×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوار مع صديقي الشيعي / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وِزْرَ أُخْرى)(١)، ويقول: (كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ)رَهِينَة)(٢)، ويقول كذلك: (وَحُصِّلَ مَا فِي)الصُّدُور)(٣)، فالميت إذا مات انقطع عمله، نعم إذا سنّ سنّة حسنة كما ورد أو أحدث بدعة يبقى له الأجر أو عليه الوزر، أمّا أن أبكي أنا على ميّت ويلحقه هو العذاب، فليس هذا من المنطق ولا من العدل في شيء.

وبقدر ما أعجبني هذا المنطق الذي يتكلّم به صديقي، إلاّ أنّني كنت أشعر بهزيمة أخرى، فما زالت أحجار بنائي تنقضّ وتتهدّم الواحدة تلو الأخرى.

قلت في نفسي: صحيح ما ذنب الميّت؟!

ورجعت بي ذاكرتي إلى أيام طفولتي حيث كانت تخرج جنائز لأقارب لي أو جيران فكان صراخ النسوة يعلو ويشتدّ حتّى أنّ بعضهنّ تشقّ ثيابها وتخدش خدّيها حتّى تسيل الدماء، وما زلت أذكر تلك الصورة المرعبة التي كانت عليها خالتي عندما ماتت جدّتي، حيث سال الدّم من وجهها إلى الأرض، وظلّت آثار تلك الخدوش إلى شهور بعد ذلك باقية في وجهها، وكان بعض الرجال يصيحون أمام حالة الصياح بكلام غاضب يدعوهنّ إلى الكفّ عن الصياح والبكاء قائلين: لقد أحرقتم الميّت، ارحموه، وكنت وأنا صبيّ أشفق على ذلك الميت وأقول: إنّ صياح

١ ـ سورة فاطر: ١٨.

٢ ـ سورة المدثر: ٣٨.

٣ ـ سورة العاديات: ١٠.

٤١
أهله هو بمثابة البنزين الذي يُسكب، بل هو وقود النار التي ستحرقه.

كما حدثني بعض المؤمنين أنّه شهد جنازة امرأة جيء بها إلى الحرم النبوي الشريف، وعند الخروج بها إلى البقيع وإذا بطفل أحسبه ابن تلك المرأة ـ يقول محدّثي ـ تخرج من عينيه دمعتان أفلتتا رغماً عنه، فجاءه رجل جِلف وصفع ذلك الطّفل المسكين، قائلا له بعد أن أكّد له رجولته: تعذّب أمّك؟!

قال صديقي مسترسلا: ثمّ لو صحّ هذا الحديث، فعليه يكون رسول الله أوّل من خالفه عندما بكى بكاء شديدا على ابنه إبراهيم الصغير(١)، حيث بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن ابتلّت لحيته الكريمة، وكذلك بكى على عمّه حمزة بكاء مرّا وتأثر من قلّة البواكي عليه.

وكذلك بكى الصحابة على رسول الله بكاء لم يبكه أحد من العالمين.

وإنّ البكاء في نفسه ممدوح(٢) خاصّة إذا كان من خشية الله وحزناً على المؤمنين "ولا نقول إلاّ ما يرضي الله" كما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والحديث المذكور مخالف للفطرة السليمة والتركيبة البشرية للنّاس عموما، والبكاء كما يؤكد الأخصّائيّون هو عملية تنفيس ورفع للغُصص التي قد تؤدّي للهلاك إذا انحبست في داخل المرء.

على أيّ حال نحن لا نشك في هذا الحديث فقط، بل في كثير من الأحاديث، فالله تعالى لم يضمن لنا عدم تحريف السنّة الشريفة وإنّما

١ ـ سير أعلام النبلاء ـ السيرة النبوية ـ ٢/٢٨٨.

٢ ـ يعقوب كان من أشهر البكّائين ولم يذمّ الله فعله ذلك في سورة يوسف.

٤٢
ضمن فقط عدم تحريف كتابه الكريم بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَاِنَّا لَهُ لَحَافِظُون)(١)، أضف إلى ذلك تحذير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حذّرنا من الوضّاعين الذين سيكثرون من بعده وتوعّد كلّ من كذب عليه حديثا بمكانه في النّار(٢).

