×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوارات / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وأنزل عليك {إنما وليكم …إلى آخر الآية }.

فيكون معنى الآية بعد ذلك إنما وليكم الله ورسوله وعلي ابن أبي طالب (عليه السلام)، ولا يستشكل أحد، كيف خاطب الله الفرد بصيغة الجمع؟!

لأنه أمر جائز في لغة العرب، وهو ضرب من ضروب التعظيم، والشواهد على ذلك كثيرة، كقوله تعالى: { الذين قالوا أن الله فقير ونحن أغنياء } فالقائل هو حي بن أخطب، وقوله تعالى { ومنهم الذين يؤذون النبي يقولون هو أذنٌ } التوبة ٦١ وهذه الآية نزلت في رجل من المنافقين أما في الجلاس بن سيويله أو نبتل بن الحرث أو عتاب بن قشيرة، تفسير الطبري ج٨ ص ١٩٨.

ولا يستشكل أيضاً بأن معنى الولي هو المحب والناصر وإنما هو الأولى بالتصرف، والذي يدل على ذلك هو أن الله تعالى نفى أن يكون لنا وليٌ غيره تعالى وغير رسوله وغير { الذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } بلفظة (إنما)، ولو كان المقصود الموالاة في الدين، ما خص بها المذكورون، لان الموالاة في الدين عامة للمؤمنين

٦١
جميعاً. قال تعالى {المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فالتخصيص يدل على أن نوع الولاية يختلف عن ولاية المؤمنين لبعضهم البعض، فلا يكون المراد من قوله {الذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة.. } مجمل ومطلق المؤمنين، وإنما تكون خاصة بعلي (عليه السلام) بدليل (إنما) التي تفيد التخصيص فتنفي جملة المؤمنين، وهذا بالإضافة للأحاديث التي أثبتت أن هذا الوصف {يؤتون الزكاة وهم راكعون } لم ينطبق على أحد ولم يدعيه أحد غير أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو كونه أتى الزكاة وهو راكع.

ثانياً: قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاس} (المائدة: آية/ ٦٧).

تعالوا لنتدبر في هذه الآية المباركة:

فإننا نلاحظ أن هذه الآية خاطبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلهجة غريبة "وإن لم تفعل" فمتى توانى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر تبليغ الرسالة حتى يخاطبه الله بقوله {وإن لم

٦٢
تفعل}. فنستظهر من ذلك إن هذا الأمر الذي يأمر المولى بتبليغه في غاية الأهمية والشأن، هذا أولاً.

وثانياً: صعوبة تبليغ هذا الأمر من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه الصعوبة تتحتم أن تكون من باب عدم قبول سائر الناس لهذا الأمر، وإلا لم تكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصلحة في عدم تبليغه لهذا الأمر، ويؤكد ذلك ذيل الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاس} أي بمعنى أنك ستواجه معارضة عنيفة في تبليغ هذا الأمر لدرجة أنه يمكن أن يُلحق الأذى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهنا كفل الله له العصمة والضمانة.

وقوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} إن هذا الأمر بلغ من الأهمية جعلته يوضع في كفة قبال كل الرسالة بما فيها من صبر على العناء والجهاد ودماء الشهداء وما لا قاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أذى حتى قال "ما أوذي نبي كما أوذيت"، يكون كل هذا لا اعتبار له إلا بتبليغ هذا الأمر.

فيا ترى ماذا يكون؟! هل الصيام، أم الزكاة أم الحج أو التوحيد وسائر المفردات العقائدية؟ لا يمكن

٦٣
أن يكون ذلك لأن هذه الآية في سورة المائدة وهي مدنية، كما أنها من أواخر سور القرآن كما جاء في مستدرك الحاكم، هذا بالإضافة إلى نزول هذه الآية بالذات بعد حجة الوداع، وهي آخر حجة في الإسلام وكانت كل أحكام الدين مبلغةً وواضحة، فيكون الأمر خلاف ذلك وإنما له ربط بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فهل هنالك أمر غير تعيين الإمام والخليفة بعد الرسول، أمرٌ يكون بقاء الرسالة منوط به، حيث لولاه لما كانت رسالة، وهل هنالك أمرٌ وقع الخلاف فيه بين المسلمين غير الخلافة والولاية، كما قال الشهرستاني (ما سُل سيف في الإسلام كما سل في الخلافة) هذا بالإضافة لما أوضحناه في بداية حديثنا أن الإمامة والمرجعية الواحدة هي كفيلة بعصمة الأمة من الضلال فيتحتم أن يكون الأمر المراد تبليغه هو ذلك.

