×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخدعة / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

ومثل هذا الأمر إنما يؤكد أن السياسة لعبت لعبتها في إطروحة القوم مما يدفع إلى الشك فيها ويفرض التساؤلات التالية:

لماذا لم يشترط القوم في الإمام العدالة..

ولماذا يرهنون الإسلام بأمثال هؤلاء الحكام؟..

ولماذا يربطون بين الخلافة والإمامة؟..

إن استقراء أحداث التاريخ يكشف لنا أن مواقف وممارسات الحكام الذين اعتبرهم فقهاء القوم أئمة المسلمين هي من السوء والانحطاط ما يؤدي إلى القناعة بأن الأئمة الذين بشر بهم الرسول وقصدهم بأحاديثه إنما هم فئة أخرى غير هؤلاء الحكام. وأن محاولة ربط هذه الروايات بالحكام وربط الخلافة بالإمامة والتغاضي عن شرط العدالة في الحاكم إنما كان الهدف منه إفساح الطريق لهؤلاء الحكام ليحلوا محل الأئمة الشرعيين..

ولو اشترط القوم العدالة وطبقوها تطبيقا صحيحا ما كان هناك من يستحق أن يحكم المسلمين من هؤلاء الحكام الذين جعلوهم أئمة. فجميع هؤلاء سيرتهم تنبئ بالفسق والظلم واغتصاب الحقوق وإراقة دماء المسلمين وتجاوز حدود الإسلام مما يخرجهم من دائرة العدالة..

وبالطبع أمثال هؤلاء لن تكون لديهم غيرة على الإسلام وإنما غيرتهم على دنياهم وعروشهم وهم قد تركوا الإسلام للفقهاء يعبثون به ولا يطلبونه إلا حين الشعور بالخطر..

وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بعده أنبياء وهو خاتم الرسل فهذا يعني أن الحاجة ماسة من بعده لمن يقوم بأمر الإسلام والحفاظ عليه والتحدث بلسانه..

وليس من المعقول أن يكون الحكام هم حفظة هذا الدين من بعده وإنما لا بد وأن تكون هناك فئة منتقاة وقدوة حسنة تقوم بهذا الدور ولا يختلف عليها الناس..

وهنا يبرز الوجه الحقيقي للإمامة. أنها استمرار لدور الرسول. وما دامت استمرارا لدور الرسول فهذا يحتم أن يكون الإمام صاحب مؤهلات خاصة ومحل

١٦١
حب وولاء وتعظيم المسلمين حتى ينقادوا له ويتلقوا منه الإسلام في ثقة وقبول..

لذا فإنني عندما اطلعت على طرح آل البيت وقارنت بين فكرة الإمامة عند القوم وبين فكرتها عند آل البيت تبين لي أن إمامة آل البيت هي الإمامة الشرعية التي عمل فقهاء القوم على التمويه عليها وتضليل المسلمين عنها. وأن أئمة آل البيت هم الذين قصدهم الرسول بحديثه السابق ذكره (٥)..

وأن هؤلاء الأئمة يملكون من الخصائص والصفات ما يؤهلهم للقيام بهذا الدور. وأنه بمقارنة بسيطة بينهم وبين حكام زمانهم نرى كفتهم ترجح بلا منازع..

وليس من الممكن أن ترجح كفة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان على الإمام علي وليس من الممكن أن يتساوى معاوية مع الإمام علي أو الإمام الحسن وليس من الممكن أن يتساوى يزيد بن معاوية مع الإمام الحسين ولا علي بن الحسين مع هشام بن عبد الملك..

ولا محمد الباقر..

ولا جعفر الصادق مع المنصور..

ولا موسى الكاظم مع هارون الرشيد..

ولا علي الرضا مع المأمون..

ولا محمد الجواد مع المعتصم..

ولا علي الهادي مع المعتز..

ولا الحسن العسكري مع المعتمد..

إننا لن نعرف قدر هؤلاء الأئمة ومكانتهم ووزنهم إلا بمعرفة الطرف الآخر وهم الحكام الذين حلوا محلهم..

عندما نعرف فسق هؤلاء نعرف تقوى وورع أئمة آل البيت..

وعندما نعرف حب هؤلاء للدنيا وتعلقهم بها نعرف مدى حب الأئمة للآخرة وتعلقهم بها..

١٦٢
عندما نعرف مدى انحراف هؤلاء عن الإسلام نعرف مدى تمسك الأئمة بالإسلام..

عندما نعرف صورة الإسلام التي يرفعها الحكام نعرف صورة الإسلام التي يرفعها الأئمة..

عندما نرى الحكام والفقهاء في وئام وسلام ونرى أئمة آل البيت في ضيق وبطش وإرهاب نعرف مدى الفرق بين الإسلام الذي يرفعه الحكام والإسلام الذي يرفعه أئمة آل البيت..

وأئمة هذا حالهم ويعيشون هذه المواجهة. ويلاقون مثل هذه الفتن لا بد وأن تكون فيهم صفة خاصة تحول بينهم وبين الاستسلام للمغريات والانحراف بالإسلام وفق هوى الحكام..

