×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخدعة / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

أن يصلي..

وعن طلحة يروي البخاري قول عمر: توفي النبي وهو عنه راض..

ويروي عن أبي حازم قوله: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شلت..

أما بقية العشرة سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف فلم يرو البخاري أو مسلم شيئا عن مناقبهما. فإذا كانا بلا مناقب فكيف يوضعان ضمن العشرة المبشرين بالجنة؟..

وإذا ما تطرقنا إلى الآخرين من الصحابة أتباع الإمام مثل بلال وسلمان وعمار وحذيفة والمقداد وأبي ذر فإن القوم قد مروا عليهم مرور الكرام وكأن هؤلاء ليس لهم دور في الإسلام وليست لهم مكانة..

لقد جعل البخاري لمعاوية بابا أسماه باب ذكر معاوية في الوقت الذي لم يذكر شيئا عن مناقب أبي ذر الغفاري. وجمع عمارا وحذيفة في باب واحد وبرواية واحدة..

يروي البخاري عن عمار وحذيفة وأن علقمة قال: قدمت الشام فصليت ركعتين ثم قلت اللهم يسر لي جليسا صالحا فأتيت قوما فجلست إليهم فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي. قلت من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء. فقلت: أني قلت من أهل الكوفة. قال أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة المطهرة؟ أو ليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان عمار يعني على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم). أو ليس فيكم صاحب سر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يعلم أسماء المنافقين أحد غيره حذيفة (٧)..

وعن بلال يروي البخاري عن عمر قوله: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا (٨)..

ويروي أيضا أن بلالا قال لأبي بكر: أن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني.

وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني أعمل لله (٩)..

ويروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في بلال: سمعت دف

١٤١
نعليك بين يدي في الجنة (١٠)..

أما مسلم فقد روى في بلال الرواية السابقة بينما روى في أبي ذر رواية واحدة هي قصة إسلامه ولقائه الرسول بمكة ولم يرو شيئا من فضائل حذيفة أو عمار أو غيره من أصحاب الإمام بينما جعل بابا في فضائل أبي هريرة وابن عمر وأبي سفيان (١١)..

ويروي مسلم عن بلال وسلمان وصهيب الرواية التي ذكرناها سابقا حين اصطدم بهم أبو بكر لمهاجمتهم أبي سفيان وقال له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك وما نخرج به من هذه الروايات هو ما يلي:

- أن حذيفة وعمارا لهما مكانة خاصة فالأول صاحب سر النبي والثاني مجار من الشيطان..

- أن هذه المكانة لم تضعهما في المكان الصحيح والملائم لهما عند القوم..

- أن القوم لم يبينوا لنا لماذا اختص حذيفة دون غيره بسر النبي عن المنافقين؟..

- أن رواية البخاري في بلال على لسان عمر لا تعطي قدرا له فإنما هي شهادة لصالح أبي بكر أكثر منها لصالح بلال..

- أن قول بلال لأبي بكر يشير إلى صدام وقع بينهما بعد وفاة الرسول (١٢)..

- أن قول الرسول في بلال يؤكد أنه من المبشرين بالجنة. وهذا يفرض طرح السؤال التالي: لماذا لم يوضع بلال ضمن العشرة المبشرين بالجنة؟..

- أن رواية مسلم عن بلال وسلمان وصهيب تؤكد أن مكانتهم أعلى من مكانة أبي بكر..

١٤٢

(١) - مسلم. كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل عثمان.

(٢) - البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب مناقب عثمان.

(٣) - فتح الباري (ج ٧ / ٥٩).

(٤) - مستدرك الحاكم (ج ٤).

(٥) - المرجع السابق.

(٦) - تلخيص المستدرك.

(٧) - البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب مناقب عمار وحذيفة.

(٨) - البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب مناقب بلال.

(٩) - المرجع السابق.

