×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحقيقة الضائعة / الصفحات: ٣٨١ - ٤٠٠

فانتصر له الأمير سيف الدين جاعان، وأرسل يطلب الذين قاموا عليهن فاختفى كثير منه، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون)(١).

وهكذا سكت العلماء عن العقائد المنحرفة بقوة السلطان، فوجد ابن تيمية مجاله ليتحدث كيف يشاء، وقد نقل لنا شاهد عيان اعتقاد اين تيمية في الله، وهو ذلك الرحالة الشهير ابن بطوطة، فصادف أن حضر يوماً درس اين تيمية في المسجد الأموي، قال: وكنت إذ ذلك بدمشق فحضرت يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع، ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من المنبر.

فعارضه فقيه مالكي، يعرف بابن الزهراء وأنكر عليه ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عممته وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه على دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعززه بعد ذلك(٢).

وذكر هذه المقولة لابن تيمية ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ج١ ص١٥٤ ويظهر لك جلياً من ذلك تعصبه الشديد للمثبتين للصفات حتى وصل به الحد أن يتشبه بالله سبحانه، وهذا هو الكفر والزندقة بعينه.

وقد تستر على هذه العقائد بقوله أنها عقائد السلف وما جرى عليه أمر المسلمين، فيفتري على السلف ويتستر بهم ليواري سوء عقيدته، مع العلم أن غطاء السلف قد حاول الحنابلة من قبل التلحف به، ولكن من غير جدوى لكثرة المذاهب العقائدية التي كانت قبل أحمد وبعده، وهذه

١- البداية والنهاية ج١٤ ص٥ـ ٤، أحداث سنة ٦٩٨هـ.

٢- رحلة ابن بطوطة ص٩٥.

٣٨١

الاختلافات تؤكد على عدم وحدة المسلمين على عقيدة واحدة، وكل من المذاهب يدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر لهم بذلك.

ويكذب الشهرستاني ادعاء ابن تيمية لمذهب السلف كما ذكر في الملل والنحل: (ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: هذه الايات لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر ـ كما فعل ابن تيمية ـ فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلهم، بل لعلها القراء أو القرائين منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدل على ذلك)(١).

وقد خدع بن تيمية العامة بإطلاقاته الكثيرة مثل قوله: (أما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويله، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد على ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات يخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)(٢).

وبهذا الاطلاق يصدّق العوام مقالته، وبقليل من المراجعة في كتب التفاسير المأثورة يظهر لنا كذب ابن تيمية، إما في عدم مراجعته للتفاسير أو في الادعاء بعدم وجود تأويل في آيات الصفات من الصحابة، وأكتفي لك بالشواهد:

١- الملل والنحل ص٨٤.

٢- تفسير سورة النور، ابن تيمية ص١٧٨ ـ ١٧٩.

٣٨٢

إذا راجعنا تفسير الطبري، والذي يصفه ابن تيمية بقوله: ليس فيه بدعة، ولا يروي عن متهمين(١).

وعندما نراجع فيه آية الكرسي التي اعتبرها ابن تيمية من أعظم آيات الصفات، كما في الفتاوي الكبيرة ج٦ ص٣٢٢.

يورد الطبري روايتين بالإسناد إلى ابن عباس، في تفسير قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والارض).

قال: اختف أهل التأويل في معنى الكرسي، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره، وذكر من قال ذلك بإسناده عن أن ابن عباس قال: كرسيه علمه.

ورواية أخرى بإسناده عن ابن عباس أيضاً، قال: كرسيه علمه، ألا ترى في قوله (ولا يؤوده حفظهما)(٢).

انظر وتعجب، في الكذب المحض، فهو يقول: (أن السلف لم يختلفوا في شيء من الصفات والطبري يقول: (اختلف أهل التأويل) ويطلق ابن تيمية قوله: (لم أجد إلى ساعتي هذه أحداً من الصحابة تأول شيئاً من آيات الصفات) رغم ادعائه أنه راجع مائة تفسير، والطبري يذكر روايتين عن ابن عباس.

وإليك الشاهد الثاني: من نفس تفسير الطبري، في تفسير قوله تعالى: (وهو العلي العظيم).

