×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الشيعة الإثنى عشرية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبوبكر(١)... فقال أبوبكر: لا، ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً (٢)،.... وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين(٣) فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح"(٤).

فرد عليه أحد وجهاء الأنصار وهو الحباب بن المنذر قائلاً: "لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير" (٥)، وكان رد الأنصار في رواية أخرى: "فقال قائل الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الأختلاف" (٦).

وبعد تأزم الموقف إلى هذا الحد، جاء دور عمر بن الخطاب، فقال: "هيهات أن يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن

١- صحيح البخاري ج٥ ص٨ كتاب فضائل الصحابة باب إن لم تجد نبي فإن أبابكر.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص٨ كتاب فضائل الصحابة باب إن لم تجد نبي فإن أبابكر.

٣- صحيح البخاري ج٨ ص٢١١ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٤- صحيح البخاري ج٥ ص٨ كتاب فضائل الصحابة باب إن لم تجد نبي فإن أبابكر.

٦- صحيح البخاري ج٨ ص٢١١ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٦١
يؤمّروكم ونبيّها من غيركم، ولنا الحجة بذلك على من أبى".

فرد عليه الحباب بن المنذر قائلاً: "يا معشر الأنصار، أملكوا عليكم أمركم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فأنتم أحق بهذا الأمر منهم".

ولكنّ الأنصار انقسموا في هذه الأثناء على أنفسهم، فذهب أسيد بن حضير زعيم الأوس ـ الذي كان معارضاً لزعيم قبيلة الخزرج سعد بن عبادة ـ وأعلن للمهاجرين تأييده لهم ووعد بإعطائهم البيعة.

فقام عمر وقال لأبي بكر: إبسط يدك أبايعك، فبايعه عمر وقسم من المهاجرين والأنصار، وكما يروي البخاري بالسند إلى عائشة(رضي الله عنه) بأن عمر أخذ البيعة لأبي بكر بتهديدة وتخويفه لهم: "قالت عائشة: فما كانت من خطبتهما من خطبة إلاّ نفع الله بها، لقد خوّف عمر الناس، وإنّ فيهم لنفاقاً فردهم الله بذلك" (١).

وقال عمر يومها بشأن سعد بن عبادة الذي رفض المبايعة ـ وقد كان شيخاً كبير السن ـ كما ـ يروي ذلك البخاري في صحيحه: "...ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة،

١- صحيح البخاري ج٥ ص٩ كتاب فضائل الصحابة باب إن لم تجد نبي فإن أبابكر.

٦٢
فقال عمر: قتله الله" (١).

وإلى هذا الحد نسدل الستار على مسرح أحداث السقيفة والتي انتهت بعقد البيعة لأبي بكر بعد صراع مشهود بين المهاجرين والأنصار على الخلافة، وقد اصطبغ ذلك النزاع بنزعة جاهلية كما يظهر بوضوح من خلال التمعن بطبيعة الحوار الذي جرى بين الفريقين، والحجج التي احتج بها كل على الآخر، وقد اعترف الخليفة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) في آخر حياته بأنّ بيعة أبي بكر كانت (فلتة) ولكن الله وقى شرها ـ على رأيه ـ كما يروي ذلك البخاري في صحيحه، حيث قال عمر: "... فلا يغترن امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها" (٢).

والكل يعلم أنّ الإمام علياً(عليه السلام) وسائر أوليائه من بني هاشم وغيرهم من الصحابة ـ أمثال الزبير وطلحة وعمار وسلمان والمقداد وأبوذر وخزيمة ذي الشهادتين وخالد بن سعيد وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم ـ لم ـ يشهدوا تلك البيعة ولم يدخلوا السقيفة يومئذ، لأنّهم كانوا منصرفين بكلهم إلى الخطب الفادح بوفاة

١- صحيح البخاري ج٨ ص٢١١، ج٥ ص٨.

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٢١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٦٣
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقيامهم بالواجب من تجهيزه وتشييع جثمانه الطاهر، وقد أبرم أهل السقيفة البيعة لأبي بكر، فلم يكن بمقدور علي ومن معه أكثر من أن يخالفوا ويمتنعوا عن المبايعة، كما يظهر من رواية عمر بن الخطاب: "وإنّه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف منا علي والزبير ومن معهما" (١).