(١٠) - المرجع السابق. ومسلم كتاب الفضائل باب من فضائل بلال.

(١١) - أنظر كتاب الفضائل.

(١٢) - كان هذا الصدام في خلافة أبي بكر حين رفض بلال أن يؤذن لأحد بعد الرسول وقرر الرحيل من المدينة وأراد أبو بكر منعه. ومثل هذا الحدث يدل على أصحاب الإمام كانت لهم مواقف من أبي بكر ومن عمر.. أنظر فتح الباري (ج ٧ / ٩٩). وكتب التاريخ.

١٤٣

الطرح الشيعي

عوامل الجذب
١٤٤
١٤٥
هناك عدة عوامل جذبتني لخط آل البيت وللأطروحة الشيعية. وهذه العوامل منها ما يتعلق بالأطروحة السنية..

ومنها ما يتعلق بالواقع الإسلامي..

ومنها ما يتعلق بشخصي.. ومنها ما يتعلق بالأطروحة الشيعية..

أما ما يتعلق بالأطروحة السنية فهو ما قد بيناه من أن هذه الأطروحة إنما هي وليدة السياسة وتقديم فقه الرجال على فقه النصوص وهذا الخلل الحقيقي فيها والذي يتجنب القوم علاجه وأما ما يتعلق بالواقع الإسلامي فهو يتمثل في تلك التجربة الطويلة التي عشتها مع التيارات الإسلامية ولمست فيها عن قرب مدى المأزق الفكري والحركي الذي تعيشه هذه التيارات بسبب هذه الأطروحة وبالنسبة لشخصي فقد عشت فترتي السنية رافعا شعار العقل فلم أجد لي مكانا بين القوم ولاحقتني الإشاعات والاتهامات وأدركت فيما بعد أن أستخدام العقل عند القوم يعني الزندقة والضلال ولقد كنت أدرك جيدا أن التنازل عن العقل يعني الذوبان في الماضي وبالتالي يصبح المرء بلا شخصية يواجه بها الواقع..

وأذكر عند ما كنت رهن الاعتقال في أوائل الثمانيات أن عرض على بعض قادة تيار الجهاد مشاركتهم في النشاط الفكري الذي يجري داخل المعتقل تحت إشرافهم. فرفضت هذه الطلب متعللا بما يلي:

إنني لن أعرض ما أعرض دون تمحيص ودون إعمال العقل فيه وهذا لن

١٤٦
يرضيكم..

إنني في حالة الموافقة بين أمرين..

إما أن أصطدم بكم بطرحي المتناقض مع طرحكم..

وإما أن أستسلم لأطروحتكم وأتكلم بلسانكم وفي هذه الحالة لن أضيف جديدا. إن التسلح بالعقل سوف يمنح المرء القدرة على الاختيار. ومن ثم فقد كان تسلحي بالعقل العامل الأساس في دفعي نحو خط آل البيت واختياره. ولم يكن هذا ليتم لولا تسلحي بالعقل الذي أعانني على تحطيم الأغلال التي كان يكبلني بها الخط السني (١)..

أما ما جذبني لخط آل البيت ودفعني نحو التشيع فيما يتعلق بالأطروحة الشيعية فهو ما يلي:

القرآن والعقل.

أنزل الله القرآن ليحكم بين الناس ويكون دستورا لحياتهم. إلا أن الناس مع مرور الزمن وطول الأمد ورثوا الكثير من الروايات والاجتهادات التي غلبت على حياتهم فاستسهلوها وتناولوا منها دينهم وبالتالي أهملوا القرآن. وقد ساعد على نمو هذه الحالة ودعم هذا الوضع الحكام إذ وجدوا فيه وسيلة لتخدير المسلمين وإلزامهم بطاعتهم. فهذا الكم من الروايات التي توجب طاعتهم تتناقض مع القرآن ولذا عملوا على عزل القرآن عن واقع المسلمين..

