×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوارات / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

والعطاء، فإن أسلوب التلقين ليس مجدياً في حقي، فإن العقيدة التي تقوم على الحوار، والنقاش والدليل، والبرهان، عقيدة صلبة، لا تزلزلها العواصف.

قاطعني قائلاً: وهذا ما ندعو إليه.

فقلت: إذاً ما هي نظرة الإنسان الباحث للإسلام؟.

هل يعتبر أن الإسلام هو ذلك الذي يكون في بيئته ومجتمعه؟.

أم أنه أوسع من ذلك فيشمل الإسلام بشتى مدارسه ومذاهبه الحاضرة أو التي كانت في التاريخ؟.

وهذه النظرة الشاملة، هي التي تكسب الإنسان نوعاً من الحرية، تمكنه من معرفة الطائفة المحقة، لأنها المقدمة للتحرر من كل قيود البيئة والمجتمع، كما أن هذه النظرة تكسب الإنسان نوعاً من الأنصاف، في التعاطي مع الأطراف المتعددة، ومن هنا أطلب منك أن لا تحاكمني بمسلماتك باعتبار أنها حقيقة، لأنها لابد أن تثبت بالدليل أولاً، ثم تكون صالحة للمحاكمة، كما يقولون (ثبت العرش، ثم أنقش

١٠١
عليه) كما إنني لا أقبل منك أن تجعل الموروث الديني والحالة الدينية في المجتمع هي الحاكم بيننا، لأن المجتمع السوداني وإن كان مجتمعاً متديناً، إلا أنه لا يكون ممثلاً لكل المذاهب الإسلامية، فما هو إلا حالة واحدة من تلك الحالات المتعددة، وهي نفسها لا ندّعي إن مجتمعنا قد استوعبها بشكلٍ كامل.

إذاً لابد أن نحدد مقاييس ثابتة تكون هي مدار حجتنا وملزمة للطرفين، وعلى ما يبدو أننا يمكن أن نتفق على القرآن والسنة والعقل، رغم أن السُنة حجيتها ليست مكتملة، لأننا سوف نعتمد على مرويات مدرسة واحدة، وهم أهل السنة مع العلم، أن هناك مدارس أخرى لها مروياتها الخاصة، ولكن من أجل الوصول إلى الفائدة، يمكن أن نعتمد على مصادرهم.

استغرب الوهابي كثيراً من هذا الكلام، وهو لا يدري إلى أي طريق أسلك به، ولكنه وافق على ما قلت مع علمي الكامل أنه لا يلتزم به.

فقلت له: إذاً نبدأ البحث، وسوف ينحصر في التوحيد وصفات الله، ثم في الطريق الذي يجب أن

١٠٢
تسلكه الأمة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا تكرمت شيخنا وبدأت بالكلام.

فأبتدأ الشيخ قائلاً: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد، وعلى أهله، واصحابه أجمعين، وبعد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (افترقت اليهود، إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فقيل ما هي يا رسول الله، قال ما كنت عليها أنا وأصحابي).

وقد بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بهذا الحديث إن الفرقة الناجية هي واحدة، وباقي الفرق كلها في ضلال، وإلى النار، وكما بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن الفرقة الناجية، هي ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واصحابه، وهذا بيان صريح من الرسول على أن الفرقة الناجية هم السلف الصالح، ومن تبع نهجهم، وهذا كافي لنا كمكلفين أن نتبع منهج

١٠٣
السلف، ولا نهتم بمذاهب الضلال، فالطائفة المحقة هم أهل السنة والجماعة، وهم أكثر الطوائف إعتدالاً، لأنها سلمت بما جاء به الرسل وصحابته الكرام، ولا نريد أن نخوض في الطوائف الأخرى، ونوضح مدى ضلالها فمجرد معرفة الطائفة المحقة، كافٍ للحكم على البقية بالضلالة.

أما صفات الله سبحانه وتعالى، فعلى حسب قول الطائفة المحقة، إن هذه الصفات التي أخبر بها القرآن، نجريها كما جاءت من غير تأويل، فمثلاً قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) فلا يمكن أن تؤول معنى اليد، وفي الوقت نفسه لا نثبت لها معنى خاص، فلا تقول إن يد الله تعني قدرته، لأنه لا دليل على ذلك، وإنما نثبت لله يداً من غير كيف، وهذا ما قال به السلف الصالح، فلم يُروى منهم على الإطلاق، رأي مخالف لما قلناه، وهذا دليل على صواب هذا الرأي، لأن السلف أقرب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأعلم الناس بالقرآن، وعدم اختلافهم دليل على صدق قولهم، أما الطوائف الأخرى فقد ذهبت بعيداً في آيات الصفات، فكل طائفة تؤولها على حسب

١٠٤
هواها، فالقائلين بالتأويل لم يتفقوا على معنى معين، وهذا وحده دليل على البطلان، فيتحتم أن يكون الطريق أمامنا هو إجراء هذه الصفات، كما جاءت من غير تأويل، وكما قال السلف: في مثل هذا المقام، (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة) ولا أعتقد أن إنساناً يخاف الله ويطلب الحق، يجادل في هذه المسألة.