١ ـ سورة الحجر: ٩.

٢ ـ أنظر: سنن ابن ماجة ١/١٣ باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مسند أحمد ١/١٦٥ و ٢/١٥٩.

٤٣

صفقة رابحة:

قال صديقي ـ وهو يستفزني ويجرّني إلى موضوع جديد ـ: " ماذا تقول في أبي طالب؟!

قلت: إنّه عم رسول الله وكفيله وناصره بقلبه ولسانه ويده، حتّى أنه رفض تسليم ابن أخيه إلى طغاة مكّة الذين يقول فيهم الله لِفَرعنتهم: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدَاً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا)(١)، كذلك سمّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العام الذي مات فيه عمّه أبو طالب وزوجته خديجة أم المؤمنين بعام الحزن، لما كانا يمثلانه من دعامة وحصن للدعوة الجديدة وصاحبها، لكن مع الأسف مات أبو طالب مشركا! ولهذا يروي شيوخنا أنّه ـ كرامة من الله لحمايته ابن أخيه ـ في ضحضاح من نار، وتحت رجليه جمرتان يغلي منهما دماغه.

ابتسم صديقي ابتسامة عريضة، وقال لي: ألا تحتمل أنّ أبا طالب كان مؤمنا يخفي إيمانه؟!

قلت: من ناحية الإحتمال لا يمتنع هذا الأمر.

قال صديقي: إنّ كل الشواهد والقرائن تثبت بلا أدنى شك أنّ أبا طالب كان مؤمنا، بل من السبّاقين إلى الإسلام والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

قلت ـ والعجب يطبع ملامحي ـ: كيف ذلك؟! فهذا مخالف لما

١ ـ سورة المزمل: ١٥.

٤٤
اشتهر عندنا؟!

قال: وهل كلّ ما اشتهر صحيح؟ أليس متسالما عند النصارى أنّ المسيح ابن الله وأنّ المسيح صُلب وو...

قلت: هلاّ أوضحت لي الأمر؟!

قال: هل تعرف أبالهب؟!

قلت: أتسخر منّي؟! كيف لا أعرفه، وقد نزلت في حقّه سورة تتوعده بالعذاب الأليم؟!

قال: وما هي قرابة أبي لهب بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قلت: هو عمّه أخو والده.

قال: إذن ما الّذي يجعل أبا لهب عدوّا مجاهراً بعداوته للرسول والرسالة، ويجعل أبا طالب حامياً مدافعاً عن الرسول والرسالة؟

قلت: ما الذي تريد أن تصل إليه بعد هذه المقدمات؟

قال لي بنبرة حادّة: يا أخي، هل يُعقل أن يأتي شخص بعقيدة تخالف كلّ ما يعتقد به أهل وقوم ذلك الشخص، ثمّ يأتي عمّ ذلك الشخص وبكلّ سهولة فيغضّ طرفه على هذا الشّخص وهو يراه صباحا مساء يُسفّه دينه ويحقّر من شأن عقيدته؟! وعلى افتراض أن الأمر كان هكذا، ما الداعي أن يتحمّل هذا العمّ ما تحمّله من معاداة قومه وإبعاده إلى شِعْب خارج مكّة مع عزلة اقتصادية وو... هل كلّ هذا للرّحم؟! وإذا كان كذلك فما بال أبي لهب لم تثره الرّحم ولا القرابة؟! " قلت: قد يحدث هذا مع ما نعرف للعصبيّة وللرحم وللقبيلة من قيمة في الجاهلية، بل ما للأحلاف بين الأباعد من أهميّة.

٤٥
قال: لنقبل ما قلت بتمامه، فما الدّاعي لأن يحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على عمّه حتّى سُمّي عام وفاته ووفاة خديجة بعام الحزن؟!

قلت وفي نفسي أنّني وجدت المخرج والدليل الذي مافوقه دليل: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حزن على عمّه لأنّه انتهى إلى النار وبئس المصير.

استدرك صديقي ببداهة قائلا: إذن لماذا لم يحزن على عمّه أبي لهب، بل إنّه كان يتلو على مسامعه ومسامع غيره سورة المسد بما فيها من وعيد؟! حتّى قال أبو لهب إنّ محمّداً قد هجاني.

