×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

للناس كيف يدخلون إلى الخلاء ثم يتنظفون ويتطهرون ويغفل ويترك بيان من يتولى رئاسة الدولة بعد النبي، وكيفية تنصيبه، وكيفية انتقال الرئاسة؟

فكل القواعد التي عالجت ظاهرة السلطة في الإسلام والتي نقدمها للعالم على أساس أنها النظام السياسي الإسلامي وضعت بعد وفاة النبي الكريم، وهي قواعد التاريخ السياسي الإسلامي، وشتان ما بين التاريخ وما بين النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده، ولكن ضغط التكرار والتقليد هونا علينا أن نضحي بدين الله لنصحح تاريخ البشر!!

المقولة الثانية: وهي مقولة تعاكس المقولة الأولى تماما، وترى بأن الله ورسوله لم يتركا الأمر سدى، إنما بينا للمسلمين الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب للقيادة والمرجعية من بعد النبي، وفي كل زمان حتى قيام الساعة، ومن المحال عقلا وشرعا أن يكل الله القيادة والمرجعية إلى أهواء الناس، ومن المحال أن تخلو المنظومة الحقوقية الإلهية من القواعد التي ترتب كيفية تنصيب المرجعية والقيادة، وكيفية انتقالهما بيسر وسهولة، وتلك أمور لم يغفل عنها الشارع الوضعي على قصوره.

وقد نادى بهذه المقولة الثانية أئمة أهل البيت الكرام خاصة، وبنو هاشم عامة، ومن شايعهم من العرب والعجم.

٤ - المقولتان تحت أشعة البحث العلمي

فإذا قال المسلمون: أن الله ورسوله لم يعينا المرجعية والقيادة السياسية من بعد النبي، ولم يحددا من الذي سيقوم بوظائف النبي من بعده، ولا حددا من يبين للناس أحكام المنظومة الإلهية، ولا من يبقي الأمة داخل إطار الشرعية والمشروعية، ولا بينا من هو ولي الأمة بعد النبي، ولا من هو ركن مجدها القائم مقامه، ولا من هو ثقلها، ولا من هو مثلها الأعلى الحي المتحرك بعد النبي، ولا من الذي سيقود معركة تحرير البشرية وإنقاذها... إلخ.

فإذا قال المسلمون ذلك، فإن قولهم هذا يناقض قاعدة كمال

٢١
الدين وتمام النعمة الإلهية، لأن هذه الأمور من صلب الدين، ومن صميم النعمة الإلهية ومن المحال عقلا أن تغفلها المنظومة الحقوقية الإلهية التي بينت كل شئ على الإطلاق!! أرجوكم كيف يكون الذهاب إلى الخلاء شيئا فتبينه المنظومة الإلهية للناس ولا تكون المرجعية والقيادة السياسية شيئا؟!! ما لكم كيف تحكمون؟ بل وأين تفرون؟

فإنكم لو أصررتم على ذلك لوجدتم أن هذا الإصرار يتعارض مع العقل والمنطق، وأساسيات الحياة، فضلا عن تناقضه الصارخ مع المنظومة الحقوقية، ومجافاته التامة لقواعدها.

٥ - الرجوع عن مقولة التخلية

بعد أن استتب الأمر للصديق (رضي الله عنه) بجهد خارق بذله بالتعاون مع الفاروق (رضي الله عنه)، وبعد أن دنت منية الصديق اكتشفوا أن ترك أمة محمد بلا مرجعية وبلا قيادة سياسية أمر غير عملي، ويؤدي للفتنة والخلاف، ومن هنا تداعوا لتجنب ذلك فعهد الصديق الفاروق، وتعالت نداءات التأييد لفكرة العهد، ونبذ التخلية والترك.

ومن هذه النداءات:

١ - نداء السيدة عائشة أم المؤمنين:

قالت لعبد الله بن عمر بن الخطاب يا بني: أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة.

فأتى عبد الله، فأعلمه وهو يقاسي سكرات الموت، فقال: ومن تأمرني أن أستخلف. راجع الإمامة والسياسة الطبعة الأخيرة ١٩٦٩ م صفحة ١٢٣.