استفزتني هذه الكلمة، فقاطعته قائلاً:

ــ أولاً: إن الطائفة المحقة هم أهل السنة، لأنهم ساروا على منهج السلف، وذلك لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الفرقة الناجية (ما كنت عليه أنا وأصحابي)، فإن الموضوع أوسع من المدعي، وبصورة أخرى إن الصغرى غير تامة، فمن الذي يقول إن الذي عليه أنتم هو نفس ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه؟!!.

وكون أهل السنة هم الطائفة الوحيدة، التي جسدت ما كان عليه رسول الله وأصحابه، هذه مصادره من غير دليل. لأن كل الطوائف تدعي وصلاً بليلى.

١٠٥
وثانياً: الإختلافات الكبيرة جداً بين أهل السنة هي دليل على بطلان ما تدّعي، فليس هناك في الواقع مذهب واحد متكامل يسمى أهل السنة، وكل ما هنالك عنوان يسمى أهل السنة، تنطوي تحته مجموعة من المدارس، التي تختلف في أبسط المسائل الفقهية، بل حتى في طريقة التعامل مع السلف، فأي أهل السنة والجماعة تقصد؟! هل هم الوهابية؟ ويوجد هنالك من يدعون أنهم أهل السنة، ويكفرون الوهابية، فلا تعمم الكلام ولا تحاول أن تلزمني بالعنواين الفضفاضة.

أما كلامك في الصفات الإلهية، فيكتنفه نوع من الغموض، فما معنى أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير كيف؟! فهذا التبرير لا يقبله صاحب عقل سليم، لأن الجهل بالكيفية، لا يغير عنوان القضية، وهو لا يتعدى أن يكون إبهامٌ وألغاز، لأن إثبات هذه الألفاظ، هو عين إثبات معانيها الحقيقية، وصرفها عن معناها الحقيقي هو عين التأويل الذي أنكرته، وإثبات المعنى الحقيقي لها لا ينسجم مع عدم الكيفية، لأن الألفاظ قائمة بمعانيها، والمعاني قائمة بالكيفية، وإجراء هذه الصفات بمعانيها المتعارفة هو عين التجسيم،

١٠٦
والتشبيه، والاعتذار بقولك (بلا كيف)، لا يتعدى أن يكون لقلقة لسان، وإذا كانت هذه الألفاظ الجوفاء تكفي لإثبات التنزيه لله عز وجل فلا إشكال على من يقول إن لله جسم، بلا كيف، ولا كالأجسام، وله دم بلا كيف، ولحم، وشعر، و… بلا كيف، كما قال أحد الحشوية (إنما استحيت عن إثبات الفرج واللحية وأعفوني عنهما واسأل عن ما وراء ذلك) كما ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل.

وإنما مشكلتكم هي التقليد في العقائد من غير تفكير، مع أن التقليد في باب العقائد لا يجوز، فإذا فكرت جيداً في ما نسبته للسلف، من قولهم (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعه) تجد أن هذا الكلام متهافت لأبعد الحدود، لأن الاستواء إذا كان معلوماً، فالكيف بالتالي يكون معلوماً، وإذا كان الكيف مجهولاً، فكذلك الاستواء يكون مجهولاً، ولا ينفصل عنه فالعلم بالاستواء، هو عين العلم بالكيفية، والعقل لا يفرق بين وصف الشيء، وبين كيفيته، لأنهما شيء واحد، فإذا قلت فلان جالس فعلمك بجلوسه، هو علمك بكيفيته، فعندما تقول الاستواء

١٠٧
معلوم فنفس العلم بالاستواء، هو العلم بالكيفية، وإلا فيكون في كلامك تناقض، بل هو التناقض بعينه، فكل تبرير بعدم الكيف مع إجراء المعاني الحقيقية للألفاظ، هو تناقض وتهافت، فقولك إن لله يداً بلا كيف، كلام ينقض آخره أوله، والعكس، لأن اليد بالمعنى الحقيقي لها تلك الكيفية المعلومة، ونفي الكيفية منها هو نفي لحقيقتها.