أما من شذ عن هذا الوضع وأعمل عقله فكانت تلصق به تهمة الزندقة لتبرير الخلاص منه والقضاء على دعوته..

وكم سقط من شهداء على هذا الطريق بأيدي الحكام وبأيدي الفقهاء (٢). ولو كان القرآن والعقل قد أخذا دورهما في مسيرة الإسلام ما كانت قد وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه من الخنوع والتشرذم وعبادة الرجال..

ففي غيبة القرآن اخترعت الكثير من الروايات المضللة..

وفي غيبة العقل سادت هذه الروايات وحلت محل القرآن..

في غيبة القرآن اخترع إسلام جديد..

١٤٧
وفي غيبة العقل برره الفقهاء..

في غيبة القرآن أصبح التراث هو الدين..

وفي غيبة العقل بارك الفقهاء هذا التراث..

في غيبة القرآن والعقل أصبحنا أسارى للحاكم ولفقه الماضي..

إن تحكيم القرآن والعقل في دائرة الأطروحة الشيعية قد منحها القدرة على تجديد محتوياتها ومواكبة الواقع والمتغيرات. بينما بقيت الأطروحة السنية جامدة منغلقة لرفضها الخضوع لحكم القرآن والعقل مما ولد قداسة غير مباشرة لجميع محتوياتها وفي مقدماتها كتب الأحاديث خاصة كتابا البخاري ومسلم اللذان حظيا بقداسة خاصة من دون الكتب الأخرى..

في الوسط السني يشهر سلاح التكفير في وجه أية محاولة للمساس بروايات البخاري ومسلم وقد حاول بعض عقلاء القوم نقد أحاديث سحر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة في البخاري فلاقى من التهديد والوعيد وأحكام الزيغ والضلال ما دفع بهم إلى التراجع. وقد قامت جامعة الأزهر بفصل واحد من مدرسيها بسبب خوضه في بعض هذه الأحاديث وإنكاره لها..

ويرفض أهل السنة تحكيم القرآن في الأحاديث كما أشرنا سابقا. وهم بهذا يبتدعون قاعدة خطيرة تنزل الرواية منزلة القرآن. إذ يعتمدون الحديث ولو خالف القرآن ما دام صحيحا حسب قواعدهم. وكأنهم أيضا أنزلوا هذه القواعد منزلة النصوص. ولو كان للعقل دور عندهم لنبذت مثل هذه القواعد والآراء..

من هنا فقد تميز الطرح الشيعي بهذه القاعدة: قاعدة تحكيم القرآن والعقل واحترامه ومنحه الدور الشرعي الذي أوجبته نصوص القرآن. وسرني تطبيق هذه القاعدة على كتب الحديث وجميع ما ورد من أقوال وروايات عن الرسول أو أئمة آل البيت أو فقهاء الشيعة (٣).

١٤٨
الإمام علي لفت نظري أثناء قراءتي لكتب التراث السني قول ابن حنبل: أن عليا كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي. فهذا القول يلخص حركة التاريخ. الخاص بالصراع بين آل البيت والقوى المتربصة بهم. وإن كان ابن حنبل قد خص بقوله معاوية، فالرجل من جهة أخرى أدان التاريخ السني بأكمله وإن كان لا يقصد ذلك. فتاريخ السنة إنما يقوم على أساس مباركة حكام بني أمية وبني العباس الذين قضوا على خط آل البيت وبطشوا بأئمته. وعلى أساس مباركة التراث الذي تولد من حالة التعايش بينهم وبين هؤلاء الحكام ذلك التراث الذي يقوم على الحط من قدر الإمام علي وتشويه آل البيت. إن ارتباط أهل السنة بخط الحكام فرض عليهم تبني وجهة معادية للإمام علي ولآل البيت وذلك هو الموقف الطبيعي لهم إذ أن هؤلاء الحكام هم أعداء علي وآل البيت..

فهم قد عملوا على رفع أبي بكر وعمر وعثمان عليه..