فقد أدركت أم المؤمنين وهي امرأة أن عدم الاستخلاف، وترك الأمة بدون راع يجعل المسلمين هملا، ويؤدي بهم إلى الفتنة، فهل يعقل أن تدرك هذه الأمور امرأة، وتغيب على الشارع الحكيم؟!!!

لست أدري كيف تحكمون؟!!!

٢٢

٢ - نداء عبد الله بن عمر بن الخطاب:

دخل عبد الله بن عمر بن الخطاب على أبيه عمر وهو يجود بنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته، وقلت له:

تركت أمانتك ضائعة، فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد، فاستخلف عليهم.

راجع مروج الذهب مجلد ٢ صفحة ٢٤٩ للمسعودي - دار الكتب العلمية بيروت، وراجع حلية الأولياء مجلد ١ صفحة ٤٤ برواية مشابهة.

فهل يعقل أن عبد الله بن عمر يدرك مخاطر هذا الأمر، ولا يدركه الشارع الحكيم؟!!

لست أدري ثانية كيف تحكمون؟!! أن لكم لما تخيرون؟!!!

٣ - نداء معاوية بن أبي سفيان:

فمعاوية هو صاحب عام الجماعة، وهو الذي هندس اصطلاح التسنن (أهل السنة) وهو الذي اخترع نظرية عدالة كل الصحابة بثوبها الفضفاض. راجع الباب الأول من كتابنا: نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام.

فقوله لا بد أن يكون حجة على أولئك الذين قدموا التاريخ على الشرع، وفصلوا الشرع على وقائع التاريخ، فما وافق التاريخ فهو شرع، وما خالفه فليس من الشرع.

قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة لابنه يزيد، فاجتمع مع عدة من الصحابة، إلى أن أرسل إلى ابن عمر فأتاه وخلا به، فكلمه بكلام وقال: لأكره أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها. راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري صفحة ١٦٨ مجلد ١ طبعة مصر.

٤ - من أقوال أئمة أهل البيت الكرام:

قال الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة (... لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا وإما خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته). راجع نهج البلاغة قصار الكلمات وصفحة ١٥١ من معالم الحكومة الإسلامية للعلامة جعفر السبحاني.

٢٣
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما إذا زاد الناس شيئا ردهم، وإذا أنقصوا شيئا أتمه لهم).

٦ - ما هي الغاية من تأييد نظرية التخلية والترك

غاية أولئك الذين يقولون بأن النبي قد ترك هذه الأمة هملا لا راعي لها بعده، ولا مرجعية ترجع إليها، وبمعنى أن الدين قد أغفل هذه الناحية، غايتهم واضحة ومحددة وهي: إضفاء طابع الشرعية على ما جرى في التاريخ السياسي الإسلامي بعد وفاة الرسول، وحتى سقوط آخر الخلفاء العثمانيين، فإذا سلموا بوجود النص فيثور السؤال:

لماذا تجاهله الذين قادوا التاريخ السياسي؟ فإذا تجاهلوه حقيقة فهم الذين يتحملون مسؤولية دمار الأمة، وفرقتها بنسب مختلفة، وهذا أمر غير معقول ولا يصدقه العقل، فهل يعقل أن شخصا رأى الحبيب محمدا وآمن به، أن يخطأ مع سبق الإصرار؟ هذا أمر لا يصدق!

وأحرى بهم أن يؤولوا الدين تأويلا يضفي الصحة والشرعية على أعمال الذين قادوا التاريخ السياسي، بمعنى أنهم يضحون بالدين وكماله لينقذوا الرجال، لأنهم عرفوا الحق بالرجال، مع أن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

٧ - قادة التاريخ السياسي الإسلامي حكم ترضونه

الصديق على فراش الموت عهد بالخلافة لعمر، راجع تاريخ الطبري مجلد ٢ صفحة ٤٢٩، وسيرة عمر لابن الجوزي صفحة ٢٧، وتاريخ ابن خلدون مجلد ٢ صفحة ٥٨، وكتابنا النظام السياسي صفحة ٢٨، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة، والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة ٢٨٧ وما فوق، والإمامة والسياسة صفحة ٥، وكان معروفا للخاصة والعامة أن الصديق سيعهد بالأمر من بعده للفاروق، لأن الفاروق موضع ثقة الصديق والفاروق هو الذي دعم خلافة الصديق، وهذا معنى قول الإمام علي (عليه السلام) لعمر: إحلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا.

