×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوار مع صديقي الشيعي / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

حديثُ التقيّة:

كنت أمشي مسرع الخطى عشية يوم ممطر وأنا أتجه إلى بيت صديقي الشيعي... طرقتُ الباب فخرج لي والد صديقي وهو أحد أعلام الصوفية في مدينتنا حيث كان له مريدون و"مشجّعون" على رأي هواة كرة القدم، ولطالما شعرت أن الصوفية بكل طرقها رهبانيّة الإسلام، حيث حصروا الإسلام في بضعة أوراد وجملة من المدائح والأذكار، وكثيراً ما كنت أُنزّه الإسلام أن يقتصر فقط على هذه الجنبة الروحيّة ولا يخرج إلى مجالات الحياة الأخرى بما فيها من تعقيد وتجدّد.

نعم جميل أن يقترب الإنسان من تلك الحالة الروحية، لكن الاقتصار على هذا الجانب فقط نقص كبير.

وممّا زاد تعجّبي من طرق الصوفية، هو تلك الشطحات العجيبة والحركات الغريبة التي يقومون بها! ولقد كنتُ حاضراً ذات ليلة في سهرة صوفيّة حيث كانت روائح البخور وأصوات المديح والذكر تختلط مع أصوات قرع الدفوف فيصبح الموقف أشبه بالسيرك، وحينما يحمى الوطيس يتناول أحدهم عقرباً حيّا فيبتلعه، ويمسك آخر بجمر الموقد دون أن يؤثر فيه شيئاً، وذاك ينام على الشوك دون وقاية تذكر، وكلّها تصرّفات لا تُسمن ولا تغني من جوع.

لم يطل بي الوقوف بقدر ما استدعى لي ابنه الذي خرج مستبشراً

٨١
ومعتذراً عن التقصير في زيارته لي، ثم قادني مرحّباً إلى غرفته الصغيرة المرتّبة في قعر منزلهم، حيث وجدته منشغلا بكتابة رسالة إلى أحد أرحامه في الخارج.

اقتربتُ قليلا من المدفئة الكهربائية لأجفّف نفسي حيث كان شعر رأسي يقطر ماءاً وكان البرد قد أثّر على يديّ وأذناي، في حين انشغل صديقي بإحضار قهوة ساخنة لنا.

قال صديقي وقد أحضر القهوة معه: خذ لك هذا الفنجان من القهوة حتّى تشعر بالإنتعاش بعد ما صرت كالفرخ المسكين بعد هذا البلل.

قلت له ممازحاً: قد لا تكون هذه قهوة؟!

قال مستغرباً ـ ولم يتفطّن بعد إلى مرامي من هذا السؤال الغريب ـ: إنّها ليست مُسكرة على أيّة حال.

فقلت: إذا كان الأب صوفيّاً والابن شيعيّا فأنا أخشى أنّه إذا لم تُسكرني هذه القهوة فإنّها قد تأخذني الآن في نشوة صوفيّة أجد نفسي معها أنني في العراق زائراً مقام الشيخ عبدالقادر الجيلاني أو ربّما اكتشف أنها عصير برتقال برائحة القهوة!!

ضحك صديقي حتّى احمرّ جبينه وقال: أظنك جئت تستفسر عن التقية، وأكيد أنّك صرت تشكّ في كلّ شيء حتّى في إسمي وقهوتي!!

قلت: لماذا لم تخبرني أن أساس مذهبكم هو التقيّة، بل إنّ دينكم هو التقيّة؟! والآن هات ما في جعبتك من صحيح وباطن عقائدكم ودعك من التهرّب فقد انكشفتْ لي هذه الخدعة؟

قال صديقي: هوّن عليك، لقد أعطيت المسألة ما لا تستحق.

٨٢
قلت: لماذا لم تخبرني بمسألة التقية إذن؟ ها، قل لابدّ أنك تخشى من الخوض فيها؟!

أجاب صديقي: أوّلا: أنا لم تتوفر لي الفرصة لأُطلعك على المسألة، وثانياً: أنت لم تسألني.

