×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحقيقة الضائعة / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو احدة منن، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهوالأحمق.

وقال الحسن بن علي عليهما السلام: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها: قيل يا ابن رسول الله من أهلها؟

قال: الذين قص الله في كتابه ذكرهم، فقال: (إنما يتذكر أولوا الالباب) الزمر/٣٩.

قال: هم أولوا العقول.

وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة اصالحين داعية على الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولادة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً.

يا هشام: إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد بما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجاءه، ولا يقوم على ما يخاف فوته بالعجز عنه)(١).

وهناك مئات الروايات التي تكشف عن أهمية العقل ومكانته في مدرسة أهل البيت (ع)، والعقل هو ذلك النور الإلهي الذي يكشف به الإنسان حقائق الأشياء وهو بذلك عطاء إلهين وليس أمراً ذاتياً في الإنسان يتحول معه من القوة إلى الفعل كما ذهبت إلى الفلاسفة، الذين عرَّفوا العقل بتلك القدرة التي يقدر بها الإنسان على استخراج النظريات من الضروريات كاستحالة اجتماع النقيضين، وأن كل متغير حادث. وعند استخراج النظريات من هذه الضروريات يكون الإنسان قد وصل إلى حد العقل، وهو

١- المصدر السابق.

٣٦١

مرتبة من مراتب النفس، وعند كمالها تكون عقلاً. فالنتائج تسمى معقولات، بعد إيصالها إلى الضروريات، وإن كان بعشرين واسطة، فخلطوا بين العقل والمعقول، وبين العلم والمعلوم، واشتغلوا بالمعلوم والمعقول فتاهوا عن النور الذي به علموا وعقلوا الاشياء، وهذا هو الضلال البعيد، لاننا نرى بوجداننا أن هذا النور الذي نتعرف به على حقائق الأشياء خارج عن ذواتنا وعن ذوات المعلومات، وإنما هو عطاء إلهي نعلم به أنفسنا ونكشف به حقائق الأشياء، وإلا أين هذا العقل حال الطفولة، ومن المعلوم أنه إذا كان ذاتياً فالذاتي لا ينفصل.

قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئاً) والآية لاتعدو أن تكون تنبيهاً إلى واقع العقل والعلم، وأنهما هما النوران الكاشفات اللذان لم يكن أحد منا يملكهما، حينما أخرج من بطن أمه، ثم أصبح الآن يملكهما. فلا بد إذن أن يعترف أنهما من الله. لأنه لو كان من نفسه إذن لكان لديه من الطفولة.

يقول (ص) مؤكداً هذه الحقيقة: (فإذا بلغ المولد حد الرجال أوحد النساء، كشف ذلك الستر، فيقع في قلب هذا الإنسان نور فيفهم الفريضة والسنة، والجيد والردئ. ألا ومثل العقل في القلب كمثل السراج في البيت).

فالعقل إذن نور إلهي معصوم عن الخطأ، والوحي أيضاً نور إلهي معصوم عن الخطأ، فلا اختلاف بينهما. وإنما هم نوران من مشكاة واحدة فقد جعل الله النور الأول في الإنسان، وجعل النور الثاني في القرآن والأحاديث، وكلاهما يكمل الآخر ويصدقه.

وتكون العلاقة بين العقل والوحي علاقة الإثارة، كما قال أمير المؤمنين (ع) واصفاً مهمة الأنبياء: (ليثيروا دفائن العقول) فإذن لا انفصال بين العقل

٣٦٢

وبين الوحي طبقاً لمبدأ العقلانية القرآنية القائمة على اصل الذكر، وهو العقل السليم الذي يزكو وينمو ويؤيد ويسدد بالوحي الإلهي، فيكون بذلك المقياس السليم لكشف معارف الدين هو العقل المستبصر ببصائر الوحي.

وهذه الحقيقة المخيفة كانت هي السبب في اختلاف المسلمين وتمذهبهم.