٢٤
راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري مجلد ١ صفحة ٥ - ١١

والخلاصة أن الصديق لم يترك أمة محمد هملا، إنما استخلف عليها عمر.

وعمر على فراش الموت وقد افتقد أبا عبيدة، وافتقد سالم، وافتقد معاذ بن جبل، وحتى لا يدع أمة محمد هملا وبغير راع، استخلف عليهم عمليا عثمان بن عفان، وعثمان (رضي الله عنه) هذا موضع ثقة الصديق بدليل أنه عندما كتب العهد لعمر قال له الصديق:

لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها. راجع صفحة ٤٣٨ مجلد ٢ من تاريخ الطبري، وصفحة ٣٧ من سيرة عمر لابن الجوزي، وصفحة ٨٥ مجلد ٢ من تاريخ ابن خلدون، وصفحة ١٤٧ من كتابنا النظام السياسي في الإسلام، وباب القيادة السياسية من كتاب المرجعية السياسية في الإسلام.

وكان موضع ثقة الفاروق أيضا، فكان الناس إذا أرادوا أن يسألوا عمر بشئ رموه بعثمان، وكان عثمان يدعى في إمارة عمر بالرديف، والرديف بلسان العرب الرجل الذي يأتي بعد الرجل، والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد زعيمهم. راجع نظام الحكم للقاسمي صفحة ٤١٩ كما نقلها عن الطبري من ابتداء معركة القادسية.

والخلاصة أن الفاروق لم يترك أمة محمد هملا وبغير راع من بعده.

فتلك أمور معروفة، فالثلاثة الذين حضروا اجتماع السقيفة قد خرجوا من السقيفة معا مثلما دخلوها معا، وترتبت حقيقة أن أبا بكر هو الخليفة الأول، وأن عمر هو الخليفة الثاني، وأن أبا عبيدة هو الخليفة الثالث، وبموت أبي عبيدة وقع اختيار الخليفتين على عثمان، ومن يدقق بالشروط التي وضعها عمر لأصحاب الشورى - الخمسة لأن طلحة كان غائبا - يكتشف أن عثمان بن عفان قد عهد إليه عمر بالنص، أو إن شئت فقل: سماه خليفة بالنص، راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة ١٤٨ وصفحة ٣٢٨

وبعد أن تولى الأمويون رئاسة الدولة لم يتركوا الأمة هملا وبغير راع، بل أصبح العهد هو الطريقة المتبعة على الأغلب في تولية الخليفة، وهكذا الحال في عهد العباسيين،

٢٥
والعثمانيين، فإما يعهد الخليفة إلى ولده أو لأحد أفراد الأسرة الغالبة المالكة. راجع نظام الحكم للقاسمي صفحة ٢٤٥ وما فوق.

ولم يصدف أن ترك أي خليفة على الإطلاق أمة محمد بغير راع، وقد جرت العادة في ما بعد أن يعين رئيس الدولة الحالي الخليفة من بعده، وقد صور هذا الأمر كأنه حق شرعي فقال ابن خلدون (إن الإمام ينظر للناس في حال حياته، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته، ويقيم لهم من يتولى أمرهم. راجع مقدمة ابن خلدون صفحة ١٧٧

والسند الشرعي لهذا كله، لا يكمن في وجود نص في الشريعة، سواء القرآن أو السنة، فقد خلت الشريعة - برأيهم - تماما من أي نص في هذه الناحية.

والشئ الوحيد الذي جعل هذا التصرف شرعيا هو عهد أبي بكر لعمر، وعهد عمر لعثمان أو للستة.