أقول لك أكثر من هذا، ذات يوم جاءني الوالد مغضبا، مقطّبا جبينه، وقال لي: صرت شيوعيّاً؟! فأجبته: إذا صرت شيوعيّا فلماذا أصلّي؟! فبهت والدي، ثم علمتُ فيما بعد أن أحد الّذين أعيتهم الحيلة في النقاش معي عمد إلى إخبار والدي بأنني شيعيّ، ليوقع بيني وبين أبي فتنة، لكن والدي تصوّر أنني أصبحت شيوعيّا واختلط عليه الأمر فهو لا يعرف الشيعة ككثيرين غيره.

ثم لماذا أخشى أن أتكلم معك بصراحة؟! ولماذا أخشاك أنت بالذات؟! هل لديك سيفاً مسلّطا على رقبتي، أم هل نعيش في الدولة الفلانيّة التي يسود فيها الإعتقاد أن الشيعة فرقة يهودية أو مجوسيّة وأن للشيعة ذيولا وو...

ثم صدقني لم أخفِ عنك أيّ شيء، لأنني إن خدعتك اليوم فسيأتي اليوم الذي تكتشف فيه الحقيقة من غيري، إن كانت هناك حقيقة أخرى.

قال صديقي ذلك بلهجة الواثق.

فقلت له: إذن أسألك لماذا تستعملون التقية، وما هي التقيّة بالمعنى الدقيق؟

أجاب صديقي: أحسنت، الآن جئت إلى الصّواب، ثم واصل

٨٣
كلامه: أوّلا، عموما الإعتقاد بشيء وإظهار شيء آخر له وجهان متناقضان تماما. فإظهار الإيمان والإسلام وإبطان الكفر يُسمّى نفاقا، كما ورد عن الله ورسوله وجميع فرق المسلمين، وهذا بالطبع شيء مستهجن عقلا وشرعا لأنه مخاتلة وخداع.

قلت مستدركاً: وكذلك العكس.

قال: هنا مربط الفرس! وقبل أن أجيبك دعني أسألك: متى أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والسّابقون من الصّحابة إسلامهم والدعوة إلى الإسلام؟

أجبت بكلّ بداهة: بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرّية وبعد نزول قوله تعالى (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِين)"(١).

قال: ولماذا لم يعلن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعوة من اليوم الأول عند نزول الوحي عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

أجبت: إنّ العقل يأبى ذلك، فإنّ الإسلام في بدايته كغرسة طيّبة رقيقة لا تتحمّل ضربة قويّة.

قال: أحسنت، وهكذا فالعقل يحكم بعدم المجازفة والسير باتجاه معاكس للتيّار، ولو تأمّلت في هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكوينه للدولة الإسلامية الأولى ومن ثم إعلانه الحرب على قريش في السنة الثانية للهجرة وغيرها لرأيت أنّ لكلّ مقام مقالا، فما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ليجازف بقتال المشركين في مكة لقلّة العدد والعدّة والناصر.

وأنا أسألك مرّة أخرى لأقترب بك أكثر من الموضوع: ماذا تعرف عن عمّار بن ياسر كصحابي سابق إلى الإسلام؟

١ ـ سورة الحجر: ٩٤.

٨٤
قلت: إنّه صحابي جليل وقد بشّره الرسول وأمه وأباه بالجنة لشدة ما لاقوا من العذاب والتنكيل، حتّى قتل أبوه وأمه أمام ناظريه، وأنه تحت وطأة التعذيب: "هُبل، هُبل" وذكر آلهة قريش بخير.

قال صديقي مقاطعاً: لقد ارتد عمّار إذن؟!

قلت: يا أخي إنّ الضرورات تبيح المحظورات، ورفع عن الأمة ما لا يطيقون.

قال: هذه هي التقية بعينها ورأسها.

قلت: كيف ذلك؟!

