×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوار مع صديقي الشيعي / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
 كتاب حوار مع صديقي الشيعي لـ الهاشمي بن علي (ص ١ - ص ٣٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :٠-٤٢٨-٣١٩-٩٦٤

حوار مع صديقي الشيعي

الهاشمي بن علي

الطبعة الأولى - ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٢٤هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٥

مقدّمة المركز:

إنّ الحوار يعتبر من أهمّ العوامل المؤدّية إلى توسيع آفاق الرؤية، وإثراء الرصيد المعرفي بالمعلومات الجديدة، وتخطّي الحواجز الموجودة بين الّذين يختلفون معاً في الرأي، لأن فيه يكتسب كلّ من طرفي الحوار ـ عن طريق تبادل الرأي وتلاقح الفكر ـ الرؤية الواضحة عن فكر الآخر، فيؤدّي ذلك إلى التفاهم والتقارب الفكري بين الطرفين، يشعر كل منهما بأن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة.

والسبب في ذلك هو أن كلّ إنسان يشاهد الواقع من زاوية معيّنة، فلهذا قد يرى الإنسان حين رؤيته الحقائق ما لا يراه الآخر، وفي الحوار تتوجّه الجهود ويتمّ التعاون بين الطرفين، ليُرى كل منهما صاحبه الواقع من زاوية أخرى، ويقوم كل منهما ـ على قدر وسعه ـ بتصحيح أفكار المقابل، وتعديل صورته الذهنية عن الحقيقة، وإزالة ما قد التبس عنده من مفاهيم، وبهذا تكتمل صورة الحقيقة عند الطرفين، ويشعر كل منهما أنه قريب من الآخر، نتيجة التعاون الذي أجروه معاً لاكتساب الشمولية في الرؤية.

وكما لا يخفى على أحد إنّ التشيع لاقى ـ على مرّ العصور ـ أشدّ المعاناة والمحن من قبل الخصوم ومن قبل السلطات الجائرة التي

٦
كانت مهيمنة على زمام الحكم، وجرّاء ذلك لم يسمع صوته إلاّ القليل، وبالعكس فان مدرسة الخلفاء ـ التي ساندتها القوى الحاكمة ـ كانت تعمل بكلّ حرّية في نشر أفكارها، ودحض أفكار من خالفها في الرأي بكل ما أُوتيت من قوّة.

ولكن بعد أن كثر الدعاة إلى حرية الفكر وبعد ارتقاء تقنية وسائل الإعلام، فقدت القوى الحاكمة قدرتها ـ نسبةً ما ـ على تعتيم الحقائق وحصر الناس في دوائر ضيقة.

فاستطاع الشيعة أن يعرّفوا الناس بأفكارهم ومبادئهم التي تلقوها من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).

ومن هذا المنطلق انكشفت الحقائق لكثير من الناس، فاعتنق الكثير مذهب التشيع، وتصدّوا بعد ذلك إلى حمل اعباء الدعوة لهذا المذهب في أوساط مجتمعاتهم، وكان الحوار أبرز السبل التي اتخذها هؤلاء لتبين الحقائق للآخرين.

وهذا الكتاب "حوار مع صديقي الشيعي" هو واحد من تلك الحوارات الكثيرة اتخذها اتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وسيلة ليعرّفوا من خلالها أهل السنة على الحقائق التي من حقهم أن يحيطوا بها، لأننا في زمان قد آن فيه أن يتحرّر الجميع من التعتيم الذي فُرض عليهم في العصور السابقة.

مركز الأبحاث العقائدية
فارس الحسّون   

٧

إهداء:

    إلى فتاة قريش الأولى...

إلى التي اختارها الله تعالى وعاءاً لأفضل خلقه وسيّد رسله

    إلى من رُميت بالشّرك ظلما وعُدوانا...

إلى أول إنسان فتح عليه رسول الله عينيه

    إلى آمنة بنت وهب

إلى سيف الله المسلول...