ثم كيف يرضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعيش تحت ظل كافر وفي منعته وهو يتلو قول الله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِين)(١) وقوله تعالى: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاء)(٢) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَوْلِيَاء)(٣)؟!

وكيف لا يثور أبو طالب وهو يرى أنّ دعوة ودين ابن أخيه مسّ أقرب الناس إليه، وهو ولده عليّ (رضي الله عنه) الذي كان ملازما للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ملازمة الظلّ لصاحبه؟!

ثمّ من بعد عليّ ولده جعفر، بل وحتّى زوجته فاطمة بنت أسد؟!

ثمّ ألم تقرأ قول الله تعالى في مؤمن آل فرعون حيث يقول: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَه)(٤).

١ ـ سورة الحجر: ٩٥.

٢ ـ سورة آل عمران: ٢٨.

٣ ـ سورة الممتحنة: ١.

٤ ـ سورة غافر: ٢٨.

٤٦
فما المانع أن يكون أبو طالب كذلك بما له من مكانه اجتماعيّة هامة وهو أحد سادة بني هاشم وسادة قريش؟!

والشيء الذي لا ينقضي له عجبي هو إصرار علمائنا على إسلام أبي سفيان.

قلت: أولم يسلم أبو سفيان؟!

قال صديقي: إنّ الجماعة جعلوه مسلما قد حسن إسلامه، كما حسن إسلام زوجته هند البتول، وكذلك ابنهما معاوية خال المؤمنين، كل أولئك ربحت تجارتهم بعد أن حاربوا الإسلام من يوم مولده إلى يوم فتح مكّة ولكن أبا طالب مات مشركاً!!

هل رأيت هذه الصفقة المربحة؟! ـ قال صديقي، ثمّ واصل كلامه قائلا ـ: رجل من أعمدة الشرك وأئمة الكفر الذين لم يألوا في بذل الأموال وسل السيوف لمحاربة الدين الجديد، تراهم الآن من أهل الإيمان والجنّة!

ومتى أسلم أبو سفيان؟! نعم، عندما رأى جيوش الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مقبلة نحو مكّة ورأى أنّ كلّ ما فعله في سبيل محاربة هذا الدّين أصبح هباءً منثوراً.

ثمّ تساءل:

يا أخي ألا تعرف أنّنا نحكم بالظاهر؟! فما المانع أن يكون أبو سفيان وغيره من الطلقاء(١) أسلموا وآمنوا فعلا؟!

١ ـ الطلقاء: جمع طليق، وهم الذين وقعوا تحت أسر رسول الله وجيش الفتح وقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وكان من أبرزهم معاوية بن أبي سفيان (كاتب الوحي!!).

٤٧
أجبت صديقي معترضاً: هذا جائز.

أجاب صديقي: لكن إذا نظَرت إلى القرائن والظروف التي أحاطت بحياة أبي سفيان لعلمت أنّه من المحال أن يؤمن أبو سفيان.

ألم تُقنع كلّ المعجزات والأدلة التي سمعها من الرسول منذ بزوغ فجر الإسلام في مكة إلى فتح مكة هذا الرجل حتّى يسلم إسلاما مشبوها؟!

إنه في الواقع استسلم ولم يسلم.

وترى يا أخي أنّ كافل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاميه ومانعه أبو طالب في ضحضاح من نار، وعدوّ الله ورسوله جبّار قريش ورأس الكفر، ومن سعى طوال عمر الدعوة إلى محاربتها، أبو سفيان يتنعم مع هند في الجنّة مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء!!! يالها من صفقة ماكيافيلّيّة مربحة!

سكتّ اقتناعاً بما قال صديقي حيث لم أجد لما قال ردّاً ولا استدراكاً، ومضيت وأنا أدعو الله أن يهديني إلى الحقّ حيثما كان.

٤٨
٤٩

الصلاة عمود الدّين:

كانت آثار الحيرة بادية على وجهي وأنا ألج مسجد الحيّ أتطلّع في صفوف المصلّين، لقد كان منظرا مألوفا لديّ، لكن نقاشاتي مع الشيعة حول أمور عدّة جعلت هذا المنظر غريبا عليّ وكأنّي أراه للمرّة الأولى!