قال: عمّار كان يُبطن الإيمان ولكن أظهر الكفر بلسانه خوفا من الموت، ولو كان الظاهر خلاف الباطن عموما يُفسّر بأنه نفاق لكان عمّار منافقا حاشاه، وقس على هذا كثير من القضايا، ولهذا نزل قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم)(١).

وهناك في القرآن نظائر أخرى لهذه الآية تصبّ في معنى واحد، مثل قوله تعالى: (لاَ يَتَّخِذَ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيء إلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاه...)(٢)، وقوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ

١ ـ سورة النمل: ١٠٦، وأنظر تفسير ابن كثير ٢/٦٠٩، تفسير الدر المنثور للسيوطي ٥/١٧٠ ـ حيث يقول: وأمّا عمّار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية ـ تفسير الكشاف للزمخشري ٢/٤٣٠، تفسير الطبري ١٤/١٢٢، تفسير القرطبي ١٠/١٨٠.

٢ ـ سورة آل عمران: ٢٨.

٨٥
إِيمَانَهُ...)(١)، فهل كان مؤمن آل فرعون يجرأ على إظهار إيمانه في ذلك الجمع المتفرعن؟!

وهكذا ترى أن كتمان الإيمان وإظهار الكفر ضرورةً، شيء ممدوح ومرخّص فيه شرعا، بعكس إظهار الإيمان وإبطان الكفر فهو نفاق وختل.

قلت بعد أن اطمئن قلبي لما سمعت: لكن لماذا يتميّز الشيعة بالتقية دون بقية المذاهب الإسلاميّة؟!

ابتسم صديقي وأجاب: سؤال وجيه يُظهر أنك مسكت برأس الخيط كما يقال.

ثم تابع: إنّ التقية في الواقع مسألة عُقلائية، يستعملها الناس دائما عبر العصور حفظا للنفس والمال والعرض، سمّها ما شئت تقيّه، ضرورة،... أمّا لماذا اختصّ الشيعة بالتقيّة: فلكون الإضطهاد والتنكيل والقتل الذي تعرّضوا له لم تتعرض له طائفة أخرى على الإطلاق.

وأنا أزيدك وأقول: لو يُترك الشيعة أحرارا في عقائدهم لما كان هناك أي شيعي يستعمل التقية، وها هم اليوم منتشرون في دول الغرب فلا تقية عندهم ولا غيرها، بل حرّية مطلقة في عقائدهم ومجالسهم. أمّا أن يتوعّدك قوم بالقتل والتكفير بمجرّد أن تقول: إنّ معاوية أو أحد الصحابة فعل كذا أو قال كذا ـ ممّا هو موجود في كتب المسلمين جميعا ـ ثم يشنع عليك باستعمالك للتقية فهذا هو الحمق بعينه.

قلت وقد بقي في النفس من مسألة التقية شيء: جيّد، لكن لماذا

١ ـ سورة غافر: ٢٨.

٨٦
تقولون وتروون أنّ التقية دينكم؟!

قال: لم ينتبه من شنّع علينا لهذا الوصف، ألست تقول مثلا: "الدين النصيحة"، أو "من تزوّج فقد ملك نصف دينه"، هذه الألفاظ تبيّن أهمية الموصوف فقط، وليس معناها الدين الذي إن تخلّيت عنه صرت مرتدّاً.

ما إن نطق صديقي بهذه الكلمات حتّى شعرت براحة نفسانية كبرى، نعم لقد انزاحت من أمام ناظريّ غمامة فعادت الرؤية لديّ واضحة تماما، ولقد كنت أحزر أنّ لصديقي جواباً شافيا وضافيا وهكذا كان.

والواقع أنّ المهرّجين كثير ولا تعدم تأثير أحدهم بلَغَطِهِ وضَجيجه عليك، لكن عندما تدخلُ بعقلية نقديّة بعيدة عن الأحكام المسبقة تستطيع أن تهضم المسألة وينجلي عنك الغموض، وسرعان ما تكتشف أن الأمر لا يعدو كونه "زوبعة في فنجان". اللّهم قنا شرّ الزوابع في الفناجين وخارج الفناجين. آمين!