وهذا ما أثبته المفسرون، وأصحاب السير، ورواة الأحاديث بأن هذه الآية نزلت بخصوص علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في غدير خم، ذكر السيوطي في

٦٤
تفسيره (الدر المنثور) في تفسير الآية عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم عن أبي سعيد قال: (نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خم في علي) ونقل أيضاً عن ابن مردويه بإسناده إلى ابن مسعود قوله: (كنا نقرأ على عهد رسول الله. {يا آيها الرسول بلغ ما نزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس }. وروى الواحدي في أسباب النزول ص١٥٠ عن أبي سعيد قال: (نزلت يوم غدير خم في علي). وروى الحافظ بن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب(١).

فقد جاء عن زيد بن أرقم، أنه قال: لما نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير خم، في رجوعه من حجة الوداع، وكان في وقت الضحى والحر شديد، أمر بالدوحات فقمن، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بليغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي

١- الدر المنثور ج٢ص٢٩٨، للتفصيل أرجع لكتابي الحقيقة الضائعة.

٦٥
{بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاس} وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخي ووصي وخليفتي والإمام من بعدي.. فأعلموا معاشر الناس ذلك: فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماضٍ حكمه جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه، أسمعوا وأطيعوا، فإن الله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة.. ".

وبعدما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاية علي التي لولاها لم يكتمل الدين، كما هو واضح من منطوق الآية: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أما مفهومها (إذا بلغت أكملت الرسالة) ومن هنا نزل قوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا}(١) (سورة مائدة: آية/٣).

١- وقد صرح بنزول هذه في علي كثيرٌ من المحدثين، وذكر منهم الأميني في كتابه الغدير ج١ ص ٢٣٠ إلى ص ٢٣٧ ستة عشر مصدراً، فراجع.

٦٦
فإكمال الدين وإتمام النعمة بولاية علي(عليه السلام).

الآية الثالثة: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء: آية/ ٥٩).

هذه الآية تلخص ما أَوضحناه بأن استمرارية الرسالة منوطة بطاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر من بعد الرسول. ونجد هنا أن مفهوم الولاية وكأنه ثابت في فطرة الإنسان، ولذلك تتكي الآية عليه لإثبات حكم آخر، وهو الملاك والمناط الذي من خلاله نتعرف على ولي الأمر، وهو العصمة.

إن العصمة للوالي ثابته بالضرورة العقلية ولكن هذا ليس موضع حديثنا، ويكفي في هذا المقام أن الآية ظاهرة بل نص صريح في المدعي وهو العصمة. فإن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعة ولي الأمر على سبيل الجزم، وكل من يأمر الله بطاعته على سبيل الجزم، لابد أن يكون معصوماً، وإلاّ اجتمع الأمر والنهي في موضع واحد وهذا محُال، لأنه لا يأمر بالمعصية وينهي عنها. وتقرير ذلك إذا أمرنا الله بالطاعة الحتمية لولي الأمر، مع افتراض المعصية والخطأ منه، فتقع بالتبع المعصية والخطأ

٦٧
منا لطاعتنا له، فيكون بذلك قد أمرنا الله بالمعصية والخطأ بطريقة غير مباشرة وفي الوقت نفسه قد نهانا الله عن الخطأ والمعصية، وهذا تناقض ومحُال فتتحتم وتتعين العصمة للإمام، وهذا هو المقياس الذي جعله الله لنا لنكتشف من خلاله المصداق الخارجي للإمام، وهذا يعني الكفر بكل والي أدعى خلافة المسلمين وهو غير معصوم فضلاً على أن يكون فاسقاً مجاهراً بالفجور.

ويا ترى من الذين كفل الله عصمتهم وطهارتهم حتى يكونوا ولاة أمورنا؟!.