وهنا تبرز مسألة العصمة فهي مسألة ترتبط بعظيم الدور الذي سوف يلعبه الإمام في واقع الأمة من بعد الرسول..

مسألة العصمة.

إن النظرة السطحية لقضية الإمامة والتي ورثناها من فقهاء القوم تحول دون فهم مسألة العصمة. وإن التحرر من هذه النظرة سوف يؤدي إلى تقبل فكرتها.

فطالما لما ظل المسلم يعتقد أن الحكام هم الأئمة وأنه لا بأس بفسقهم وفجورهم وأن الرسول قد بشر بهم على هذا الحال فكيف له أن يتصور قضية العصمة؟..

وإذا كان الطرح المقصود بالإمامة مغيبا ولا يفقه المسلم عنه شيئا وليس أمامه سوى هذا النموذج الذي وضعه الفقهاء فكيف له أن يستوعب هذه المسألة؟..

فقه مسألة العصمة كان يسبقه فقه أطروحة القوم في الإمامة ثم فقه قضية الإمامة عند آل البيت وهو ما غاب عني في بداية بحثي حول هذه المسألة..

هذا النموذج السئ من الأئمة المطروح في كتب القوم يفرض الشك ويحتم وجود نموذج آخر. فليس من المعقول أن يرتهن مستقبل الإسلام بهذا النموذج الفاسد، والفقهاء عندما ربطوا قضية الإمامة بالحكام إنما وضعوا الأمة بين خيارين:

١٦٣
الأول: أن تتلقى الأمة دينها من الحكام..

والثاني: أن تتلقى دينها منهم..

وقد اختارت الأمة الخيار الثاني وإن كانت الحقيقة أنها ألزمت بالخيار الأول لكون الفقهاء قد جعلوا الدين في خدمة الحكام..

وكلا الطرفين: الحكام والفقهاء عجزا عن سد الفراغ الذي حدث بغياب الإمام الشرعي أو النموذج الحقيقي للإمامة..

ويتطلب فهم العصمة أيضا فقه دور الإمام الشرعي: هل هو الحكم والرياسة. أم التعبير عن الإسلام والتحدث باسمه. أم كلاهما معا؟..

لو كان هناك امتداد للرسالات الإلهية بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان من الممكن أن نتبنى الإجابة الأولى وهي أن دور الإمام هو حكم الأمة ورياستها. إلا أنه بما أن الرسول هو خاتم الرسل فلا بد أن يكون منصب الإمام له اعتبارات ودور آخر وهو سد الفراغ الذي حدث بغياب الرسول والحيلولة دون ارتداد الناس عن الإسلام..

إن الإمام هو النموذج النبوي الذي تستظل به الأمة من بعد الرسول. وما دام هو نموذجا نبويا فلا بد أن يكون فيه من خصال النبوة وخصائصها. أما إذا اعتبرنا الإمامة فكرة عائمة تنطبق على أي شخص كما يقول فقهاء القوم فإن هذا يعني الاستهانة بها وبدورها. وإذا كانت الإمامة تنطبق على الفاسق فإنها بهذا تكون قد أفرغت من دورها. إذ ما هو الدور الذي سوف يلعبه في واقع الأمة إمام فاسق؟.

فقهاء القوم بالإضافة إلى عزلهم آل البيت عن الإمامة وتنصيب الحكام أئمة مكانهم عزلوا الإمامة عن الإسلام أيضا. فأصبح الحكم في أيدي الساسة والدين في أيديهم وبالتالي شتت الإسلام بين هواهم وهوى الحكام والضحية هم المسلمون..

وما دام قد تبين أن دور الإمام هو حفظ الدين والتعبير عنه في الأساس من أجل إقامة الحجة على الناس بعد الرسول فهذا يتطلب توافر صفة العصمة في الإمام.

١٦٤
فلو تساوى مع بقية القوم لأمكن انحرافه عن الخط النبوي وبالتالي تفسد مهمته..

لو تساوى مع القوم لما كان هناك ما يميزه عن الآخرين وبالتالي يفقد خاصية القدوة. لو تساوى مع القوم لما كان الرسول هو خاتم الرسل. إذ أوجب الأمر وجود رسل آخرين بهم خصائص ومميزات ويتحلون بالعصمة حتى تقنع بهم الناس وتتلقى منهم.

إن أمة العرب كبقية الأمم لا بد وأن ينطبق عليها حال الأمم السابقة من الردة والانحراف بعد الرسل. ولما كان الله سبحانه يرسل في الأمم السابقة من يمنع هذه الردة ويحول دون هذا الانحراف. فلا بد أن يكون في أمة محمد بعد الرسول من يقوم بهذا الدور..

وهذه هي مهمة الإمام. وهذا هو دوره..

وما أن تبينت لي هذه الحقيقة حتى تضاءلت أمامي مسألة العصمة وانتقلت بالتالي من دائرة الاستبعاد والشك إلى دائرة القبول واليقين..