يقول الطبري: واختلف أهل البحث في معنى قوله (وهو العلي العظيم) فقال بعضهم (يعني بذلك وهوعلي عن النظير والأشباه، أنكروا أن يكون معنى ذلك هو العلي: المكان. وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان ولا معنى لوصفه بعلو المكان لأن ذلك وصف بأنه في مكان دون مكان)(٣).

١- المقدمة في أصول التفسير ص٥١

٢- تفسير الطبري ج٣ ص٧.

٣- تفسير الطبري ج٣ ص٩.

٣٨٣

هذا هو قول السلف، ولكن ابن تيمية اختار لنفسه طريقا آخر، فلم يجد من يؤيده فنسبه إلى السلف، فنرى السلف لا يؤمنون بالمكان لله سبحانه، ونرى ابن تيمية يحشد مجموعة من الآيات والأحاديث ليثبت بها مكان الله سبحانه وتعلى في رسالته لأهل حماة، فيصل إلى قوله: (... إن الله سبحانه على العرش استوى، وأنه فوق السماء)(١) ويقصد بذلك المكان.

أما في تفسير ابن عطية الذي يعتبره ابن تيمية أرجح التفاسير فقد أورد ما أورده الطبري من روايات ابن عباس، ثم علق على بعض الروايات التي ذكرها الطبري وتمسك بها ابن تيمية بقوله: (هذه أقوال جهلة مجسمين وكان الواجب ألا تُحكى)(٢).

وهذا شاهد أخير في تفسير قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) القصص/٨٨.

وقوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) الرحمن/٢٧. التي يثبت بها ابن تيمية الوجه على الحقيقة.

قال الطبري: واختلف في معنى قوله (ألا وجهه) فقال بعضهم معناه كل شيء هالك إلا هو.

وقال آخرون: معنى ذلك إلا ما اريد به وجهه، واستشهدوا بتأويلهم بقول الشاعر


أستغفر الله ذنباً لست محصيهرب العباد إليه الوجه والعمل(٣)

ولم يزد على ذلك شيئاً.

١- العقيدة الحموية الكبرآ، مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية ص٣٢٩ ـ ٣٣٢.

٢- فتح القدير للشوكاني.

٣- تفسير الطبري ج٢ ص٨٢.

٣٨٤
٣٨٥

أو عامي كذاب بليد الذهن؟

أوغريب واجم قوي المكر؟

أو ناشف طالح عديم الفهم؟

فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل..).

وجاء في الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج١ ص١٤١:

(فمن نا وهناك ردوا عليه، ما أبدعته يده الاثيمة من المخاريق التافهة والآراء المحدثة، الشاذة، عن الكتاب والسنة والاجماع والقياس، ونودي عليه بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية، حل دمه وماله.

وقال فيه الحافظ عبد الكافي السبكي، وقد ألف في الرد على ابن تيمية كتاباً سماه شفاء الاسقام في زيارة خير الانام عليه الصلاة والسلام.

وقال في خطبة كتابه ـ الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية: (أما بعد فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الاسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشد عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة وإن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال لمحلول الحوادث بذات الله تعالى...)(١).

وعشرات العلماء الذين اعترضوا عليه، ولا يتسع المقام لتتبع كلماتهم وإيراد أقوالهم، ونكتفي في الختام بقول شهاب الدين ابن حجر الهيثمي، قال في ترجمة ابن تيمية: (إن تيمية عبد خذله الله، وأضلّه، وأعماه، واصمه، وأذله، لذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذبوا أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرحلة

١- الملل والنحل ج٤ ص٤٢ للشهرستاني.

٣٨٦

الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخري السلف الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما والحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع، ضال، مضل، غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين!.. إلى أن قال: إنه قائل بالجهة وله في إثباتها جزء، ويلزم أهل هذا المهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار)(١).

.. نكتفي بهذا القدر عن ابن تيمية، وسوف نتناول بعض أفكاره بالتحليل العلمي والرد عليها عندما نتحدث عن الوهابية، لأنها هي الامتداد التاريخي لعقائد ابن تيمية، الذي هو بدوره امتداد لعقائد الحنابلة.