* *
٢٦
٢٧

الفصل الثالث
الأساس الثاني: المنظومة الحقوقية الإلهية

١ - ماهية المنظومة الحقوقية الإلهية

ما جاء في القرآن الكريم، وما قاله النبي وما فعله وما أقره، حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقين لا مجال للشك فيه، وقد قدما تصورا يقينيا شاملا وكاملا وقائما على الجزم واليقين، وهذا التصور يغطي بالكامل ساحة الأهداف والوسائل وكافة نواحي الحياة، وهذا التصور هو بمثابة مخططات عامة وتفصيلية ودقيقة لواقع ما هو كائن على الإطلاق، ومستقبل كل كائن على الإطلاق في دائرة الواقع والممكن، وما ينبغي أن يكون عليه هذا الكائن في دائرة المنى الذي سيتحول إلى واقع، بحيث يقودك هذا التصور اليقيني وتلك المخططات درجة درجة وخطوة خطوة حتى تصل بك إلى الغاية المبرمجة شرعيا من أقصر الطرق، وبأقل التكاليف، وفي كل أمر من الأمور.

عندئذ تكون المنظومة هي نبع الشرعية والمشروعية، وهي القائدة والموجهة.

إنها بنية حقوقية قائمة على الجزم واليقين، بعكس البنى الوضعية القائمة أصلا على الفرض والتخمين.

٢٨

٢ - ركيزتا المنظومة الحقوقية الإلهية

تقوم المنظومة الحقوقية الإلهية على ركيزتين، وتتكون من شقين:

١ - كتاب الله المنزل.

٢ - نبي الله المرسل بذاته وقوله وفعله وتقريره، ولا يمكن الفصل بين هذين الركنين، لأن الصلة بينهما عضوية لا تقبل الانفصام.

٣ - القرآن الكريم

اقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل القرآن مفرقا على عبده، وعلى مكث وفترات زمنية غطت عهد النبوة كاملا، ومن المتفق عليه أن مدة إقامة النبي بالمدينة المنورة كانت عشر سنين، أما مدة إقامته بمكة المكرمة بعد البعثة ففيه ثلاثة أقوال، فقد قيل عشر سنين وقيل ١٣ سنة، وقيل ١٥ سنة، مما يعني أن مدة تنزيل القرآن استمرت ٢٠ سنة، أو ٢٣ سنة، أو ٢٥ سنة.

قال تعالى (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) سورة الإسراء آية ١٠٦ حيث كانت آيات القرآن الكريم تنزل حسب الحاجة، خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر، وأقل وصح نزول (غير أولي الضرر) وحدها وهي بعض آية، راجع أضواء على السنة المحمدية للسيد محمود أبو ريه صفحة ٢٤٦ - ٢٤٧ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

ومع كل كوكبة تتنزل من القرآن الكريم توجيهات إلهية لتضع كل آية بسورة محددة، وفي مكان محدد من هذه السورة، كما سنبين في ما بعد.

لكن كيف جمع القرآن الكريم بصورته الموجودة بين أيدينا؟

لقد انقسم المسلمون إلى فريقين تماما كما انقسموا في المرجعية والقيادة السياسية، وسنبين الخطوط العريضة لهاتين النظريتين، ثم نزنهما بميزان الشرع الحكيم، وبميزان العقل الراجح الذي جعله الله حجة باطنة على خلقه، وهاتان النظريتان هما:

١ - نظرية السلطة أو أهل السنة بوصفهم شيعة السلطة طوال التاريخ.

٢ - نظرية المعارضة أو أهل الشيعة الذين كانوا شيعة لأهل بيت النبوة طوال التاريخ.

٢٩

٤ - ترك جديد وتخلية جديدة

لم يكتف أهل السنة بالقول بأن الرسول الأعظم خلى على الناس أمرهم وتركهم دون قيادة سياسية ومرجعية دينية، بل تجاوزوا ذلك فقالوا إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القرآن في صدور الرجال دون جمع، وبما أن القرآن الكريم هو قانون الدولة الإسلامية النافذ الذي لا غنى عنه، ومن غير الجائز أن يترك في صدور الرجال بدون جمع لأنه قد يضيع، لهذا كله شمر الصديق، والفاروق، وذو النورين عن سواعدهم، وقاموا بهذا العمل الجليل، واقتسموا هذا الشرف العظيم بينهم، ولولا خطواتهم المباركة لضاع القرآن، ولما وصلنا، ولفقد قانون الدولة كما فقد رئيسها.

