه السلام) بهذه الصفة بقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" يكون قد أعطى صفة القيادة من بعده لعلي(عليه السلام). والشيعة يحتفلون كل عام في الثامن عشر من ذي الحجة بهذه المناسبة ويسمونها بعيد الغدير.

وأما أهل السنة فقد حملوا هذا الحديث على غير ذلك، وقالوا بأنه لا يدل على الخلافة، وفسروا كلمة مولى بالمحب أو الصديق لا ولي الأمر، وبذلك يكون معنى هذا الحديث على رأيهم أنّه "من كنت صديقه فهذا علي صديقه"!!

والحقيقة أنّ كلمة "مولى" تأتي بمعاني عديدة في اللغة العربية، وحتى قيل إنّ لها سبعة عشر معنى من ضمنها "مُعْتَق" أو "الخادم"، لذلك فإن كلمة مولى في هذا الحديث تفهم بالإضافة إلى ما سبق من خلال قرائن كثيرة أنّها تدل على القيادة، ومن هذه

٤٢
القرائن:

١ ـ آية (يا أيها النبي بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(١) التي نزلت كما جاء في تفاسير كثيرة قبل خطبة الغدير، وهي في مفهومها تدل على وجود أمر من الله سبحانه وتعالى يراد تبليغه، وأن هذا الأمر كما يظهر من سياق الآية ومن خلال لهجتها الحادة على درجة من الخطورة والأهمية يدل على أنّ المقصود ليس مجرد الصداقة والمناصرة.

٢ ـ آية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)(٢)، والتي نزلت كما ذكر مفسرون كثيرون بعد حادثة الغدير، حيث تدل على اكتمال تبليغ الرسالة المحمدية والتي لم تكن لتكتمل بدون تبليغ ولاية على وأهل البيت عموماً، ومن المستبعد القول بأن اكتمال التبليغ قد حصل تبليغ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بصداقته ومحبته لعلي!

٣ ـ إنّ الظروف التي ألقى فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة الغدير، حيث الصحراء المحرقة وقد أمر المسلمين بالتجمع والذين قيل أنّ

١- المائدة: ٦٧، الواحدي في أسباب النزول: ص١٣٥، والتفسير الكبير للرازي ج١٢ ص٤٨ ـ ٤٩.

٢- المائدة: ٣، السيوطي في الدر المنثور ج٢ ص٢٥٩، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج٨ ص٢٩٠.

٤٣
عددهم جاوز التسعين ألفاً، وأخذ الاقرار منهم بولاية الله ورسوله قبل أن يأمرهم بولاية علي، تؤكد على أنّ الأمر لم يكن متعلقاً بمجرد حب علي وصداقته.

٤ ـ الأحاديث السابقة وخصوصاً حديث الثقلين وكذلك ما يلي من أحاديث تدل في مجموعها على خلافة علي دون أن تدع أي مجال للشك.

شواهد إضافية على استخلاف علي:

في صحيح الترمذي وبسنده عن عمران بن حصين قال: "بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً واستعمل عليهم علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والغضب يعرف في وجهه وقال: ما تريدون من علي؟ إنّ علياً مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي" (١).

وفي قوله تعالى: ( إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (٢)، حيث ذكر أغلب المفسرين من أهل السنة أنها نزلت في علي عندما تصدق

١- صحيح الترمذي: ج٥ ص٦٣٢ ح٣٧١٢.

٢- المائدة: ٥٥، تفسير الطبري ج٦ ص١٨٦، أسباب النزول للواحدي: ص١٣٣، شواهد التنزيل للحاكم ج١ ص١٦٤ ـ ١٦٧، أنساب الأشراف ج٢ ص٣٨١.

٤٤
بخاتمه لمسكين جاءه وهو في ركوعه أثناء تأديته للصلاة.

وفي صحيح البخاري، عن مصعب بن سعد عن أبيه: "أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)خرج إلى تبوك واستخلف علياً فقال: اتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبي بعدي" (١)، ويدل هذا الحديث على أنّ علياً(عليه السلام) له جميع المناصب التي كان يحتلها هارون(عليه السلام) في بني إسرائيل ـ باستثناء النبوة ـ، والتي بيّنها سبحانه وتعالى في قوله: (...واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري وأشركه في أمري... قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) (٢)، حيث يظهر في هذه الآيات أنّ هارون(عليه السلام) كان وزيراً لموسى(عليه السلام) ومعاونه الخاص وشريكه في قيادة الأمة.