ولقد تفنّن الرجل في خلط الحق بالباطل، ولذلك ظن فيه بعض المسلمين الخير، فسمه ـ شيخ الإسلام ـ واشتهر أمره وانتشر، وإلا فالباطل المطلق لا أنصار له.

وقد قال أمير المؤمنين (ع) في ذلك: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اله، ويتولى عليها رجال رجالاً على غير دين الله. فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم منا الحسنى) نهج البلاغة خطبة ٤٩.

١- المصدر السابق ص٤٨.

٣٨٧

ثالثاً: مرحلة محمد بن عبد الوهاب:

قام ابن عبد الوهاب مجدداً لعقائد الحنابلة بعد أن أشرب في قلبه فكر ابن تيمية، فأعلن حركته في نجد وبدأ تحركه في المنطقة التي شهدت أسوأ أنواع الكبت والظلم والقتل والتشريد، وبلغت العقيدة الحنبلية المتحجرة عظمتها ومجدها ودخلت في إطارها التطبيقي على الواقع الخارجي، لأول مرة في تاريخها بعد أن مرت بمرحلتين لم تجد فيهما كبير حظ وعناية، وكان السبب في ذلك أن الأشاعرة احتكروا الساحة العقائدية بعد أحمد بن حنبل مباشرة، أما في المرحلة الثانية: (إن ابن تيمية افتقد الارضية الكفيلة بإنجاح دعوته لأنه بثها بين أوساط علمية كان فيهم كبار العلماء والفقهاء، فأخمدوا ضوضاءها بالاستدلال والبرهنة فثاروا في وجهه ثورة اخمدت دعوته وأبطلت كيده، وكانت السلطة أيضاً ناصرت العلماء في مجابهتهم له، فلم يكن لبذرة الفساد نصيب سوى الكمون في ثنايا الكتب، أو النجاح في مرضى القلوب)(١).

وعكس هذا فقد كانت الاجواء مهيأة لمحمد بن عبد الوهاب في نشر أفكاره وسمومه في الامة، فكان الجهل والأمية في كل مكان من أقاليم نجد، بالإضافة إلى سلطة آل سعود التي آلت على نفسها نشر الدعوة بحد السيف، وبهذه العوامل حملوا الناس على الايمان بالوهابية، وإلا حكموا عليهم بالكفر والشرك وأحلوا مالهم ودمهم.. مبررين ذلك بمجموعة عقائد فاسدة تحت عنوان التوحيد الصحيح، فيبدأ ابن عبد الوهاب الحديث عن التوحيد

١- الملل والنحل للسبحاني.

٣٨٨

بقوله: (.. وهو نوعان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم، وأما توحيد الألوهية فهو الفارق بين الكفر والإسلام، فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا وهذا ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله هو الخالق الرازق المدبر، قال الله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) الآية: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس لقولن الله) الآية. فإن ثبت لك أن الكفار يقرون بذلك، عرفت أن قولك لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، لا يصيرك مسلماً حتى تقول: لا إله إلا الله معل العمل بمعناها)(١).

وبهذا المفهوم الساذج البسيط الذي لا ينم إلا عن جهل بحكمة الله وآياته، يكفر كل المجتمع بعد أن يصل إلىمراده بقوله: (إن مشركي زماننا ـ أي المسلمين ـ إلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). العنكبوت/٦٥٩)(٢).

فكل من يتوسل بوسل الله (ص) وأهل بيته (ع) أو يزور مقاماتهم هو مشرك كافر، بل شركه أعظم من شرك عبدة اللات والعزى ومناة وهبل، وتحت هذه العقيدة قتل الأنفس ونهب الأموال، وسبي الذراري من مسلمي نجد والحجاز وكان شعارهم:

أدخل في الوهابية وإلا فالقتل لك والترمل لنسائك واليتم لأطفالك.

١- في عقائد الإسلام ، من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص٣٨.

٢- محمد بن عبد الوهاب رسالة أربع قواعد ص٤.