(ولم ير الإمام علي(عليه السلام) للإحتجاج عليهم أثراً سوى الفتنة التي كان يفضل أن يضيع حقه على حدوثها في تلك الظروف، بسبب الفتن الخطيرة التي أحاطت بالإسلام من كل جانب، فخطر يهدد الإسلام من المنافقين من أهل المدينة وبمن حولهم من الأعراب الذين قويت شوكتهم بعد رحيل المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، بالإضافة إلى خطر مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة، والرومان والأكاسرة والقياصرة وغيرهم الذين كانوا للمسلمين بالمرصاد، وغير ذلك من الأخطار التي كانت تهدد الإسلام ووجوده، فكان من الطبيعي أن يضحي الإمام علي(عليه السلام) بحقه، ولكن دون أن يمحو حجيته في الخلافة، فأراد الاحتفاظ بحقه في الخلافة والإحتجاج على من اجتهد فيها بالشكل الذي لا يوقع الفتنة التي سينتهزها أعداء الإسلام،

١- صحيح البخاري ج٨ ص٢١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٦٤
فقعد في بيته وتخلف عن المبايعة هو ومن معه لمدة ستة شهور)(١)وكما في رواية البخاري التالية، والتي تثبت أيضاً أنه لو كان لعلي(عليه السلام)القوة الكافية لانتزاع حقه بالقوة في ذلك الوقت دون حصول الفتنة لفعل، فعن عائشة(رضي الله عنه) قالت:

".... وعاشت (فاطمة) بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبابكر وصلى عليها. وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر: ان ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبوبكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ والله لآتينّهم" (٢).

ولقد فسّر الإمام شرف الدين تصرف عـي (عليه السلام) هذا بقوله:

(ولو أسرع علي إليهم في المبايعة حين عقدها، لما تمت له حجة ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والاحتفاظ بحقه في الخلافة، فالظروف يومئذ لا تسمح لمقاومة بسيف، ولا مقارعة بحجة)(٣) وتظهر هذه الحقيقة جلياً

١- بتصرف عن كتاب المراجعات للإمام شرف الدين: ص٢٨٤.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص١٧٧ كتاب المغازي باب غزوة خيبر.

٣- بتصرف عن كتاب المراجعات للإمام شرف الدين: ص٢٨٥.

٦٥
عندما سعى أبو سفيان إلى علي(عليه السلام) أكثر من مرة يحضه على الاستمساك بحقه في الخلافة قائلاً: "إن شئت لأملئنها عليهم خيلاً ورجالاً، ولأسدنها عليهم من أقطارها" (١). ولكن الإمام(عليه السلام) كان يرفض هذا النوع من المساعدة في كل مرة، لأنه كان يعلم أنّ ما يقصده أبو سفيان هو إذكاء نار الفتنة وإشعال حرب لا يقوم بعدها للإسلام قائمة.

هل المح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باستخلاف أبي بكر؟

إن بعض من يقول بأحقية أبي بكر بالخلافة والماح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) له بذلك فانّما ذلك على رواية أخرجها ابن الجوزي بسنده عن علي(عليه السلام): قال: "لما قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوجدنا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لديننا، فقدمنا أبابكر" (٢).

وهذه الرواية فيها كذب صارخ، فعلي(عليه السلام) الذين يدّعون روايته لهذا الحديث هو الذي خالف أبا بكر ولم يبايعه إلاّ بعد ستة أشهر وقد تشيع حوله المخالفون من عظماء الصحابة كما مر، وعلى تقدير صحة

١- خلفاء الرسول لخالد محمد خالد ص٤١٨ الطبعة الثامنة، تاريخ الطبري (حوادث سنة ١١ هجرية).

٢- صفوة الصفوة لابن الجوزي ج١ ص٢٥٧.

٦٦
الرواية فإنّه يلزم أن يكون الإمام علي(عليه السلام) أول من يبايع.

وبالإضافة إلى تخلّف علي(عليه السلام) عن مبايعة أبي بكر، والذي يكفي وحده لدحض تلك الرواية، فإنّ هناك دلائل أخرى تؤكد كذبها:

١ ـ بعثة أسامة بن زيد التي عقد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لواءها بيده الشريفة، وحث الصحابة على المسير بها وهو في آخر لحظات عمره الشريف، وقد كان بين أفراد تلك السرية كبار المهاجرين ـ أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ـ، فلو أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستخلف أبا بكر لما جعله بين أفراد تلك السرية.