قاطعني قائلاً: ماذا نفهم من هذا الكلام، هل تخالف السلف الصالح (رضوان الله عليهم)، وتؤول هذه الآيات.

قلت: أولاً إن مجرد نسبة هذه الأفكار إلى السلف، لا يكسبها قدسية يمنعها من النقاش.

ثانياً: إن السلف الذين تدعي إتباعهم، لم يقولوا ما قلت، بل كانوا يوجهون تلك الآيات القرآنية، التي جاءت في باب الصفات غير توجيهكم، وفي الواقع أن نسبة هذه الأفكار إلى ابن تيميه وابن عبد الوهاب أقرب وأصدق من نسبتها إلى السلف، وحتى تتأكد من ذلك، إرجع إلى أي تفسير من التفاسير المأثورة في باب الصفات، لتجد تأويلات السلف واضحة لهذه

١٠٨
الآيات.

جاء في تفسير الطبري، في تفسير قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} (سورة البقرة: آية /٢٥٥)، التي إعتبرها ابن تيميه من أعظم آيات الصفات، نجد أن الطبري يروي حديثين بإسناد إلى ابن عباس قال: أختلف أهل التأويل في معنى الكرسي، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره، وذكر من قال ذلك بإسناده، إن ابن عباس قال كرسيه علمه ـ ورواية أخرى بإسناده عن أبن عباس قال كرسيه علمه ألا ترى (ولا يؤده حفظهما)(١).

وفي تفسير الطبري نفسه، ينقل في تفسير قوله تعالى {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} يقول (اختلف أهل البحث في معنى قوله) وهو العلي العظيم، فقال بعضهم يعني بتلك هو عليٌّ عن النظير والأشباه، وأنكروا أن يكون معنى ذلك هو العلي: المكان: وقالوا غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا يعني بوصفه بعلو المكان لأن ذلك وصف بأنه في مكان دون مكان.

١- الحقيقة الضائعة ص٢٨٢ نقلاً من تفسير الطبري ج٣ ص٩٢٧.

١٠٩
وإليك شاهد أخر في تفسير قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (سورة القصص: آية/ ٨٨)، وقوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} (سورة الرحمن: آية/٢٧)، قال الطبري (وأختلف في معنى قوله إلا وجهه، فقال بعضهم كل شيء هالك إلا هو، وقال آخرون معنى ذلك إلا ما أريد به وجهه، واستشهدوا بقول الشاعر:

١١٠
كتاب حوارات للشيخ معتصم سيد أحمد (ص ١١١ - ص ١٣٦)
١١١
بظاهر، وإنما يتخيلونه ظاهر.

ولتوضيح ذلك لابد أن تفهم أن اللغة في مدلولها تنقسم إلى قسمين:

١ ـ دلالة إفرادية.

٢ ـ دلالة تركيبية أو كما يسميها علماء المنطق والأصول دلاله تصويرية ودلالة تصديقية.

فقد يختلف المعنى الإفرادي، عن المعنى التركيبي، في الكلمة الواحدة إذا وجدت قرائن في الجملة تصرفها عن معناها الإ فرادي، فمثلاً عندما أقول (أسد) ينصرف الذهن إلى الحيوان ولكن عندما أقول (أسد يقود سيارة) فإن الذهن سينصرف إلى الرجل الشجاع، فمعنى أي كلمة لابد أن يلاحظ فيه السياق والقرائن المتصلة والمنفصلة، وهذا هو ديدن العرب في فهم الكلام، ولذلك الذي يفهم بهذه الطريقة لا يسمى مؤولاً للنص خارجاً عن الظاهر، وهكذا الحال في مثل هذه الآيات، ففي قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) فيكون المعنى الظاهر من اليد هي القدرة والتأييد الإلهي من غير تأويل، كالذي يقول: البلد في يد السلطان، أي تحت تصرفه وإدارته، ويصح هذا

١١٢
القول وإن كان السلطان مقطوع اليد، وكذلك في بقيه الآيات فلا يمكن أن تثبت معنى الكلمة من غير ملاحظة السياق وهذا هو الأخذ بالظاهر بعينه.