فاهل الحديث جمدوا على ظاهر النص، والمعتزلة اعتمدوا التأويل، والأشاعرة حاولوا الجمع بين التأويل والجمود على النصوص، والفلاسفة شقوا لأنفسهم طريقاً مخالفاً لطريق الله، وادعوا الوصول إلى الحقائق عبر الطاقة البشرية. وكلهم لم يصيبوا واقع الحقيقة.

بوما أن حديثنا الآن عن الحنابلة، فإنكارهم للعقل وعدم العمل به لا وجه له، والذي ينظر إلى كتب الحنابلة يجد تلك العقائد المتناقضة أو التي تخالف عقل الإنسان وفطرته، فيؤمنون بالروايات التي تثبت التشبيه والتجسيم لله سبحانه وتعالى، فترى عقائدهم لا تختلف عن عقائد اليهودية والنصرانية والمجوسية بكثير، فظهرت بينهم مذاهب التجسيم والتشبيه والرؤية والجبر..وغير ذلك من معتقدات أهل البيت.

وهذا كله يرجع لتعاملهم التعسفي مع الأحاديث التي لم يدققوا في مدلولاتها أو لم ينظروا إلى أسانيدها، من غير عرضها على القرآن والعقل، بل آمنوا بها مطلقاً.

: (فبلغ بهم التقليد إلى حد أن صاروا يأخذون بظواهر كل ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة والموضوعية والمصنوعة، وإن كانت شاذة أو منكرة أو غريبة أو من الاسرائيليات مثل ما روي عن كعب

٣٦٣
٣٦٤

سماء الدنيا) (وأن اله يُرى) (وأن الله يضع قدمه) وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى. أي لا نكيفها ولانحرفها بالتأويل. فنقول معناها كذا، ولا نرد منها شيئاً)(١)..

هذه هي منجيتهم مع الأحاديث، لا يردون منها شيئاً ويصدقون بكل شيء، وما يتذرعون به من تبريرات واهية، تضحك الثكلى، لأن إثبات هذه الأحاديث هو عين إثبات التجسيم والتشبيه، وقد تطرف بعضهم من الحشوية، وأثبت فعلاً الجسمية لله سبحانه وتعالى.

قال الشهرستاني: (أما مشبهة الحشوية فقد أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة إلى حد الإخلاص)(٢).

نماذج من أحاديث التجسيم:

وإليك مجموعة الروايات كنموذج وليس للحصر، وقد اخترتها من كتاب اسنة الذي رواه عبد الله من أبيه أحمد بن حنبل وكتاب التوحيد لابن خزيمة:

١ـ روى عبد الله بن أحمد بإسناده قال: قال رسول الله (ص): (حك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: يا رسول الله أو يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت لم نعدم من رب يضحك خيراً)(٣) وغيرها من الروايات التي تثبت الضحك لله سبحانه وتعالى.

٢ـ (قال عبد الله: قرأت على أبي.. ثم ذكر الإسناد إلى سعيد بن جبير: أنهم يقولون: إن الأرواح ما ياقوته، لا أدري أقال حمراء أم لا؟ وأنا

١- في عقائد الإسلام ـ من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص١٥٥.

٢- الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص١٠٥.

٣- كتاب السنة ص٥٤.

٣٦٥

اقول سعيد بن جبير يقول: إنها كنت من زمردة وكتابتها الذهب وكتبها الرحمن بيده ويسمع أهل السموات صرير القلم)(١).

٣ـ قال: حدثني أبي.. بإسناده عن أبي عطاق قال: (كتب الله التوارة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في الألواح من در، يسمع صريف القلم ليس بينه وبينه إلا الحجاب)(٢).

فهل تفهم من هذه الروايات غير التجسيم المحض والتشبيه الظاهر، كذب من يؤمن بهذه الأحاديث ولا يتخيل ربه ويتصوره بل هم يتصورونه ويتوهمونه.