وما يؤكد استحقاق عليّ لهذه المنزلة الرفيعة باستخلافه على الأمة، أنّه كان الأعلم بين جميع الصحابة، بدليل ما يرويه البخاري عن عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)، فعن ابن عباس قال: "قال عمر(رضي الله عنه): اقرؤنا أبيّ، وأقضانا علي" (٣) كذلك أنّ الأقضى هو الأعلم بالأحكام والقوانين كما لا يخفى.

١- صحيح البخاري: ج٦ ص٣، كتاب المغازي.

٢- طه: ٢٩ ـ ٣٦.

٣- صحيح البخاري: ج٦ ص٢٣ كتاب التفسير باب قوله ـ "ننسخ آية أو ننسها" ـ.

٤٥
ويكفي لاثبات أعلميته بين جميع الصحابة أنه كان باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وحكمته، ففي مستدرك الصحيحين بسنده عن ابن عباس، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب" (١).

وفي صحيح الترمذي قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا مدينة الحكمة وعلي بابها(٢)"، وفي مستدرك الصحيحين قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: "أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي "(٣).

بل إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل كره علي علامة من علامات النفاق، كما يظهر ذلك من الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه بالسند عن عليّ(عليه السلام) قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليّ أن لايحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق" (٤).

وحتى لو لم يعين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة بعده، ألا ينبغي على الأمة أن تختار الأعلم والأكثر تميزاً ليكون قائداً لها؟

فقد بيّنا فيما مضى أنّ علياً(عليه السلام) كان الأعلم بين جميع الصحابة،

١- مستدرك الصحيحين ج٣ ص١٢٦.

٢- صحيح الترمذي ج٥ ص٦٣٧ ح٣٧٢٣.

٣- مستدرك الصحيحين ج٣ ص١٢٢.

٤- صحيح مسلم ج١ ص٨٦ ح١٣١ كتاب الإيمان باب حب علي كرم الله وجهه من الايمان.

٤٦
حيث كانوا يرجعون إليه إذا ما واجهتهم معضلة دينية معقدة، ومثال ذلك ما أخرجه أبو داود بسنده عن ابن عباس قال: "أتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناساً، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها أن ترجم، قال، فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا عمر، أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة، عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرسلهما، قال: فجعل عمر يكبر"(١) وأخرج البخاري أيضاً جزءاً من الحادثة في صحيحه(٢).

بالإضافة إلى ذلك، فقد عرف الإمام علي (عليه السلام) بإمام الزاهدين، واشتهر بشجاعته وبطولاته الخارقة، فقد كان أول فدائي في الإسلام، وكان له في كل معركة من معارك الإسلام مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الدور الحاسم، ففي بدر قتل بسيفه "ذي الفقار" ثلاثين صنديداً من صناديد قريش، وفي أحد وحنين وقف ذلك الموقف التاريخي مستميتاً يدافع عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فرار الغالبية العظمى من الصحابة!!، وفي

١- سنن أبي داود ج٤ ص١٤٠ ح٤٣٩٩، باب المجنون يسرق أو يصيب حداً.

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٢٠٤ كتاب المحاربين باب لا يرجم المجنون والمجنونة.

٤٧
الخندق تصدى لمبارزة عملاق المشركين عمرو بن عبدود العامري واجهز عليه في الوقت الذي لم يجرؤ فيه أي من باقي الصحابة بالخروج إليه، بالرغم من أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) دعاهم لذلك ثلاث مرات قبل أن يسمح لعلي(عليه السلام)بالقيام بذلك والذي كان صغير السن مقارنة بمعظم الصحابة. وفي خيبر إذ فتح الله على يديه باب الحصن، بعد أن استعصى على المسلمين يومها وقد عجز عن فتحه جمع كبير من الصحابة مجتمعين.

وتميز أيضاً عن باقي الصحابة بأنه لم تدنسه الجاهلية بأوثانها، وتلقى تربيته الفريدة على يد معلم البشرية الأول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يفارقه لحظة طوال حياته حتى فارق الدنيا وهو بين يديه، فكان طوال حياته يتلقى العلم والحكمة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فاستحق بجدارة أن يكون باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحكمته وأخاه.

فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر قال: "آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه، فجاء علي(عليه السلام) تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أخي في الدنيا والآخرة" (١). وحتى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) اعتبر علياً منه كما روى البخاري: "قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

١- صحيح الترمذي: ج٥ ص٦٣٦ ح٣٧٢٠.

٤٨
لعلي: أنت مني وأنا منك" (١).