لقد اكتشفت أن العصمة كامنة في داخل كل فرد. فكل فرد منا معصوم. غير أن درجة العصمة تتفاوت من فرد لفرد على قدر ما يتحلى به من إيمان وتقوى وخلق..

فهذا الذي يتجه نحو المسجد ليؤدي الصلاة مارا بدور اللهو دون أن يدخلها ماضيا في طريقه نحو المسجد هو معصوم. ودرجة عصمته حالت بينه وبين دخول دور اللهو ودفعت به لدخول المسجد..

وهذا الذي يقف صامدا أمام المغريات فلا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر هو معصوم وهذه المرأة العفيفة التي أحصنت فرجها وصمدت أمام الفتن هي معصومة..

ومثل هذه النماذج كثير نراها ونعايشها دون أن ندرك أن مثل هذه المواقف إنما هي صورة من صور العصمة الحية المترجمة واقعيا أمام أعيننا..

ومن الممكن لأي فرد أن يرفع من درجة عصمته وذلك بزيادة قدر الالتزام

١٦٥
بتعاليم وأحكام الدين. فإذا أكثر من الصلوات وذكر الله فقد زاد من نسبة الوقف المستهلك في الخير والعمل الصالح وقلل من نسبة الوقت المستهلك في الشر والعمل الفاسد..

وإذا كان الفرد قد عصم يده من السرقة وكانت خطاه في سبيل الله ولسانه رطب بذكره فهو على درجة كبيرة من العصمة..

والأب إذا أحسن تأديب ولده فقد عصمه من الانحراف. وبقدر جرعة التربية والأدب التي يتلقاها الولد من والده بقدر عصمته..

فالأب المعصوم يعصم أبناءه..

والأب الفاسد يفسد أبناءه..

فإذا كان هذا هو حال الأفراد فكيف حال الأئمة؟..

لا شك أن درجة عصمة الإمام هي أعلى بكثير من درجة عصمة الأفراد العاديين وذلك لعدة اعتبارات هي: أن الإمام اختبار إلهي فالله اختار الرسول والرسول اختار الإمام..

- أن الإمام تربى في بيت النبوة..

- أن الإمام على درجة عالية من التقوى والعلم.

الغيبة

وحال مسألة الغيبة هو حال مسألة العصمة. لا يمكن فهمها بمعزل عن قضية الإمامة فالغيبة ترتبط بالإمام الثاني عشر المهدي المنتظر. والإيمان بالأئمة الإحدى عشر يفرض الإيمان به لكونه ابن الحادي عشر. فمن ثم فإن الذي يريد دراسة هذه المسألة بمعزل عن الإمامة لن يصل فيها لشئ وسوف يتهجنها عقله..

والدخول في حوار حول هذه المسألة مع من لا يعرف شيئا عن لإمامة أو هو منكر لها. هو الجهل بعينه والمرء الذي لا يأتي بشئ..

إن فهم الإمامة مقدمة أساسية لفهم العصمة والعصمة مقدمة لفهم الغيبة.

فهناك رابطة قوية بين المسألتين. فإن حاجة الإمام المهدي للعصمة حال ظهوره

١٦٦
هي أكبر بكثير من حاجة الأئمة الذين سبقوه وذلك يعود سببه إلى حجم المغريات والفتن التي سوف يلاقيها في عصره والتي تتضاءل أمامها الفتن والمغريات التي تعرض لها سابقوه. كما أن الدور الذي سوف يلعبه المهدي في واقع المسلمين هو دور عالمي شامل سوف ينتج عن القيام به مواجهة شاملة مع العالم بأكمله.

فمهمته مهمة دولية وليست إقليمية كحال من سبقوه..

ووجود هذا الإمام من خارج دائرة العصر إنما هو أمر له دلالة كبيرة وهامة ترتبط بطبيعة مهمته وعظيم دوره. فكونه من خارج العصر يمنحه قدرة على المواجهة والتحدي والثبات لا تتوفر في أهل العصر. فهو قادم من عالم آخر لا وجود فيه للمقاييس المادية وإنما مقاييسه إيمانية بحتة..

وهو خال من شوائب العصر ومتعلقاته ومؤثراته وهذا من شأنه أن يحول بينه وبين التأثر به والميل غليه..

ولو تصورنا أن الإمام المهدي يعيش بيننا ويعرفه الناس كما كانوا يعرفون الأئمة من قبله لكان أمر ظهوره معروف للجميع خاصة القوى المعادية المرتبطة به وبالتالي انتفى عنصر المفاجأة واندفعت هذه القوى لتسعى وراءه من أجل القضاء عليه.

وهذا يحول بينه وبين الإعداد والبناء للقضاء عليها..

لقد مهد الأئمة الإحدى عشر للمهدي وهذا التمهيد هو الرصيد المتبقي في واقع الأمة والمتمثل في منهج آل البيت. فمن ثم فإن غيبة الإمام المهدي لا تعني غيبة خط آل البيت فهو باق يهيئ الأمة لاستقباله والسير من وراءه..