وقد نقل المتقي الهندي في كنزه عن ابن حبان في صحيحه، وعن الدارقطني في سننه، وعن أحمد في مسنده، وعن البخاري ومسلم في صحيحيهما، وعن الترمذي في سننه... أن عمر راجع زيد بن ثابت ليجمع القرآن، وأن أبا بكر راجعه أيضا، فقال زيد لكل منهما كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ فأجابه كل منهما بالقول (والله إنه خير) ولم يزل كل واحد منهما يراجع زيدا حتى شرح الله صدر زيد لما شرح له صدر أبي بكر وعمر، وعندئذ بدأ بتتبع القرآن يجمعه من الرقاع، واللخاف، والأكتاف، وصدور الرجال، حتى وجد آخر سورة براءة مع خزيمة، ولم يجدها مع أحد من المسلمين غيره، وكانت الصحف التي جمع فيها زيد القرآن عند أبي بكر طيلة حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر طيلة حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.

راجع كنز العمال - طبعة مؤسسة الرسالة مجلد ٢ صفحة ٥٧١ - ٥٧٢ الحديث رقم ٤٧٥١

وراجع صحيح بخاري مجلد ٦ صفحة ٤٨ باب جمع القرآن.

ولما تولى عثمان أرسل إليها لتدفعه - القرآن المجموع - فأبت حتى عاهدها عثمان ليردنه إليها، فبعثت حفصة بصحائف القرآن، فنسخها عثمان هذه المصاحف ثم ردها، فلم تزل عندها حتى

٣٠
توفيت، ولما رجعوا من دفنها أرسل مروان بن الحكم إلى عبد الله بن عمر ليرسل إليه بصحف القرآن التي كانت بحوزة أخته حفصة بنت عمر، فاستجاب عبد الله بن عمر وأرسل تلك الصحف، عندئذ أمر بها مروان فشققت حتى لا يرتاب الناس في مصحف عثمان. راجع كنز العمال مجلد ٢ صفحة ٥٧٢ - ٥٧٤ الحديث ٤٧٥١، وصحيح بخاري مجلد ٦ صفحة ٤٨ باب جمع القرآن.

وقد ربطنا هذه الرواية بالرواية السابقة لتشكل الروايتان وجهة نظر رسمية متكاملة.

٥ - أبطال جمع القرآن الكريم وفرسانه

لقد تقاسم الخلفاء الثلاثة: الصديق، والفاروق وذو النورين مفخرة وشرف جمع القرآن الكريم، ولولاهم لضاع القرآن، بعد أن تركه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون جمع، بحسب رأي أنصار هذه النظرية.

تعطي الروايات دور الفروسية لمجموعة من الصحابة الكرام، تفضلوا مشكورين ومأجورين بمساعدة الخلفاء الثلاثة على جمع القرآن الكريم، وهم حصرا: زيد بن ثابت الذي تكلف عناء جمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، وكم بحث عن أواخر سورة التوبة فوجدها مع أبي خزيمة الأنصاري، راجع كنز العمال مجلد ٢ صفحة ٥٧٢ - ٥٧٤ الحديث ٤٧٥١، وصحيح بخاري مجلد ٦ صفحة ٤٨ باب جمع القرآن.

وحذيفة بن اليمان الذي أشار على عثمان بأن يدرك الأمة، فنسخ عثمان المصاحف، راجع كنز العمال مجلد ٢ صفحة ٨١ الحديث ٤٧٧٥، ونقله عن البخاري مجلد ٦ صفحة ٢٢٦ باب جمع القرآن، وجامع الأصول مجلد ٢ صفحة ٥٠٢، والترمذي كتاب التفسير رقم ٢١٠٢، وعن ابن حبان.

وسعيد بن العاص فهو أعرب الناس، تعاون مع أكتب الناس زيد بن ثابت ابن الأنباري في المصاحف، الحديث رقم ٤٧٦٧.

ومالك بن أنس قال: كنت فيمن أملي عليهم فربما اختلفوا في الآية الحديث ٤٧٧٦ مجلد ٢ من الكنز نقله الخطيب في المتفق،

٣١
وعن ابن أبي داود والأنباري: وأبي بن كعب كان يملي وزيد بن ثابت يكتب وسعيد بن العاص يعرب. الحديث ٤٧٨٩ مجلد ٢ صفحة ٥٨٧ نقله عن ابن سعد. وأبو هريرة بارك الجمع، وروى لذي النورين حديثا عن رسول الله يبارك طريقة عثمان، فأعجب عثمان بالحديث، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف درهم، وقال له: والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا. الحديث رقم ٤٧٩٦.