وقد حدث يوماً نقاش بين أخي وأحد مشايخ الوهابية ـ الذين هم الامتداد الطبيعي لعقائد الحنابلة ـ وكان النقاش يدور حلول الصفات الإلهية، فينزه أخي الله عن هذه الصفات، وثبت له بكل الطرق فساد تلك المعتقدات، ولكن من غير جدوى، وأخيراً وجه له أخي سؤالاً قائلاً:

إذا أثبت له سبحانه هذه الصفات من مكان وجهه، ويدين ورجلين وعينين.. وإلى آخر ما يصفون به ربهم ألا يمكن أن يتصوّره الإنسان ويتخيله؟ بل حتماً يتخيله لأن نفس الإنسان مجبولة على التصور والتخيل بعد الوصف، فكان جوابه مفصحاً عن تمام عقيدته في التجسيم والتصوير، قال: (تخيله وتصوره ولكن لا تخبر به..!!

فقال له أخيك ما هو الفرق بين أن تضع أمامك صنماً وتعبده، وبين أن تتخيل صنماً وتعبده؟

فقال: هذا كلام الروافض قبحهم الله، يؤمنون بالله ولا يصفونه بهذه الصفات، فهم يعبدون رباً غير موجود..

١- كتاب السنة ص٧٦.

٢- المصدر السابق.

٣٦٦

قال له أخي: إن الله الحق هو الذي لا تحيط به العقول ولا تدركه الأبصار لا يؤين بأين ولا يكيف بكيف، ولا يقالله لما وكيف لأنه هو الذي اين الاين وكيف الكيف، فكل ما لا تتصوره هو الله، وكل ما يتصور هومخلوق، فقد تعلمنا من ائمة أهل البيت عليهم السلام قولهم: (كل ماتصورتمه في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم، مردود عليكم) فتمام معرفة الله هوبالعجز عن معرفته.

فقال غاضباً: نحن نثبت ما اثبته الله لنفسه وكفى.

ثم انظر كيف اثبتوا لله سبحانه أصبعاً، قاتلهم الله، ثم يثبتون من الأصابع الخنصر ومن الخنصر ـ والعياذ بالله ـ المفل، كما ذكر ابن خزيمة في كتاب التوحيد، قال بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (ص): لما تجلى ربه للجبل رفع خنصره وقبض على مفصل منها فانساخ الجبل، فقال له حميد: أتحدث بهذا؟ فقال: حدثنا أنس عن لنبي (ص) وتقول لا تحدث به؟(١).

وروى ابن حنبل عن أبيه مثل هذا الخبر بإسناده عن أنس، عن النبي (ص): (فلما تجلى ربه للجبل قال هكذا.. وأشار بطرف الخنصر يحكيه)(٢).

ماذا تفهم من هذا أيها القارئ اللبيب؟

أثبتوا لله يداً ولليد أصبعاً، ومن الأصابع الخنصر، ثم قالوا للخنصر مفصل..!!! وقِفْ عند ذلك حتى نكمل لك الصورة.

فقد أثبتوا أن لله ذراعين وصدراً، قال عبد الله حدثني أبي.. وذكر الإسناد عن عبد الله بن عمرو قال: خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر)(٣).

١- كتاب التوحيد ص١١٣.

٢- كتاب السنة ص٦٥.

٣- المصدر السابق ص١٩٠.

٣٦٧

وقال بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله (ص): (إن غلظ جلد الكافر اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار، وضرسه مثل ذلك)(١).

ويفهم أيضاً من هذا الحديث بالإضافة إلى الصدر والذراعين أن الراعين لهما طول محدد، وإلا لا يمكن أن يكونا مقياساً للطول.

ولم يقفوا عند هذا الحد بل جعلوا لله رجلاً.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): (يُلقى في النار فتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول: قط قط)(٢).

وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) قال: (وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها، فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ)(٣).

وبعد ذلك تعال معي أيها القارئ الكريم لكي ترى أنهم تجاوزوا ذلك وأثبتوا لله نفساً، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده إلى أبي بن كعب قال: (لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن)(٤).

فماذا تبقى حتى تكتمل الصورة، وخاصة بعدما أثبتوا له وجه. هل الكلام والصوت؟!

قد أثبتوه بل شبهوه بصوت الحديد..

قال عبد اله بن أحمد بسنده: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديد على الصفا)(٥).

١- المصدر السابق.

٢- المصدر السابق ص١٨٤.