٣٨٩

ويقول أخوه سليمان بن عبد الوهاب في رده عليه في كتاب (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية): (حثت من قبل زمان الإمام أحمد في زمن أئمة الإسلام حتى ملئت بلاد الإسلام كلها ولم يرو عن أح من أئمة المسلمين أنهم كفّروا بذلك ولا قالوا هؤلاء مرتدون ولا أمروا بجهادهم، ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم ِأنتم، بل كفّرتم من لم يكفر بهذه الافاعيل وإن لم يفعلها، وتمضي قرون على الائمة من ثمانمائة عام ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنه كفر بل ما يظن هذا عاقل، بل والله لازم قولكم أن جميع الامة بعد زمان أحمد (ره) علماؤها وأمراؤها وعامتها كلهم كفار مرتدون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واغواثاه إلى الله! ثم واغوثاه أن تقولوا كما يقول بعض عامتكم أن الحجة ما قامت إلا بكم....)(١).

ويقول أيضاً في ص٤: (فإن اليوم ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي ن خالفه. وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم تكن فيه خصلة واحدة من فعال أهل الاجتهاد لا والله، وعشر واحدة، ومع هذا فراح كلامه ينطلي على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، الأمة كلها تصبح بلسان واحد، ومع هذا لا يرد لهم في كلمة بل كلهم كفار وجهال: اللهم أهد هذا الضال ورده إلى الحق).

١- ص ٣٨.

٣٩٠

مناقشة توحيد الربوبية:

ولكي نبين الخطأ تعمده ابن عبد الوهاب، والاشتباه الذي وقع فيه كثير من أتباعه، والذي على أساسه يكفرون غالبية المسلمين إلى عصرنا هذا، لا بد أن نطرح أفكاره على طاولة البحث والتدقيق.

ونبدأ هنا بتوحيد الربوبية: فتفسير الرب بمعنى الخالق، بعيد عن مراد القرآن. فمعنى الرب في اللغة والقرآن الكريم لا يخرج عن معنى من بيده أمر التدبير والإدارة والتصرف وقد ينطبق هذا المعنى الكلي على مصاديق متعددة مثل التربية والاصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية، ولا يمكن متعددة مثل التربية والاصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية، ولا يمكن حمل الرب على معنى الخالقية كما ذهبت إليه الوهابية التي بنت على أساسه إهرامات من الأفكار المنحرفة. ولكي يثبت هذا الخطأ بجلاء تعال نتدبر هذه الآيات القرآنية لكي نكتشف منها معنى الرب في الكتاب العزيز.

قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) البقرة/٢١.

وقال تعالى: (بل ربكم السموات والأرض الذي فطرهن) الأنبياء/٥٦.

فلو كان الرب بمعنى الخالق لم يكن هناك حاجة لذكر (الذي خلقكم) أ, (الذي فطرهم) مرة أخرى، وإلا يصبح تكراراً من غير معنى، فإذا وضعنا بدل الرب في الايتين (الخالق)، لم يكن هناك حاجة لقوله (الذي خلقكم) (الذي فطرهن) بخلاف إذا قلنا أن معنى الرب هو المدبر، المتصرف إذ تكون الحاجة إلى الجملة الاخيرة متحققة، فيكون معنى الآية الأولى، أن الذي خلقكم هو مدبركم، وفي الآية الثانية أن خالق السموات والأرض هو المتصرف فيه المالك لتدبيرهما، والشواهد على ذلك كثيرة لا يتسع المجال التفصيل فيها.

٣٩١

وعلى ذلك فقوله: (أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم) كلام لا وجه له وتخالفه النصوص القرآنية الصريحة، قال تعالى: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) الأنعام /١٦٤، هذا خطاب من اله سبحانه إلى رسول (ص)، ليقول لقومه، أتأمروني أن أتخذ رباً أقر له بالربوبية والتدبير غير الله الذي لا مدبر سواه، كما تتخذون أنتم أصنامكم وأوثانكم وتقرون لها بالتدبير، وإذا كن الكفار يقرون بالربوبية لله وحده، كما يزعم ابن عبد الوهاب لكان ليس لهذه الآية معنى، فتكون زائدة ونازلة عبثاً ـ والعياذ بالله ـ لا، كل الناس ـ على حد زعمه ـ مسلمهم وكافرهم يوحدون الله في ربوبيته فلا يأمرون الرسول (ص) بأن يتخذ رباً غير اله، ومثل هذه الآية ما نزل في مؤمن آل فرعون، قال تعالى: (.. أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) غافر/٢٨.