٢ ـ ولو صحت الرواية أعلاه، لاحتج بها أبو بكر نفسه يوم السقيفة على مخالفيه في الوقت الذي كان هو في أمسّ الحاجة لحجة يحسم بها ذلك الصراع، وبدلاً من ذلك، فقد رأيناه يحتج يومئذ بأن قبيلة قريش هي "أعربهم أحساباً" كما مر.

٣ ـ وفق كل ذلك، فإن هذه الرواية تدحض بوجود الأحاديث القطعية الثبوت في استخلاف علي(عليه السلام)، فراجع ما أوردناه في ذلك من نصوص في الصفحات السابقة.

٦٧

غضب فاطمة(عليها السلام)

لقد توفيت فاطمة(عليها السلام) غاضبة على أبي بكر بسبب حرمانه إياها من ميراثها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكما يروي البخاري في صحيحه بالسند إلى عائشة(رضي الله عنه) قالت: ".... إنّ فاطمة(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)طلبت ان يقسم لها ميراثها، ما ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مما أفاء الله عليه. فقال لها أبوبكر: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبابكر نصيبها مما ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبوبكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل به" (١).

وقد كان غضبها على أبي بكر عظيماً إلى الحد الذي جعلها توصي علياً(عليه السلام)أن لا يصلي أبوبكر عليها بعد وفاتها، بل ولا حتى أن يمشي في جنازتها، حيث وارى الإمام علي(عليه السلام) جثمانها الطاهر سراً في الليل كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه بالسند إلى عائشة(رضي الله عنه): "....فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت: وعاشت بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبابكر وصلى عليها" (٢).

١- صحيح البخاري ج٤ ص٩٦ كتاب الخمس باب الفرائض.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص١٧٧ كتاب المغازي باب غزوة خيبر.

٦٨
وأرض فدك التي كانت تطالب بها فاطمة(عليها السلام)، هي قرية في الحجاز كان يسكنها طائفة من اليهود، ولما فرغ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من خيبر، قذف الله في قلوبهم الرعب، فصالحوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على فدك، فكانت ملكاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ثم قدمها لابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام)، بالإضافة لما ملكه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من خمس خيبر وصدقات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت هذه كلها ملكاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة ولا حتى فيها لأحد غيره.

ففاطمة(عليها السلام) ـ على رأي أبي بكر ـ كانت تطالب بما ليس لها حق فيه. وهي حسب هذا الرأي تكون أحد أمرين لا ثالث لهما، أولهما: أنّها كانت جاهلة لاتعلم حكم ميراث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (كما يعلم أبو بكر) وثانيهما: أنّها كانت كاذبة تطمع بأخذ ما لم يكن حقاً لها.

والحقيقة أنّ كلا الأمرين مستحيلان على الزهراء(عليها السلام) التي كان يغضب الله لغضبها وهي سيدة نساء المؤمنين وأهل الجنة، وقد طهرها الله تعالى من كل اثم ورجس كما مر سابقاً، وكما اخرج البخاري في صحيحه أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

"يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" (١).

١- صحيح البخاري ج٨ ص٧٩ كتاب الاستئذان باب من ناجى بين يدي الناس.

٦٩
"فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" (١).

"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" (٢).

وحتى لو سلمنا أنّ فاطمة(عليها السلام) كانت كسائر النساء وليس لها كل تلك الميزات ـ كما في الروايات أعلاه ـ فإنّ كونها ابنة لمعلم البشرية وزوجة لأميرالمؤمنين علي(عليه السلام) والذي شهدوا له بأنه أقضاهم ـ أي أعلمهم ـ ينفي عنها أي احتمالية لجهل، ذلك أنّه لو كانت فاطمة(عليها السلام) تطالب بما ليس حقاً لها وأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يورث ـ على حد رأي أبي بكر ـ فإنّ أيّاً من أبيها أو زوجها كان الأجدر أن يعلمها بذلك، وخصوصاً أنّ غضبها على أبي بكر دام لستة شهور وهذه الفترة هي كل ما عاشته فاطمة بعد رحيل المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن هيهات أن تكون فاطمة والعياذ بالله كذلك، حيث إنّه لما بلغها منع أبي بكر حقها في فدك وما أفاءالله على أبيها بالمدينة وخمس خيبر، ذهبت إليه وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، وخطبت فيهم ما أجهش له القوم بالبكاء، ونقتطف من خطبتها تلك:

١- صحيح البخاري ج٥ ص٣٦ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب فاطمة رضي الله عنها.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص٣٦ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب فاطمة رضي الله عنها.

