×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحقيقة الضائعة / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

الطبيعية، أما التوسل بالأسباب الغيبية كأن تطلب من أحد شيئاً لا يحصل عليه بالسنن المادية وإنما بالسنن الغيبية فهو شرك، وهذا خلط واضح حيث جعلوا السنن المادية والغيبية ملاكاً في التوحيد والشرك، فالأخذ بالسنن المادية يكون عين التوحيد والأخذ بالسنن الغيبية يكون عين الشرك.

وإذا أمعنا النظر في هذه السنن بشقيها نجد أن ملاك التوحيد والشرك خارج عن إطار نفس هذه السنن، وإنما يعود الماك إلى نفس الإنسان ونوعية اعتقاده بهذه السنن، فإذا اعتقد انسان أن لهذه الوسائل والأسباب استقلالية بذاتها أي منفصلة عن الله، يكون هذا الاعتقاد شركا.

فمثلاً، يعتقد أن الدواء الفلاني يشفي من المرض بصورة مستقلة وذاتية فيكون عمله شركا، فمهما كان نوع السبب بسيطاً طبيعياً أم غيبياً فلا دخل له في الأمر وإنما الأساس في الاعتقاد بالاستقلالية وعدمها فإذا اعتقد إنسان أن كل الأسباب غير مستقلة لا في وجودها ولا في تأثيرها بل هي مخلوقة لله تعالى مسيرة لأمره وإرادته، يكون اعتقاده هذا عين التوحيد.

ولا أعتقد أن مسلماً على ظهر هذه الأرض يعتقد في سبب ما أنه مؤثر على نحو الاستقلال، فلا يحق لنا نسب الشرك والكفر لهم، فتوسلهم بالرسل والأولياء أ, التبرك بآثارهم لطلب الشفاء أوغيره، لا يعد شركاً لأنه حالة طبيعية في الأخذ بالأسباب المتعددة.

وقد تحدت القرآن الكريم عن الاسباب بحيث ينسب بعض بعض الأشياء إلى الله سبحانه، وأحياناً ينسبها إلى أسبابها المباشرة، وإليك أمثلة من ذلك.

قال تعالى: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) الذاريات ٥٨ فهي تؤكد ان الرزق بيد الله.

وإذا نظرنا إلى قوله (وارزقوهم فيها واكسوهم..) تنسب الرزق إلى الإنسان.

٤٠١

وفي آية تجعل الله هو الزارع الحقيقي قال تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) الواقعة ٦٣ـ٦٤.

وفي آية أخرى يجعل الله سبحانه صفة الزراعة للإنسان قال تعالى: (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) الفتح ٣٩.

وفي آية يجعل الله وفاة الانفس بيده قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الزمر ٤٢.

وفي آية اخرى يجعل التوفي فعل الملائكة قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا).

وفي آية يعتبر القرآن الشفاعة حقاً مختصاً بالله وحده، قال تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً) الزمر ٤٤.

ويخبر في آية أخرى عن وجود شفعاء غير الله سبحانه كالملائكة قال تعالى: (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله) النجم ٢٦.

وفي آية يجعل الله الإطلاع على الغيب أمراً مختصاً به، قال تعالى: (قل لا يعلم ما في السموات والارض الغيب إلا الله) النمل ٦٥.

ونجد في آية أخرى أن الله اختار من عباده رسلاً لإطلاعهم على الغيب إذ يقول: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) آل عمران ١٧٩.

وغير هذه من الآيات.

فالنار لهذه الآيات من أول وهلة ومن غير تدبر يشعر أن هناك شيئاً من التناقض، وفي الواقع إنها تقر ما قلناه أي أن الله سبحانه هو المستقل بفعل كل شيء وأما بقية الأسباب التي تقوم بنفس الفعال نما تقوم بها على نحو التبعية وفي ظل القدرة الإلهية، وقد لخص الله سبحانه هذا الأمر بقوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) الأنفال ١٧.

٤٠٢

فيصف النبي بأنه رمى ـ إذ رميت ـ وفي المقابل يصف نفسه أنه هو الرامي الحقيقي لأن النبي (ص) لم يرم إلا بالقدرة التي منحها له الله، فيكون رامياً بالتبع.