٨٧
٨٨

نظرية وتطبيق.. أم أمر واقع ثم نظريّة:

كان الأستاذ يلقي درسه علينا حول مسألة الشورى في الإسلام، وسرعان ما عرّج ـ وكثيرا ما كان يعرّج ـ على مصداق من مصاديق الشورى في الإسلام، ألا وهي قصّة استخلاف، أو بالأصحّ ترشيح عمر بن الخطّاب لستّة من أعاظم الصحابة.

كنت مشدوداً وكذلك كان البعض من زملائي التّلاميذ لكلام الأستاذ في تلك الحصّة الصباحية من مادة التربية الإسلامية. أنهى الأستاذ كلامه بأن هذه الحركة من عمر هي إحدى وجوه الديمقراطية بمصطلح اليوم، وهي تردّ ما يتّهمه بنا الغربيّون من أنّنا ـ نحن المسلمون ـ ذوو نظام ثيوقراطي لا يعرف لحق الناس في الإختيار معنى.

بعد ذلك كنت كلّما سنحت لي الفرصة والموضوع، أقول بكل فخر واعتزاز إنّ الديمقراطية لها جذور في الإسلام والقرآن، بل ربّما استنبطها الغرب منّا وليس من اليونان وطوّرها! وكان هذا الإستدلال في الواقع كثيرا ما يؤكّده أغلب أنصار النظريات والإيديولوجيات المختلفة، فهذا الإشتراكي يقول: إنّ الإسلام أوّل من جاء بالإشتراكية! ولا تعدم شيوعيّا يدّعي أن محمّدا وأبا ذرّ وعليّاً كانوا من أوائل الشيوعيين في العالم! في مقابل أبي سفيان ومعاوية وعثمان الّذين كانوا يمثّلون البرجوازية في أجلى مظاهرها، أو بالمعنى الأدق كانوا إقطاعيين حتى النخاع، بل إنّ

٨٩
الكثير منهم يَستشهد بكتاب الله في قوله تعالى: (مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارَا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارَا)(١) ليثبتوا أنّ أول من قال بنظرية النشوء والإرتقاء لداروين هو القرآن!!

وهكذا كنت أدافع بحماس عن القول بأنّ أوّل من جاء بنظرية الديمقراطية بالمعنى الواسع ـ على عكس ما كان يفهم منها زمن اليونانيين ـ هو الإسلام، وأنّ أوّل من طبقها هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة من بعده.

ومع الأسف فإن هذه الظاهرة ـ تطويع كلام الله تعالى حسب الأهواء والإعتقادات ـ يمثّل ظاهرة خطيرة جدّا في كل عصر.

فمن يريد أن يقول إنّ الله جسم جالس على كرسيّه في السّماء يطوّع آيات القرآن لما يظن، ومن يريد أن يثبت أنّ الأرض مسطّحة أو مدوّرة يستشهد بالقرآن، ومن يريد أن يعرف عمر وجود الإنسان على الأرض يطوّع آيات الذكر الحكيم لغرضه، بل أنّ " كلينتون " و" رابين " المقبور استشهدا بالقرآن في قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(٢) لفرض اتفاقيات الهزيمة مع "ياسر عرفات"، هذا مع أنّ القرآن بتصرفهم هذا يأخذ شكل الإناء الذي وُضع فيه دون أن يكون لهم جميعا مرجعا محدَّدا يرجعون إليه ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه.

وهكذا صار حالنا نحن المسلمون اليوم كحال بني اسرائيل في قال تعالى فيهم: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ

١ ـ سورة نوح: ١٣، ١٤.

٢ ـ سورة الجاثية: ١٧.

٩٠
العِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١)، هذا والله يدعونا لعدم الإختلاف بقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا)(٢)، فإن كان قصده تعالى بالحبل هو ذاته المقدسة، فوالله لقد اختلف المسلمون فيها، غير أنهم يشتركون في قولهم إنّه واحد فهذا ينكر الرؤية وذاك يثبتها، وهذا يرى أن صفاته قديمة زائدة على ذاته وآخر يقول إنّها هو وهو هي.