وعشرات الآيات تؤكد أن الرب لا يعني الخالق، وإنما يعني المدبر الذي بيده تدبير الأمور، والرب بهذا المعنى كما تؤكد الآيات لم يكن موضع اتفاق بين البشر، ولم يكن ابن عبد الوهاب إلا تلميذاً مقلداً لابن تيمية. فقد نقل منه هذه الفكرة من غير تدبر فيها فكان خطره على المسلمين أعظم، لان ابن تيمية لم يخرج هذه الفكرة من إطار الاصطلاح والمنهج العلمي، بخلاف ابن عبد الوهاب الذي ساعدته الظروف على ممارسة هذه الفكرة على الواقع العملي وتطبيقها على المسلمين، فكانت نتيجتها تكفيرهم ما عدا الوهابية، ولكي يتضح لك ذلك نتناول نظرته حول توحيد الألوهية.

مناقشة توحيد الألوهية:

يقصد الوهابية بتوحيد الألوهية أنه صرف العبادة لله سبحانه وتعالى، وأن لا شرك في عبادته غيره، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله الأنبياء والرسل من أجله.

٣٩٢

لا إشكال ولا غبار على هذا المفهوم، وإن كان هناك إشكال فهو في نفس الاصطلاح لأن الله في القرآن لا يعني المعبود، فيمكننا أن نسمي هذا التوحيد بتوحيد العبادة ولكن لا كلام لنا في الاصطلاحات إذا اتفقنا في المفاهيم.

قد أجمع المسلمون على وجوب اجتناب عبادة غير الله، وأن يفرد الله تعالى وحده بالعبادة، ولكن الخلاف هو في تحديد ـ مفهوم العبادة ـ وهو أهم شيء في هذا الباب، لأنه المكان الذي زلت فيه أقدام الوهابية، فإذا قلنا أن التوحيد الخالص هو صرف العبادة لله تعالى، لا يكون له معنى إذا لم نحدد مفهوم العبودية، ونعرف حدودها وضوابطها، حتى يكون لنا معيار ثابت نعرف به الموحد من المشرك، فمثلاً الذي يتوسل، ويزور مقابر الأولياء ويعظمهم، هل يعد مشركاً أم موحداً؟ وقبل الإجابة لا لنا من ضابط نكتشف به مصاديق العبادة في الواقع الخارجي.

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  مناقشة الوهابية في مناط مفهوم العبادة:

اعتبرت الوهابية أن مطلق الخضوع والتذلل والتكريم عبادة.

فكل من يخضع أو يتذلل لشيء يعتبر عابداً له، فمن يخضع ويتذلل لنبي من أنبياء الله أو ولي من أوليائه بأي شكل من أشكال الخضوع يكون عابداً له، وبالتالي مشركاً بالله تعالى، فالذي سافر ويقطع المسفات من أجل زيارة رسول الله (ص) حتى يُقبّل ضريحه الطاهر ويتمسح به تبركاً يُعتبر كافراً مشركاً، وكذلك الذي يبني المشاهد والقبب على الأضرحة لتكريمها وتعظيمها.

يقول ابن عبد الوهاب في احدى رسائله: (.. فمن قصد شيئاً من قبر أو شجر أ ونجم أو ملك مقرب أو نبي مرسل لجب نفع أو كشف ضر فقد

٣٩٣

اتخذ إلهاً من دون الله، فكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال هذا المشرك: لم أقصد غلا التبرك، وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر. فقل له: عن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت، كما أخبر الله عنهم أنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فأجابهم بقوله (إنكم قوم تجهلون)...)(١).

ويقول في رسالة أخرى: (.. وأيضاً من تبرك بحجر أو شجر أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بهم فقد اتخذهم آلهة...)(٢).

ثم انظر إلى هذا الوهابي، محمد سلطان المعصومي، كيف وصف المسلمين الموحدين الذين يزورون قبر رسول الله (ص)، ويتبركون بمقامه الطاهر ويقولون: أشهد أن لا إله غلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يقول في حقهم: (.. والعبد الضعيف في زياراتي الأربع للمدينة الطيبة، قد أمعنت النظر فشاهدت في المسجد النبوي وعند قبره الشريف، ما يضاد الايمان ويهدم الإسلام ويبطل العبادات من الشركيات والوثنيات الصادرة من الغلو وتراكم الجهالات والتقليد الجامد الأعمى أو التعصب الباطل، وغالب من يرتكب هذه المنكرات بعض الغرباء من أهل الآفاق، مما لا خبر له عن حقيقة الدين، فإنهم قد اتخذوا قبر النبي (ص) وثناً غلواً في المحبة وهم لا يشعرون)(٣).