مجموعة من المصلّين تقف للصلاة أمام بارئها، ويكاد لا يجمعها في صلاتها شيء إلاّ القبلة، فبعض أسدلوا أيديهم، والبعض الآخر يجمعها على بطنه، وهذا يرفعها مابين صدره وبطنه، وذاك رفعها كثيرا حتّى كادت تلامس أسفل رقبته!

قفزت في ذلك الحين إلى ذهني أفكار وتواردت تساؤلات، قلت في نفسي: ألسنا جميعا مسلمين؟! بل ألسنا جميعا على مذهب واحد؟! فما الدّاعي لهذا الإختلاف؟ عجيب! أوصل بنا الحال إلى أن نختلف حتّى في الصّلاة؟! ماذا بقي لنا من موارد الإتفاق؟!

أليست الصلاة عمود الدين؟! ألسنا أمرنا أن نقتدي برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في كلّ شيء؟! أليس يأمرنا القرآن بـ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا)(١)؟!

وقلت في نفسي: ليتني أعرف الطريقة التي صلّى بها رسول

١ ـ سورة الحشر: ٧.

٥٠
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلّمها صحابته، هل صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)متكتّفا جامعاً يديه أم صلّى مُسدِلا؟ أم لربّما صلّى على كلا الوجهين؟

وقد يكون حكّام الجور غيّروا وبدّلوا حتّى في الصّلاة(١)؟

هل قصّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في التبليغ؟ أليس الله يقول: (اليَوْم أكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتي ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا)(٢)؟

لماذا يقول مالك بالسدل، والشافعي بالتكتّف؟ هل كان دين الله ناقصا فيكمّلوه، أم أنّ أحكام الله كانت غامضة فيُعملوا آراءهم بالاجتهاد والإستحسان والقياس؟! أفتونا بعلم أيها الناس فلقد بلغ السّيل الزبى.

هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يصلّي مذ كان في مكة إلى آخر حياته الشريفة متناقضا، حتّى يصلّي على وجوه عدّة؟! وإذا صلّى كذلك فكيف علّمه الله هذه الصّلاة؟ وإن لم يصحّ ذلك فكيف كانت صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

وأذكر أنني كنت أتحدّث مع أحد الإخوان فسألته عن رأيه في الموضوع فلربّما قال شيئاً يرفع به حيرتي حول أمر الصلاة.

فأجابني قائلا: يا أخي إنّ المسألة أبسط ممّا تتصوّر، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى على الوجهين فمرّة بالسّدل وأخرى بالتكتّف.

فعلّقت قائلا: ألا ترى في هذا تناقضا؟! ثمّ أيّ صلاة

١ ـ هذا ما فعله مروان بن الحكم فعلا في صلاة العيد، أنظر: سنن ابن ماجة ١/٤٠٦ باب ما جاء في صلاة العيدين.

٢ ـ سورة المائدة: ٣.

٥١
صلاّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مسدلا وأيّ صلاة صلاّها متكتّفا؟ ولو صحّ ما تقول لماذا لا نصلّي كلّ يوم على الوجهين إصابة للسنّة واقتفاءاً به (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

نعم، هكذا تصير أحكام الدين الخاتم الشّامل لعبة تحت غطاء اليُسر في الدين! صلّي كما تحبّ، وتوضّأ كما تشتهي، وطلّق كما تستحسن، المهم هو اليسر. عجيب هل يريدنا الله أن نعبده كما يحبّ هو أم كما نحبّ ونستحسن نحن؟!

وذات مرّة سألت أحدهم عن تكتّفه في الصلاة رغم كونه مالكيّا؟ فتعلّل بأنّ تكتّفه في الصلاة يزيد من خشوعه مع الله تعالى.

اجتهاد واجتهاد واستحسان ولا شيء غير ذلك!! خشوع أكثر وخشوع أقلّ، إنّ الخشوع مسألة قلبيّة وليس ممّا يُحصّل بالحركات والسّكنات. إذن لماذا لا نقلّد خشوع المسيحيين أو البوذيين في صلاتهم؟!

والعجب! أنّهم إذا رأوا شيعيّا يصلّي، يطير حلمهم ويعسر يسرهم ويهاجمونه تحمّسا للسنّة وحفاظا عليها، ولا ندري أية سنّة يحفظون، ولا إلى أي صلاة يدعون، هل هي صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أم صلاة مروان بن الحكم(١) وغيره من الجبابرة الأمويين والعباسيّين؟!