فيمكننا أن نقسم الفعل الإلهي إلى قسمين:

١ـ فعل من غير واسطة (كن فيكون).

٢ـ فعل بتوسط واسطة، مثل أن ينزل الله المطر بواسطة السحاب، ويشفي المريض بواسطة العقاقير الطبية... وهكذا.

فإذا تعلق الإنسان وتوسل بهذه الوسائط معتقداً أنها غير مستقلة يكون موحداً وخلاف ذلك يكون مشركاً.

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  هل القدرة وعدمها ملاك في التوحيد والشرك:

وللوهابية خلط واشتباه آخى في قضية التوحيد والشرك وهو مشابه تماماً لما سبق، فيجعلون من ملاكات التوحيد والشرك، قدرة المطلوب منه أو عدم قدرته فإذا كان قادراً لا إشكال وإلا يكون شركاً... وهذا جهل أحمق.

فما دخل هذا الأمر في التوحيد والشرك، ولا يتعدى البحث هنا عن جدوائية الطلب أو عدم ذلك.

فما بال أولئك من قساة الوهابية ينتهرون زوار رسول الله (ص) قائلين: يا مشرك، هل ينفعك رسول الله بشيء.

ناسين أو جاهلين، وهم للجهل أقرب أن المنفعة وعدمها ليس لها دخل في التوحيد والشرك.

وهذا مثل جهل آخر عند الوهابية وهو عدم جواز التوسل والطلب من الأموات.

٤٠٣

يقول ابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية ـ: (ومن أنواع الشرك، طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله هو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً)(١).

وهذا من عجائب القول وغرائبه، لا يصدر إلا ممن ليس له نصيب في الدين علماً وفهماً، فكيف يكون طلب شيء محدد من حي عين التوحيد، وطلب ذلك الشيء نفسه من ميت شركا؟!، ومن الواضح أن مثل هذا العمل خارج عن إطار التوحيد والشرك، ويمكننا أن نضعه في إطار جدوائية هذا الطلب وعدمها، فيكون الطلب من غير فائدة ولا يكون شركاً.

وكما أشرنا إن الملاك الأساسي في التوحيد والشرك هو الاعتقاد، والاعتقاد ها مطلق لا يخصص بحياة أو موت، فكلام ابن القيم ظاهر البطلان، فقوله: (إن الميت قد انقطع عمله) إن صح لا يزيد على كون أن الطلب من الميت لا فائدة فيه لا إنه شرك، وقوله: (ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً) فهو كلام عام يشمل الميت والحي فكل ما هو موجود لا يملك لنفسه شيئاً سواء كان حياً أو ميتاً، وإنما يملك بإذن الله وإرادته حياً وميتاً.

وهناك مجموعة أخرى من اشتباهاتهم، هي أصغر من أن تناقش ويمكنك أيها القارئ الرد عليها كما تبين لك من الأسس السابقة.

فيجتز لكل مسلم أن يستغيث ويتوسل بأولياء الله في أي أمر غيبياً كان أو مادياً مع ملاحظة الشروط السابقة.

فيجوز لكل مسلم أن يستغيث ويتوسل بأولياء اله في أي أمر غيبياً كان أو مادياً مع ملاحظة الشروط السابقة.

قال تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي..) النمل ٣٨ـ٤٩ـ٤٠.

١- فتح المجيد، تأليف مفيد ابن عبد الوهاب ص٦٧ ط٦ .

٤٠٤

فإذا طلب سيدنا سليمان (ع) هذا الأمر الغيبي من أتباعه، وإذا تمكن رجل عنده علم من الكتاب أن يقوم بذلك، فجاز لنا أن نطلب من الذي عنده علم الكتاب كله، وهذا بالتأكيد عند رسول الله (ص) وأهل بيته (ع).

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  هل التوسل بالأنبياء والصالحين حرام؟

قد عرفنا فيما سبق أن التوسل والاستغاثة خارجة من إطار التوحيد والشرك، وبقي شيء آخر وهوجواز هذا الأمر أو حرمته.