٣- المصدر السابق ص١٨٤.

٤- السنة ص١٩٠.

٥- السنة ص٧١.

٣٦٨

ثم أثبتوا لله ثقلاً ووزناً ولذلك يسمع الكرسي صوت أطيط إذا جلس عليه، وإذا لم يكن له وزن فما معنى الأطيط؟

روى عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عمر قال: (إذا جلس على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد)(١) أي كصوت سرج الناقة بالراكب الثقيل.

وقال بإسناده إلى عبد الله بن خليفة قال: (جاءت امرأة إلى النبي (ص) فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب، وقال: وسع كرسيه السموات والارض، إنه ليقعد عليه فما يفضل منه غلا قيد أربع اصابع وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب)(٢).

وزاد بن خزيمة: (من ثقله)(٣).

وتكتمل الصورة الدرامية بذلك فيكون الله إنساناً له من الصفات ما للإنسان من جسمية ومحدودية وأعضاء وتراكيب، وهذا هو الظاهر وإن تنكروا عليه بل صرحوا بأكثر من ذلك:

جاء في الحديث خلق الله آدم على صورته طوله سبعون ذراعاً.

ويثبتون له إمكانية الرؤية والنظر إليه، كما روى ابن خزيمة بإسناده إلى ابن عباس أن النبي (ص) قال: (رأيت ربي في أحسن صوره، فقال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا رب لا أدري، قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين المشرق والمغرب)(٤).

١- السنة ص٧٩.

٢- السنة ص٨٠.

٣- التوحيد ص١٠٦.

٤- التوحيد ص٢١٧.

٣٦٩

وقال بإسناده.. إن عبد الله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمد (ص) ربه؟ فأرسل إليه عبد الله بن عباس: أن نعم. فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله عن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنه رآه في روضة خضراء دون فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربة من الملائكة. لك في صورة رجل وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر وملك في صورة أسد)(١).

وهذا غيض من فيض، ونكتفي بهذا القدر من عقائد الحنابلة ومن لف لفهم، في صفات الله سبحانه وتعالى، وتجاوزنا بقية معتقداتهم الأخرى، وما ذكرناه كاف لفضح عقائدهم.

وعندما رأى بعض الحنابلة قبيح ما صنعوا حاولوا أن يبرروا ذلك ويتذرعوا بقولهم: بلا كيف.

وقد اعتمد الأشعري هذا التبرير، فيقول في كتابه الإبانة ص١٨: ٠إن لله سبحانه وجههاً بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وإن له يدين بلا كيف، كما قال (خلقت بيدي).

وقد صدق فيهم قول الشاعر:


قد شبهوه بخلقه وتخوفواشنع الورى فتستروا بالبلكفه(٢)

ومن الواضح لكل صاحب عقل سليم أن هذا التبرير لا يغير في وجه القضية لأن الجهل بالكيفية لا يفيد شيئاً، ولا يرجع إلى معنى صحيح وهو أقرب على الإبهام والألغاز، لأن إثبات هذه الألفاظ بمعانيها الحقيقة هو عين إثبات الكيفية لها، لأن الألفاظ قائمة بنفس كيفيتها، وإجراء هذه الصفات

١- التوحيد ص١٩٨.

٢- أي بلا كيف.

٣٧٠

بمعانيها المتعارفة هو عين التجسيم والتشبيه، والاعتذار بقولهم: بلا كيف لا يتعدى أن يكون لقلقة لسان.

وأذكر يوماً كنت أناقش أحد أساتذتي في الجماعة حول أستواء الله على العرش، وعندما ضاق بي ذرعاً قال: نحن نقول ما قاله السلف: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة).

قلت له: لم تزد في الأمر إلا إبهاماً، وفسرت الماء بعد الجهد بالماء.

قال: كيف ـ وقد احتد النقاش.

قلت: إذا كان الاستواء معلوماً، فالكيف أيضاً معلوم.

وإذا كان الكيف مجهولاً، فكذلك الاستواء مجهول ولا ينفصل عنه، فالعلم بالاستواء هو عين العلم بالكيفية، والعقل لا يفرق بين وصف الشيء وبين كيفيته، لأنهما شيء واحد.