وهم قد أعلوا من مقام أبي سفيان وولده معاوية وساووه بالإمام علي..

وهم قد قاموا بتأويل النصوص الواردة في الإمام وآل البيت على غير معناها..

وهم قد برروا كل المواقف والحوادث التي وقعت بين الإمام والصحابة بما يخدم خط الحكام..

وهم قد عتموا على أئمة آل البيت من بعد الإمام علي وشوهوا شيعتهم..

ومثل هذه المواقف إنما تنم عن انحياز كامل لجانب أعداء الإمام وآل البيت..

لقد كنت أتأمل مثل هذه المواقف من القوم وأتساءل: ما سر هذه المواقف؟

وما هو الدافع من ورائها ولماذا يحظى الإمام بهذا التركيز من خصومه؟..

لم يكن كلام ابن حنبل سوى إجابة على طرف السؤال. أما الإجابة الكاملة التي لم يستطع النطق بها فهي أن القوم قد تآمروا على الإمام من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسام) وأن هذا التآمر قد اضطرهم إلى تحريف النصوص الواردة فيه وفي آل البيت وطمس معالمها بل واختراع نصوص

١٤٩
تناقضها..

إلا أن القوم على الرغم من موقفهم هذا نطق لسانهم بما يفيد الشبهة فيهم.

فقد لاحظت أنهم يطلقون لفظة " إمام " على علي وحده من دون بقية الصحابة.

ثم أنهم يدعون أن الإمام عليا قام بتحريق أناس قالوا بألوهيته. وكنت كلما مررت على هذين الأمرين تساءلت: لماذا يطلق القوم هذه اللفظة على الإمام خاصة.

ولماذا قال هؤلاء بألوهية الإمام دون غيره؟..

إن الإجابة على هذين السؤالين قد كلفتني الكثير من الوقت في البحث والتأمل حتى اهتديت أن هناك من النصوص ما يعطي للإمام علي خاصية ترفعه فوق الجميع. وأن هذه الخاصية كان يتنزل بها القرآن ويبشر بها الرسول. وهذه الخاصية هي الطهارة من الرجس لتسلم مهمة الإمامة من بعد الرسول. وهذا هو ما توارثه القوم عن علي وحجبته السياسة وما بقي منه سوى وصفهم له بالإمام.

وهذا هو ما دفع بالبعض للقول بألوهيته لما يرون من تحقق المعجزات على يديه.

إن سلمنا بصحة هذه الرواية (٤)..

إن القوم لم يخبرونا لماذا أله علي؟ فهم على الرغم من تبنيهم هذه الرواية لا يقصدون من ورائها سوى الطعن في شيعة الإمام ونبذ أي تصور يطرأ على ذهن المسلم حول خصوصيته وكأنهم يريدون أن يثبتوا من وراء هذه الرواية أن الإمام كان يبارك الخط السائد وأن من حاول الانشقاق عن هذا الخط ومنحه خصوصية تميزه عن القوم فقد أحرقه بيده. فدعوى ألوهية الإمام قضي عليها في مهدها على يده ولم تظهر بعدها أية دعاوى أخرى لتمييز الإمام أما الشيعة هؤلاء ففرقة مختلقة لا أصل لها ويقف من ورائها أعداء الإسلام (٥)..

ثم إن القوم بعد هذا لا يذكرون الإمام إلا ويقولون كرم الله وجهه. وعندما سألت عن معنى هذه الكلمة قالوا: إنه لم يسجد لصنم بينما جميع الصحابة قد وقعوا في هذا. فقلت في نفسي إن هذه الخاصية التي جاءت على لسان القوم إنما تؤكد مكانة الإمام وموقعه الشرعي كما أكدته رواية إدعاء ألوهيته ونعتهم له بالإمام..

لقد استفزتني كثيرا تلك المكانة المتواضعة جدا التي يضع أهل السنة فيها الإمام عليا

١٥٠
واستفزني تقديم عثمان عليه على الرغم من أفاعيله ومنكراته..