ومروان بن الحكم له دور! فقد استحضر الصحف الموجودة عند حفصة بعد موتها، وأمر بحرق هذه الصحف، حتى لا يرتاب الناس في القرآن العثماني الموجود بين أيدي الناس كما أسلفنا.

٦ - وسيلة الأبطال والفرسان لإثبات القرآن

١ - لما كلف زيد بن ثابت بجمع القرآن الكريم قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، واللخاف، والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، ولم أجدها مع غيره. راجع كنز العمال مجلد ٢ صفحة ٥٧١ - ٥٧٢ حديث ٤٧٥١، وقد نقلها عن ابن سعد، وأحمد في مسنده وعن الترمذي في صحيحه، والنسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه وعن البخاري في صحيحه، وعن مسلم في صحيحه.

٢ - خاف الصديق أن يضيع القرآن، فقال للفاروق عمر بن الخطاب، ولزيد بن ثابت: أقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه، مجلد ٢ صفحة ٥٧٢ من الكنز حديث ٤٧٥٤ ونقله عن ابن أبي داود في المصاحف.

وروي مثل هذه الرواية أيضا عن ابن سعد، وعن الحاكم، وهي مثبتة بالحديث رقم ٤٧٥٦

٣ - قام عمر بن الخطاب في الناس خطيبا فقال: من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأتنا به... وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد عليه شاهدان، مجلد ٢ صفحة ٥٧٥ الحديث ٤٧٥٩

٣٢
كتاب الخطط السياسية للأستاذ أحمد حسين يعقوب (ص ٣٣ - ص ٥٨)
٣٣

٨ - علي لا مع الأبطال ولا مع الفرسان ولا مع الشهود

لقد اطلعت على كل الروايات التي يرددها أهل السنة في مجال جمع القرآن الكريم، وعرفنا أبطال هذه المفخرة الجليلة وفرسانها، وعجبت من أنه ليس بين هؤلاء الأبطال والفرسان رجل واحد من آل محمد، ولا حتى علي (عليه السلام) الذي أعلن على رؤوس الأشهاد قائلا (سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار وفي سهل أم جبل) أخرجه بن سعد، راجع تاريخ الخلفاء صفحة ١٨٥. وهو الهادي بنص الشرع، وهو ولي المؤمنين بنص الشرع، وهو الصديق الأكبر بنص الشرع، والفاروق الأعظم بنص الشرع، وهو مولى أبي بكر وعمر ومولى كل مؤمن ومؤمنة بنص الشرع، ومن ليس بمولاه فليس بمؤمن بنص الشرع، وهو باب مدينة العلم والحكمة اللدنية بنص الشرع، ومنزلته من النبي كمنزلة هارون من موسى بنص الشرع وبإقرار معاوية بن أبي سفيان، وهو زوج البتول، ووالد السبطين، وهو فارس الإسلام الأول، حبه إيمان وبغضه نفاق بنص الشرع. راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فقد أقمت الحجة القاطعة. إلخ.

فإن قالوا: نسوا الآل الكرام، فالصلاة على النبي وآله جزء من الصلاة المفروضة على العباد، والآل هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر بالنص الشرعي، فإذا نسوا الآل الكرام فكيف ينسى علي (عليه السلام)؟ وهو عميد أهل البيت وعميد قريش كلها!!!

وإنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل.

وكم من مرة قال الإمام علي (اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم، فقد قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي...) أو كما قال أبو رية في كتابه الرائع أضواء على السنة المحمدية: لك الله يا علي!!

* *
٣٤
٣٥

الفصل الرابع
نقد النظرية الرسمية في جمع القرآن

١ - نقد نظرية عدم جمع القرآن في عهد النبي

أهل البيت الكرام وشيعتهم ينزهون النبي الأعظم عن ترك الأمة دون راع، كما أنهم ينزهونه عن ترك القرآن الكريم دون جمع، وكيف لا يجمعه وهو معجزته، وقانون دولته، والدليل على صحة نبوته، وكيف يصح الركون عقلا لنظرية السلطة وشيعتها في موضوع جمع القرآن؟!!!