لم نجد في آيات الذكر الحكيم، ولا أحاديث النبي الأمين ولا من بين دفات التاريخ، جماعة طهرهم الله وأذهب عنهم الرجس غير أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (سورة الأحزاب: آية/ ٣٣).

وإفادة العصمة واضحة من هذه الآية وذلك لاستحالة تخلف المراد، إذا كان المريد هو الله سبحانه، وهي تطهير أهل البيت خاصة وأداة الحصر

٦٨
(إنما) شاهدةٌ على ذلك، وهذا بالإضافة لتأكيدات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على تعضيد هذا المعنى، كما في حديث الثقلين "إني أوشك أن أُدعى فأجيب وإني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن الطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما". ومن المعلوم أن القرآن معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأهل البيت متلازمون معه إلى الحوض، فإن كان يأتيهم الباطل كانوا حتماً يفترقون عن القرآن وهذا ما أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عدمه بـ(لن) التي تفيد التأبيد (لن يفترقا) وغيره من النصوص الدالة على ذلك مثل قوله "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار"(١).

١- أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٣٥. وكنز الحقائق ص٧٠. وأرجح المطالب ص ٥٩٨. وكتاب المناقب للفقيه الحافظ أبي الحسن الشافعي ص ٢٤٤. ورواه الترمزي في فضائل علي والمستدرك أيضاً ج ٦ ص ١٢٤، و الصواعق لأبن حجر في الفصل الخامس الباب الأول الشبهة (١١).

٦٩
وبذلك تكون الآية نصاً في ولاية أهل البيت، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيكون معنى الآية (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وعلي بن أبي طالب)، وأولاده الأحد عشر(١)، وغيرها من الآيات الدالة على ذلك فبعضها نصٌ في الأمر وبعضها ظاهر الدلالة، ويمكنك أن تراجع في ذلك كتاب أبن حجر (الصواعق المحرقة) باب ما نزل في أهل البيت(عليهم السلام) من القرآن.

وبعدما وضعت لاقطة الصوت وانصرفت، لم يعقب الوهابي المتحدث على كلامي ولو بنصف

١- روى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص١٠٤ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت (ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة من عشرين طريقاً أن الخلفاء من بعد النبي (ص) اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، في البخاري من ثلاثة طرق، وفي مسلم من تسعة طرق، وفي أبي داود من ثلاثة طرق، وفي الترمزي من طريق واحد، وفي الحميدي من ثلاثة طرق. ففي البخاري عن جابر رفعه: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها فسألت أبي: ماذا قال: كلهم من قريش، وفي مسلم عن عامر بن سعد، قال: كتبتُ إلى أبن سمرة أخبرني بشيء سمعته من النبي (ص) فكتب إلى: سمعت رسول الله (ص) يوم عشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).

٧٠
كلمة، وبينما هو في سكوته رفع أحد إخواننا يده وهو طالب في الجامعة فآذن له المحاضر وكان يظن أنه وهابي أتى لنجدته.

وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:

لي نقطة: أود أن أقرها قبل أن أورد ملاحظاتي على الشيخ، وهي عندما يتحدث الشيخ عن السودان وكأنه مستعمرة لمحمد بن عبد الوهاب، وأن دخول التشيع يُعد أمراً شاذاً إلى هذا البلد الطيب، وأقول له من باب ردَّ الحجر من حيث أتى، وأنت من الذي أدخلك إلى السودان، فهل تظنه مقاطعة من صحاري نجد؟!!، إن السودان بلد فطر على حب محمد وآل محمد وأنتم الغرباء لا نحن(١).

أما النقطة الثانية: هي مسألة الارتداد في عصر النبي الأكرم، والتي لم يبتدعها الشيعة من عند أنفسهم، بل طفحت بها الكتب المعتمدة لديكم، كالبخاري ومسلم وغيرهما، وهي واضحة بحيث لا يشك فيها أحد، هذا إذا لم نأخذ بالاعتبار الآيات

١- مع العلم أن المتحدث كان وهابياً متشدداً هداه الله إلى التشيع.

٧١
القرآنية المتحدثة في هذا المجال، إن الردة يا شيخ قد حدثت ولم تقدر أنت ولا من معك ولا من كان قبلك ولا من سيأتي بعدك على إنكارها، وحروب الردة التي قامت في صدر الإسلام فهي تؤكد أن هناك حق أرتد عنه ولذا نشب القتال، فحاصل الأمر إن هناك ارتداد أم تقول إن الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أمريكان؟ ولم يكونوا مسلمين.