٧٠
"... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ولا حظ ـ أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ـ ويهاً معشر المسلمة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً ـ ثم تلت عليهم ـ ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل * أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(١).... إيهاً بني قيلة!! أأهتضم ميراث أبي وأنت بمرأى مني ومسمع؟....إلى آخر تلك الخطبة (٢).

وبالإضافة لذلك، فإن معنى قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): " لا نورث" لا يعني عدم انطباق قوانين الميراث على الأنبياء ـ كما اجتهد في ذلك أبوبكر ـ. وقد نص القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: ( وورث سليمان داوود...) (٣)، كما إنّ زكريا يدعو الله تعالى أن يرزقه من يرثه، فرزقه يحيى: ( يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً * يا زكريا إنّا نبشرك بغلام اسمه يحيى....)(٤) وليس معنى يرثني في الآية السابقة أن يرث النبوة، فالنبوة ليست بالوراثة، وبذلك فإن معنى قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "لا نورث" هو أنّ الأنبياء لن يجمعوا أو

١- سورة آل عمران: ١٤٤.

٢- منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير ص٥٠٤ ـ ٥٠٥.

٣- النمل: ١٦.

٤- مريم: ٦ ـ ٧.

٧١
يكدسوا الذهب والفضة، ليكون ميراثاً بعدهم، كما يفعل الملوك وطلاب الدنيا.

وبحرمان أبي بكر لفاطمة(عليها السلام) من ميراث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد وجد البعض في ذلك فرصة للإدعاء بأن هذا الخلاف هو السبب وراء تخلف علي(عليه السلام) عن مبايعة أبي بكر، وليس لأنّه يرى نفسه صاحب الخلافة الشرعي. وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى تخلف جمع من أعاظم الصحابة عن المبايعة أيضاً وقد والوا علياً؟ وما معنى قول عائشة: "إنّ علياً أرسل أبي بكر: ان آتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر"؟؟ فعمر بن الخطاب لم يكن له أي تدخل في مسألة الخلاف في ميراث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بينما كان له الدور الحاسم في انهاء صراع السقيفة لصالح أبي بكر، هذا فضلاً عن أنّ مسألة الميراث لا تعتبر مانعاً أو مبرراً في أي حال من الأحوال لعدم إعطاء الإمام علي وفاطمة(عليها السلام) البيعة لأبي بكر أو حتى التخلف عنها.

هل ماتت فاطمة(عليها السلام) ميتة جاهلية؟

أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية" (١).

١- صحيح البخاري: ج٩ ص٥٩ كتاب الفتن باب سترون بعدي أموراً تنكرونها.

٧٢
وفي صحيح مسلم، قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١).

وفي مسند أحمد، قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية" (٢).

فالأحاديث الثلاثة أعلاه تثبت قطعاً أن من يموت دون مبايعة الأمير أو الإمام، فإن ميتته تعتبر جاهلية، ولا شك أنّ الإمام المقصود هنا هو الإمام الواجب الطاعة حسب الشريعة الإلهية وليس غيره.

ولقد توفيت فاطمة الزهراء(عليها السلام) دون مبايعة الخليفة أبي بكر(رضي الله عنه)، ليس ذلك فقط، بل وماتت غاضبة عليه وأوصت بأن لا يصلي عليها أو حتى يمشي في جنازتها، حيث أخرج البخاري في صحيحه ما روته عائشة(رضي الله عنه) بشأن حرمان أبي بكر لفاطمة(عليها السلام) من ميراث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):

"... فغضب فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبابكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر....، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبابكر

١- صحيح مسلم: كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ج٤ ص١٤٧٨ ذ ح ٥٨.

٢- مسند أحمد: ج٤ ص٩٦.

٧٣
وصلى عليها" (١).