بدأت الحيرة على وجه الوهابي وهو لا يدري ماذا يقول إلا أنه قاطعني قائلاً: هذا الكلام فيه تكلف ومراوغة فالإسلام دين يسر، ولا يحتمل هذه السفسطة، فقد خاطب علماؤنا المسلمين بأبسط الكلمات من غير تعقيد وتكلف، وقد أجمع المسلمون على فضلهم وأعلميتهم، مثل الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيميه، فإنهم بتوفيق الله ردوا على أصحاب المذاهب الباطلة، بأوضح البراهين، ولم يقولوا كلمة واحدة مما قلت مع إنهم لا يجرؤ على مخالفتهم أحد.

فمن أنت وما هو مذهبك، فإني لا أراك إلا من المعتزلة الذين يتمنطقون بالكلام.

يا شيخنا ألم أقل لك إنك تجتر ما قاله ابن تيميه، وابن عبد الوهاب، من غير تدبر، فإن هؤلاء كلامهم لا يتجاوزهم، وهو حجة عليهم لا علينا، وخص الله سبحانه كل إنسان بعقل، ولا يحاكمنا بعقولهم، هذا

١١٣
بالإضافة إلى أن هؤلاء لم يكونوا موضع إجماع الأمة، فقد خالفهم جل علماء المسلمين، وكان أكثر مخالفيهم من علماء أهل السنة والجماعة.

قال الذهبي في رسالته لابن تيميه: (يا خيبة من أتبعك، فإنه معرضٌ للزندقة، والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطنياً شهوانياً، فهل أتباعك إلا قعيد، مربوط، خفيف العقل؟.

أو عامي كذاب بليد الذهن؟.

أو غريب واجم قوي المكر؟.

أو ناشف طالح عديم الفهم؟!.

فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعقل)(١).

وجاء في الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج١ ص١٤١.

(فمن هنا وهناك ردوا عليه، ما ابتدعته يده الأثيمة من المخاريق التافهة، والآراء المحدثة، الشاذة، عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ونودي عليه بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيميه، حلَّ دمه

١- الغدير الجزء السابع ص٥٢٨.

١١٤
وماله).

هذا، غير عشرات الكتب التي ردت على ابن تيميه وكشفت عقائده الباطلة مثل كتاب (الدرر المضيه في الرد على ابن تيميه) للحافظ عبد الكافي السكي ويكفيك في هذا المقام ما قاله الحافظ شهاب الدين بن حجر الهيثمي في ترجمته لابن تيميه.

(ابن تيميه عبدٌ خذله الله، وأضله، وأعماه، وأصمه، وأذله، بذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذبوا أقواله).

هذا غيضٌ من فيض من علماء أهل السنة في ابن تيميه، أما الطوائف الأخرى فمجمعين على ضلاله وسخافة رأيه.

أما ابن عبد الوهاب فإنه لا يمثل شيئاً حتى يخص بالكلام.

وهنا رفع صوته صارخاً من أين تأتي بهذا الكلام؟!.

وأنا لا أسمح لك أبداً أن تتحدث بهذه الطريقة عن علمائنا العظام، وما أنت إلا رجل مجادل تماري العلماء، فمن تكون أنت مقابل شيخ الإسلام ابن تيميه

١١٥
فاسمع: إذا كنت صادقاً فيما تقول تعال لنتباهل، وانتصب واقفاً وقال قم أيها المفتري، قم حتى تباهلني والله إني أراك وقد خسف الله بك الأرض.

وهو على هذا الصراخ حتى اجتمع الناس حولنا وهو يقول إنه رافضي إنه شيعي وقد خدعني بعد ما ظننت فيه الخير.

قلت: إهدأ أيها الشيخ والله إني لا أراك إلا هارباً من الحوار، فلم نتحدث بعد عن عدالة الصحابة.

قال: اسكت أن الصحابة عدالتهم أوضح وأكبر من أن نختلف فيها، وإن كنت تؤمن بما تقول قم وباهلني.

قلت: أنا موافق على المباهلة، ولكن قبلها أريد أن أطلب منك طلباً أمام كل الحضور، وهو أن تقيم معي مناظرة علنية أمام جميع أهل هذه البلد، حتى لا يبقى لوجودك ولا لوجود أمثالك أثر.

أما المباهلة، أتهددني أنت بالمباهلة، وقد باهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأئمتي نصارى نجران، والله لو أقسمت على الله بحقهم لمسخت قرداً يلعب بك الصبيان، ولكن نحن لا نختبر ربنا إنما الله

١١٦
هو الذي يختبرنا.

ووقفت قائماً وقلت: هيا إبدأ بالمباهلة، فبدأ الخوف على وجهه.