    إلى الجنديّ المجهول...

إلى من مات واقفاً وفي يمينه ((سيف وكتاب))

    إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي

أهدي كتابي هذا

٨
٩

مقدمة المؤلف:

هذا الكتاب: هو خلاصة لنقاشات وحوارات دارت بيني وبين أحد الأصدقاء الشيعة في مدينتي "قابس"، وقد خضت مع صديقي هذا حول عقائد أو أشهر عقائد الشيعة الإثني عشرية.

وأدعو القارئ الكريم أن يخوض معنا في هذه الحوارات من جانبه وأترك له الخروج بالنتائج.

١٠
١١

البِداية:

ما زلت أذكر تلك اللّيالي الشتويّة الطويلة التي كنت أقضيها طائرا بخيالي وأنا ابن ستّ سنين مستمعاً بشوق لأساطير طالما سردتها علينا عجائز ونساء من أقربائي. كانت أساطير عن الغول والقزم والعفاريت والشجعان، وكانت تلكم الأساطير أهمّ وسائل الترفيه وقضاء الوقت، خاصّة في تلك اللّيالي الشتوية الطويلة، تحت نور المصباح الزيتي الخافت وقرب موقد الجمر الذي كان يدفىء لنا غرفة السهر في بيت عمّي، حيث كانت كؤوس الشاي تدار على الحاضرين والجمع منصت للراوية الذي كانت حكاياته تبدو بلا نهاية، ولربّما كان يزيد فيها من خياله وذوقه الشيء الكثير.

كنت وقد وهبني الله تعالى حافظة قويّة لا أنسى كلمة واحدة من تلك الأساطير والحكايات العجيبة، ولطالما تمنّيت بشوق وانتظرت على أحرّ من الجمر قدوم عجوز معروفة بأساطيرها لزيارة بيت عمّي والمبيت عندنا حتّى تسرد لنا ممّا في ذاكرتها من حكايات. ولقد كنت أتوسّل إلى العجائز من أرحامي أن تحكي لنا قصّة كانت قد احتفظت بها في ذاكرتها منذ عهد صباها.

كانت أياماً حلوة حقّاً، فبعد العودة من المدرسة، وبعد ممارسة بعض الأعمال الزراعيّة وتفقّد الأغنام، نعود إلى البيت عندما يبدأ الظلام

١٢
يلفّ القرية، حيث يختفي قرص الشمس الأحمر الكبير وراء الجبال ـ ولطالما تمنّيت أن أقف على إحداها حتّى أطّلع على الشمس وهي مختبئة وراء قريتنا حتّى يحين فجر اليوم اللاّحق كما كنت أظنّ ـ وينشر الغروب رداءه الأحمر فالأسود على قريتنا الوادعة، فلا تعود تسمع إلاّ نباح الكلاب وأزيز خفافيش اللّيل.

ثلاث سنوات قضيتها في عالم خيالي مملؤة بالبساطة والصفاء، خرجت بعدها من ذلك العالم الأسطوري إلى جوّ المدينة الصاخب، حيث يصبح الإنسان أكثر وعياً بالزمن وأكثر اهتماماً بعقارب الساعة.

لقد افتقدت في جوّ المدينة ـ الجديد عليّ ـ دجاجات وكتاكيت زوجة عمّي، وافتقدت حمارنا الصابر على الأعمال الشاقة والقانع برزقه الخشن وعيشه الجشب، كما افتقدت تلك الحقول التي كنت أرتع وأمرح فيها. نعم، افتقدت كلّ ذلك الجوّ ما خلا شيئاً واحداً، وهي تلك القصص الممتعة التي بقيت محفورة في ذهني، تلك القصص التي كانت سبباً وأساساً لتبدّل حياتي لاحقاً رأساً على عقب.