فهل يمكن لأحد القول بأن الزهراء(عليها السلام) لم تسير على هدى التوجيهات النبوية في الأحاديث السابقة؟ حيث أظهرت عدم صبرها على ما رأته وكرهته من فعل الخليفة أبي بكر، وعدم طاعتها له واعتراضها وغضبها عليه، ووصيتها بأن لا يصلي عليها أو أن يمشي في جنازتها، الأمر الذي يدل على أنّها لم تبتعد عن سلطان أبي بكر شبراً واحداً فقط وإنما أميالاً كثيرة!

فهل يمكن القول بناءً على ذلك أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) ماتت ميتة جاهلية؟؟

ولكن فاطمة(عليها السلام) وبإتفاق جميع فرق المسلمين هي سيدة نساء المؤمنين وسيدة نساء الجنة، كما أثبت ذلك البخاري في صحيحه بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة"(٢) وكذلك قوله: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" (٣)، وفضلاً عن ذلك، فإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يغضب لغضبها والذي يعني دون شك غضب الله تعالى على من يغضبها، كما

١- صحيح البخاري ج٥ ص١٧٧، كتاب المغازي باب غزوة خيبر.

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٧٩ كتاب الإستئذان باب من ناجى بين يدي الناس.

٣- صحيح البخاري ج٥ ص٣٦ كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة رضي الله عنها.

٧٤
جاء في الحديث: "إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" (١). فكيف لأحد من الانس أو الجن أن يقول بأنّها ماتت ميتة جاهلية؟

فبناءً على ما سبق والأحاديث الصحيحة التي تحكم بميتة جاهلية لكل من يموت دون مبايعه الخليفة أو الأمير أو الإمام الواجب الطاعة، هناك احتمالين لا ثالث لهما:

الأول: أنّ فاطمة ماتت ميتة جاهلية، وكان أبوبكر الأمير الواجب الطاعة.

الثاني: أنّ فاطمة لم تمت ميتة جاهلية، وكان أبوبكر الأمير غير واجب الطاعة.

وهكذا فإنّ الائمة (أو الأمراء) الواجبي الطاعة والذين عدم مبايعتهم فيها ميتة جاهلية هم ليسوا أبابكر أو معاوية أو السفاح وغيرهم.

رابعاً: استخلاف عمر

لما نزل بأبي بكر المرض دعى عثمان بن عفان وقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة إلى

١- صحيح البخاري ج٥ ص٣٦ كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة رضي الله عنها.

٧٥
المسلمين، أما بعد. فأغمى على أبي بكر، فكتب عثمان: أمّا بعد، فإنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً، ثم أفاق أبوبكر فقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أسلمت نفسي في غشيتي، قال: نعم، قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. وأقرّها أبوبكر من هذا الموضع (١).

وكما يروى أيضاً أنّ عمر كانت بيده الصحيفة التي فيها استخلاف أبي بكر له ويقول للناس: "أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله إنّه يقول: إنّي لم آلكم نصحاً"(٢).

وهكذا، فإنّه كما لعب عمر بن الخطاب ذلك الدور الحاسم في تنصيب أبي بكر خليفة يوم السقيفة بتخويفه للناس وبأخذه منهم البيعة لأبي بكر بالشدة - كما مر إثباته ـ، مستغلاً الانشقاق الذي حصل بين صفوف الأنصار وغياب أصحاب الخلافة الشرعيين لانشغالهم بتجهيز الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لمثواه الأخير. فإنّ أبابكر أيضاً لعب نفس الدور، بتنصيب الخليفة عمر بعده، ولم يكلفه ذلك سوى حبرة قلم.

١- تاريخ الطبري ج٣ ص٤٢٩، تاريخ دمشق لابن عساكر ج٤٤ ص٢٥١ ـ ٢٥٢.

٢- تاريخ الطبري ج٣ ص٤٢٩.

٧٦
وبالرغم من شدة مرض أبي بكر أثناء كتابته تلك الوصية بل واغمائه حينها، إلاّ أنّ أحداً لم يقل بأنّ أبابكر كان (يهجر) فيما كتب، بينما لم يتردد الخليفة عمر ومن كان يؤيده برمي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بتلك الكلمة المؤلمة حين سألهم أن يأتوه بكتاب يكتبه لهم حتى لا يضلوا بعده أبداً!!