ما دام رسول الله يهجر(٢)! ويذكر آلهة قريش(٣)! ويلعن من

١ ـ سنن ابن ماجة ١/٤٠٦ باب ما جاء في صلاة العيدين.

٢ ـ إشارة إلى رزية الخميس، أنظر: صحيح البخاري ٦/١١.

٣ ـ إشارة إلى حديث الغرانيق، أنظر: الدرّ المنثور ٦/٦٤ ـ ٦٩ تفسير سورة الحج آية ٥٢، تفسير الطبري ١٧/١٣١.

٥٢
لا يستحقّ اللّعن(١)! ويصبحُ ولا يصلّي(٢)! فلا عجب أن يصلّي بطريقتين مختلفتين!!

بهذا أجابني صديقي الشيعي عندما طرحت عليه الموضوع من جديد.

وأردف قائلا: لكن الحمد لله الذي حفظ كتابه الكريم من تحريف المحرفين ودسّ الدسّاسين، وإلاّ لصار أغرب من التوراة والأناجيل، مليئا بالخرافات، محشوّا بالتناقضات، لكنّ القوم إذ فاتهم تحريفه عمدوا إلى سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبدّلوها وغيّروها، وقطّعوا أوصالها، وحذفوا منها وزادوا، حتّى اختلط الحابل بالنابل، وحتّى أصبح المسلم يعجب ويسأل ويتساءل ويتحيّر ولا تزول حيرته.

لكن القوم تمادوا في غيّهم فحرّفوا كلام الله عن مواضعه بعد أن لم يتمكنوا من تغيير حروفه، فبدلوا معانيها حتّى صار يوسف (عليه السلام) غراميّا يهمّ بالفحشاء! وموسى(عليه السلام) قاتلا جبّارا في الأرض! وذا النّون كان كافرا بقدرة الله! وآدم عاصيا! وداود متهتّكا لاهثا وراء الشهوات! وسليمان غير متوكّل على الله تعالى(٣)!

نعم، لقد أقاموا حروف القرآن لكن غيّروا معانيها وشأن نزولها فإنّا

١ ـ أنظر: صحيح مسلم كتاب البرّ والصلة ٤/٢٠٠٧، مسند أحمد ٥/٢٩٤ و ٢/٢٤٣.

٢ ـ أنظر: سنن ابن ماجة ١/٢٢٧ باب من نام عن الصلاة أو نسيها، مسند أحمد ٢/٢٤٨.

٣ ـ أنظر: صحيح البخاري ٩/١٦٠ ـ ١٦١ وبعدها، مستدرك الحاكم: ٣٤٦، ٥٨٢ من كتاب التّفسير، صحيح مسلم ٣/١٢٧٥ كتاب الإيمان.

٥٣
كتاب حوار مع صديقي الشيعي لـ الهاشمي بن علي (ص ٥٤ - ص ٧٥)
٥٤
٥٥

الماكيافيليّة:

(الماكيافيلية، أو الوصولية، أو النفعويّة...) أسماء متعدّدة لمعنى واحد والماكيافيلية تُنسب إلى مؤسّسها الإيطالي الشهير "Machiavelli"الذي كتب كتابه المعروف " الأمير " "il principe" وهو مفكّر عاش في القرون الوسطى في عصر النهضة الإيطالية في إمارة فلورانسا قلب إيطاليا الثقافي والحضاري والفكري.

و(للماكيافيلية) مقولة شهيرة كانت الأساس الذي ضرب بالمثل العليا عرض الحائط وجعلت لكلّ مغامر الفرصة في إمكانية الوصول إلى ما يطمح ويريد، هذه المقولة هي: "الغاية تُبرّر الوسيلة".

ولا أدري، هل يصحّ أن ننسب هذه النظرية أو الفلسفة ـ التي استشرت في أوروبا ونالنا منها نحن المسلمون المآسي والويلات ـ إلى ماكيافيلّي أم إلى معاوية بن أبي سفيان؟!