لم يقل أحد من علماء الإسلام بحرمة التوسل قديماً وحديثاً، وقد جاءت كثير من الروايات تبيح ذلك، وإليك بعض الأحاديث:

ـ حديث عثمان بن حنيف:

(إن رجلاً ضريراً أتى على النبي (ص) فقال: إدع الله أن يعافيني، فقال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير، قال: فادع، فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي، اللهم شفعه في. قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر)(١).

وقد ناقش إسناد هذا الحديث الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (مع الوهابيين فيخططهم وعقائدهم) وقال: (.. لا شك في صحة وسند الحديث هذا، حتى أن إمام الوهابية (ابن تيمية) قد اعترف بصحة سنده قائلاً: إن

١- سنن ابن ماجة ج١ ص٤٤١، مستدرك الحاكم ج١ ص٣١٣، مسند أحمد ج٤ ص١٣٨، الجامع الصغير ص٥٩، تلخيص المستدرك للذهبي.

٤٠٥

المقصود من اسم (أبو جعفر) الذي ورد في سند الحديث هوأبو جعفر الخطي وهو موثق.

يقول الرفاعي ـ الكاتب الوهابي المعاصر ـ الذي يسعى لتضعيف الأحاديث الخاصة بالتوسل يقول ول هذا الحديث: (لا شك أن هذا الحديث صحيح ومشهور وقد ثبت فيه بلا شك ولا ريب ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول الله)(١).

ويقول الرفاعي في كتابه التوصل لقد أورد هذا الحديث النسائي، البهقي، الطبراني، الترمذي، والحاكم في مستدركه، ولكن أورد الترمذي والحاكم جملة (اللهم شفعني فيه) بدلاً من جملة (وشفعه في). كتب زيني دحلان في (خلاصة الكلام) ذكر هذا الحديث مع مستندات صحيحة كل من البخاري في تاريخه وابن ماجة والحاكم في مستدركهما، كما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه الجامع(٢)...)(٣).

وهناك أحاديث وروايات أخرى كثيرة تجاوزنا ذكرها روماً للاختصار وللزيادة، راجع حديث توسل آدم برسول الله كما جاء في مستدرك الحاكم ج٢ ص٦١٥ والدر المنثور ج١ ص٥٩، نقلاً عن الطبراني وأبي نعيم الاصفهاني والبيهقي، وحديث توسل النبي بحق الأنبياء من قبله، كما رواه الطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان والحاكم وصححوه، وحديث التوسل بحق السائلين في صحيح ابن ماجة ج١ ص٢٦١، باب المساجد، ومسند أحمد ج٣ ص٢١.. وغيرها من الروايات.

١- التوصل إلى حقيقة التوسل ص١٥٨.

٢- كشف الارتياب ص٣٠٩، نقلاً عن خلاصة الكلام.

٣- التوصل إلى حقيقة التوسل ص٦٦.

٤٠٦

وبالإضافة إلى ذلك ما يدل على جواز التوسل إجماع التوسل إجماع المسلمين وسيرة المتشرعة فقد كان المسلمون من القديم إلى اليوم يتوسلون بالأنبياء والصالحين ولم يعترض عليهم عالم أو يحرم ذلك.

نكتفي بهذا القدر ـ الموجز ـ عن عقائد الوهابية، فالنقاش معهم يطول ويحتاج إلى كتابمنفصل، وقد رد عليهم العلماء في عشرات الكتب والمقالات.. ومن الطريف ذكره أن العلامة محسن الأمين رد على الوهابية بقصيدة طويلة تناول فيها عقائدهم ورد على إشكالاتهم تتكون من ٥٤٦ بيتاً راجعها في آخر كتابه (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب).

٤٠٧

تهافت الأشاعرة

ذكر التاريخ أن أبا الحسن الأشعري انتقل من مدرسة الاعتزال وأعلن انتماءه إلى المدرسة الحنبلية، ولكن لم تكن هذه النقلة كافية للتخلي تماما عن منهج الاعتزال فقد ظهرت انعكاسته واضحة في اسلوبه الجديد، فقد حاول أن يصبغ المعتقدات السلفية بصبغة عقلية، فلم يحالفه التوفيق في ذلك، لأن العقائد السلفية عقائد سماعية تعتمد على الحديث، ومع العلم أن كثيراً من الأحاديث غير صحيحة دست من قبل أعداء الدين في التراث الإسلامي، فلم تمماش هذه الأحاديث مع القواعد العقلية مما أحدث تناقضاً واضحاً في منهج أبي الحسن الاشعري، فنتجب مجموعة من التهافتات عندما أراد أن يبرهن على عقائد أهل الحديث بمنهج عقلي.

