×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الشيعة الإثنى عشرية / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

بالرغم مما اشتهر به عمر بن عبدالعزيز من التقوى والعدل على عكس معاوية الذي اشتهر بإحداثه الفتنة الكبرى بين المسلمين في صفين وخروجه على أميرالمؤمنين علي(عليه السلام) كما مرّ سابقاً، وإضافة لما اشتهر به عمر بن عبدالعزيز بأنّه الخليفة الراشدي الخامس عند أهل السنة، وهذا بحد ذاته يدل على عدم رشد معاوية، وبالتالي عدم لزوم رشد أحد بمجرد صحبته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن المفيد أن نتساءل في هذا المقام، أيهما أعلى درجة: من آمن بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن رأى عشرات المعجزات السماوية بأم عينيه، أم الذي آمن بالإسلام دون أن يرى أياً منها؟؟

والحقيقة أنّني لم أر تفسيراً لهذه المبالغة بدرجة تقوى الصحابة، وإشاعة فكرة عدالتهم جميعاً ما هو إلاّ لغلق الباب في وجه كل من ينتقد بعض الصحابة الذين عملوا على إبعاد الخلافة عن أصحابها الشرعيين، وهكذا فإنّ الكثيرين من أهل السنة يرفضون جميع الأدلة الدامغة على احقية أهل البيت(عليهم السلام) بإمامة المسلمين لا لشيء إلا الاعتقادهم بعدالة جميع الصحابة وهم لذلك يحملون أي تصرف قاموا به على الصحة.

وأما الذين عملوا على بث هذه الفكرة الخاطئة فهو لأنّهم كانوا يرون بالأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)خطراً يهدد عروشهم، لعلمهم ما لهؤلاء حقاً في ذلك، فكان لابد من محاولة إضفاء نوع من التعتيم

١٢١
والفوضى على الأحاديث والآيات التي تظهر مكانتهم وفي نفس الوقت رفعهم لمكانة جميع الصحابة حتى لا يكون للأئمة من أهل البيت تلك الميزة التي أهلتهم ليكونوا موضع اختيار الله عزّوجلّ لإمامة أمة الإسلام بعد رحيل المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).

وهكذا، فإن الحديث المزعوم والقائل بنجومية جميع الصحابة الذي مر قد اقتبست الفاظه ومعانيه من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

"النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب، اختلفوا فصاروا حزب إبليس"(١).

وقد كان من أهم الآثار السلبية التي تمخضت نتيجة للاعتقاد بعدالة جميع الصحابة هو وجود ذلك الكم الهائل من الروايات الغثة في كتب الحديث كالإسرائيليات والمسيحيات وغير ذلك من الخرافات مما يتخذ مطاعن على دين الإسلام، ذلك أنّ تلك الروايات قد أخذت محل القبول والتصديق لمجرد أنها رويت عن الصحابة بالرغم من كل ما يحتمل عليهم فعله كما بينا ذلك من خلال الروايات العديدة السابقة.

١- مستدرك الصحيحين ج٣ ص١٤٩.

١٢٢
١٢٣

الفصل الثالث
الشيعة والقرآن الكريم

يعتقد الشيعة أنّ (القرآن هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم في تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن محاربتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه وكلهم على غير هدى، فإنّه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(١).

ويقول شيخ المحدثين محمد بن علي القمي الملقب بالصدوق: "اعتقادنا في القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما

١- عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر: ص٨٥، ط القسم العربي بدار التبليغ الاسلامي قم.

١٢٤
كتاب حقيقة الشيعة الإثنى عشرية لـ أسعد وحيد القاسم (ص ١٢٥ - ص ١٤٥)
١٢٥
الكذب على الناس وعلى الوحي؟" (١).

وأما الروايات غير الصحيحة والتي قد يستند إليها البعض والتي تقول بتحريف القرآن والموجودة في كتب الحديث عند الشيعة، فإنّها مدانة ومرفوضة يوجد مثيلها في كتب صحاح الحديث عند أهل السنة، وقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة(رضي الله عنه)أنّها قالت:

"سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله لقد أذكرني آية كذاوكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا" (٢).