إنّ معاوية بن أبي سفيان من دهاة العرب الأربعة(١) كما يوصف، وهو مثال حيّ وقوي على الرجل النفعي الماكيافيلّي، فهو كالحرباء المتغيّرة اللّون حسب الظروف، فمعاوية حسب نشأته ومكانة أبيه في قريش لا يمكن أن يكون مسلما، لأنّ قبوله بالدين الجديد معناه أن يفقد

١ ـ هم: معاوية، عمرو بن العاص، المغيرة بن شعبة، زياد بن أبيه. أنظر كتاب أسد الغابة: ترجمة المغيرة بن شعبة.

٥٦
جميع الإمتيازات التي كان يتمتّع بها وهو فتى من فتيان قريش المترفين ـ إنّه مثال للرّجعيّة الإجتماعية التي ترى في كلّ دعوة إصلاحية ـ وضعيةً كانت أو سماوية ـ ضربة قاصمة للإمتيازات الطبقية التي كان يرفل فيها(١) ـ وهكذا شبّ معاوية ونشأ.

زيادة على ذلك (الخوف من فقدان الإمتيازات) ما لاقاه المسلمون الأوائل من شدة وتعذيب ما كان ليشجع معاوية (اللاّمبدئي) بأن يدخل هذا الدّين الجديد، لكن لمّا اشتدّت شوكة المسلمين وعظمت قدرة المسلمين يسرع أبو سفيان إلى خارج مكّة ليبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّه مازال يرى أنّ محمّدا ملكا حتى أن نهاه العبّاس (رضي الله عنه)، وما كان أيسرها من كلمة ـ الشهادتين ـ فيكفي أن يلفظها أبو سفيان وهند ومعاوية بالنتيجة، حتّى يعصموا دماءهم وأموالهم وكذا مراكزهم الماديّة.

وهكذا يطلع علينا معاوية مُسلماً، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، لكن الفارق بينه وبينهم أنّه لا سابقة له ولا جهاد، ولا حتّى رمية سهم أو رمح في سبيل هذه الدعوة الجديدة!

كذلك هناك مفارقة كبيرة جعلته يشعر بالخزي والمذلّة أينما اتّجه، ألا وهي كونه من الطّلقاء.

لا يبرز أيّ ذكر لمعاوية إلى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحتّى إلى شوط كبير من حياة الخلفاء، إلى أن يُعَيَّنَ والياً على الشام ـ جزء منها ـ خلفاً لأخيه يزيد بن أبي سُفيان، ولا عجب إلاّ من عمر بن الخطاب الّذي ترك

١ ـ (وإذا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) [ سورة الإسراء: ١٦ ].

٥٧
أجلاّء الصحابة جليسي بيوتهم ويولّي هذا الشّخص المغمور!! وهو القائل: "إنّ ولاية الأمر لا تكون لطليق ولا لمسلمة الفتح"(١)، فما عدا ممّا بدا؟!

وولاية الشام فتحت لمعاوية المغامر آفاقا وآفاقا، وهي التي مهّدت له خلافة المسلمين فيما بعد.

وجاءت الفتنة الكبرى، حيث أحاطت جموع الثائرين والجائعين الذين رأوا بني أمية يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع(٢)، ورأوا الوليد بن عقبة(٣) يصلّي بهم في الكوفة صلاة الصّبح أربعا وهو سكران، ورأوا ما كان عليه معاوية وبقية عمّال عثمان من بطر وجاهلية جديدة وطبقية بغيضة مغلّفة بغلاف الإسلام!

حُوصر عثمان في بيته أربعين يوماً، فهل أثارت حالة الخليفة هذه ابن عمّه معاوية بن أبي سفيان؟!

الجواب: لا.

هل كان معاوية عاجزا أن يرسل جيشا أو حتّى كتيبة تفكّ حالة

١ ـ مسلمة الفتح: هم الذين أسلموا يوم فتح مكّة وربّما يقصدهم ومن أسلم بعد ذلك، راجع طبقات ابن سعد ٣/٣٤٢، حيث قال: "هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثمّ في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لمسلمة الفتح شيء".

هذا مع أنّ عمر عندما كان يرى معاوية كان يقول عنه: هذا كسرى العرب [ تاريخ الإسلام للذهبي سنة ٤١ ـ ٦١ هـ ص ٣١١ ].