فإذا قلت فلان جالس، فعلمك بجلوسه هو علمك بكيفيته فأنت عندما تقول الاستواء معلوم فنفس العلم بالاستواء هو العلم بالكيفية وغلا يكون في كلامك تناقض، بل هو التناقض بذاته. فتكون عالماً بالاستواء وفي نفس الوقت غير عالم بالكيفية.

.. فسكت مدة ولم يحر جواباً، ثم اعتذر أنه على عجل واستأذن وذهب. فكل ما يقولونه من عدم الكيف مع إجراء المعاني الحقيقية للألفاظ هو تناقض وتهافت، وكذلك قولهم أن لله يداً حقيقية، لكن لا كالأيدي كلام ينقض آخره أوله والعكس، لأن اليد بالمعنى الحقيقية لها تلك الكيفية المعلومة، ونفي الكيفية منها هو حذف لحقيتها.

وإذا كانت هذه الألفاظ الجوفاء تكفي لإثبات التنزيه لله عز وجل فيمكن أن يقال، إن لله جسماً بلا كيف ولا كالأجسام وله دم بلا كيف ولحم وشعر.. بلا كيف.

٣٧١

حتى قال أحد المشبهة: (إنما استحييت عن إثبات الفرج واللحية واعفوني عنهما واسالوا عما وراء ذلك)شنع الورى فتستروا بالبلكفه(١).

ولا يُفهم من ذلك أننا نؤمن بالتأويل في مثل هذه الايات فلا يجوز تأويل ظاهر الكتاب والسنة بحجة أنها تخالف العقل بل ليس في القرآن والسنة ما يخالف العقل، وما يتبادر من الظاهر أنه مخالف للعقل، ليس بظاهر وإنما يتخيلونه ظاهراً.

وفي مثل هذه الآيات لا يحتاج الامر إلى تأويل، لأن اللغة تنقسم في دلالاتها المعنوية إلى قسمين:

١ ـ دلالة إفرادية.

٢ ـ دلالة تركيبية.

فقد يختلف المعنى الإفرادي عن المعنى التركيبي إذا كان هناك قرينة تصرفه إلى ذلك، ويكون موافقاً إذا لم توجد قرينة تصرفه عن المعنى الإفرادي فمثلاً: عندما نقول: أسد ـوهو مفرد ـ يتبادر إلى الذهن ذلكالحيوان المفترس الذي يعيش في الغابة، ويفهم أيضاً نفس هذا المعنى في حالة التركيب إذا لم تكن هناك قرينةمثل قولك: رأيت أسداً يأكل فريسته في الغابة.

ويتغير هذا المعنى تماماً إذا قلنا في الجملة التركيبية:

رأيت أسداً يقود سيارة

فيكون المقصود منه ذلك الرجل الشجاع، وهذا ديدن العرب في فهم الكلام فعندما يقْول الشاعر:


أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةفتخاءُ تنفر من صفير الصافر

١- الشهرستاني ج١ ص١٠٥.

٣٧٢

فلا يمكن أن نفهم منه إلا ذلك الرجل الذي يتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء ويفر جبناً إذا لاقى الأعداء.

والذي يفهم هذا الكلام لا يمكن أن نسميه مؤولاً للنص خارجاً عن ظاهر الكلام.

وهكذا الحال في مثل هذا الآيات، فعنما يقول تعالى مثلاً (يد الله فوق أيديهم) فيكون معنى اليد القدرة من غير تأويل، كالذي يقول وإن كان سلطاناً مقطوع اليد وكذلك في بقية الآيات. نثبت المعنى التركيبي الذي يظهر من خلال بقية السياق ولا نجمد على المعنى الحرفي الفردي من غير تأويل أوتحريف، وهذا هو العمل بالظاهر ولكن الظاهر التي تظهر من بقية السياق.

وهؤلاء الحنابلة يضلون العامة بالظاهر الفردية دون الاجماعية التركيبية.