وزعم أبوبكر أن سبب تسميته للخليفة عمر بعده هو خشيته من الاختلاف بعده، وهكذا تقبّل أهل السنة هذا العذر منه بعد أن خالف الشورى التي يزعمون أنها المبدأ الذي يتم به انتخاب خليفة المسلمين. وسترى لاحقاً كيف أنّهم تقبلوا أيضاً حتى خلافة معاوية وابنه يزيد من بعده بالرغم من تسنمهم لإمرة المسلمين بالقهر وغلبة السيف الذي أعملوه برقاب المسلمين قتلاً لا سيما العترة الطاهرة من أهل البيت.

ولكن السؤال الذي أردنا طرحه هنا، لماذا لم يتقبل أهل السنة فكرة تسمية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لخليفة بعده كما تقبلوا ذلك من أبي بكر؟ وخصوصاً أنّ أسباب الاختلاف على الخلافة وقت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت أعظم مما كانت عليه زمن وفاة أبي بكر، هذا فضلاً عن النصوص الواضحة بوجوب الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام)فيما يختلف به المسلمون بعد رحيل المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) واستخلاف علي بن أبي طالب(عليه السلام).

٧٧

خامساً: استخلاف عثمان:

لما طعن الخليفة عمر، قيل له استخلفت، فقال: لو كان أبو عبيدة الجراح حياً لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته، ثم قال لهم: "إنّ رجالاً يقولون إنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، وإنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى" (١) قال: جعلت أمركم شورى إلى ستة نفر من المهاجرين الأولين، حيث سماهم قائلاً: "ادعوا لي علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فإذا اجتمع رأي أربعة، فليتبع الاثنان الأربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة، فاتبعوا رأي عبدالرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا..."(٢).

ومن الرواية أعلاه بظهر أنّ الخليفة عمر قد جعل الترشيح بيد عبدالرحمن بن عوف، وهذه صورة ثالثة من صور الشورى التي يقولون بها، وقد أمر الخليفة عمر عبدالرحمن بن عوف أن يشترط فيمن يبايع له العمل بسيرة الشيخين ـ أبوبكر وعمر ـ بالإضافة إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه.

وكما كان متوقعاً، فقد انقسم الستة إلى ثلاثتين ومرشحين، فأما الثلاثة في الطرف الأول هم علي وطلحة والزبير ومرشحهم هو

١- تاريخ الطبري ج٤ ص٢٢٧.

٢- أنساب الاشراف ج٦ ص١١٩، طبقات ابن سعد ج٣ ص٦١.

٧٨
كتاب حقيقة الشيعة الإثنى عشرية لـ أسعد وحيد القاسم (ص ٧٩ - ص ١٠٠)
٧٩
الناس" (١).

وهكذا فإنّه بوضع الخليفة عمر شرط قبول من يبايع له العمل بسيرة الشيخين بجانب العمل بكتاب الله وسنة نبيه، يكون قد قرر الخلافة لعثمان من حينه، لأنه كان يعلم موقف الإمام علي(عليه السلام) من هذا الشرط بالإضافة إلى علمه بأن طلحة والزبير سيقفان في جانب علي لما عرف من موقفهما المؤيد له يوم السقيفة. أضف إلى ذلك إعطاء عمر حق الترجيح إلى عبدالرحمن بن عوف، ليتضح لك أي نوع من الشورى التي يزعمون؟

مقتل الخليفة عثمان:

لقد أثير كلام كثير حول مقتل الخليفة عثمان، وتضاربت الأقوال والروايات في ذلك، وخصوصاً بما يتعلق بالفئة التي كانت تحرّض على قتله، والأسباب التي كانت تدفعهم لذلك الأمر، وبلوغ تلك الأحداث ذروتها بمقتله.

على أنّ أرجح التفسيرات لذلك تكمن في الممارسات على صعيد سدة الحكم، وتعيين الولاة من أقرباء الخليفة عثمان وصرف الأموال لهم من خزينة الدولة الأمر الذي أثار ضده ملامة اللائمين وثورات الثائرين. يقول الكاتب المعروف خالد محمد خالد: "بل لا

١- صحيح البخاري ج٩ ص٩٧ كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس.

٨٠