٢ ـ أنظر كلام الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: الخطبة ٣ المعروفة بالشقشقيّة.

٣ ـ هو الذي سمّاه القرآن فاسقا [سورة الحجرات: ٦ ] أنظر: تفسير الدر المنثور ٧/٥٥٥، تفسير الطبري ٢٦/٧٨، تفسير القرطبي ١٦/٣١١، تفسير ابن كثير ٤/٢٢٣.

٥٨
الحصار عن ابن عمّه عثمان الأموي؟!

والجواب: لا.

إذن لماذا تقاعس معاوية عن نصرة عثمان؟!

والجواب: هو شخصيّة معاوية الماكيافيليّة التي لا يمكن أن ترتكب هذه المجازفة الخطيرة فتُوقد هَكذا خطوة نقمة المسلمين عليه كما أُوقِدت على عثمان، وزيادة على ذلك وهو الأهم، كان معاوية يرى أنّ هذه الفتنة قد تَرفَعه وتدفعه إلى مقام ما كان ليحلم به حتّى في المنام. ألا وهو مقام الخلافة وقيادة الأمّة!!

وهل كان لمعاوية مطمع فيها وكبار الصحابة كعليّ وعمّار والزّبير وسعد على قيد الحياة؟!

نقول: إنّ السرّ موجود في ماكيافيلية معاوية الّذي لولا بعدُ نظره وكثرة أحلامه لما استمرّ على ولاية الشام سنة واحدة، وهو الذي كان يعيش فيها عيش الأكاسرة والأباطرة.

لقد أراد معاوية كبش فداء لطموحه الكبير، فكان عثمان أو قميص عثمان، فما إن قُتل الخليفة حتّى أقام عليه معاوية المناحات وعلّق قميصه على منبر مسجد الشام، واستغلّ هذا القميص أحسن استغلال حتّى يبدو وكأنّه المدافع عن حرمة الخلافة ويكسب بذلك القلوب.

يُقتل الخليفة ولا ينصره بشيء، ويأخذ قميصه ويجعل منه قضية السّاعة(١)!

ليس المهم عند معاوية أن يُقتل عثمان ولا تهمّه كذلك الأسماء،

١ ـ حتّى ضرب بذلك المثل فيقال لمن يستغل شيئاً بسيطاً ويكثر من استغلاله: قميص عثمان.

٥٩
المهم لديه ماذا ستُضيف إليه هكذا أحداث، وأيّة موجه يركب حتّى تدفعه خطوة إلى الأمام.

وتبدأ فصول المسرحية، فعندما يبايع المهاجرون والأنصار أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ويقوم بعزل جميع ولاة عثمان لما أحدثوا من عظائم الأمور، يرى معاوية أنّه وصل إلى نقطة الصّفر، حيث سيعود كما بدأ بل أرذل، لكن هل يخضع معاوية وأمثاله في كلّ عصر ومصر إلى هكذا نهاية بعد كلّ ذلك العناء؟!

الجواب: قطعا لا.

وهنا تبدأ الذهنية الشريرة التي تُحوّل المواقف الحرجة إلى مكاسب، جعل معاوية ينادي بالقصاص من قتلة عثمان شرطا لكي ينعزل ويتنحّى، وما أذكاه من شرط! حتّى يكسب شيئين: عدم التنحّي، وإظهار نفسه بمظهر الشرعية لاستمالة قلوب الناس.

وما أشبه اليوم بالبارحة! فما أكثر الحكّام اليوم الذين رفعوا قميص فلسطين لكنهم لم يرموا إسرائيل بأيّ رصاصة، ثم قس على ذلك بقية القمصان وما أكثرها في كلّ عصر وزمان وإن تغيّر المصداق.

ما أذكاه من شرط! وهل هناك قتلة معيّنون قتلوا عثمان؟!

إنّ كلّ الأمة قتلت عثمان، وفي مقدّمتهم عائشة وطلحة والزبير وحتّى... عمرو بن العاص الذي عزله عن مصر فكان يقول: "كنت ألقى الراعي فأحرّضه على عثمان"(١).

فهل اقتصّ معاوية منهم بعد ذلك حين صار خليفة المسلمين؟!

١ ـ أنظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/١٦٣.

٦٠