وإن كان قصده تعالى بالحبل هو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحكام الإسلام، فلا تسأل عمّا صار إليه حالنا نحن المسلمون من الإختلاف، فالمالكي يقول بالسدل، والشافعي يصرّ على التكتّف، وهذا الشيعي يؤكّد على الجهر بالبسملة، والمالكي لا يعتبر ذلك.

وهذا الوهّابي يقول إنّ أغلب المسلمين مشركون لم يعرفوا كنه التوحيد وحقيقته، وبقيّة المذاهب يعتبرون الوهابيّين مارقة مرقت من الدين وخالفت إجماع المسلمين.

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى، ولله درّ الشاعر أبي العلاء حيث يقول:

ليت شعري ما الصحيح؟

على كلّ حال كنت أعتقد اعتقادا جازماً بأنّ شورى عمر بن الخطاب كانت قمّة في التعاطي الديمقراطي مع الحكم، لكن تدور دورة الزمن دورتها فأجدني مرّة أخرى في لقاء مفتوح مع صديقي الشيعي الّذي صار كأنّه المحكّ الذي يفصل موادّي الخام وركام أفكاري المجموع لَيميز

١ ـ سورة الأنفال: ٦١.

٢ ـ سورة آل عمران: ١٠٣.

٩١
منها ما يشاء ويرمي بما يشاء مستعملا دائما غربال العقل ومرجعيّة القرآن الشفافة...

وبالفعل ما إن مرّت أيام قلائل حتّى جمعتني نزهة في واحات وغابات الرمّان الكثيفة التي تمتاز بها مدينتي، مدينة "قابس" وكان يرافقني زيادة على الصديق الشيعي اثنين من جيراني.

في أثناء الطريق الذي تتدلّى على جانبيه أغصان الرمّان المحمّلة بثمراتها والّتي تنوء بحملها، والتي كثيراً ما كنّا ونحن أطفال نقتطف منها ثم نسرع هاربين ونفاجأ بصاحب البستان ينادينا بابتسامة عريضة، فيملأ لنا أيدينا بالرمان الذي كان يربطه لنا بخيط يعقده على رؤوس مجموعة من الرمانات، فنعود فرحين وخجلين من كرم أولئك المزارعين الظرفاء.

في أثناء الطريق فاجأني صديقي بسؤال قائلا: إذا كنت بين أناس غير مسلمين وسألوك ما هي نظريّة الإسلام في الحكم ماذا كنت تجيب؟

أجبت صديقي ببداهة: الشورى، نعم الشورى التي طالما سمعت خطباءنا ومدرّسينا يذكرونها كلّما مرّوا بهذا الموضوع.

استدرك عليّ صاحبي: بأيّ دليل تقول هذا الكلام.

قلت بكل عفويّة: بالقرآن والسنّة.

فقال محاججاً: هات من القرآن؟

قلت: على ما أذكر هناك آيتان نزلتا في مسألة الشورى ولا ثالث لهما، وهاتان الآيتان هما قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى)بَيْنَهُمْ)(١)، و(فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا

١ ـ سورة الشورى: ٣٨.

٩٢
عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ)(١) ".

قال صديقي بعد ذلك: هذا من القرآن، هات حديثا من السنّة؟

تلعثمت قليلا ثم قلت: هل بعد كتاب الله تعالى دليل؟!