واستفزني مساواته بمعاوية الطليق الذي لا وزن له..

واستفزني ما يلصقون به من صغائر وموبقات..

وكان هذا كله مبررا للنفور من فقه القوم وأطروحتهم والبحث عن الحقيقة في دائرة الأطروحات الأخرى حتى اهتديت للأطروحة الشيعية ووجدت فيها ما أراح عقلي وطمأن نفسي بخصوص الإمام علي..

وجدت فيها مكانته وخصوصيته..

ووجدت فيها علمه الذي دثره القوم..

وجدت عليا الإمام المعصوم وهي الصفة التي تعكس خصوصيته وتميزه والتي فسرت على ضوئها جميع الأمور التي استشكلت علي في فقه القوم حول الموقف من الإمام..

فسرت لماذا يقولون عنه إمام..؟.

ولماذا يقولون كرم الله وجهه..؟.

ولماذا حاول تأليهه البعض..؟.

إن مكانة الإمام كانت ساطعة سطوع الشمس بحيث لم يتمكن القوم من حجبها عن أعين المسلمين بتأويلاتهم وتبريراتهم. وقد كنت واحدا من هؤلاء الذين سطعت عليهم شمس الحقيقة فأضاءت لي الطريق نحو الصراط المستقيم خط آل البيت محطما من طريقي جميع القواعد والأغلال التي صنعها القوم لتكبيل العقل وحجب الحقائق.

الاجتهاد.

وما لفت نظري في الطرح الشيعي أيضا قضية فتح باب الاجتهاد الذي ظل مغلقا منذ قرون طويلة لدى الطرف الآخر ولا يزال..

وتميزت المؤسسة الدينية المعاصرة عند الشيعة بوجود عدد من المجتهدين البارزين الذين اجتهدوا في كثير من القضايا الملحة والعاجلة والتي لا زال يتخبط

١٥١
فيها الطرف السني. وعلى رأس هذه القضايا قضية الربا والبنوك..

والاجتهاد عند الشيعة إنما هو محكوم بالنص لا يصطدم به ولا يخرج عليه. كما هو حال الطرف السني الذي تبنى قاعدة: لا اجتهاد مع النص. ثم ناقضها بتبنيه جميع اجتهادات عمر بن الخطاب على النصوص معتبرا هذا التبني نوعا من الخصوصية لعمر لكونه من الراشدين المهديين الذين نص عليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (٦)..

وأدلة الاستنباط عند الشيعة الكتاب والسنة (الصحيحة) والعقل. وهم بهذا يرفضون المصادر الأخرى التي أضافها أهل السنة كمصادر للتشريع مثل الاجماع والقياس والاستحسان وخلافه. هذه المصادر التي فتحت الأبواب لاختراع الكثير من الأحكام التي أسهمت وما زالت تسهم في تشويه صورة الإسلام..

وعوام الناس عند الشيعة عليهم أن يلتزموا بتقليد المجتهدين حسب قاعدة:

تقليد الأعلم. فمن ثم لا تجد فردا شيعيا لا يقلد مرجعا من مراجع المجتهدين (٧)..

والتقليد يعني الإتباع في الأمور الفقهية ولا يعني الإتباع المطلق للمجتهد. كما يلزم المقلد بتسليم زكاة المال وخمسه إلى المرجع الذي يقلده..

والأمور الفقهية عند الشيعة إنما هي حكر على المجتهدين والفقهاء ولا يجوز لعوام الناس أن يخوضوا فيها. وقد شكلت هذه المسألة نوعا من النظام والانضباط في الوسط الشيعي وحالت دون ظهور الشطحات والبدع والتيارات الشاذة كما هو الحال عند الطرف السني الذي أصبح يعاني من ظاهرة تعدد الجماعات وكثرة التيارات وتصاعد الخلافات بسبب أنه لا توجد هناك ضوابط للتلقي والإتباع وبسبب فقدان ثقة المسلمين بفقهاء السنة وهو ما ليس موجودا عند الشيعة إذ المجتهد على الدوام محل ثقة الناس..