أن الغيبة هي مدد معنوي للمؤمنين الملتزمين بخط آل البيت على مر الزمان.

ولو كان المهدي قد ظهر ومات كمن سبقوه لتوقف هذا المدد ولفقدت الأجيال اللاحقة تلك الدفعات الإيمانية التي تتولد من حالة الانتظار ليوم الخلاص من الظلم والفساد على يد الإمام المنتظر..

لو لم تكن هناك غيبة ولا انتظار لكان حال المؤمنين أشبه بالقطيع السائب الذي لا أمل له في تغيير أو إصلاح أو رقي. وهو ما يعيشه الطرف الآخر الذي فقد قيمة الانتظار وسقط ضحية الولاءات المتعددة للحكام تارة وللفقهاء تارة وللجماعات تارة أخرى إن اليأس من إمكانية التغيير والمواجهة مع القوى الطاغوتية المستكبرة في

١٦٧
الأرض وحالة الاحباط الدائمة التي تعيشها التيارات الإسلامية وفقدان الثقة في حكام المسلمين الذين هم في الحقيقة امتداد لهذه القوى. كل ذلك يدفعنا للإيمان بأن التغيير والمواجهة التي سوف تقضي على هذه القوى لن تتحق إلا بقيادة ربانية من خارج دائرة الزمان..

والأمم على مر التاريخ تحلم بالمنقذ الذي يأخذ بيدها ويخرجها من دائرة الظلم والقهر والاستعباد التي تعيشها إلى دائرة العدل والعزة والحرية. وإذا فقدت الأمة المعاصرة هذا الحلم. فماذا بقي لها؟..

إننا لن ندرك القيمة المعنوية للانتظار إلا بمعرفة حال فاقد هذه القيمة..

لن ندرك أهمية هذه القيمة إلا بمعرفة الخسارة التي تنتج عن إهمالها..

إن حركات التغيير لا يكتب لها النجاح إلا بعناصر معبأة وجاهزة فإذا ظهر المنقذ استعان بهذه العناصر للقيام بدوره وتنفيذ مهمة. أما إذا ظهر المنقذ ووجد الناس نياما فماذا سوف يفعل بهم؟ وكيف يتمكن من القيام بدوره؟..

وهذا هو الفرق بين الذين ينتظرون الإمام. وبين الذين لا ينتظرونه.

الذين ينتظرونه معبؤون جاهزون..

والذين لا ينتظرونه نيام مخدرون..

الذين ينتظرونه يتصدون للواقع الفاسد ويحاولون إصلاحه..

والذين لا ينتظرونه يعيشون خانعين مستسلمين..

وعلى أساس الموقف الأول قامت الثورة الإسلامية في إيران ونجحت..

وعلى أساس الموقف الثاني قويت شوكة الباطل وقتلت روح التغيير..

وما كان حكام الأمس واليوم ليبقوا جاثمين على صدور المسلمين لو كانت فكرة الانتظار حية نابضة في قلوب المسلمين..

ما كان لهؤلاء الحكام أن يبقوا لو لم يقم فقهاء القوم بتطبيق النصوص الواردة بخصوص الجماعة والأئمة على هؤلاء الحكام (٦)..

إن الإيمان بدور آل البيت ورسالتهم سوف يؤدي إلى الإيمان بمسألة الغيبة.

١٦٨
فإن المكانة الخاصة التي وضعهم فيها الشرع تفرض لهم استثناءات خاصة بهم.

فهم نموذج خاص وليس غريبا أن يدخر آخرهم لمهمة لا تقل شأنا عن مهمة الرسل..

وفيما يتعلق بقضية طول العمر فقد كانت من المشكلات التي أرقتني ولم أستطع حلها إلا عن طريق التأمل في آيات القرآن فقد وجدت في نصوص القرآن الكثير من الشواهد التي ذكرت طوال العمر..

هناك شاهد من قصة نوح (ع) الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما (٧)..

وهناك شاهد من قصة صاحب القرية الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه (٨)..

وهناك شاهد من قصة يأجوج ومأجوج الذين يعيشون في غيبة منذ أن بني عليهم السد (٩)..

وهناك شاهد من قصة أهل الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة عام ثم بعثوا من جديد (١٠)..

وهناك قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) (١١)..

وقد يقال أن طول عمر نوح ليس موضع استدلال لكونه رسولا والمهدي ليس رسولا. فلا يجوز قياس حال المهدي على حال نوح..

ومثل هذا التساؤل إنما هو ناتج من عدم معرفة دور آل البيت ومكانتهم وأنه من الممكن أن تجري على أحدهم سنة الأولين. إلا أن ما يجب أن نعرفه هنا هو أننا لا نقارن بين مكانة نوح ومكانة المهدي وإنما نستدل بالنص على إمكانية حدوث طول العمر وأنه أمر ليس بمستهجن. ثم إن الدور الذي سوف يلعبه المهدي في آخر الزمان هو أضخم من دور نوح وأكثر أهمية..