وتميز أيضاً عن باقي الصحابة بأنّه كان الأكثر فضائلاً، كما أخرج ذلك الحاكم في مستدركه نقلاً عن أحمد بن حنبل بقوله: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) "(٢).

وفي كنز العمال، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي" (٣)، وكان ذلك بعد أن رفض تزويجها لعدد من الصحابة تقدموا لطلبها في محاولة لنيل هذا الشرف العظيم بالزواج من بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيدة نساء المؤمنين وأهل الجنة والتي يغضب الله لغضبها، وقد صدق من قال: "لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفوء" (٤).

وبعد كل ذلك، فإنّه لو كان اختيار الخليفة موكولاً إلى الناس، فإنّ علياً(عليه السلام)كان الأكثر تميزاً بين الصحابة، وبالتالي الأكثر لياقة واستحقاقاً للخلافة.

١- صحيح البخاري: ج٥ ص٢٢ كتاب فضائل الصحابة.

٢- مستدرك الصحيحين: ج٣ ص١٠٧.

٣- كنز العمال ج١٣ ص ٦٨٣ ح٣٧٧٥٣، ذخائر العقبى: ص٣٠.

٤- كنوز الحقائق للمناوي، وأخرجه الديلمي ج٣ ص٣٧٢ ح٥١٢٧.

٤٩

مخالفة جمهور المسلمين لنصوص الإمامة

لقد كان فيما سبق تبيان للأدلة في إثبات ولاية أهل البيت عموماً، واستخلاف أئمتهم الاثني عشر ابتداءً بالإمام علي(عليه السلام) على الأمة بعد انتقال المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى.

ويبقى السؤال الحاسم والذي لابد من الإجابة عليه لكشف الكثير من الغموض الذي واكب قصة الخلاف بين أهل السنة والشيعة عبر التاريخ الإسلامي. وهو: إذا كانت النصوص السابقة تدل حقاً على إمامة أهل البيت(عليهم السلام)، فلماذا وكيف آلت الخلافة إلى غيرهم؟ وألم يكن الصحابة يتبعون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في كل ما يأمرهم به؟؟

وفي المحاولة للإجابة على ذلك، فإننا نورد بعضاً من الحوادث التاريخية المهمة في صدر الإسلام والتي كان لها الأثر الأكبر في تغير مسار التاريخ الإسلامي، حيث نترك للقارىء أن يصدر حكمه الخاص بعد ذلك. ومن هذه الحوادث المهمة:

١ ـ منع بعض الصحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابته للوصية.

٢ ـ تخلف بعض الصحابة عن بعثة أسامة وطعنهم في إمارته.

٣ ـ أحداث السقيفة وبيعة أبي بكر(رضي الله عنه).

٤ ـ استخلاف عمر(رضي الله عنه).

٥٠
٥ ـ استخلاف عثمان(رضي الله عنه).

٦ ـ موقعة الجمل وخروج أم المؤمنين.

٧ ـ موقعة صفين وتمرد معاوية.

٨ ـ استشهاد الإمام علي(عليه السلام).

٩ ـ معاهدة الصلح واستشهاد الإمام الحسن(عليه السلام).

١٠ ـ ثورة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

وسنتناول كلاًّ من هذه الحوادث بشيء من التفصيل كما يلى:

أولاً: منع بعض الصحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابته للوصية:

أخرج البخاري في صحيحه ستة روايات بهذه الحادثة والتي حصلت قبل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بأربعة أيام فقط، فعن ابن عباس (رضي الله عنه)قال: "يوم الخميس، وما يوم الخميس، اشتد برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه فقال: آتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يردون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه" (١).

وفي رواية أخرى، قال ابن عباس: "لما حُضر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي البيت رجال، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا

١- صحيح البخاري ج٦ ص١١ كتاب المغازي باب مرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ووفاته.

٥١
بعده، فقال: بعضهم: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قوموا. قال عبيدالله: فكان يقول ابن عباس: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم"(١).

وفي رواية ثالثة، قال ابن عباس: "لما حُضِر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هلمّ أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده. فقال عمر: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا. قال عبيدالله: وكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم

١- صحيح البخاري ج٦ ص١٢ كتاب المغازي باب مرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ووفاته.

٥٢
ولغطهم"(١).

وفي صحيح مسلم، كان ردهم: ".... فقالوا: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يهجر"(٢) وفي رواية: "... فقال عمر كلمة معناه أنّ الوجع قد غلب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله" (٣)، حيث تجد أنّ كلمة يهجر قد استبدلت في الرواية الأخيرة بما معناه أنّه الوجع (الأكثر تهذيباً).