عارضني صديقي قائلا: أنت قلت عندي دليل من القرآن والسنّة!، ثم ما أدراك بمعنى هاتين الآيتين؟! والسنّة قد فصّلت كثيرا من المجمل الذي ورد في القرآن، ففصّلت مثلا عدد الركعات ومستحبّات الصلاة ومكروهاتها ونواقضها وغير ذلك كثير. وأنا الآن أريد منك ولو حديثا واحداً يوصي فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن خلافته (صلى الله عليه وآله وسلم) تكون بالشورى، لأنّ مراد الآيتين المذكورتين ليس خلافته (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا مسألة الحكم في الإسلام؟

قلت معلّقاً: رويدك إنني أقصد بالشورى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص لأحد من بعده، وإنّما ترك لهم موضوع الشورى حلاّ لهذه المسألة، وقد قام بها الصحابة ممن بعده على أحسن وجه، هذا كان قصدي من وجود الشورى في السنّة.

قال صديقي وابتسامة عريضة تطبع ملامح وجهه: لنفترض أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص لأحد، هل قال لنا حديثا يقول فيه: "إنّي لا أعيّن أحداً من بعدي لكن الأمر بينكم شورى"؟

ثمّ لو قال كذلك ـ والواقع لم يرد لنا شيء بهذا ـ هل بيّن حدود الشورى؟! يعني هل تشمل جميع شعب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تركه، أم تختصّ بالمهاجرين فقط، أو بالمهاجرين والأنصار، أم هي خاصّة

١ ـ سورة آل عمران: ١٥٩.

٩٣
لأصحاب بدر؟!

ثم من الذي له صلاحيّة ترشيح الفرد الّذي سيتشاور حوله المسلمون، هل كلّ الأصناف التي ذكرناها؟ وما هي الشروط التي لابدّ أن تتوفّر في المرَشَّح، هل أنه أعلم الصحابة، أم أشجعهم، أم أحلمهم أم...؟!

والأخطر من هذا، إذا اختلف الصحابة حول الشخص المرشَّح، فجماعة ترتضيه وأخرى لا ترتضيه فما العمل؟ فهل يحكم كلاهما، أم يُختار ثالث؟!

ثم قبل هذا وذاك، هل اختيار الحاكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هي من صلاحية الله ورسوله، أم من صلاحيّة الأمّة؟!

شعرت بحرج شديد وسرى الدم في أطراف أذنيّ وشعرت بجفاف في حلقي لِمَا فاجأني به صديقي من مطر الأسئلة هذه، لكنّي ملأت نفسي حزماً وقلت له: يا أخي، إنّ الصحابة عملوا بما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهم أقرب إليه وأكثر فهما لخصوصيّات ذلك الزمان.

قال صديقي بسرعة وبدون أيّ تفكير: إذا كان الأمر كما تقول وأنّ الصحابة عملوا بالشورى، فلماذا حدث نزاع في سقيفة بني ساعدة؟! ولماذا لم تتم البيعة جهاراً في مسجد الرسول؟! بل لماذا لم يحضر من المهاجرين إلى السقيفة غير ثلاثة على المشهور؟! وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، ولماذا حدث نزاع ولغط وسبٌّ وشتم، حتّى قال عمر معترضا على سعد بن عبادة الأنصاري سيّد الخزرج: " أقتلوا سعداً قتله

٩٤
الله "(١) هل تكون الشورى بهكذا كيفية؟! ولماذا تخلّف عليّ بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر ولم يحضرها ولم يرتضيها، كما لم يحضرها كلّ بني هاشم والزّبير وسعد بن عبادة وغيرهم كثير(٢)؟! والأعجب من هذا كلّه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مسجّى في بيته ولم يدفن بعد!!

ولو كانت بيعة أبي بكر صحيحة، فلماذا يصفها عمر بأنّها " كانت فلتة ولكن وقى الله شرّها "(٣)؟!

وأمّا بيعة عمر فحدّث ولا حرج فلم يُشاوَر فيها أحد من المسلمين أصلا، حيث أوصى أبو بكر لعمر بالخلافة من بعده، تماما كما كان أوّل من بايع أبا بكر هو عمر يوم السقيفة. وإنّنا على العكس نجد المسلمين ومنهم أكابر الصحابة تشاءموا من بيعة عمر، حتّى أنهم لاموا أبابكر وقالوا له: ماذا تقول لربّك غدا حيث كرهوا من عمر خشونته وغلظته وأنّ الخلافة لا تصلح له(٤).