ونستعرض هنا نموذجاً واحداً من تهافتاته، وهو كاف لعرض العقلية الأشعرية وهي: مسألة رؤية الله... وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إمكانها.

وقد حاول أبو الحسن الأشعري وتلاميذه أن يخرجوها من إطار الأحاديث على إطار البرهان العقلي، ولذلك اخترناهم في هذا الباب حتى نستعرض آراءهم.

قد حفلت الكتب السنية بروايات صريحة في الرؤية البصرية لله جل ولعا، وإليك نماذج من هذه الأحاديث قبل الدخول في غمار البحث.

٤٠٨
٤٠٩

فيكشف عن الساق.

صحيح البخاري ج٦، تفسير سورة النساء ـ ج٩ كتاب التوحيد.

صحيح مسلم ج١، باب معرفة طريق الرؤية.

ـ عن جرير بن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم عياناً.

صحيح البخاري ج٩ كتاب التوحيد، قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).

... وغيرها من عشرات الأحاديث التي وردت في الصحاح، يقول ابن حجر حول أحاديث الرؤية: (جمع الدار قطني الأحاديث الواردة في رؤيته تعالى في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين وأكثرها جياد، وأسند الدار قطني عن يحيى بن معين قال: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية صحاح(١).

وبهذه الأحاديث التي زعموا صحتها بنوا اعتقادهم برؤية الله تعالى يوم القيامة حتى تطرف إمام الحنابلة وكفّر كل من يخالف هذا الاعتقاد، ولم يقفوا عند هذا الحد بل جوزوا إمكانية رؤيته في الدنيا.

قال الاسفرائيني: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كل حال، ولكل حي من طريق العقل ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر(٢).

بل قالوا بوقوع رؤيته في المنام، وادعوا ــ كذباً وزوراً ــ أن أول من رأى ربه في المنام رسول الله (ص) وقد تقدم ذكر الخبر.

١- فتح الباري، في شرح صحيح البخاري ج١٣ ص٣٧١.

٢- الفرقُ بين الفِرق ص٥.

٤١٠

وبعد ذلك أصبح علماؤهم يدعون رؤية الله في المنام، وأورد الشعراني وابن الجوزي والشبلنجي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة عز وجل في المنام فقلت: يا رب، ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟

فقال: كلامي يا أحمد.

فقلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم؟

قال: بفهم أو بغير فهم(١).

ويدعي الألوسي في تفسيره روح المعاني رؤية الله ثلاث مرات: (فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناماً ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة رأيته جل شأنه له من النور ماله، متوجهاً جهة المشرق، فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلفة ألوانه فأمة سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما، فرأيت ما رأين ولله تعالى الفضل والمنة(٢).

هذا ملخص عقيدتهم في رؤية الله سبحانه،... وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

.. وما قدروا الله حق قدره.

ومن الواضح أن هذا الاعتقاد يستلزم مما لا شك فيه وبأدنى تفكر الآتي:

١- طبقات الشعراني ج١ص٤٤ وعن ابن الجوزي في مناقب أحمد ص٣٤٣، نور الأبصار للشبلنجي ص٢٢٥.

٢- تفسير روح المعاني ج٩ ص٥٢ ـ دار إحياء التراث العربي بيروت ط١٩٨٥ م.

٤١١

ـ إن الرؤية الحسية التي تؤكدها الأحاديث تستلزم أن يكون المرئي جسماً له كثافة ولون حتى تتم الرؤية، فمن مستلزمات الرؤية أن يكون المرئي جسماً تنعكس منه الأشعة، وأن يكون في مقابل الرائي، وأن تكون هناك مسافة بين الرائي والمرئي بالإضافة إلى سلامة الحاسة، وبهذه الشروط يكون الله ـ والعياذ بالله ـ جسماً له لون ويكون محدوداً بمكان وهذا محال.