وبالطبع فإنّه لا يمكن لأحد أن يصدق بما يعنيه الحديث أعلاه والذي يشير إلى عدم حفظ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للقرآن كاملاً أن نسيانه لبعض الآيات منه، وفيما يلي ما يشير إلى أنّ جزءاً من سورة الأحزاب لم يجدوه إلاّ مع خزيمة الأنصاري أثناء جمع القرآن، وذلك على حد ما أخرجه البخاري في صحيحه، فعن زيد بن ثابت قال:

"لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقرؤها لم أجدها مع أحد إلاّ مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته شهادة رجلين

١- دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين.

٢- صحيح البخاري ج٦ ص٢٣٩ كتاب فضل القرآن باب نسيان القرآن.

١٢٦
من المؤمنين ـ ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)(١)ـ" (٢).

وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت قال:

".... فقمت فتتبَّعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره" (٣) فأين هذه الرواية من الحقيقة القائلة بنقل القرآن بالتواتر؟؟

ومن ضمن الروايات الكثيرة التي أخرجها البخاري وغيره من رجال الحديث من أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، والتي تقول صراحة بتحريف القرآن الكريم ما يروى عن الخليفة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) بالسند عن عبدالله بن عباس(رضي الله عنه) قال:

"خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف. فأنكر عليّ وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر. فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعد، فإنّي قائل لكم مقالة قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين

١- الأحزاب: ٢٣.

٢- صحيح البخاري ج٦ ص١٤٦ كتاب التفسير باب فمنهم من قضى نحبه.

٣- صحيح البخاري ج٦ ص٩٠ كتاب التفسير باب لقد جاءكم رسول من أنفسكم.

١٢٧
يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحلّ لأحد أن يكذب عليّ.

إنّ الله بعث محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: "والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف" (١).

والرواية التالية التي أخرجها البخاري أيضاً تبين أنّ عمر بن الخطاب كان يود أن يضيف تلك الآية التي أسقطت (على حد زعمه) بنفسه، ولكنه كان يخشى كلام الناس:

"قال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي وأقر ماعز عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالزنا أربعاً فأمر برجمه" (٢).

وأما الآية المزعومة فهي: "والشيخ والشيخة إذا زنيا

١- صحيح البخاري ج٨ ص٢٠٩ ـ ٢١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

٢- صحيح البخاري ج٩ ص٨٦ كتاب الأحكام باب الشهادة تكون عند الحاكم.

١٢٨
فارجموهما البتة"(١) كما روى ذلك ابن ماجة في صحيحه:

وبما أنّ القرآن الذي بين أيدينا نعتقد جزماً بعدم تعرضه لأي نقصان أو زيادة، فإنّه لابد وأن يكون الخليفة عمر(رضي الله عنه) قد التبس عليه الأمر، وقد يكون مصدر هذا الالتباس وجود آية الرجم فعلاً، ولكن في توراة أهل الكتاب وليس القرآن الكريم كما يظهر من رواية ابن عمر الذي قال:

"...أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخّم وجوههما ونخزيهما، قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا فقالوا لرجل ممن يرضون أعور ـ: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد، إنّ عليهما الرجم ولكننا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما" (٢).

وما يقوي احتمال وقوع التباس الخليفة عمر(رضي الله عنه) بين كتاب الله الحكيم وتوراة أهل الكتاب ما ذكره الجزائري في كتابه: "هذه نصيحتي إلي كل شيعي" وهذا نصه: (... وكيف تجوز قراءة تلك

١- سنن ابن ماجة ج٢ ص٨٥٤ ح٢٥٥٣.

٢- صحيح البخاري ج٩ ص١٩٣ كتاب التوحيد باب ما يجوز من تفسير التوراة.

١٢٩
الكتب المنسوخة المحرّفة والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يري عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)وفي يده ورقة من التوراة فينتهره قائلاً: ألم آتيكم بها بيضاء نقية؟! إذا كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرض لعمر مجرد النظر في تلك الورقة من التوراة...) (١).

ويروى عن الخليفة عمر أيضاً قوله:

"ثم إنّا كنّا نقرأ من كتاب الله ـ أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ـ أو إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (٢).

ولا يخفى على أحد أن هذه الآية كسابقتها ليس لها وجود في كتاب الله.