وبهذه الطريقة تكون ظاهر الكتاب والسنة حجة لا يجوز العدول عنها ولا يجوز لأحد تأويلها، بعد إمعان النظر في القرآن المتصلة والمنفصلة، والذي يحتج بالظاهر الفردية الحرفية فقد ضل وغفل عن كلام العرب.

وقبل أن نودع أحمد بن حنبل وعقائده، أحببنا أن نطلع القارئ الكريم على كلمات أهل البيت وأحاديثهم في صفات الله، لكي تعرف أن هذا النور الذي يصدر من كلماتهم هو من مشكاة القرآن الكريم، وأن عظم المأساة التي تعرض لها الفكر الإسلامي بنتاج طبيعي لابتعادنا عن هذه الكلمات وأئمة أهل البيت، وصدق الإمام الصادق (ع) عندما قال: (لو عرف الناس محاسن كلامنا لأتبعونا).

٣٧٣

وأنقل إليك هذه الكلمات من كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، وهو كتاب ضخم حوى جواهركلمات أهل البيت في باب التوحيد، وأطلب من القارئ الكريم أن يتدير في هذه الكلمات بعين البصيرة والفهم، ثم يقارن بينها ويبن ما جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، أو أي كتاب عند أهل السنة جمعت فيه أحاديث التوحيد وصفات الله سبحانه وتعالى.

٣٧٤

خطبة رسول الله (ص)

(الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانياً، وفي أزليته متعظماً بالإلهية، متكبراً بكبريائه وجبروته، ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق بشيء مما خلقن ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق وبأحكام قدرته خلق جميع ما خلق، وبنور الاصباح فلقن فلا مبدل لخلقه، ولا مغير لصنعه، ولا معصب لحكمه، ولا راد لأمره، ولا مستراح عن دعوته ولا زوال لملكه ولا انقطاع لمدته، وهو الكينون أولاً والديموم أبدأً، المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح، والعز الشامخ والملك الباذخ، فوق كل شيء علا، ومن كلا شيء دنا، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى. وهو بالمنظر الأعلى فأحب الاختصاص بالتوحيد إذ احتجب بنوره، وسما في علوه، واستتر عن خلقه، وبعث إليهم الرسل لتكون له الحجة البالغة على خلقه ويكون رسله إليهم شهداء عليهم، وابتعث فهم النبيين مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من يا عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروا، ويوحدوه بالإلهية بعدما عضدوا)(١).

١- التوحيد للشيخ الصدوق ص٤٤ الحديث رقم ٤.

٣٧٥

حديث الرضا (ع)

عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: (قلقيته (ع) على الطريق عند منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع.

فتلطفت في الوصول إليه فوصلت فسلمت فرد علي السلام ثم قال: يا فتح من أرضي الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن اسخط، ومن أسخط الخلاق فقمن أن يسلط عليه سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف غلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام ن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به؟ جل عما وصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب فينا يه، فهو في بعده قري، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال له: كيف وأين الأين فلا يقال له: أين. إذ هو مبدع الكيفوفية والاينونية. يا فتح كل جسم مغذّى بغذاء إلا الخالق الرزاق، فإنه جسم الأجسام، وهو ليس بجسم ولا صورة، لم يتجزأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرء من ذات ما ركب في ذات من جسمه، وهو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الاحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، منشئ الأشياء ومجسم الأجسام، ومصور الصور، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، والمنشيء من المنشأ، لكنه المنشيء، فرق بين من جسمه وصورة وشيأه وبينه إذ كان لا يشبهه شيء.

٣٧٦

قلت: فالله واحد والإنسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟ قال: أحلت ثبتك الله إنما التشبيه في المعاني فأما في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسمى، وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين، والإنسان نفسه ليس بواحد، لأن أعضاءه مختلفة وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزأة ليس سواء دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالإنسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى والله جل جلاله واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف فمن أجزاء مختلفة وجواهر شتى غي أنه الاجتماع شيء واحد.