ومن الطريف أن هذا التقليد إنما هو مرتبط بحياة المجتهد فإذا مات فعلى المقلد أن ينتقل لتقليد الأعلم من بين المجتهدين الأحياء. وهذا يعني ارتباط المقلد بقضاياه المعاشة والمعاصرة ويجعل نظرته على الدوام نحو اليوم والغد. فتقليد الميت يعني التحجر على خط ثابت ويورث الانغلاق والتعصب وهو ما نراه واقعا عند

١٥٢
الطرف السني الذي لا زال يعيش على استفتاء أهل القبور ومن أهم نتائج فتح باب الاجتهاد عند الشيعة المرونة في مواجهة الواقع والارتباط به فلم أجد عند الشيعة تلك القضايا الهامشية والسطحية التي ينشغل بها الواقع السني مثل قضية اللحية والجلباب وغطاء الوجه بالنسبة للمرأة وتحريم الفن والثقافة وتجنب السياسة ومحاربة المسيحيين وغير ذلك من القضايا التي يعود سببها إلى الانعزال عن الواقع والكفر به..

المؤسسة الدينية وما يميز المؤسسة الدينية عند الشيعة هو استقلالها عن الحكام وبعدها عن سيطرتهم مما أكسبها مواقف سياسية شجاعة أسهمت في إحداث تغييرات فعالة في مجتمعاتها..

وهذه الاستقلالية إنما يعود سببها إلى ارتباط المؤسسة الدينية بالشارع والجماهير التي تدين لها بالطاعة والولاء وتسلمها أموالها وتذعن لأحكامها..

أن رجال الدين عند الشيعة إنما يتقاضون أجورهم من الجماهير لا من الدولة.

فمن ثم فإن المؤسسة الدينية إنما تعتمد على الجماهير وتعبر عنهم ولا تخشى الحاكم لكونه لا سلطان له عليها..

وعلى وجه المثال لا يمكن أن تجد مجتهدا يجلس في بيته أو مكتبه تعلوه صورة حاكم من الحكام فإن هذا الأمر لا يفعله حتى طالب من طلاب العلم الشيعة..

ومن الأمور التي تعكس ارتباط المؤسسة الدينية بالشارع عند الشيعة ثورة التبغ حين أصدر أحد المراجع فتوى بتحريم التبغ بهدف ضرب الشركات الأجنبية فانصاعت الجماهير لهذا الحكم وضربت المصالح الأجنبية بهذه الفتوى البسيطة (٨)..

هناك ثورة الدستور التي قادها عدد كبير من الفقهاء عام ١٩٠٦ م والتي انتهت بصدور دستور في إيران تقيد بالشريعة الإسلامية ومنح الفقهاء سلطة مراقبة القوانين (٩)..

وما نجاح الثورة الإسلامية في إيران إلا بهذه الخاصية. ولو لم يكن هناك

١٥٣
ارتباط بين الجماهير والفقهاء ما نجحت الثورة التي كانوا يقودونها ويحركونها بأنفسهم..

وهذا الارتباط الروحي بين الجماهير والمراجع إنما يعود سببه إلى قضية الإمامة.

فالجماهير الشيعية تعتبر المرجع نائب الإمام الغائب الواجب الطاعة فمن ثم فإن طاعته واجبة..

وحال المؤسسة الدينية عند السنة على العكس من ذلك. فهي مؤسسة مرتبطة بالحكام وواقعة في دائرة نفوذهم ويتقاضى منهم الفقهاء أجورهم. فمن ثم فإن ولاءهم يتجه على الدوام نحو الحاكم وليس نحو الجماهير. وفتاواهم إنما تصدر لحساب الحاكم لا لحساب الجماهير.. وهذا ما دفع بالجماعات الإسلامية وتيارات الحركة الإسلامية المختلفة إلى نبذ المؤسسة الدينية باعتبارها مؤسسة حكومية في خدمة الحاكم لا في خدمة الإسلام..