وأما عبدالله بن مسعود، فقد روي عنه أنّه كان يضيف كلمتي "الذكر والأنثى" على الآية الكريمة ـ (والليل إذا يخشى) ـ فعن علقمة قال:

"....كيف يقرأ عبدالله ـ والليل إذا يخشى ـ فقرأت عليه ـ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ـ قال: والله لقد أقرأنيها

١- هذه نصيحتي إلى كل شيعي لأبي بكر الجزائري.

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٢١٠ كتاب المحاربين من أهل الكفر باب رجم الحبلى من الزنا.

١٣٠
رسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من فيه إلى في" (١).

وهكذا يوقعنا البخاري الذي أخرج هذه الرواية في صحيحه في تناقض جديد، ذلك إنّه يروي أيضاً أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين باستقراء القرآن من عبدالله بن مسعود. فبالروايد عن ابن عمر قال: بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول:

"استقرئوا القرآن عن أربعة: عن عبدالله بن مسعود فبدأ به" أو قال: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبدالله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل" (٢).

فكيف يأمرنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) باستقراء القرآن ممن لا يحسن حفظه؟

نترك الإجابة على هذا السؤال بالطبع للبخاري ومن سار على منهجه باعتقاد صحة كل ما رُوي في صحيحه.

وأما صحيح مسلم، فقد وجد فيه مثل ذلك أيضاً، فعن عائشة(رضي الله عنه) أنّها قالت:

١- صحيح البخاري ج٥ ص٣١ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمار وحذيفة.

٢- صحيح البخاري ج٥ ص٣٤ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عبدالله بن مسعود.

١٣١
"كان فيما أنزل من القرآن ـ عشر رضعات معلومات ـ فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهن فيما يقرأ من القرآن"(١)، وزعم عائشة هذا مما فيه رد صريح على من يقول بأنّ أمثال هذه الروايات هو مما نسخ، وإلاّ فما معنى زعمها استمرار قراءتها بالرغم من وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟؟

وعن أبي الأسود عن أبيه قال:

"إنّ أبا موسى الأشعري بعث إلى قرّاء البصرة وكانوا ثلاثمائة رجل، فقال فيما قال لهم: وإنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، غير أنّي حفظت منها ـ لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ـ" (٢).

وفي كتاب (الاتقان في علوم القرآن) للسيوطي، يذكر بعض الروايات بأنّ القرآن ١١٢ سورة فقط أو بإضافة سورتي الحقد والخلع (٣)....! وغير ذلك من أمثال تلك الروايات والتي نكتفي بالقدر

١- صحيح مسلم ج٢ ص١٠٧٥ ح٢٤، كتاب الرضاع باب التحريم بخمس رضعات.

٢- صحيح مسلم كتاب الزكاة ج٢ ص٧٢٦ ح١١٩. باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً.

٣- الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: ص٦٥.

١٣٢
الذي أوردناه منها.

وبعد، فهل يجوز أن يقول الشيعي أنّ قرآن أهل السنة ناقص أو زائد لوجود روايات تقول بذلك في كتب الحديث عندهم؟ بالتأكيد لا، لأنّ إجماع أهل السنة هو القول بعدم تحريف القرآن. وأمّا مسألة وجود هذه الروايات القائلة بالتحريف في كتب صحاح الحديث عندهم ـ لا سيما البخاري ومسلم منها والتي ألزم أهل السنة أنفسهم بأنّ جميع ما روي فيها يعتبر صحيحاً على رأيهم ـ فإن تفسير ذلك يكون بأحد أمرين لا ثالث لهما: فإما أنّ تلك الروايات صحيحة ولكن فيها من الالتباس الذي حصل لرواتها كما هو الحال بشأن آية الرجم. وإمّا أن تكون تلك الروايات غير صحيحة كما هو الحال بالنسبة لباقي الروايات التي ذكرناها، وبذلك فإنّه لابد من إعادة النظر في تسمية كتابي البخاري ومسلم (بالصحيحين).

فبماذا نفسر إذن تلك الحملة المسعورة التي يقوم بها بعض الكتاب أمثال ظهير والخطيب وغيرهم بإتهام الشيعة بتحريف القرآن لمجرد وجود روايات ضعيفة في كتب الحديث عندهم تقول بذلك هي مرفوضة عندهم، ويوجد ما يشابهها الكثير من الروايات التي أخرجها رجال الحديث من أهل السنة في صحاحهم. فمن كان بيته من زجاج لا يرمي بيوت الآخرين بالحجارة!