وأما النقطة الثالثة: هل فات الشيخ أنه يخاطب عقولاً ناضجة وصلت إلى هذه المرحلة أم أنه يستهزئ بها. إن وصف الشيعة باليهودية أمرٌ لا يقبله العقل، والدليل على ذلك أيها الشيخ من الذي يدافع عن الإسلام اليوم ضد الزحف اليهودي؟ إلى من ينتمي حزب الله في لبنان وحركة المقاومة الإسلامية؟ إن وصفاً كهذا يُسفِّه قائله قبل أي شخص آخر، فنرجو احترام العقول هنا.

وبعد أن أكمل الطالب حديثه قال له الوهابي لي سؤال واحد.

فقد ذكرت في حديثك أن مجموعة من الصحابة ارتدوا فهل تستطيع أن تذكر لي أسماءهم؟.

٧٢
فرد عليه قائلاً لا أذكر.

فقال الشيخ أتخاف أن تكشف عقيدتك.

وفي هذه اللحظة طلبت من الوهابي أن أجيب أنا على هذا السؤال ولكنه رفض وقال لماذا لا يجيب هو.

فقال الطالب: الأسود العنسي.

الشيخ: فيك الخير سمي واحد غيره فقلت لصديقنا: قل لا أعلم، وبعد إصرار مني سمح الوهابي لي بالإجابة على هذا السؤال.

فقلت إن القضية لا تثبت موضوعها ونقاشنا الآن في مجمل القضية وهي هل كان هناك ارتداد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!.

وقد أثبتت ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقد أثبت القرآن وجود المنافقين، ولم يذكر أسماءهم وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك ولم يحدد أسماءهم، فكيف تطالبني بشيء سكت عنه الله ورسوله، ونحن نلتزم بقولهم، فعندما يقول تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفأن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} فنقول نحن كما قال

٧٣
الله سبحانه وتعالى إن بعض الصحابة انقلبوا وهم الأكثرية ولا نزيد على ذلك، وكذلك نقول عندما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما جاء في البخاري ومسلم.

روى البخاري في تفسير سورة المائدة، باب أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك، وتفسير سورة الأنبياء، كما رواه الترمزي في أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر، وتفسير سورة طه: (وإنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يارب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم }، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، مُذ فارقتهم).

وروى البخاري في كتاب الدعوات باب الحوض، وبن ماجة كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر، كما أورده أحمد بن حنبل بطرق متعددة: (ليردن عليَّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم، اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا

٧٤
بعدك) كما رواه مسلم أيضاً في كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا الحديث ٤٠.

وهنا قاطعني الوهابي قائلاً: إن سؤالي محدد فما رأيك مثلاً في السيدة عائشة؟.

قلت أنا وأنت لم نزامن السيدة عائشة، وكل ما نعرفه عنها هو عبر مصادر التاريخ، وأنا مستعد أن نجمع كل المصادر ونبحث في شخصيتها، وما نخرج منه من البحث النزيه يكون ملزماً لنا.

فالسؤال في هذه الأمور لا يجاب عنه ارتجالا.

فقال الوهابي: هكذا دائماً يراوغ الشيعة ويستخدمون التقية في إخفاء عقائدهم، فإنهم يكفرون الصحابة ومن بينهم أبو بكر وعمر، ويكفرون أمهات المؤمنين، وهنا تعالت الأصوات بالصراخ من قبل الوهابية الجلوس، تندد بالشيعة وتصرح بكفرهم.

وبعد أن توتر الجو فضلنا الانسحاب لأنه لا يسمح بالحوار والبرهان.

٧٥
٧٦

أحداث يوم الجمعة


وهو يوم اللقاء الثاني مع الوهابية، وكان برنامجهم المُعد في هذا اليوم ركن نقاش بعنوان(هذا أو الطوفان).