ـ ويستلزم أيضاً أن الله يتغير ويتشكل بصور مختلفة (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون).. والطريقة التي يعرفونه بها هي (الساق) فله ـ سبحانه ـ ساق تكشف وتغطى..!!

وهذه العقائد التي تستلزم الكفر صراحة هي ناج طبيعي للأحاديث الإسرائيلية التي سلم بها إخواننا أهل السنة لورودها في البخاري ومسلم، فقد استهما مقدمة على قداسة الله وتنزيهه، وإلا لولا هذه الأحاديث لما ذهب عقل سليم لهذا القول.

ولذلك تجد أهل البيت عليهم السلام وقفوا في وجه هذه العقيدة وكل العقائد التي تودي إلى التجسيم والتشبيه، وكذبوا تلك الأحاديث التي دسها كعب الأحبار اليهودي، ووهب بن منبه اليماني اللذان روجا فكرة التجسيم والرؤية كثيراً. وهذه العقيدة قد حفلت بها كتب أهل الكتاب وهي بعيدة كل البعد عن المعارف القرآنية.

وخلاصة القول: إن هذه الأحاديث مهما كثرت لا قيمة لها في أصول العقائد تعد حكم العقل، وإذا تنازلن وسلمنا بدخولها في مجال تقسيم الأفكار العقائدية فيقابلها كم هائل متضافر متواتر وارد عن أهل البيت (ع) تنفي التجسيم ولوازمه والرؤية وكل ألوان الإحاطة بالله تعالى.

٤١٢

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  نماذج من أحاديث أهل البيت في نفي الرؤية:

دخل المحدث أبو قرة على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرة:

إنا روينا أن الله عز وجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤية:

فقال أبو الحسن (ع): فمن المبلغ عن الله عز وجل إلى الثقلين الجن والإنس (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (و لا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء).. أليس محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؟

قال: بلى.

قال (ع): فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (ولا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء)، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر.

... أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر!!

قال أبو قرة: فإنه يقول (و لقد رآه نزلة أخرى).

فقال أبو الحسن (ع): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)... فآيات الله عز وجل غير لله، وقد قال: (و لا يحيطون به علماً) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.

فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات.

فقال أبو الحسن (ع): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها.

٤١٣

وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علم ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء(١).

ــ حضر أبو عبد الله بن سنان عند الإمام أبي جعفر عليه السلام، فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟

قال (ع): الله.

قال: رأيته.

قال (ع): لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو.

... قال أبو عبد الله بن سنان: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(٢).

ــ كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن الرؤية وما فيه الناس، فكتب عليه السلام:

(لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي من ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان في ذلك التشبيه، لان الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات)(٣).

ــ كتب محمد بن عبيدة إلى الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، فكتب عليه السلام بخطه:

١- التوحيد للصدوق ص ١١٢ حديث رقم٩.

٢- المصدر السابق ص١٠٩ حديث رقم١.

٣- المصدر السابق ص ١٠٨ حديث رقم ٥.

٤١٤

(اتفق الجميع فلا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يرى الله عز وجل بالعين وقعت المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيماناً فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها ضده فلا يكون في الدنيا أحد مؤمناً لأنهم لم يروا الله عز ذكره، وإن لن تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذه المعرفة التي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لا تزول في المعاد، فهذا دليل على أن الله عز ذكره، لا يرى بالعين، إذا العين تؤدي إلى ما وصفنا(١).

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  أدلة الأشاعرة عقلياً على جواز الرؤية ومناقشتها:

آـ عدم الممانعة العقلية في إمكان الرؤية البصرية، لأن هذا الإمكان لا يقتضي إثبات محذور أو محال عقلي على الله تعالى:

١ـ فليس في جواز الرؤية إثبات حدوثه، لأن المرئي لا يكون مرئياً لأنه محدث وإلا لكان من اللازم أن يرى كل محدث.