دخلت المدينة وسرعان ما خبا ذلك الشوق الذي كنت أحمله تجاهها، حيث كنت أمنّي النفس بحياة ممتعة لا تفارقها البهجة لكثرة ما في المدينة من أضواء وسينماوات وشوارع وحركة دائمة. خبى ذلك الشوق إلى المدينة منذ وصولي إليها وعادت تلك الأماني عنها سراباً ووهماً كبيراً، ثمّ عاد لي شوقي وحنيني إلى قريتنا الوادعة المنسيّة والتي تبدو وكأنّها خارج الزمن، لكني كنت أغتنم تلك الفرص القليلة التي تتوفر لي لزيارتها والوقوف على أطلال ذكرياتي بها.

١٣
لقد فقدت من تلك القرية كلّ شيء إلاّ شيئاً واحداً رافقني منها إلى المدينة، كان ذلك الشيء حبّي وولعي بالأساطير والقصص الخياليّة.

لكن من لي بهذه المدينة "العاقلة" الرماديّة ليحكي لي تلك الأساطير؟! إنّ عجائز المدينة واعيات أكثر من اللاّزم، وقد لا تتوفر لهنّ الفرصة لسرد أقاصيص سمعنها في طفولتهنّ، ففي بيوت أبنائهن وبناتهنّ الكلّ منشغل، فالكبار يتابعون الأخبار على موجات الراديو المحليّة والعالميّة، والأطفال أغنتهم قصص الصور المتحركة عن الإنجذاب إلى حكايات غير مرئيّة.

ولطالما أغاظتني حكايات رفاقي الأطفال في مدرستنا عن ذلك المسلسل أو تلك المسرحيّة التلفزيونيّة وأبطالها، حيث كنت أسمع أحاديثهم والأسف يعتصرني لأنه لم يكن عندنا بالبيت جهاز تلفزيون، لكن عزائي الوحيد كان في القصص.

نعم، لئن كنت فاقداً في بيئتي الجديدة للأساطير القروية وفاقداً لجهاز تلفزيون في المدينة، فقد اتجهت رغبتي وانصبّ شوقي إلى المطالعة التي كان معلّمونا يشجعوننا عليها ويوفرونها لنا مجّاناً في المدرسة، وكنت أرى في تلك الأقاصيص الطفولية امتداداً لعالم الأساطير وتعويضاً عنها، حيث كانت تلك القصص مطرّزة بأغلفة مزيّنة وجذابة، وكذلك الحال مابين صفحاتها.

كم كنت نهما في مطالعتها، ربّما لأنّها كانت تحيلني إلى جنّتي المفقودة ـ قريتنا ـ حيث كانت أحداث تلكم القصص تدور حول الذئب المغرور، وقصة حياة حبّة قمح، أو لربّما كانت تحكي عن جحا

١٤
ومغامراته.

كان المعلّمون يرغّبوننا بالمطالعة لتقوية زادنا في العربيّة والفرنسيّة، وكان إعطاؤنا القصص يتجاوز المنحى الترفيهي إلى المنحى التعليمي، حيث كنّا نُسأل عن مضمون القصّة ونُكلَّف كذلك بتلخيصهاوما كان أيسره من عمل!

بعد الفراغ من القصّة نعيدها ثانية ونقوم بتبادل قصصنا مع بعضنا البعض وهكذا.

مع مرور الزمان بدأت أقرأ بشغف قصصاً أكبر حجماً وأعمق مضموناً، كحكايات الألغاز البوليسيّة، وقصص الأدب العربي ككليلة ودمنة وحي بن يقظان، وقصص الظرفاء والسندباد البحري وألف ليلة وليلة وغيرها.