بعد انتشار أنباء يوم الخميس والهزيمة النكراء التي أثبتت ضحالتهم الفكرية، أكتظ المكان بالرواد، حتى من بعض المدن المجاورة، لأن موضوع الشيعة أصبح الحدث الفريد الذي كسب اهتمامات الناس، ومن الطريف في هذا المقام أن كثيراً من الناس في بادئ الأمر كانوا يتوقعون أن الشيعة سوف يهربون من المناقشة والمواجهة، ولكن بعد يوم الخميس انعكست الصورة، فكان الكثير يراهن على أن الوهابية سوف ينسحبون من يوم الجمعة.

بدأ ركن النقاش بآيات من الذكر الحكيم، ثم بدأ الوهابي حديثه، وهو أيضاً مستعار من مدينة (مدني) ومتخصص في إدارة أركان النقاش، كما يقول هو عن نفسه أنه عشر سنوات خلف لاقطة الصوت من ركن إلى ركن، وهذا إن دل إنما يدل على عظيم

٧٧
الفجيعة التي ألمت بالوهابية مما جعلهم يرسلون استغاثاتهم إلى جنوب الخرطوم.

ثم بدأ حديثه بالتأصيل للخط الوهابي السلفي الذي كاد أن ينحسر وجوده في المدينة، فتلخص حديثه في موضوع التوحيد والشرك، وصفات الله، وعدالة الصحابة، والبدعة، ولم يذكر حرف الشين من الشيعة مع أن المعلوم هو مواصلة الحديث عن التشيع، فهذا التصرف دل عند الجميع على انسحاب الوهابية من حلبة النقاش، فصممت بيني وبين نفسي أن أستغل هذه الفرصة وأوجه الضربة الفاصلة بفضح هذه العقائد وتوضيح فسادها بالتفصيل.

وبعد أن أتّم حديثه في التوحيد، مركِّزاً فيه على أن التوسل وزيارة القبور والأضرحة من أنواع الشرك الجلي. تحدث عن الصفات قائلاً: إن منهج السلف هو أمرار كل الصفات التي جاء بها القرآن كما هي من غير تأويل وتشبيه، وإن كل منهج غير هذا هو بدعة مخالف لما نقل عن الصحابة الأبرار.

وبعد أن أتيحت الفرصة للمشاركة والنقاش سُمِح لي بالحديث فقلت: أرجو منك أن تمنحني الفرصة

٧٨
الكافية لأتناول بالتفصيل التوحيد والشرك وصفات الله ومفهوم البدعة.

أولاً: أن توحيد الله سبحانه وتعالى من أشرف ما يتصف به الإنسان، ومعارفه من أشرف المعارف، ولذلك نجد كل الرسالات السماوية كان جُلَّ اهتمامها هو نشر التوحيد، بل كان هو الحد الفاصل بين أتباع الرسالة وغيرهم، ومن هنا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقاتل الكفار حتى يقولوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهذا مما لا يختلف فيه مسلمان على وجه هذه الأرض منذ البعثة إلى أن جاء محمد بن عبد الوهاب، فَقَتَل المؤمنين الموحدين تحت راية التوحيد وهذا مما أكده أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ثم قرأت له مقطعاً من كلامه:

(من قبل زمان الإمام أحمد في زمن أئمة الإسلام حتى مليت بلاد الإسلام كلها ولم يرو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك ولا قالوا هؤلاء مرتدون ولا أمروا بجهادهم، ولا سموا بلاد

٧٩
المسلمين بلاد شركٍ وحرب كما قلتم أنتم بل كفرتم من لم يكفر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها، وتمضي القرون على الأئمة من ثمانمائة عام ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنه كفر بل ما يظن هذا عاقل، بل والله لازم قولكم أن جميع الأمة بعد زمان أحمد (رحمه الله تعالى) علماؤها وأمراؤها وعامتها كلهم كفار مرتدون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واغوثاه إلى الله! ثم واغوثاه أن تقولوا كما يقول بعض عامتكم أن الحجة ما قامت إلا بكم).

ويقول أيضاً: (فإن اليوم ابتُلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومها ولا يبالي من خالفه. وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم تكن فيه خصلة واحدة من فعال أهل الاجتهاد لا والله، ولا عُشر واحدٍ، مع هذا فراح كلامه ينطلي على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، الأمة كلها تصيح بلسان واحد، ومع هذا لا يرد لهم في كلمة بل كلهم كفار وجهال: اللهم أهد

٨٠