١٣٣

الفصل الرابع
الشيعة والسنّة النبوية المطهّرة

موقف الفريقين من السنّة النبوية:

إنّ مما يفترى به على الشيعة من قبل بعض الحمقى بأنهم ينكرون سنة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هراء ما بعده هراء، وننقل آراء بعض علماء أهل السنة حول موقف الشيعة من السنة النبوية المطهرة.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "الإمام الصادق": "السنة المتواترة حجة عندهم بلا خلاف في حجيتها، والتواتر عندهم يوجب العلم القطعي.... إنّ إنكار حجية السنّة النبوية المأثورة بالتواتر عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كفر لأنه إنكار للرسالة المحمدية، أما إنكار حجية أقوال الأئمة فإنّها دون ذلك تعد فسقاً ولا تعد كفراً" (١).

ويقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه ـ دفاع عن العقيدة

١- "الإمام الصادق" لأبى زهرة.

١٣٤
والشريعة ضد مطاعن المستشرقين ـ: "...ومن هؤلاء الأفّاكين، من روّج أنّ الشيعة اتباع علي، وأنّ السنيين أتباع محمد، وأنّ الشيعة يرون أنّ علياً أحق بالرسالة أو أنّها أخطأته إلى غيره، وهذا لغو قبيح وتزوير شائن" ثم يقول: "إنّ الشيعة يؤمنون برسالة محمد ويرون شرف علي في انتمائه إلى هذا الرسول وفي استمساكه بسنته، وهم كسائر المسلمين لا يرون بشراً في الأولين ولا في الآخرين أعظم من الصادق الأمين...فكيف ينسب لهم هذا الهذر" (١).

ولا يوجد أي اختلاف بين أهل السنة والشيعة حول مكانة السنة النبوية المطهرة ووجوب الأخذ بها، ولكنهم اختلفوا حول طريقة نقل هذه السنة إلى الأجيال اللاحقة لجيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو طريقة التثبت منها. فيكفي عند أهل السنة إيصال اسناد الحديث بنقل الثقة عن الثقة إلى أي من الصحابة الذين يعتقدون بعدالتهم جميعاً، وعندهم صحيحا البخاري ومسلم لا يشك قطعاً بصحة أحاديثهما حتى أصبحا وكأنّهما بنفس مرتبة القرآن الكريم من حيث الصحة، وإلاّ فما معنى إلزام الغالبية العظمى من أهل السنة لأنفسهم بقبول كل ما احتواه هذان الصحيحان؟ وتأكيداً لذلك، ننقل رأي الشيخ أبو عمرو بن الصلاح من مقدمة شرح النووي على صحيح مسلم: "جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب ـ صحيح مسلم ـ فهو

١- "دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين" للغزالي.

١٣٥
مقطوع بصحته، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع ـ ثم أضاف ـ: "...ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء،والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ" (١).

وأما الشيعة فإنّهم يشترطون أولاً إيصال أسناد الحديث إلى أي من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) محتجين بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "إني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(٢).

وبقوله تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا) (٣)، وأما الشروط الأخرى فأهمها عرض الرواية على كتاب الله ثم النظر في متنها وسندها ومقارنتها بروايات أخرى ثبتت بالتواتر القطعي، وأخيراً عرضها على العقل، وأي رواية ينقصها أي من هذه الشروط، فإنّ الأخذ بها يكون محل نظر وتأمل.

وكتب الحديث الرئيسية عند الشيعة أربعة هي: (الكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، التهذيب)، وجميع الروايات في هذه الكتب خاضعة للتحقيق، ففيها الغث والسمين، ولا يرون صحة جميع

١- صحيح مسلم بشرح النووي ج١ ص١٩.

٢- صحيح الترمذي ج٥ ص٦٦٢ ـ ٦٦٣، باب مناقب أهل البيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)دار الكتاب العربي.

٣- الأحزاب: ٣٣.

١٣٦
الروايات المخرجة في هذه الكتب، حيث أنّه لا يوجد عند الشيعة كتاب يوضع قبال كتاب الله في الصحة، كما هو الحال عند الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما.