في كتاب الفريد البيان في تفسير القرآن وعلى الصفحات من ٢٣٩ - ٢٥٩ عالج الإمام الخوئي موضوع جمع القرآن الكريم، فنقل روايات أهل السنة ووضع تحت تصرف عاشقي الحقيقة النص الحرفي لهذه الروايات، ثم أثبت أنها متناقضة تماما من حيث الوجوه التالية:

متى جمع القرآن؟ ظاهر الرواية الأولى أن الجمع كان في زمن عثمان، وصريح الروايات الأولى والثالثة والرابعة، وظاهر البعض الآخر أنه كان في زمن أبي بكر، وصريح الروايتين السابعة والثانية عشر أنه كان في زمن عمر.

من الذي تصدى لجمع القرآن حسب هذه الروايات؟ تقول الروايات الأولى والثانية والعشرون أن المتصدي زيد بن ثابت، وتقول الرواية الرابعة أنه أبو بكر نفسه، وإنما طلب من زيد أن ينظر، وتقول الرواية الخامسة أن المتصدي هما زيد وعمر.

٣٦
من الذي فوض بجمع القرآن حسب هذه الروايات؟ تفيد الرواية الأولى أن أبا بكر فوض ذلك إلى زيد، وتقول الرواية الخامسة وغيرها أن الكتابة إنما كانت بشهادة شاهدين، حتى أن عمر جاء بآية الرجم فلم تقبل منه.

هل بقي من الآيات ما لم يدون إلى زمن عثمان؟ ظاهر كثير من الروايات بل صريحها أن عثمان لم ينقص مما كان مدونا قبله، وصريح الرواية الرابعة عشر أنه محا مما دون قبله، فأمر المسلمين بمحو ما محاه.

من الذي طلب جمع القرآن؟ تقول الرواية الأولى أن الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن هو عمر، وأن أبا بكر أجابه بعد الامتناع، فأرسل إلى زيد وطلب منه ذلك، فأجابه بعد الامتناع.

وتقول الرواية العاشرة أن زيدا وعمر طلبا ذلك من أبي بكر، فأجابهما بعد مشاورة المسلمين.

من الذي جمع المصحف الإمام وأرسل منه نسخا إلى الأمصار؟ تقول الرواية الثانية إنه كان عثمان، وصريح الرواية الثانية عشرة أنه كان عمر!

متى ألحقت الآيتان بآخر سورة براءة؟ صريح الروايات الأولى والحادي عشر والثانية والعشرين أن إلحاقهما كان في زمن أبي بكر، وصريح الرواية الثامنة وغيرها أنه كان في عهد عمر.

من أتى بهاتين الآيتين؟ صريح الروايتين الأولى، والثانية والعشرين أنه كان أبو خزيمة، وصريح الروايتين الثامنة والحادية عشرة أنه القرطبي.

بما ثبت أنهما من القرآن؟ بشهادة الواحد على ما هو ظاهر الرواية الأولى وصريح الروايتين التاسعة والثانية والعشرين، وبشهادة عثمان معه على ما هو صريح الرواية الثامنة، وبشهادة عمر على ما هو صريح الرواية الحادية عشر.

من عينه عثمان لكتابة القرآن وإملائه؟ صريح الرواية الثانية أن عثمان عين للكتابة زيدا وابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن.

وصريح الرواية الخامسة عشرة أنه عين ثقيفا للكتابة، وهذيلا للإملاء، وصريح الرواية الثامنة عشرة أن

٣٧
الكاتب لم يكن من ثقيف، وأن المملي لم يكن من هذيل، وصريح الرواية التاسعة عشرة أن المملي كان أبي بن كعب، وأن سعيدا كان يعرب ما كتبه زيد، وهذا أيضا صريح الرواية العشرين بزياده عبد الرحمن بن الحرث للإعراب.

تعارض روايات الجمع فيما بينها: أن هذه الروايات معارضة بما دل على أن القرآن كان قد جمع وكتب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روى جماعة منهم ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟

فقال عثمان: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك فرقت بينهما ولم أكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال.