وقد يكون هناك تشابه بين دور نوح ودور المهدي وظروف دعوه كل منها.

فدعوة نوح كانت في بداية عهد البشر ودعوة المهدي سوف تكون في نهاية عهد البشر وكلاهما عاش قرونا..

وإن المتأمل في قصة صاحب القرية سوف يخرج بنتيجة وهي أن القصة لا

١٦٩
ترمي إلا لمدلول واحد وهو الإعجاز الإلهي في محيط الموت والبعث. فصاحب القرية تعجب من حال قرية خاوية على عروشها واستبعد أن يحييها الله من جديد فأماته الله مائة عام ليبين له أن الموت والإحياء شئ يسير عليه. وما يتأكد لنا هنا هو أن صاحب القرية هو المستفيد الأول والأخير من تلك الحادثة التي ليس لها من أبعاد اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية على مجتمعه. فقط أبعادها تنحصر في الجانب المعنوي العقائدي. ولأجل أن يثبت الله - سبحانه - قدرته فعل ما فعل بصاحب القرية. فإذا كان الله قد أمات رجلا مائة عام ثم بعثه دون أن يكون هناك هدف من بعثه سوى إثبات القدرة الإلهية. أليس من الأولى أن يطيل في عمر إمام يتوقف على دوره ومهمته مستقبل الإسلام والبشرية؟..

وإذا كان الله قد أبقى يأجوج ومأجوج على قيد الحياة طيلة هذه القرون من أجل أن يخرجوا عند قيام الساعة ليفسدوا في الأرض. أليس من الأولى أن يبقي على المهدي قرونا طويلة من أجل أن يصلح في الأرض؟..

وإذا كان الله قد أمات أهل الكهف ثلاثمائة عام ثم بعثهم ولم يكن هناك هدف من وراء ذلك سوى الإعجاز الإلهي فهؤلاء الفتية لم ينتج عن معجزتهم شئ للدعوة. لا هم أدخلوا مجتمعهم الأول في دين الله. ولا هم أنجزوا شيئا في المجتمع الذي بعثوا فيه فقد كان مجتمعا مؤمنا..

أليس من الأولى أن تتحقق المعجزة الإلهية مع المهدي الذي يعلن دين الله في الأرض؟..

وإذا كان الله قد أطال في عمر إبليس وهو رمز الشر - حتى قيام الساعة.. أليس من الأولى أن يطيل في عمر المهدي - رمز الخير - حتى قيام الساعة؟..

وقوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) إنما له دلالة مستقبلية هامة. فهذا الحدث وهو ظهور الدين الحق - الإسلام - على الأديان كلها لم يحدث في أي فترة من فترات التاريخ الإسلامي لا في زمن الرسول ولا في أي زمن من بعده وهذا الأمر إن دل على شئ فإنما يدل على أن هناك قوة مدعومة من قبل الله سبحانه - سوف تظهر لتحقق ظهور الإسلام على أديان الأرض - أي نهاية جميع الأديان عدا الإسلام. وليس هناك من مرشح

١٧٠
لهذا الدور سوى المهدي..

أليست هذه الغاية السامية الرفيعة تبرر طول عمره؟ وعلى الرغم من هذه الاستنتاجات كان يطرأ على ذهني هذا السؤال: ما هو المبرر في أن يبقي الله المهدي حيا طيلة هذه القرون وهو قادر أن يبعث رجلا من أهل العصر ليقوم بمهمته ودوره ويعينه على إظهار دينه؟ أليس ذلك من الأولى؟..

إلا أن النظرة التأملية في واقع القوم ماضيا وحاضرا كانت تعطيني من الإشارات ما يكفي لرفض هذا السؤال من الأصل لا مجرد الإجابة عليه. فالقوم يعتنقون هذا التصور وهو أن المهدي سوف يكون من أهل العصر الذي سوف يظهر فيه أي أنه لم يولد بعد. ورغم ذلك لا توجد آثار أو انعكاسات لهذا التصور في واقعهم ومعنى ذلك أن الحكمة من وراء ظهوره منعدمة. فالقوم نيام وكأنهم لا يعلمون شيئا عن المهدي وكأنه لن يظهر. حتى أن بعضهم شكك في ظهوره وأنكر الروايات الواردة بشأنه. فقوم ينتظرون المهدي لا بد أن يستعدوا له وأن يبشروا بقدومه وأن يعلنوا الولاء له. إلا أن واقعهم يشهد بضد ذلك فهم نيام كما ذكرنا وبالإضافة إلى هذا يدعمون الحكام أعداء المهدي ويوالونهم وهم بهذا يسهمون في عرقلة مسيرته وضربها وقوم هذا حالهم في الماضي والحاضر لا يصح أن يخرج المهدي من بينهم إذ ليس في واقعهم ما يبرر إفراز مثل شخصية المهدي. وإذا ظهرت فسوف تحوم حولها الشكوك. ولعل هذا هو سر ظهور الكثير من الشخصيات التي تدعي أنها المهدي من بينهم والتي سرعان ما يكتشف كذبها. فلا هؤلاء هم قوم المهدي. ولا هذا هو واقع نشأته وظهوره؟..