ونأتي الآن إلى قمّة التعاطي الديمقراطي الذي تقول به، وأقصد شورى عمر لنرى هل كانت فِعلاً شورى كما يلتزم بها أهل السنّة كنظرية في الحكم أم لا؟!

واصل صديقي كلامه: من المعلوم أنّ عمر بن الخطّاب كان قد

١ ـ أنظر: صحيح البخاري ٥/٨، مسند أحمد: مسند عمر بن الخطاب حديث ٣٩٣.

٢ ـ أنظر: العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ٤/٢٥٩، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١/٢٧ ـ ٢٨.

٣ ـ أنظر: صحيح البخاري ٤/١١١، الكامل في التاريخ ٢/٣٢٧، مسند أحمد: حديث السقيفة ١/١٩٣.

٤ ـ أنظر: الصواعق المحرقة: ٧٨، الكامل في التاريخ ٢/٤٢٥.

٩٥
عيّن ستّة من الصحابة ورشّحهم لتولّي مركز قيادة الأمة من بعده، وهؤلاء الستّة هم: عليّ بن أبي طالب، عبدالرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، عثمان بن عفّان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوّام.

وهنا نسأل: من الذي أعطى الصلاحية في ترشيح هؤلاء؟ هل شاور بقية الصحابة، أو على الأقل أفاضل الصحابة فأشاروا عليه بهم؟ وهذا طبعا لم يثبت ولم يحدث.

ثم لماذا لم يفعل عمر وكذا أبو بكر من قبله فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ حسب نظرية الشورى ـ فيترك الأمر للمسلمين بعد وفاته؟! فإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جاء بهذه النظرية وأنّ الخلافة تُحدَّد بالشورى بعد موته فهلاّ التزم صاحباه بذلك؟! لماذا أعرضا عن سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيّنا قبل موتهما، مع أنه ـ حسب الافتراض ـ ليس لهم هكذا حق!!

قلت معترضا على حملة صديقي الكلاميّة: يا أخي، عمر ومن قبله أبو بكر كان خليفة وهذا من حقّ الخليفة، لأنه من أدرى الناس بالصالح والطالح.

أجابني صديقي بنبرة غاضبة: ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يدري من الأصلح فيرشّحه!!

قلت: إنّ عصر وظروف زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلفت عن زمن أبي بكر وعمر.

قال: والآن الظروف اختلفت، وقبلنا كذلك، وعليه يكون لكلّ عصر نظرية!!

يا أخي، رُبَّ عذر أقبح من ذنب، إنّ الإسلام والقرآن الذي يقول:

٩٦
(مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيء)(١)، جاء بنظرية كاملة في الحكم وفي غير الحكم، فإذا كانت هذه النظرية هي الشورى كما تدّعي، فلا بدّ وأن تكون قائمة ثابتة مهما اختلفت الأزمان والأمكنة، فهل يمكن أن نأتي الآن ونقول ـ كما يقول البعض ـ إنّ الإفطار في شهر رمضان للمسافر حرام لأنّ وسائل السفر الآن مريحة ومكيّفة ولم يعد السفر شاقّا كما كان من قبل، وبذلك نضرب بقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَريضَاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَر)(٢)، والآية فضلا عن هذا ليست منسوخة.

ولنعد الآن إلى مسألة شورى عمر، فإنّ عمر بن الخطّاب قال عند مرضه: "لو أدركت أبا عبيدة بن الجرّاح باقيا استخلفته وولّيته... ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته... ولو أدركت خالد بن الوليد)لولّيته..."(٣)، وفي قول آخر: "لو أدركت سالم مولى أبي حذيفة لولّيته"(٤). فلو كان واحد هؤلاء حيّا لما فكّر في الشّورى أصلاً ولضرب بها عرض الحائط.

وقول عمر حول هؤلاء الستّة: "ولكنّي سأستخلف النفر الذين

١ ـ سورة الأنعام: ٣٨.