وقد نقل الخوئي هذه الرواية عن منتخب الكنز العمال مجلد ٢ صفحة ٤٨.

وروى الطبراني، وابن عساكر عن الشعبي قال (جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ستة من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد، وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة - منتخب الكنز مجلد ٢ صفحة ٥٢

وروى قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال:

أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد - صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي مجلد ٦ صفحة ٢٠٢

٣٨
وروى مسروق (ذكر عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب - المرجع السابق.

وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إقرأه في شهر - الإتقان، النوع ٢٠ مجلد ١ صفحة ١٢٤.

ويضيف الإمام الخوئي قائلا: ولعل قائلا يقول: أن المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين، ولا يخفى أن هذا القول دعوى لا شاهد عليها، أضف إلى ذلك أنك ستعرف أن حفاظ القرآن الكريم على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من أن تحصى أسماؤهم، فكيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستة؟ وأن المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحصل له اليقين بأن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله، وأن عدد الجامعين له لا يستهان به.

وأما ما روى البخاري بإسناده عن أنس قال: مات النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فمطروح لأنه معارض للروايات المتقدمة، حتى لما رواه البخاري بنفسه، ويضاف إلى ذلك أنه غير قابل للتصديق، وكيف يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، على كثرتهم، وتفرقهم في البلاد، ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة؟ وهذه الدعوى تخرص بغير علم.

وصفوة القول: أنه مع هذه الروايات كيف يمكن أن يصدق أن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بعد خلافته؟ وإذا سلمنا بذلك فلماذا أمر زيدا وعمر بجمعه من اللخاف، والعسب، وصدور الرجال، ولم يأخذه من عبد الله ومعاذ وابن أبي، وقد كانوا عند الجمع أحياء، وقد أمروا بأخذ القرآن منهم ومن سالم؟ نعم إن سالما قد قتل في حرب اليمامة فلم يمكن الأخذ منه، على أن زيدا نفسه كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية، فلا حاجة إلى التفحص والسؤال من غيره، بعد أن كان شابا عاقلا غير متهم، كما يقول أبو بكر.

٣٩
أضف إلى ذلك أن أخبار الثقلين المتضافرة تدلنا على أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما سنشير إليه.

تعارض روايات الجمع مع الكتاب: إن هذه الروايات معارضة بالكتاب، فإن كثيرا من آيات الكتاب الكريمة دالة على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض، وأن السور كانت منتشرة بين الناس، حتى المشركين وأهل الكتاب، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تحدى الكفار والمشركين على الإتيان بمثل القرآن، وبعشر سور من مثله مفتريات، وبسورة من مثله، ومعنى هذا أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم.

وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من الآيات، وفي قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) وفي هذا دلالة صريحة على أنه كان مكتوبا مجموعا لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب، والأكتاف، إلا على نحو المجاز والعناية، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فإن لفظ الكتاب ظاهر في ما كان له وجود واحد جمعي، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءا غير مجتمع، فضلا عما إذا لم يكتب وإنما كان محفوظا في الصدور فقط.

مخالفة أحاديث الجمع مع حكم العقل: إن هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فإن عظمة القرآن في نفسه، واهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صلى الله عليه وآله)، وما يستوجب ذلك من الثواب، كل ذلك ينافي جمع القرآن على النحو المذكور في تلك الروايات، فإن في القرآن جهات عديدة كل واحدة منها تكفي لأن يكون القرآن موضعا لعناية المسلمين وسببا لاشتهاره حتى بين الأطفال والنساء منهم، فضلا عن الرجال، وهذه الجهات هي:

١ - بلاغة القرآن: فقد كانت العرب تهتم بحفظ الكلام البليغ، ولذلك فهم يحفظون أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف بالقرآن الذي تحدى ببلاغته كل بليغ، وأخرس بفصاحته كل خطيب لسن، وقد كانت العرب بأجمعهم متوجهين إليه سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن يحفظه لإيمانه، والكافر يتحفظ به لأنه يتمنى معارضته وإبطال حجته.

٤٠