ففي كتاب ـ مصادر الحديث عند الشيعة الإمامية ـ للعلامة المحقق السيد محمد حسين الجلالي، تقسيم لأحاديث الكافي حيث يقول: "مجموع الأحاديث التي فيه ١٢١، ١٦ حديثاً، منها ٤٨٥، ٩ حديثاً ضعيفاً، و١١٤ حديث حسن و١١٨ حديث موثق و٣٠٢ حديث قوي و٥٧٠٢ حديث صحيح" وهذا يظهر بوضوح كيف ضعّف علماء الشيعة آلاف الأحاديث في الكافي. فأين هذه الحقيقة من تشدق بعض الأفّاكين مثل ظهير والخطيب القائلين بأن كتاب الكافي عند الشيعة هو كصحيح البخاري عند أهل السنة، ثم يدعون أن اسمه "صحيح الكافي"، وهذا كذب صارخ يكرروه في كتبهم المسمومة بهدف تضليل القارىء بإضفاء صفة الصحة على روايات ضعيفة اقتبسوها من الكافي أو غيره من كتب الحديث عند الشيعة لإقامة الحجة عليهم وإدانتهم بها.

موقف الفريقين من عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):

في الوقت الذي يثير فيه بعض المغرضين والأفّاكين إشاعات كاذبة بتفضيل الشيعة لأئمتهم على شخص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما هو

١٣٧
سائد في مفهوم الكثير من أهل السنة، فإنني وجدت من خلال بحثي أنّ الشيعة يقدّسون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بدرجة تفوق بكثير مكانته بنظر أهل السنة.

فالشيعة يقدّسون سنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويرون كفر من ينكر حكماً أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه أفضل الأولين والآخرين، فهم يرون ضرورة التمسك بالأئمة الإثني عشر من أهل البيت(عليهم السلام) بوصفهم أوثق الطرق نقلاً لسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم يدرأون عن كل ما أحيط بمسألة عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من شبهات وأقاويل، فهو بنظرهم معصوم في أمور الدين والدنيا وقبل النبوة وبعدها.

وأمّا أهل السنة فإنّهم أيضاً يفضلون شخص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأولين والآخرين، إلاّ أنّهم يرون أنّ عصمته محدودة بالأمور الدينية فقط، والتي هي بنظرهم الأمور المتعلقة بتبليغ الرسالة ليس إلاّ، وما دون ذلك فهو كغيره من البشر يخطىء ويصيب.

وقبل أن نفنّد هذا القول، نعرض للقارىء صوراً مما يعتقده أهل السنة بشأن عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لنرى بصورة جلية حقيقة موقفهم بهذا الشأن، ومن خلال ما يعتبرونه أصح الكتب بعد كتاب الله. فعن عائشة(رضي الله عنه) قالت:

"...حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني حتى

١٣٨
بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ (... ثلاثاً) فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة، مالي؟ ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي. وهو ابن عم خديجة أخو أبيها، وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الانجيل ما شاءالله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أو مخرجي هم؟...." (١).

فهل يعقل أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يعلم بأنّ ما أنزل عليه كان النبوة وأنّ ورقة بن نوفل ـ النصراني ـ هو الذي أعلمه بذلك؟؟ وتستمر عائشة(رضي الله عنه) بروايتها هذه بما هو أغرب من ذلك، وبما تقشعر له الأبدان:

"... ثم لم ينشب ورقة حتى توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردي من رؤوس

١- صحيح البخاري ج٩ ص٣٨ كتاب التعبير باب أول ما بدى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

١٣٩
شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد، إنّك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك" (١).

وهل يمكن لمسلم أن يصدق بأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يحفظ القرآن بكامله؟ فانظر إذن لما أخرجه البخاري بالإسناد إلى عائشة(رضي الله عنه) قالت:

"سمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها في سورة كذا وكذا (٢).

وأما بالنسبة لما يزعمونه من جواز سهو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روي بالإسناد إلى جابر بن عبدالله أنّه قال:

"إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جاءه عمر بن الخطاب يوم الخندق فقال: يا رسول الله، والله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب وذلك بعدما أفطر الصائم، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والله ما صليتها، فنزل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بطحان وأنا معه فتوضأ ثم صلى العصر بعدما غربت

١- صحيح البخاري ج٩ ص٣٨ كتاب التعبير باب أول ما بدى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

٢- صحيح البخاري ج٨ ص٩١ كتاب الدعوات باب قوله تعالى "وصل عليهم".

١٤٠