لكن مع دخولي مرحلة المراهقة بدأ وضعي الجديد يفرض عليّ الابتعاد عن القصص الملوّنة الجميلة، حيث صارت تمثّل لي مرحلة من العمر بدأت في مفارقتها، ولم تعد تلكم القصص تروي غليلي، إذ أنّها من ناحية كمّها كانت تبدو صغيرة جدّاً ومن ناحية كيفها بدأ الجوّ الدراسي العام يشعرنا بأننا كبرنا عليها وينبغي الاتجاه إلى تلخيص وتحليل روايات وآثار معاصرة لأدباء معاصرين. وفي الواقع كنت أشعر بالضجر من هؤلاء الكتاب الذين يضمّنون رواياتهم وقصصهم بُعداً رمزيّاً أو بعداً واقعيّاً ـ بما في الواقع من رماديّة ـ خالياً من تلك المسحة الشعريّة التي كنت أتوق إليها دائماً.

روايات كنتُ وما زلت أعتبرها فارغة فراغ فؤاد أم موسى، تتحدث

١٥
عن "ابن الحارة" وعن علاقته "بالسنيورة" وهيامه بها، أو روايات تحكي عن حياة قاض في الأرياف وغيرها.

لكن سرعان ما استعضت عن هذه الروايات بشيء أكثر بريقاً وأكثر إمتاعاً، حيث وجدت في التاريخ ضالتي المنشودة التي تحقق لي حاجتي إلى التّسلية والتحليق في فضاء أرحب وأوسع.

وكما هو الحال في أغلب المناهج الدراسية للدول، يُبدأ بتدريس فترة ماقبل التاريخ وانسان ما قبل التاريخ، ثم يُبدأ بتدريس تاريخ البلاد القديم والأوسط والحديث.

وهكذا كان، فبعد تعريف علم التاريخ وفائدته، ولَجْنا إلى عصر الإنسان البدائي، ثمّ تدرّجنا في تاريخ تونس القديم وأهم الحضارات التي مرّت عليها من فينيقيين وبربر وروم غربيين وبيزنطيين وعرب.

لقد وجدت ضالتي المنشودة في مطالعة التاريخ، فقد فتحت لي آفاقاً شاسعة وصُنع لي من قصة الحضارة شريطاً حلواً بأبطاله وأحداثه التي بدورها فتحت لي مجالات أخرى للتحليل وربط "الخيوط" ببعضها البعض، بل زاد حبّي للتاريخ من شوقي للتعرّف على تاريخ بقيّة البلدان العربيّة والإسلاميّة.

وهكذا يبدو الأمر طبيعيّا جدّا، أليس لكلّ واحد منّا ولعٌ وشغف بشيء ما؟! فهناك المُولع بالجغرافيا وهناك المولع بالشعر وهناك الشغوف بالموسيقى أو الرياضة...

لكن شغفي أنا بالتاريخ فتح عيني على حقيقة عظمى وغيّر من حياتي الشيء الكثير!!

١٦
١٧

صلاة الجمعة الأولى:

كنت أتطلّع إلى سقف المسجد الخشبي وإلى المراوح الكهربائيّة المثبتة فيه لتلطيف جوّ المسجد المكتظّ بالمصلّين في صفوف متناسقة، كنت منشغلاً عن إمام الجمعة وهو يعتلي المنبر الخشبي الجميل ذو الدرجات، وهو ممسك بعصى طويلة بيده اليمنى.

كانت تلك أول صلاة جمعة أحضرها وأنا صبيّ مع والدي الذي ألححتُ عليه لكي يأخذني معه إلى هذا التجمّع الأسبوعي الهائل، كان كلّ شيء جديد بالنسبة لي، فهذا ستار خشبي متشابك يرتفع بطول قامة الفرد يفصل مابيننا وبين المكان المخصّص للنساء، وجرارُ الماء الصغيرة المنتشرة على طول صفوف المصلّين أمام صواري المسجد العديدة وكان يملأها كلّ أسبوع رجل كهل في أواخر العقد الخامس من عمره طلباً للثواب.

أنهى الإمام خطبتيه ونزل عن المنبر فارتفع الأذان ثلاث مرات متتالية تمهيداً لصلاة الجمعة التي صلّيناها، ثمّ أردفناها بصلاة العصر بعد استراحة قصيرة قام فيها بعض خدام المسجد بجمع المال لتوسعة الجامع الكبير(١).