ولكي يتضح الخلط والجهل الذي ارتكبه الوهابية لا بد أن تنقض هذه القاعدة التي اعتمدوها مقياساً في معرفة العبادة، وهو الخضوع والتذلل والتكريم.

١- عقائد الإسلام ، من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص٢٦.

٢- المصدر السابق.

٣- المشاهدت المعصومية عند قبر خير البرية ص١٥.

٣٩٤

لا يمكن شرعاً وعقلاً حمل مطلق الخضوع والتذلل على العبادة، فنحن نرى كثيراً من الأمور التي يمارسها الإنسان في حياته الطبيعية، يتخللها الخضوع والتذلل، مثل خضوع التلميذ لأستاذه والجندي أمام قائده، ولا يمكن أن يتجرأ إنسان ويصف عملهم هذا بالعبادة ن فقد أمرنا الله سبحانه بإظهار الخضوع والتذلل للوالدين، قال تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)(١) والخفض هما كناية عن الخضوع الشديد، فلا يمكن أن نسمي هذا العمل عبادة إن شعار المسلم هو التذلل والخضوع للمؤمن والتعزز على الكافر قال تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) وإذا كان التذلل عبادة يكون قد أمر الله المؤمنين بأن يعبدوا بعضهم البعض، وهذا محال.

وهناك آيات أكثر وضوحاً في هذا الأمر، وتنفي تماماً ما ادعته الوهابية، منها سجود الملائكة لآدم، والسجود هو أعلى مراتب الخضوع والتذلل. قال تعالى: (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) البقرة ٣٤.

فإذا كان السجود لغير الله سبحانه وإظهار قمة الخضوع والتذلل عبادة كما تدعي الوهابية فيتحتم عليها أن تسمي الملائكة ـ والعياذ بالله ـ مشركين كفاراً، وأن تسمي آدم طاغوتاً، فما لهم لا يتدبرون القرآن؟ أم على قلوبهم أقفالها؟

ومن هذه الآية نعرف أن قمة الخضوع ليس عبادة، ولا يعترض معترض بقوله إ ن السجود ليس بمعناه الحقيقي، أو إن المقصود من السجود لآدم (ع) هو جعله قبلة ـ كما يجعل المسلمون الكعبة المشرفة قبلة ـ فإن كلا الاحتمالين باطل، لأن السجود الظاهر من هذه الآية هو الهيئة المتعارفة. ولا يجوز صرفه إلى أي معنى آخر، وأما كونه قبلة فهذا تأويل من غير مصدر ولا

١- الإسراء ٢٤ .

٣٩٥

دليل، كما أن السجود لآدم (ع) كان قبلة لما كان لإبليس أي مبرر للاعتراض حيث السجود لا يكون لآدم بذاته، وقد أكد القرآن الكريم خلاف ذلكبقول إبليس: (أأسجد لمن خلقت طيناً) ففهم إبلييس من الأمر الإلهي السجود لنفس آدم (ع). لذلك اعترض بقوله: (.. أناخيرمنه) أي أفضل فكيف يسجد الأفضل للمفضول وغذا كان المقصود من السجود هو اتخاذ آدم قبلة فلا يلزم من ذلك أنتكون القبلة أفضل من الساجد، فبذلك لا يكون لآدم حظ من الفضل وهذا خلاف ظاهر الآية. والذي يؤكد ذلك قول إبليس: (أأسجد لمن خلقت طيناً.. أرأيتك هذا الذي كرمت علي) الاسراء ٦١ـ٦٢.

فامتناع إبليس عن السجود كان لأن في هذا السجود لآدم (ع) منزلة وفضلاً عظيماً، وقد اعترض علي أحد الوهابية يوماً. وهو أمير جماعة أنصار السنة في مدينة بربر شمال السودان ـ في هذا المبحث بقوله إن سجود الملائكة كان بأمر الله، وهو يظن بذلك أنه القمني حجراً وأبطل حجتي. قلت له: إذن أنت ما زلت تصر على أن هذا الفعل ـ وهو السجود ـ من مصاديق الشرك بل هو الشرك بعينه، ولكن أمر الله به. قال نعم.