وما دام المهدي لن يكون من هؤلاء..

وما دام هو سوف يقوم بهذا الدور الهام والمصيري المشابه لدور الرسول..

فلا بد أن يكون من فئة خاصة ومنتقاة..

ولا بد أن يكون من خارج دائرة العصر لأن الفئة الخاصة المنتقاة - آل البيت - كان هو آخر سلالتها فأبقاه الله حيا إلى زمان ظهوره من باب الإعجاز ومن باب الفتنة أيضا..

١٧١

(١) - أنظر الملل والنحل (ج ١).

(٢) - راجع الروايات الواردة بحق الحكام في فصل الشك.

(٣) - مسلم (ج ٦) كتاب الإجارة. باب الناس تبع لقريش.

(٤) - شرح العقيدة الطحاوية ط القاهرة.

(٥) - آل البيت كما ورد في الروايات هم علي وفاطمة والحسن والحسين ثم التسعة من سلالة الحسين تتمة الاثني عشر.

(٦) - من هذه النصوص: من فارق الجماعة قيد شبر فمات. مات ميتة جاهلية. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وربط الرسول بين الإمام والجاهلية كطرفي نقيض. فمن تبع الإمام يكون في دائرة الإسلام ومن لم يتبعه يكون في دائرة الجاهلية إنما يشير إلى أن الإمام هو الفيصل بين الإسلام والجاهلية وهو ما يؤكد أن هذه الروايات ليس المقصود بها الحكام كما يدعي القوم. فالحكام هم رأس الجاهلية وإنما المقصود بها هو الإمام الشرعي المعصوم من الأئمة الاثني عشر.

(٧) - سورة العنكبوت (آية ١٤).

(٨) - سورة البقرة (آية ٢٥٩).

(٩) - سورة الكهف (آية ٩٤ - ٩٨).

(١٠) - سورة الكهف (آية ٢٤).

(١١) - أنظر سورة التوبة والفتح والصف.

١٧٢
١٧٣

بعد التشيع

١٧٤
١٧٥
بدأت رحلتي مع الشيعة في مصر بمنتصف الثمانينات بعد خروجي من المعتقل. وكان الجو وقتها مشحونا بالعداء ضد الشيعة وإيران. فقد كانت الحرب على أشدها بين العراق وإيران وكانت مصر قد ألقت بثقلها من خلف العراق وأطلقت أجهزة إعلامها على إيران وأعطت الضوء الأخضر لصحافتها لتقول في الشيعة وإيران ما تشاء. ثم برز الدور الوهابي والعراقي على الساحة المصرية ذلك الدور الذي سخرت له الصحف ودور النشر والرموز الإسلامية والتيارات الإسلامية وحتى المنابر والأقلام اليسارية والعلمانية كل ذلك من أجل تشويه الشيعة وإيران والإمام الخميني على وجه الخصوص (١)..

كانت العيون مفتوحة علينا من كل جانب وفي كل مكان..

عيون الحكومة ورجال الأمن..

وعيون الصحافة والإعلام..

وعيون بعض الدول وبالخصوص العراق..

وعيون أمريكا وإسرائيل..

كل هؤلاء كانوا يتربصون بالشيعة في مصر. وقد انتهى هذا التربص إلى توجيه عدة ضربات متتالية لهذا التيار الناشئ من أجل إجهاضه والقضاء عليه (٢)..

ولقد استمرت حملة العداء ضد الشيعة وإيران طوال سنوات الحرب. حتى إذا

١٧٦
ما توقفت هذه الحرب توقفت معها هذه الحملة وكأنها كانت موقوتة بها. ومنذ ذلك الحين بدأت الضغوط الأمنية على الشيعة المصريين في التلاشي..

الشخصية المصرية

كان من الضروري وأنا أتحدث عن مرحلة ما بعد التشيع أن ألقي الضوء على الشخصية المصرية وتركيبتها لأن هذه الشخصية قد ألقت بظلالها على التشيع حتى يمكن القول أن هناك تشيعا مصريا له معالمه الخاصة والمرتبطة بالمجتمع المصري..

لقد عانيت من الشخصية المصرية على مستوى التشيع كما عانيت منها على مستوى التسنن فهذه الشخصية لم يغيرها التشيع كما لم يغيرها التسنن..

إن الشخصية المصرية إنما تتلقى العقائد الوافدة عليها لتصيغها على مزاجها ووفق تركيبتها لا أن تصيغ مزاجها ومقوماتها وفق هذه العقائد. وهذا بالطبع سوف يؤدي إلى صياغة النموذج الإسلامي وفق اعتبارات مصرية بحتة..