١ ـ الجامع الكبير تمييزاً له عن بقيّة المساجد العديدة التي لا تقام فيها جمعة وهو عادة أقدم وأشهر المساجد في كل مدن تونس.

١٨
خرجت من المسجد بعد إنهاء الصلاة وكنت ملازماً لأبي لكثرة المصلّين، ففوجئت بجموع المتسوّلين وهم يتبارون في عرض عيوبهم وعوزهم، فهذا أعمى وذاك أعرج وأخرى أرملة وهذا الولد يتيم...، كانت تلك الجمعة الأولى، تلتها جمعات... وإذا بي أنشد إلى تلك الأجواء الروحية العالية.

عالم جديد ألِجُه بكلّ شوق وحبّ واستطلاع، إلى أن صارت حياتي كلّها مسجداً، فما كانت تفوتني من الصلوات اليومية في ذلك المسجد إلاّ صلاة الصبح حيث كان المانع منها صغر سنّي فما كان يسمح لي بالخروج في تلك الساعة المبكّرة.

كانت تُقام في مسجدنا في الحيّ العتيق من المدينة دروس يلقيها علينا بعض المشايخ كنت أحضرها أحياناً، وكان يشدني فيها تلك الحكايات عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته وإخلاص الصحابة وتفانيهم في خدمة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسابقهم على التبرّك بفضلة وضوءه وبصاقه الشريف، وكان الحديث يدور أحياناً حول قصص الأنبياء والرسل(عليهم السلام)وماجرى لهم مع قومهم من محن وشدائد.

كنت بمجرّد سماع هذه القصص أحفظها من ألفها إلى ياءها وأعود لأحكيها لأهلي وأرحامي وأصدقائي، فتارة أحدّثهم عن جود أبي بكر الصدّيق، وأخرى عن الفاروق وشدّته في ذات الله، ومرّة أحدّثهم عن إنفاق عثمان ذي النورين، وثانية عن الصحابي المنافق ثعلبة(١) الذي

١ ـ هو ثعلبة بن حاطب الأنصاري.

١٩
كان من فرط حبّه لله ولرسوله لا تفوته صلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى سُمّي بحمامة المسجد وكيف أنّه صار من مانعي الزكاة(١) وساءت عاقبته.

كما كنت أحفظ أشعارا بالعامّية في مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان بعض الذين يستمعون إليّ ممّن هم أكبر سنّاً يتعجبون من قوّة حافظتي، حيث كنت أحكي لهم عن أحداث ووقائع وشخصيّات لم يسمعوا بها من قبل.

وكنت أفاخر بأنّ المذهب المالكي هو روح الإسلام ولبّه وأنّه المذهب الوسط بين المذاهب الإسلاميّة، فلا هو يميل إلى المعتزلة المتعقلين أكثر من اللاّزم ولا يقترب من الحنابلة المجسّمة والخرافيّين المضحكين.

وفي الحقيقة ما كنت أعرف عن المذهب المالكي ولا عن مؤسسه القليل ولا الكثير، لكن هذا ما كنت أسمعه دائماً من شيوخنا وكبارنا حيث قالوا فقلنا، وعلى رأي المثل عندنا "الشَّنْقَةُ مع الجماعة خلاعة"(٢)، ثمّ ما الحاجة إلى البحث والتنقيب؟! أوليس قد ولدنا مالكيّين وعشنا مالكيين ونموت مالكيّين؟! أوليس المذهب المالكي من أعظم المذاهب

١ ـ أنظر إلى قوله تعالى فيه: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحين * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وِتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُون * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقَاً فِي قُلُوبِهِم إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون) [ سورة التوبة: ٧٥ ـ ٧٧ ].

٢ ـ مثل تونسي عامي ومعناه "كلّ شيء مع الجماعة ممتع حتّى المشنقة".

٢٠