وبالتمعن في الروايات أعلاه، نتيقن أنّ أول من وصف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالهجران إنّما هو عمر بن الخطاب والذي أيده في ذلك بعض الحاضرين من الصحابة مما أدّى إلى غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وطرده إياهم من مجلسه بقوله: "قوموا عني".

والحقيقة إنّ هذه الحادثة يفهم منها بدون أدنى شك إساءة إلى شخص الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي كانت صدمة كبيرة لي لدى علمي بها، والتي حسب ظني يجهل حدوثها الغالبية العظمى من أهل السنة

١- صحيح البخاري ج٦ ص١١ كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني.

٢- صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ج٣ ص١٢٥٩ ح٢١.

٣- السقيفة لأبي بكر الجوهري: ص٧٣، ورواه مسلم في صحيحه ج٣ ص١٢٥٩ ح٢٢.

٥٣
بالرغم مما تحويه من أهوال! وكثيراً ممن أسمعتهم هذه الحادثة لم يصدقوا بها من هول الصدمة، بل إنّ بعضهم أقسم الأيمان الغلاظ بأنه إذا صدق فعلاً وجود هذه الحادثة في صحيح البخاري، فإنّه لن يثق بعد ذلك بأي رواية في هذا الصحيح. وبعضهم صدّق هذه الرواية ولكنه لدى العلم بأنّ الخليفة عمر(رضي الله عنه)هو الذي أول من رمى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بالهجران غضب غضباً شديداً ورفض التصديق بذلك، بل وقرر عدم الوثوق بصحيح البخاري أو بأي من كتب الحديث التي تروي مثل هذه الروايات التي تسيء إلى السلف الصالح على حد رأيه!!

وسر الدهشة في هذه الحادثة هو أنّه كان ينبغي على جميع الصحابة الحاضرين، أن يقدموا دون أدنى تأخير ما أمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) به حتى يكتب لهم الوصية لأخيرة التي كان مقدراً لها أن تتضمن ما من شأنه أن يأمن المسلمون بعده من الضلال لو التزموا وأطاعوا كما يظهر من الرواية هذه، ومن كان من أهل السنة ليتوقع أنّ آخر لقاء بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وكبار الصحابة انتهى بطرده إياهم من مجلسه بعد أنّ ودّعوه بتلك الكلمة المؤلمة والتي لا يحتمل لها سوى معنى واحد وقد ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم بأنه "الهذي"(١) والعياذ بالله، وكما ذكر الإمام شرف الدين: (وإذا تأملت

١- صحيح مسلم بشرح النووي ج١١ ص٩٣.

٥٤
في قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "آتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده" وقوله في حديث الثقلين: "إني قد تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي" تعلم ان المقصود في الحديثين واحد، حيث أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين، ولكنه عدل عن الكتابة بعد كلمتهم تلك التي فاجأوه بها اضطرته إلى العدول لئلا يفتح البعض باباً إلى الطعن في النبوة - إذ لم يبق أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة والاختلاف من بعده في أنه هجر فيما كتبه ـ والعياذ بالله ـ أم لم يهجر، كما اختلفوا بذلك في حضرته كما يظهر من خلال الأحاديث السابقة، وقد اكتفوا بما عندهم من القرآن وجوّزوا لأنفسهم العدول عن كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو في حال المرض، وكأنهم قد نسوا ما قاله جل وعلا في حق نبيه الكريم: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى * علمه شديد القوى)(١) والآية: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(٢) وكذلك الآية: ( إنّه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون)(٣).(٤)

١- النجم: ٣ ـ ٥.

٢- الحشر: ٧.

٣- التكوير: ١٩ ـ ٢٢.

٤- بتصرف عن كتاب المراجعات للإمام شرف الدين: ص٢٦١ ـ ٢٦٢.

٥٥
كتاب حقيقة الشيعة الإثنى عشرية لـ أسعد وحيد القاسم (ص ٥٦ - ص ٧٨)
٥٦
لأسامة بن زيد سرية لغزو الروم وهو ابن السابعة عشر عاماً، وهي آخر السرايا على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم، إلاّ وقد عبأه بالجيش (١) ـ وقد أجمع على هذه الحقيقة أهل السير والأخبار وهي من المسلمات ـ وأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أسامة بالمسير، إلاّ أنّهم تثاقلوا في ذلك، وقد طعن بعضهم في تأميره عليهم، حتى غضب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من طعنهم غضباً شديداً، فخرج معصب الرأس، وكان ذلك أثناء مرضه الأخير قبل وفاته بيومين، وصعد المنبر وقال كما أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر(رضي الله عنه): "قال: أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أسامة على قوم فطعنوا في إمارته، فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحب الناس إليّ بعده" (٢) ثم حضهم على المسير بها والتعجيل في ذلك، إلاّ أنّهم تباطؤوا مرة أخرى، وتوفي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يبدأوا بالمسير.