من هنا فمعلم اللين نراه منعكسا بوضوح على النموذج الإسلامي المصري سواء الذي تعرضه الحكومة أو الذي تعرضه التيارات الإسلامية. وإن كان قد طرأ على الواقع المصري الطرح الوهابي شديد التطرف واستطاع أن يتغلغل وسط التيارات الإسلامية إلا أن هذه التيارات قد تناولته تناولا آخر يتلاءم مع الشخصية المصرية. ولم تشذ عن هذه القاعدة سوى جماعات صغيرة تبنت الصدام مع الواقع معتمدة على هذا الطرح لكن هذه الجماعات قصيرة النفس إذ أن الواقع لا يمنحها الفرصة لتستمر في تبني هذا النهج الشاذ عن الطبيعة المصرية..

ومن معالم الشخصية المصرية السلفية أي الميل إلى الماضي وقد انعكس هذا المعلم بوضوح على الإسلام المصري حيث نرى نموذج التدين والالتزام يقوم على أساس تقمص شخصيات السلف والعيش بروحهم. ولكما كان الرمز الإسلامي أكثر التزاما بشخصية السلف كلما كان أكثر تأثيرا في المصريين. ولعل معلم الميل للماضي هذا ينبع من بغض الحاضر ومحاولة التهرب منه وربما هذا يفسر سر انتشار المخدرات بين صفوف العوام فهذه المخدرات من العوامل المساعدة على نسيان الواقع. ومع أن الخمر أقل تكلفة وأرخص سعرا من المخدرات إلا أنها أقل انتشارا بين العامة والسبب في ذلك يعود إلى التدين. فالمصريون لا يرون تناقضا

١٧٧
بين المخدرات والدين بينما يرون هذا التناقض بوضوح بينه وبين الخمر..

ومن معالم الشخصية المصرية: الانعزالية فالشعب المصري شعب انطوائي لا يحبذ الحركة والمغامرة بل يفضل البقاء في مكانه وإن كان هذا المكان لا يلائمه من حيث الرزق أو من حيث الراحة على التحرك بحثا عن مكان جديد صلاحيته بالنسبة له مسألة ظنية. وقد انعكس هذا المعلم على طموحات المصريين فجمدها أو قضى عليها. ويبدو هذا المعلم بوضوح في مسألة السفر لأجل العمل خارج مصر وليس هناك من غرض آخر يدفع بالمصري ليسافر خارج موطنه سوى غرض الرزق فإننا نجد المصري لا يسافر إلا بعقد عمل يضمن له وظيفة هناك خارج مصر فهو لا يفكر مطلقا في المغامرة بالخروج دون عقد عمل أو الذهاب إلى بلد غير مشهود له برخاء العيش ويضمن له رزقه كبلاد أفريقيا مثلا. والمصري يبقى خارج مصر في وظيفته التي جاء من أجلها لا يفكر في تغيير نمطية سعيه كأن يفتح مشروعا تجاريا أو يبحث له عن دور اقتصادي أكبر أو يسعى للاستيطان في موطنه الجديد. كل هذا لا يفكر فيه ولا يشغله. بل ما يشغله هو موطنه الأصلي وكيف يعود إليه حاملا المال الوفير ليبني بيتا في قريته أو يشتري شقة في مدينة ثم يعود إلى عمله الذي كان عليه إن كان موظفا أو مدرسا أو عاملا..

ومن أخطر معالم الشخصية المصرية التسيب. فثوابت هذه الشخصية مهزوزة تتقلب وفق المتغيرات والرياح الغالبة على الواقع. فشخصية الشعب المصري في العهد الملكي غير شخصيته في العهد الناصري غير شخصيته في عهد السادات غير شخصيته في العهد الحالي. إن الشعب المصري إنما هو شعب سريع الفساد وسريع الصلاح في آن واحد. فهو شعب يسهل إفساده ويسهل إصلاحه أيضا.

ومن الممكن لحكومته أن تحوله إلى أفسد شعوب الأرض في فترة وجيزة. ومن الممكن أن تجعله أصلح شعوب الأرض في نفس الفترة أيضا..

ومن معالم الشخصية المصرية الاتكالية فطوال تاريخه يتكل على نهر النيل ويقبع إلى جواره فإذا أصابه القحط حلت المجاعة وضاعت البلاد وإن زاد ووفرت مياهه عم الرخاء والشبع. وكما اتكل المصريون على نهر النيل اتكلوا أيضا على حكوماتهم واعتقدوا أن بيدها كل شئ فمن ثم أسلموا لها أنفسهم في طواعية وانتظروا الخلاص على يديها. ولعل هذا يفسر سر تعلق المصريين بالعمل عند

١٧٨
الحكومة فهو مقدم عندهم على أي عمل آخر وإن كان أفضل وذلك لكون الحكومة مضمونة في نظرهم ورزقها ثابت أما الرزق من الأبواب الأخر فغير مضمون..

وتشكل عقيدة الرزق عند المصريين حجر الأساس في نظرتهم العامة للحياة.