قلت: فرجت عني فرج اله عنك، غير أنك قلت: السميع البصير، سميع بالاذن وبصير بالعين؟ فقال: إنه يسمع بما يبصر، ويرى بما يسمع، بصير لا بعين مثل عين المخلوقين، وسميع لا بمثل سمع السامعين، لكن لما لم يخف عليه خافية من أثر الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلمات تحت الثرى والبحار قلنا: بصير، لا بمثل عين المخلوقين، ولما لم يشتبه عليه ضروب اللغات ولم يشغله سمع عن سمع قلنا: سميع، لا بمثل سمع السامعين..)(١).

١- المصدر السابق ص٦١

٣٧٧

خطبة أمير المؤمنين (ع)

الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا من شيء كَوَّن ما قد كان، مُستشهدٍ بحدوث الاشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامة، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية، ولا له شبه مثال فيوصف بكفية ولم ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثية، مبائن لجميع ما أحدث في الصفات، وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات، محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده وعلى عوامق ناقبات الفكر تكييفه، وعلى غوائص سابحات الفطر تصويره لا تحويه الاماكن لعظمته، ولا تذرعه المقادير لجلالته، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه، ممتنع عن الاوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه وعن الاذهان أن تمثله، قد يئست من استنباط الاحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الاشرة إليه بالاكتناه بحار العلوم، ورجعن بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم، وأحد لا من عدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، ليس يجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالاشياء فتقع عليه الصفات، قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه، وتحيرت الأوهام عن إطاحة ذكر أزليته، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته، مقتدر بالآلاء وممتنع بالكبرياء، ومتملك على الأشياء يُخْلِقه ولا

٣٧٨

وصف يحيط به، قد خضعت له ثوابت الصعاب في محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأشباب في منتهى شواهق اقطارها مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته وبعجزها على قدرته، وبفطورها على قدمته، وبزوالها على بقائه، فلا لها محيص عن إدراكه إياها، والخروج من إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها ولا امتناع من قدرته عليها، كفى بإتقان الصنع لها آية، وبمركب الطبع عليها دلالة وبحدوث الفطر عليها قدمة وبإحكام الصنعة لها عبرة، فلا إليه حد منسوب، ولا له مثل مضروب، ولا شيء عنه محجوب، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علواً كبيراً..

٣٧٩

ثانياً: مرحلة ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم:

بعد انتشا العقائد الاشعري، التي عمت معظم البلدان الاسلامية حتى أصبحت المذهب الرسمي في الأصول لجمهور المسلمين، قل ذكر ابن حنبل وتحجم مذهبه العقائدي حتى ظهر ابن تيمية الذي ولد سنة ٦٦١هـ في بيت المشيخة الحنبلية وفي وحد من أم معاقل الحنابلة في مدينة حران، نشأ في هذه الاسرة وتتلمذ على يد والده الذي أفرد له كرسياً في دمشق بعد هجرته إليها، ودرس على آخرين علوم الحديث والرجال واللغة والتفسير والفقه والأصول، وبعد وفاة والده ترأس ابن تيمية حلقة التدريس، وكانت هذه فرصته ليعيد لعقائد الحنابلة أمجادها، فاستغل هذا المنبر في التكلم في صفات الله، ذاكراً براهين تناصر عقيدة القائلين بالتجسيم، ظهر هذا الامر واضحاً عندما جاب على أسئلة حماه عندما كتبوا غليه يسألونه عن آيات الصفات مثل قوله (الرحمن على العرش استوى) وقوله (ثم استوى إلى السماء) ومثل قوله (ص): (إن قلب ابن آدم بين اصبعين من اصابع الرحمن) فأجابهم برسالة طويلة، سميت بالعقيدة الحموية، كشف فيها عن اعتقاده بالتجسيم والتشبيه، من غير أن يفصح بذلك، تستراً بألفاظ وكلمات لو رفعت لظهر واقع الأمر، فأحدثت هذه الرسالة ضجة في أوساط العلماء، وأنكروا عليه ذلك، فاحتمى بأمير دمشق الذي انتصر له، وينقل ابن كثير في ذلك: (كان وقع في دمشق محنة للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماه المسماة بـ (الحموية)،

٣٨٠