قلت: وهل هذا الأمر الإلهي يخرج سجود الملائكة (ع) من الشركية.

قال: نعم.

قلت: هذا كلام لا وجه له، ولا يقبله جاهل فضلاً عن عالم، فإن الأمر الإلهي لا يغير ماهية الشيء ولا يبدل موضوعه، فمثلاً إن ماهية السب والشتم هي الاهانة، فإذا أمرنا الله تعالى بسب فرعون فهل هذا الأمر الإلهي يغير ماهية السب، فيكون سبناً له مدحاً وتكريماً لفرعون...؟!

٣٩٦

وأيضاً إذا حرم الله علينا ضيافة شخص معين، فلا يغير هذا التحريم ماهية الضيافة وهي الإكرام والاحترام فتصبح الضيافة إهانة للضيف، فإذا اعتبرت أن السجود شرك وعبادة، فإذا أمر الله به فلا يغير هذا الأمر ماهيته، فيصبح السجود بالأمر الإلهي توحيداً خالصاً، وهذا محال، فيلزم منكلامك أن تتهم الملائكة بالشرك.

بدأت الحيرة على وجهه وظل ساكتاً.

قطعت صمته قائلاً: أمامك أمران، إما أن يكون هذا السجود خارجاً من الأساس عن إطار العبادة.. وهذا ما نقوله.

وإما أن يكون هذا السجود من أجلى مصاديق العبادة وتكون الملائكة الساجدة مشركة ولكنه شرك أذن الله به وأجازه، وهذا ما لا يقول به مسلم عاقل، وهو مردود بقوله تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون) الأعراف ٢٨.

فلو كان السجود عبادة وشركاً لما كان الله سبحانه وتعالى يأمر به.

وقد أخبرنا القرآن أيضاً بسجود أخوة يوسف وأبيه، وهذا السجود لم يكن بالأمر الإلهي، ولم يصفه الله سبحانه بالشرك، ولم يتهم أخوة يوسف وأباه بذلك، قال تعالى: (.. رفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً) يوسف ١٠٠.

وكانت هذه الرؤية في الآية ٤ (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين).

فقد عبر الله تعالى في الموضعين بالسجود ليوسف، وبهذا يستفاد أن مجرد السجود أو أي عمل يظهر منه الخضوع والتذلل والتعظيم ليس عبادة.

وبهذا لا يمكن أن نسمي ذلك المسلم الموحد الذي يخضع ويتذلل أمام قبر رسول الله وأضرحة الائمة والأولياء مشركاً عابداً للقبر، لأن الخضوع لا

٣٩٧

يعني العبادة ولو أن مثل هذا العمل عبادة للقبر لكان عمل المسلمين في الحج من الطواف حول البيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة وتقبيل الحجر الأسود أيضاً عبادة لأن هذه الأعمال من حيث الشكل والظاهر لا تختلف عن الطواف بقبر رسول الله (ص) أو تقبيله أو التمسح به، ورغم ذلك نجد الله سبحانه وتعالى يقول: (وليطوفوا بالبيت العتيق) الحج ٢٩. وقال جل شأنه: (إن الصفات والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أواعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).

فهل ترىأن الطواف بالحجارة والطين عبادة لها؟

لو كان مطلق الخضوع عبادة للزم أن يتكون هذه الأفعال عبادة، ولا مخرج هنا بالأمر الإلهي، كما وضحنا أن الأمر الإلهي لا يغير ماهية الفعل، ولكن مشكلة الوهابية أنهم لم يفهموا العبادة ولم يعرفوا روحها وحقيقتها، فيتعاملون فقط بالظواهر والأشكال، فعندما يروا ذلك الزائر يقبل مقام رسول الله (ص) يذهب ذهنهم إلى ذلك المشرك الذي يقبل صنمه، فينتزع الحكم من تلك الحالة الذهنية لينسبها إلى ذلك الموحد الذي يقبل مقام رسول الله (ص) وهذا هو الاشتباه، فلو كان مجرد الشكل الخارجي كافياً للحكم لوجب عليهم أن يكفروا كل من يقبل الحجر الأسود، ولكن الواقع غير ذلك.. فتقبيل الحجر الأسود من المسلم توحيد خالص، وتقبيل الصنم من الكافر يعد شركاً خالصاً.