ويُستفاد من هذه الحادثة ما يلي:

١- رجال حول الرسول لخالد محمد خالد: ص٦٥٦، تاريخ الطبري ج٣ ص١٨٤، ١٨٦، النهاية لابن الأثير ج٢ ص٣١٧، طبقات ابن سعد ج٤ ص٦٥ ـ ٦٩.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص١٧٩ كتاب المغازي باب غزوة زيد بن حارثة.

٥٧
١ ـ اجتهاد بعض الصحابة في موضع نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أنّهم اعترضوا على تأمير أسامة عليهم لصغر سنة بالرغم من أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد لواءه بيده، فإذا فهمنا هذه، فإنّه لن يصعب علينا فهم كيفية وسبب اجتهادهم في مسائل أكبر كاستخلاف علي وإمامته كما سترى ذلك فيما بعد.

٢ ـ إنّ تأمير الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأسامة عليهم وهو ابن السبعة عشرة عاماً فقط، كان درساً عملياً للصحابة في مسألة تقبل إمارة من هو أصغر منهم سناً، حيث أظهر لهم غضبه الشديد عندما طعنوا في إمارته.

٣ ـ عندما عقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء لأسامة، كان يعلم بأن موعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى قد دنا، ولا شك أنّه كان يفكر بما سيحصل بعده من تنازع على الخلافة، فكانت حكمته بالغة في وضع كبار المهاجرين والأنصار في تلك السرية والتي أمرها بالمسير قبل وفاته بأيام حتى لا يكون هناك أي مجال للتنازع على الإمارة، فضلاً عن الاجتهاد فيها. وقد كان علي ملازماً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) طوال فترة مرضه، وبعد وفاته اشتغل بغسله في الوقت الذي ذهب فيه المهاجرون والأنصار يتنازعون على الإمارة في سقيفة بني ساعدة بعد أن تثاقلوا ورفضوا المسير في بعثة أسامة والذين كانوا جنوداً فيها، اجتهاداً منهم لقلقهم كما يبدو على ما سيحدث بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال

٥٨
غيابهم!

وهكذا، فإنّ من يصعب عليه قبول أو استيعاب مسألة رفض بعض الصحابة لإمامة علي بن أبي طالب عليهم، فكيف يُفسّر رفض هؤلاء أنفسهم تأمير أسامة عليهم بل وطعنهم في ذلك، بالرغم من أنّه بأمر من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً؟

وبما أنّ حادثتي رزية يوم الخميس والطعن بتأمير أسامة قد حصلتا في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبكل ما فيهما من أهوال، فما بالك بالذي سيحصل بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)؟؟

ثالثاً: احداث السقيفة وبيعة أبي بكر

في الوقت الذي كان علي(عليه السلام) ومن معه من أقرباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مهتمين بتجهيز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله عن هذه الدنيا، كان عمر بن الخطاب يعلن إنكاره لوفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويهدد كل من يقول ذلك بالقتل، ولم يكن يصدق بوفاته حتى رجع أبو بكر من مكان خارج المدينة يدعى السنح، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة(رضي الله عنه): "إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مات وأبو بكر بالسُّنْحِ، قال اسماعيل: تعني بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلاّ ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاءه أبوبكر، فكشف عن

٥٩
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً، والله الذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك" (١).

أما الأنصار فقد اجتمعوا في سقيفتهم "سقيفة بني ساعدة" ورشحوا سعد بن عبادة ليكون خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندما علم كبار المهاجرين (أبوبكر وعمر وأبو عبيدة) بذلك، ذهبوا إليهم على الفور وأعلنوا أنهم أحق بالأمر، ودار حوار بين المهاجرين والأنصار اشتد فيه الجدل والنزاع، وقد وقف زعيم الأنصار سعد بن عبادة قائلاً: "أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر"(٢).

فقام أبوبكر وألقى خطاباً ذكر فيه فضل المهاجرين، واحتج بقرشيتهم في أحقيتهم، بالخلافة كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه: "فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن

١- صحيح البخاري ج٥ ص٧ ـ ٨ كتاب فضائل الصحابة باب إن لم تجد نبي فإن أبا بكر.

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٢١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٦٠