٢ـ وليس في الرؤية إثبات حدوث معنى في المرئي، لأن الألوان مرئيات ولا يجوز حدوث معنى فيها لأنها أعراض.

٣ـ وليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه الباري تعالى، ولا تجنيسه ولا قلبه عن حقيقته، لأنا السواد والبياض فلا يتجانسان ولا يشتبهان بوقوع الرؤية عليهما.

... ونلاحظ على هذا الادعاء الآتي:

ـ ولنا أن نقول على الأول، صحيح أن الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية، بل لا بد من انضمام شروط أ أخر، كالمسافة المناسبة والكثافة التي

١- المصدر السابق حديث رقم ٨.

٤١٥

تسمح بانعكاس الضوء، وعدم توفرها في بعض المحدثات يسمح بعدم رؤيتها. ولكن الرؤية بنفسها تسلتزم الجهة (للمقابلة)، والجسمية (للكثافة) فهي تسلتزم الحدوث، فكل مرئي محدث، لا العكس.

ونقول عن الثاني (وليس في الرؤية إثبات حدوث معنى...): إن المعنى يحدث باتصال الضوء والمقابلة، وإن لم يكن اتصال ضوء ولا مقابلة لم تكن رؤية بصرية.

ونقول عن الثالث: إنها مجرد دعوى كسوابقها فالتشبيه متحقق لا مفر منه فإن حقيقية الرؤية قائمة بالمقابلة، والمقابلة لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وليس أظهر من هكذا تشبيه، حيث الجهة والجسمية، وتعالى ليس كمثله شيء.

ب ـ يقول الباقلاني: (والحجة على ذلك أنه تعالى موجود: والشيء إنما يصح أن يرى من حيث كان موجوداً إذا كان لا يرى لجنسه، لأنا لا نرى الأجناس المختلفة ولا يرى لحدوثه إذا أنا نرى الشيء في حال لا يصح أن يحدث فيها، ولا لحدوث معنى فيه إذا قد ترى الأعراض التي لا تحدث المعاني)(١).

وبتقرير آخر: (إننا ما دمنا نرى الأعراض فإننا نرى الجواهر بالضرورة)(٢).

(إن الرؤية مشتركة بين الجواهر والأعراض، ولا بد للرؤية المشتركة من علة واحدة وهي: إما الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصح للعلية لأنه أمر عدمي، فتعين الوجود.. فنتج أن صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن)(٣).

١- د. عبد الرحمن البدوي، مذاهب الإسلاميين ج١ ص٣١٦.

٢- د. حسن حنفي (من العقيدة إلى الثورة) ج٢ ص٢٥٣.

٣- الملل والنحل للسبحاني ج٢ ص٢٠٠.

٤١٦

وضعف الدليل واضح إذ ينتقض بعدم رؤية أشياء مع القطع بوجودها (كرؤية الأفكار والعقائد والروحيات والنفسانيات من القدرة والإدارة). مما يكشف عن سبب آخر للرؤية وليس هو الوجود.

ولذا اعترض عليه كثير من الأشاعرة أنفسهم كشارح المواقف، والتفتازاني في شرح المطالع، وكذا القوشجي في شرح التجريد(١).

ومع أن لفظ (الوجود) أصح من (الحدوث) في جعله من شرائط الرؤية إلا أن مقولة كل موجود تجوز رؤيته غير صحيحة بإطلاقها، وحتى تصح لا بد أن تقيد بسائر شروط الرؤية، وهذه الشروط لا تنسجم إلا مع الموجودات المخلوقة أما بشأن الرب تعالى فلا يمكن المقايسة بين الخلق والخالق (ليس كمثله شيء) ولا يخفى أن إجراء القوانين الطبيعية على الرب تعالى هي عين التشبيه والجهل.

وبهذه الأدلة المتساقطة التي زعموا أنها عقلية أثبتوا الرؤية لله سبحانه وتعالى، والله بريء مما يقولون.