فما هو الفرق؟!

هناك ضابط آخر نتعرف به على العبادة وهو:

٣٩٨

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  تعريف العبادة بالمفهوم القرآني:

العبادة هي الخضوع اللفظي والعملي عن اعتقاد بألوهية المعبود أو ربوبيته أو الاعتقاد باستقلاله في فعله أو بأنه يملك شأناً من شؤون وجوده وحياته على وجه الاستقلال.

فكل عمل مصحوب بهذا الاعتقاد يعد شركاً بالله، ولذلك نجد أن مشركي الجاهلية كانوا يعتقدون بألوهية معبوداتهم وقد صرح القرآن بذلك، قال تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا) مريم ٨١ أي كان هؤلاء يعتقدون بألوهية معبوداتهم.

قال الله تعالى: (الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون) الحجر ٦٩.

فهذه الآيات ترد الوهابية على أعقابهم حيث تصرح أن الشرك الذي كان يقع فيه الوثنييون هو من باب اعتقادهم بألوهية معبوداتهم، وقد نص الله سبحانه على هذا الأمر في قوله تعالى: (وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون) الحجر ٩٤ـ٩٦.

فتحدد هذه الآيات الملاك الأساسي في قضية الشرك، وهو الاعتقاد بألوهية المعبود، ولذلك استنكروا واستكبروا على عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسول (ص)، قال تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون).

ولذلك كانت دعوة الأنبياء لهم محاربة اعتقادهم بإله غير الله سبحانه وتعالى، حيث يمتنع عقلاً عبادة من لا يعتقد بألوهيته، فيعقد أولاً ثم يعبد ثانياً.

قال تعالى: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف ٥٩.

فيبين القرآن الكريم بذلك انحرافهم عن الإله الحقيقي.

٣٩٩

فإذاً المناط في الشرك، هو الخضوع المقترن بالاعتقاد بالألوهية، وقد يكون الشرك ناتجاً من الاعتقاد بربوبية المعبود، أيكونه مالكه ومسيطراً على أمره من الخلق والرزق والحياة والممات، أو لكونه مالكاً للشفاعة والمغفرة، فالذي يخضع لشيء معتقداً بربوبيته يكون عابداً له، ولذلك جاءت الآيات القرآنية تدعوا الكفار والمشركين لعبادة الرب الحق، قال تعالى: (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) المائدة ٧٢.

قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء ٩٢.

وهنا مناط ثالث، وهو الاعتقاد بأن الشيء مستقل في ذاته أو في فعله من غير أن يكون قائماً بالله، فالخضوع المقترن بهذا الاعتقاد يعد شركاً.

فإذا خضعت أمام إنسان باعتبار أنه مستقل في فعله سواء كان هذا الفعل عادياً مثل التكلم والحركة أو كالمعجزات التي كان يقوم بها الأنبياء يكون هذا الخضوع عبادة على حد سواء بل لو اعتقد الإنسان أن حبة الصداع تشفي بصورة مستقلة عن الله تعالى يكون هذا الاعتقاد شركا.

وبهذا نعرف أن الملاك في العبادة ليس فقط إظهار الخضوع والتذلل وإنما الملاك الحقيقي هو الخضوع والتذلل بالقول أو الفعل لمن يعتقد بأنه إله أو رب أو مالك لشيء من شؤونه على وجه الاستقلال.

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  الاعتقاد بالاستقلالية وعدمها ملاك في التوحيد والشرك:

وأركز على هذا المعنى ـ أي على وجه الاستقلال ـ لأن فيه نكتة دقيقة تعتبر الفاصل بين التوحيد والشرك، لم يتلفت إليها الوهابية، وهي لا بد منها لكي نعرف كيفية التعامل مع السنن الطبيعية والغيبية، فذهبت الوهابية إلى أن التوسل بالأسباب الطبيعية لا غبار عليه كالأخذ بالأسباب المادية في الحالة

٤٠٠