ــ ابدأ لماذا سكت؟

قال: أباهلك على البخاري ومسلم، فضحكت، وانتهرته.. يا أحمق، مالبخاري ومسلم، حتى نتباهل حولهم، وإنما أباهلك بأن مذهب التشيع مذهب أهل البيت، الأئمة الأثني عشر هو الحق وما غيره باطل.

فسكت ثم قال: أنا لا اباهلك في أهل البيت.

ــ وعلى أي شيء نتحدث، أعلى غير إمامة أهل البيت.

قال: أنا لا أبا هلك رحمةً بك، وانصرف.

قلت: سبحان الله، فإن الراحم هو الله، كيف ترحمني وعندكم هذا من مصاد يق الشرك

١١٧

الجلسة الثالثة: مـع الدكتور عمر مسعود


بعد رجوعي من مدينة (مرويَّ) وأنا في طريقي إلى الخرطوم، مررت بجامعة وادي النيل، كلية التجارة، فالتقيت بالدكتور عمر مسعود، ودار بيني وبينه حوار حول صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية.

الدكتور: أنتم تقولون إن الإمام الحسن (عليه السلام) معصوم ونحن نقول أنه من الصحابة العظام، ومرتبته عالية عند كل المسلمين، ولكنه غير معصوم، وهذه هي النظرة الصحيحة، لأن القول بعصمة الإمام الحسن (عليه السلام) مع إنه صالح معاوية فيكون هذا الصلح أعطى الشرعية لمعاوية، فيستلزم أن تكون كل الدماء التي سفكها بنو أمية في التاريخ، ومن جاء بعدهم، وكل ما جرى على الأمة الإسلامية من مصائب، يرجع ذنبه للإمام الحسن، ولا جدال في ذلك، إذا قلنا بعصمة الإمام الحسن، أما إذا قلنا على حسب ما نرى إنه رجلٌ مجتهد اجتهد وأخطأ، فله أجر الاجتهاد، ولا يستلزم ذلك أن نحمله ما جرى،

١١٨
وهذا يدل على أن أهل السنة تقدس الإمام الحسن (عليه السلام) أكثر من الشيعة، بل الشيعة يلحقون الذنب به، من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

ــ لم أفهم ما هو وجه الملازمة، بين أن يكون الإنسان معصوماً، وبين أن نحمِّله ذنب الآخرين.

ــ أنا لم اقل ذلك على إطلاقه، وإنما بخصوص حادثة محدودة، وهذه الحادثة غيرت مسار الأمة الإسلامية، فالملازمة موجودة، فإذا لم يصالح الإمام الحسن (عليه السلام) وثار كما ثار أخوه الحسين (عليه السلام)، لكان مصير الأمة غير الذي كانت عليه، بل كان بإمكانه أن يجلس في بيته كما فعل عبدالله بن عمر وغيره ولا يصالح ولا يبايع.

ــ أولاً: هذا الكلام خلاف الفرض فإذا ثبتت عصمته فيكون كل ما يفعله هو عين الصواب سواء صالح أو حارب والمعصوم لا يحاسب.

ثانياً: هناك مهم وأهم. وتزاحم في المصالح، فحكم الإمام الحسن (عليه السلام) مصلحة، والحفاظ على بيضة الإسلام مصلحة، فصلح الإمام هو تقديم مصلحة الحفاظ على بيضة الإسلام على مصلحة

١١٩
حكمه، خاصة إن الظروف كانت تعاكسه تماماً بعد أن خذله جماعته وهرب منه قادة جيشه، كما حدث لنبي الله هارون عندما جعله موسى خليفة على بني إسرائيل، فأضلهم السامري وعبدوا العجل، فصبر هارون على ذلك لمصلحة عدم التفريق بين بني إسرائيل قال تعالى: {قال يبنؤُم لا تأخُذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي }(١).

ــ هذا الكلام ضعيف جداً، ويمكن أن يقال كتبرير لاجتهاده الخاطيء، إذا قلنا بالرأي الثاني، إنه أجتهد وأخطأ وسبب اجتهاده وخطأه هو ما ذكرته، فكلامك ينسجم مع القول الثاني لا القول بالعصمة.

ــ لا أنكر ما قلته، ولكن هذا لا ينفي أن يكون معصوماً خاصة إن عصمته ثابتة بالقرآن والسنة وبحكم العقل، وبعد ثبوت العصمة لا يمكن أن يقدح فيها، لوجود حادثة لم تفهم مقاصدها وإلا يعتبر خلف.

ــ خُلف بالنسبة لكم، أما نحن فلا نسلم بالعصمة.

١- سورة طه ٩٤.

١٢٠