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  أدلة الأشاعرة على الرؤية من القرآن ومناقشتهما:

آ ـ قال تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة - وتذرون الآخرة - وجوه يومئذ ناضرة -إلى ربها ناظرة -ووجوه يومئذ باسرة -تظن أن يفعل بها فاقرة) القيامة ٢٠ـ٢٥وقد ميز الأشعري بين معنى كلمة (النظر)، بمعنى الاعتبار (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) الغاشية ١٧، وبمعنى الانتظار (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) يس ٤٩ وبمعنى الرحمة (لا ينظر الله إليهم) آل عمران ١١، وبمعنى الرؤية.

١- دلائل الصدق للمظفر ج٢ ص١٨٤.

٤١٧

وقد اختار الأشعري من بين هذه المعاني معنى (الرؤية)، لعدم صحة بقية المعاني فأما الأولى (الاعتبار) فدار الآخرة ليست جار اعتبار بل جزاء، وليس بمعنى (الانتظار) لأنها علقت على الوجه، كما أن الانتظار فيه مشقة لا يناسب أهل الجنة. أما معنى (الرحمة) فبعيد، لعدم جواز تعطف الخلق على الخالق كما هو واضح ثم عضد اختيار الرؤية بقرينة من لسان العرب، وهي أن النظر بمعنى الرؤية يرتبط ب (إلى) ولا تقول العرب في النظر بمعنى الانتظار باستخدام (إلى) (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) فلما أراد الانتظار لم يقل (إلى) فلما قال عز وجل (إلى ربها ناظرة) علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية، ولما قرن الله النظر بذكر الوجه أراد نظر العينين اللتين في الوجه.

واستدل أيضاً بأن النظر في هذه الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار لأن الانتظار معه تنقيص وتكدير وذلك لا يكون يوم القيامة، لأن الجنة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب(١).

ويلاحظ عليه:

١ـ أما قوله كلمة النظر إذا كانت بمعنى الرؤية تعدت بالحرف إلى وإذا كانت بمعنى الانتظار تعدى بنفسها، يجاب بأن (ناظرة) اسم فاعل، وهو في عمله فرع الفعل، والفرعية تسبب ضعف العامل فيفتقر إلى ما يقويه، كما أن المعمول هنا مقدم، والتقديم سبب آخر لضعف العامل ومن هنا عدي ب (إلى).

كما أن تعديته ب (إلى) مستعملة في كلام العرب، كما في قول جميل بن معمر:

١- الملل والنحل، للشهر ستاني ج٢ ص٢٠٣

٤١٨


وإذا نظرت إليك من ملكوالبحر دونك زدتني نعما

أي: وإذا انتظرتك.

وقال حسان بن ثابت:


وجوه يوم بدر ناظراتإلى الرحمن يأتي بالفلاح

أي: منتظرات.. وهو كثير الاستعمال.

وقد عدى القرآن الكريم اسم الفاعل (ناظرة) بالباء في قوله تعالى:

(فناظرة بم يرجع المسلمون) النمل.

ومعنى هذا الكلام أن (ناظرة) تتعدى بنفسها وبالحرف.

٢ـ أما أن الانتظار فيه تنقيص، ولا يناسب أهل الجنة..نتساءل، من أين عرف أن الآيات تتحدث عن الجنة؟

بل هي ظاهر في الموقف -الحساب -بدلالة السياق (تظن أن يفعل بها فاقرة) فالآيات تحكي عن أحوالهم قبل دخولهم إلى مستقرهم ومأواهم، لأنهم إن دخلوا النار فقد فعل بهم الفاقرة يقيناً.

فمعنى الانتظار، وارد جداً، ولا سيما أنه استعمال حقيقي في لسان العرب فلا يحق للأشعري أن يصادر هذا المعنىفإذا قلنا (النظر) بمعنى الانتظار، فذلك ينفي الرؤية الحسية لله سبحانه، وإذا قلنا أن (النظر) بمعنى الرؤية فيكون المراد منه الاستعمال المجازي، وقد قرر هذا الاستخدام الشيخ السبحاني، وذلك بتقدير حذف مضاف (إلى ثواب ربها ناظرة) ويبرر هذا التقدير حكم العقل بعد المقابلة بين الآيات، فالآية الثالثة تقابل الآية الأولى، والآية الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

آـ (وجوه يومئذ ناضرة) يقابلها قوله (وجوه يومئذ باسرة).

٤١٩
٤٢٠