فكل شئ في نظرهم يخضع لهذه العقيدة حتى الدين. وكل شئ يتناقض مع الرزق مرفوض ومنبوذ. فإذا اختل رزق المصري حطم كل شئ. وفي سبيله يمكن أن يفعل أي شئ..

ومثل هذا الإعتقاد قضى على روح المغامرة في نفوس المصريين فالمغامرة من الممكن أن تتسبب في ضياع الرزق. من هنا فهم يرفضون فكرة الصدام مع الحكم من هذا المنطلق. والمعروف تاريخيا أن معظم قيادات مصر إن لم نقل جميعها هي قيادات وافدة عليها من الخارج والغريب أنها تتفاعل مع هذه القيادات ويتعايش معها المصريون وكأن حكم بلادهم أمر لا يعنيهم فما يعنيهم فقط هو الرزق وما دام هو في متسع فليست هناك مشاكل والسادات حين قرر الاعتراف بإسرائيل ربط خطوته هذه بقضية الرزق وأعلن أمام الشعب أن الصلح مع إسرائيل سوف يحقق الرخاء للبلاد وكان هذا هو الدافع الكبير الذي دفع بالمصريين إلى التحالف معه في هذا الموقف ومباركته..

وما يبرر مثل هذه العقيدة - عقيدة الرزق واللامبالاة بالحاكم - هو أن الشعب المصري خليط من أجناس مختلفة ليس لها جذور ضاربة في مصر. فمن ثم فإن عمق الولاء والانتماء لدى المصريين يعد ضعيفا إذا ما تم قياسهم بشعوب أخرى..

والتدين المصري عموما تدين قشري أجوف ومن هنا فإن من السهل التغرير بالمصريين برفع أي شعار إسلامي سواء كان ذلك من قبل الدولة أو كان من قبل التيارات الإسلامية..

وقد أسهمت حالة التدين الأجوف هذه في نمو ظاهرة الاتجار بالدين وشيوعها في المجتمع المصري. ومن خلالها تفرخت شركات توظيف الأموال التي تسترت بالإسلام وشركات السياحة التي تتاجر بفريضة الحج والعمرة..

وحتى الأحزاب السياسية لجأت إلى رفع الشعار الإسلامي من أجل استقطاب

١٧٩
الإسلاميين. وأصبحت تتاجر بفريضة الحج عن طريق بيع التأشيرات التي تحصل عليها من السعودية لأداء فريضة الحج إلى شركات السياحة التي تقوم بدورها ببيعها للجمهور بأثمان باهظة تحت ما يسمى بالحج السياحي (٣)..

ولقد انعكست كل هذه المعالم على حالة التدين عند المصريين لتحوله إلى تدين مزاجي متقلب وفق الظروف والمتغيرات وأحيانا وفق سياسة الدولة..

وعلى الرغم مما يشاع عن مصر أنها أكثر شعوب العالم الإسلامي تدينا فإننا لا نجد على ساحة الواقع ما يؤكد هذا الادعاء. فنسبة ضئيلة فقط هي التي تمارس الصلاة اليومية بينما الغالبية العظمى منهم تداوم على صلاة الجمعة فقط. وجميعهم يحلم بأداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن تحقق هذا الحلم لديهم لا يغير من سلوكياتهم شيئا. فالمعوج يظل معوجا. وتارك الصلاة يظل تاركها..

ويتكل المصريون على فريضة الحج وفريضة الصوم التي لا يتخلف عنها أحد اتكالا وذلك لاعتقادهم أن الحج والصوم يجب ما قبله من الآثام والموبقات فمن ثم هم يعتبرون صوم رمضان فرصة للتطهير من أوزار العام الماضي فيقبلون على الصلاة فيه ويكثرون من تلاوة القرآن ثم إذا انتهى الشهر عادوا إلى ما كانوا عليه. ويعتقد الحاج أيضا أنه بحجه قد غسل نفسه وطهرها وعاد كيوم ولدته أمه..

وحتى حب آل البيت الكامن في نفوس المصريين كان بتأثير الحكومات وهو وليد العهد الفاطمي على وجه الخصوص. وهو حب سطحي لا ينم عن ولاء حقيقي لآل البيت. ومثل هذا الحب هو الذي أدى لانتشار الطرق الصوفية بكثرة بين صفوف المصريين لتصبح التيار الإسلامي الرئيسي في مصر (٤)..

وعلى مستوى التشيع فإن المصريين حملوا رواسبهم معهم وألقوا بها عليه بل حاولوا أن يصبغوه بصبغتهم. فهم يمارسون التشيع بأسلوب العصر الأموي من المبالغة في التقية إلى الحد الذي يتنافى مع الواقع. وهم قد تأثروا تأثيرا بالغا بالثورة الإسلامية في إيران ليس بسبب أنهم يؤمنون بنهج التغيير الثوري ولكن لأنهم يحلمون بتحقيق مثل هذه الثورة في واقعهم. وحتى هذا الحلم حاسبتهم عليه الدولة (٥)..

١٨٠