من هنا فأن المؤسسة الدينية السنية تعيش مأزقا خطيرا يهدد وجودها ومستقبلها فهي قد فقدت ثقة الجماهير المسلمة والتيارات الإسلامية بها من جهة. ومن جهة أخرى فقدت القدرة على المبادرة وهي أسيرة الحكم وأسيرة فقه الماضي..

(١) - أنظر كتابنا العقل المسلم بين أغلال السلف وأوهام الخلف.

(٢) - أنظر لنا شهداء الرأي في التاريخ الإسلامي.

(٣) - صدرت في الفترة الأخيرة كتب تلخص كتاب الكافي وهو كتاب الحديث الأول عند الشيعة مستبعدة منه الأحاديث الضعيفة والموضوعة. كما صدر كتاب يلخص من لا يحضره الفقيه وهو كتاب الحديث الثاني. ولفقهاء الشيعة الكثير من الكتب والبحوث حول هذا الأمر.

(٤) - روى البخاري في باب حكم المرتد والمرتدة: أتي علي بزنادقة فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تعذبوا بعذاب الله.

ولقتلتهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من بدل دينه فاقتلوه.. ورواه أحمد في مسنده (ج ١ / ٢١٧). ومن الواضح أن هذه الرواية تضرب عليا بابن عباس. وتشكك في فقه علي وعلمه. فهل يعقل أن يجهل علي حكما صريحا بالنهي وارد عن الرسول؟ وهل ابن عباس أفقه من علي؟.

١٥٤
كتاب الخدعة للكاتب صالح الورداني (ص ١٥٥ - ص ١٨٠)
١٥٥

إشكاليتان في الطرح الشيعي

العصمة والغيبة
١٥٦
١٥٧
عندما بدأت رحلة البحث في دائرة الشيعة اصطدمت بمسألتين حار عقلي فيهما لفترة طويلة من الزمن..

المسألة الأولى هي العصمة..

والثانية هي الغيبة..

لقد وجدت في الطرح الشيعي الكثير من الإجابات على إشكاليات كثيرة كانت تشغل ذهني إلا هاتين الإشكاليتين لم أجد فيما وقع في يدي من الكتب والمراجع ما بريح عقلي ويبدد شكي ويطمئن قلبي حولها..

وكانت حملات العداء والطعن والتشويه الموجهة إلى الشيعة من قبل التيارات الإسلامية تعتمد على هاتين المسألتين. كما كان المثقفون من العلمانيين واليساريين وغيرهما يعتبرون هاتين المسألتين بمثابة نقطة ضعف في الفكر الشيعي..

وقد كنت أواجه بأسئلة كثيرة حول تلكم المسألتين مما دفعني إلى ضرورة البحث والتأمل من أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة حولهما..

وطوال فترة البحث والتأمل كانت تواجهني استنتاجات وخواطر تقرب بي من دائرة الحسم إلا أنه سرعان ما تظهر أفكار أخرى تبددها.

مكمن الإشكالية

ولقد اكتشفت من خلال رحلة البحث والتأمل أن نظرتي لهاتين المسألتين كانت

١٥٨
قاصرة ومن زاوية معزولة. إذ كنت أنظر من دائرة نتناولهما كمسألتين مستقلتين معزولتين عن أطروحة آل البيت. وقد تساويت في هذه النظرة مع الآخرين من التيارات المناوئة التي تستفزها المسألتين وتريد أن تبحثهما مجردتين عن أطروحة وخط آل البيت. إن قضيتي العصمة والغيبة ترتبطان ارتباطا وثيقا بقضية الإمامة التي تعد الأصل الذي نبعت منه هاتان المسألتان. وبدون استيعاب قضية الإمامة لن يتحقق استيعابهما..