٢ ـ سورة البقرة: ١٨٥.

٣ ـ أنظر: تاريخ الطبري ٤/٢٢٧، الكامل في التاريخ ٣/٦٥ مع اختلاف يسير في الألفاظ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ١/٤٢.

٤ ـ مسند أحمد بن حنبل: مسند عمر حديث رقم ١٣٠، تاريخ الطبري ٤/٢٢٧، والكامل في التاريخ ٣/٦٥.

٩٧
توفّي رسول الله وهو عنهم راض"(١). فهل يعني هذا أنّ البقية من الصحابة قد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنهم غضبان؟! وإذا لم يكن الأمر كذلك فأين أبوذرّ الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ"(٢)؟! وأين عمار بن ياسر الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمّيه بالطيّب ابن الطيّب، أو بالطيّب المطَيّب(٣).

وبعد مدح أُولئك الستّة يقول: "إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما"(٤)! مرحى لهذه الشورى، ومرحى لهذه الديمقراطية، عجيب أمر عمر! كيف يقتل رجلا أو رجلين لا ذنب لهما، بل أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مات راض عن الجميع حسب قول عمر!!

وهل جُعلت الشورى إلاّ للتشاور؟! والإختلاف أمر بديهي بل لازم، وإلاّ فلماذا الشّورى لو كان كلّ النّاس متفقين على رجل واحد أو مفروض عليهم شخص معيّن؟!

بل أنّ عمر أوصى بأكثر من ذلك، حيث جعل خمسين رجلا ليضربوا

١ ـ أنظر: طبقات ابن سعد ٣/٢٤٨ ترجمة عمر، تاريخ الطبري ٤/٢٢٨، الكامل في التاريخ ٣/٦٥.

٢ ـ طبقات ابن سعد: ترجمة أبي ذرّ الغفاري.

٣ ـ أنظر: سنن ابن ماجة ١/٥٢ فضائل عمار بن ياسر.

٤ ـ أنظر: تاريخ الطبري ٤/٢٢٩، طبقات ابن سعد ٣/٢٤٧.

٩٨
كتاب حوار مع صديقي الشيعي لـ الهاشمي بن علي (ص ٩٩ - ص ١٢٢)
٩٩
ليست ماهرة بقدر ما هي غادرة، أنظر ما صار إليه الأمر في الشورى بعد وفاة عمر، فقد بقي فقط مرشّحان اثنان بعد أن تنحّى منها عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وزكّى الزبير عليّا، وعليه بقي عثمان وعليّ.

فاشترط عبد الرحمن في المسجد والمسلمون حضور شرطا طرحه على المرشَّحَيْن، وهو أن يعملا بكتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر.

وإنّي لأعجب من هذا الشرط الأخير! فإن كانت سيرة الشيخين مطابقة لكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فما معنى اشتراطها كشرط زائد؟! وإن كانت مخالفة لكتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو شرط مردود مرفوض.

ثم إنّ عبدالرحمن اشترط أن لا يولّي عثمان ولا عليّ أحدا من قومهما إذا وصلا إلى الحكم، فرفض عليّ وقبل عثمان الشرط. ولكن هل وفى عثمان بذلك الشرط فعلا؟!

وبعد تعيين عثمان وتنصيبه التفت عبدالرحمن إلى عليّ وقال له: "فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك فإنه السيف لا غير "(١) دائما القمع والإجبار والتخويف، ثم يأتي من يقول بعد هذا: إنّ شورى عمر كانت أبرز مظاهر الديمقراطية!!

وهكذا ترى يا صديقي أنّ المسألة كلّها تدور حول إبعاد عليّ عن السلطة مهما كلّف الأمر ولو بالتعمية بمسألة الشورى، وإلاّ فمن له سابقة كسابقة عليّ؟ ومن له جهاد كجهاده؟ ومن له علم كعلمه؟ فكيف يُقدَّم من

١ ـ الإمامة والسياسة ١/٤٥.

١٠٠