الإمامة هي الأصل والعصمة والغيبة فرعان من فروعها..

وفهم الإمامة يقود إلى فهم العصمة والغيبة..

والجهل بالإمامة سوف يقود إلى رفضهما..

من هنا عدت من جديد إلى بحث قضية الإمامة والتعمق فيها وبرزت أمامي نتيجة هامة وهي أن اعتبار الإمامة أصل من أصول الدين له ما يبرره شرعا وعقلا. وأنها المرتكز الأساسي الذي يرتكز عليه الإسلام وبدونها تضيع معالمه وتذهب هويته ويسهل تشويهه وتحريف نصوصه..

ولن يتم فهم قضية الإمامة إلا باعتبارها أصلا من أصول الدين. فإن النظر لها كقضية هامشية سوف لا ينبني عليه شئ وهو ما عليه القوم وما يتبنونه تجاه هذه القضية وهذا يقودنا إلى إلقاء الضوء على نظرة فقهاء القوم لهذه القضية..

يقول الشهرستاني: ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة (١)..

ومثل هذا التصريح من الشهرستاني إنما يؤكد خطورة قضية الإمامة وعظيم مكانتها وينفي محاولة تهميشها وتفريغها من مضمونها الحقيقي. إلا أن القوم خلطوا ما بين الإمامة والخلافة واعتبروا الإمامة مفهوما ينحصر في الحكم وهو ما قصده الشهرستاني..

ومن هنا فالإمامة عند القوم لا تخرج عن كونها منصبا اجتماعيا يهدف إلى تسييس الأمة ولا يشترط في صاحبها سوى القرشية والكفاءة. أما مسألة العدالة فهي ليست شرطا وعلى هذا الأساس يمكن أن يحكم الفاسق المسلمين وتجب طاعته

١٥٩
وإن ظلم وجلد الظهور واستولى على الأموال ولا يجوز الخروج عليه وترك طاعته (٢)..

هذه هي صورة الإمام عند القوم. وهي على ما تبدو صورة سيئة لا توقر هذا المنصب بل تضعه في دائرة الشك..

وإذا كانت الأمة سوف تعتمد على أئمة هذه شاكلتهم..

وإذا كان الإسلام سوف يكون رهينة هؤلاء الأئمة..

فإن هذا يعني ضياع الأمة وضياع الإسلام..

وهو ما حدث من بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مرورا بالخلفاء والأمويين والعباسيين وغيرهم من حكام المسلمين الذين اعتبروا في عرف القوم أئمة بشر بهم الرسول وأوجب على الأمة طاعتهم. وكانت النتيجة أن غاب الإسلام الرباني وحل محله إسلام آخر في واقع المسلمين. إن قضية الإمامة عند القوم قد أخضعت للسياسة وتم تأويل النصوص الواردة فيها بما يخدم الحكام ويضفي المشروعية عليهم..

يروي مسلم أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن هذا الأمر لا ينقي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة وفي رواية أخرى: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة (٣)..

وفقهاء القوم يتخبطون في تعيين الأئمة الاثني عشر الذين قصدهم الرسول بالحديث إلا أنهم استقروا في النهاية على تعيينهم كما يلي:

الأول أبو بكر والثاني عمر والثالث عثمان. والرابع علي والخامس معاوية.

والسادس يزيد ولده. ثم عبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز (٤)..

وحصر الأئمة الاثني عشر في حدود بني أمية إنما هو تفسير تفوح منه رائحة السياسة ووضع يزيد بن معاوية من بين هؤلاء الأئمة الذين بشر بهم الرسول وهو على ما هو عليه من الفساد والزندقة بشهادة القوم يعني أن قضية الإمامة قضية منهارة وخاوية في فقه القوم وما لها هوية ولا أساس..

١٦٠