×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

إن أبسط مخلوق على وجه الأرض سيصل إلى نتيجة أن القرآن إذا لم يجمع فسوف يضيع، فهل يعقل أن الرسول الذي خير فاختار ما عند الله، والذي علم أنه ميت من مرضه، هل يعقل أن لا يصل الرسول لهذه النتيجة فيعرف أن القرآن إن لم يجمع ويكتب فسيضيع؟ وهل يعقل أن الخلفاء أبعد نظرا من الرسول، وأحرص على مستقبل القرآن الكريم من الرسول نفسه!!

ولكن الهوى يعمي ويصم!!! يريدون أن يلصقوا كل فضل بالخلفاء!! ولو على حساب الرسول نفسه، ولو على حساب القرآن نفسه!!

٢٦ - بعد نظر جوهري آخر للخلفاء

أشاع الخلفاء وشيعتهم أن رسول الله قد خلى على الناس من أمرهم ولم يعين راعيا للأمة من بعده!

أم المؤمنين عائشة تسمي عملية التخلية هذه (ترك الأمة هملا ولا راعي لها) راجع الإمامة والسياسة صفحة ٢٣ وانظر إلى قولها لعمر: استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا.

وعبد الله ابن عمر يصف عملية التخلية بأنها تضييع للحقوق، انظر إلى قوله لأبيه وهو يجود بنفسه: لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته وقلت له تركت أمانتك ضائعة، فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد؟! راجع مروج الذهب مجلد ٢ صفحة ٣٤٩ للمسعودي دار الكتب العلمية بيروت، وراجع حلية الأولياء برواية مشابهة مجلد ١ صفحة ٤٤

ولما استخلف معاوية ابنه يزيد قال: كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها؟

٢٧ - هل يعقل أن يصيب ابن عمر ومعاوية وأم المؤمنين، ويخطي رسول الله؟

إذا قلنا إن رسول الله قد ترك أمته ولا راعي لها، فمعنى ذلك أنه تركهم هملا على حد تعبير أم المؤمنين، ومعنى ذلك أنه قد ضيع الأمانة على حد تعبير عبد الله بن عمر، ومعنى ذلك أنه تركهم كالضأن على حد تعبير معاوية؟

٤٢١
فهل يعقل أن هؤلاء الثلاثة أبعد نظرا، وأعلم بعواقب الأمور من رسول الله؟!

٢٨ - لنفترض أن هذه الإشاعة صحيحة وأن رسول الله خلى على الناس أمرهم

المفترض بالخليفة أن يقتدي أثر رسول الله فيخلي على الناس أمرهم كما خلى رسول الله، فإذا كان الرسول قد خلى على الناس أمرهم فلماذا لم يخل الخلفاء على الناس أمرهم ويقتدوا برسول الله؟!

وإذا لم يخل الرسول على الناس أمرهم، فأين هو الولي الذي عينه رسول الله؟

٢٩ - حقيقة الحال

الرسول لم يترك أمته هملا ولا راعي لها، إنما عين وليا لها بأمر ربه، وبما أن الولي من بني هاشم، والنبي من بني هاشم، وبما أنه حسب الاجتهاد لا يجوز أن يجمع الهاشميون النبوة والولاية عدلوا عن الولي الذي عينه الرسول، ونصبوا آخر بدلا منه!

٣٠ - خوفا من الفتنة

وحتى لا تقع الأمة في فتنة، وحتى لا تترك أمة محمد هملا ولا راعي لها، قرر كل خليفة أن يستخلف من بعده، لأن الخليفة ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته وأن يقيم لهم من يتولى أمورهم، على حد تنظير وتعبير ابن خلدون، ولم ينس ابن خلدون أن يقول بأن رسول الله لم يستخلف!

فمعنى ذلك أن الخليفة يتمتع بصلاحيات أكثر من النبي، فالنبي ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن لا ينظر لهم بعد وفاته وأن لا يقيم لهم من يتولى أمورهم! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة، ونقلنا عن ابن خلدون في مقدمته.

٣١ - ولاية العهد أصبحت مشروعة لأنها من سنة الخلفاء

لم يقل أحد من شيعة الدولة أن الرسول قد استخلف أو اتخذ وليا لعهده حتى تصبح ولاية العهد مشروعة أو جائزة، لكنها أصبحت جائزة ومشروعة باجتهادهم

٤٢٢
لأن الخلفاء اتخذوا أولياء لعهودهم، والخلفاء أدرى بمصلحة المسلمين! راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى، والأحكام السلطانية للماوردي صفحة ١ - ١٥، وراجع الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين الجويني صفحة ٤٢٤، وشرح ابن العربي لسنن الترمذي مجلد ١٣ صفحة ٢٢ وجامع الأحكام للقرطبي مجلد ١ صفحة ٢٦٩ - ٢٧٣ من تفسيره لآية (إني جاعل في الأرض خليفة) وكلهم قد أجمعوا على أن مشروعية ولاية العهد جاءت من عهد أبي بكر لعمر، ومن عهد عمر لعثمان عمليا أو للستة نظريا، ولم يقل أحد من شيعة الخلفاء بأن الرسول قد استخلف!

٣٢ - الخلفاء حازوا الفضلين

وهكذا فإن أعظم فضلين في الإسلام حازهما الخلفاء، فرسول الله ترك القرآن دون جمع، فجاء الخلفاء فجمعوا القرآن، وهكذا حازوا هذا الفضل وحدهم، ولولاهم لضاع القرآن! هكذا ذكروا!

ورسول الله ترك أمته دون راع ودون أن يعين ولي عهده، ولأن ولاية العهد ضرورة من ضرورات استقرار النظام السياسي، سن الخلفاء سنة ولاية العهد، وهكذا حازوا الفضل الثاني واستأثروا به وحدهم، وكنتيجة حتمية لولاية العهد استقرت أمور الدولة، لولا سنة ولاية العهد التي سنها الخلفاء لتضاعف عدد القتلى أضعافا كثيرة في سبيل رئاسة الدولة، ولما قر للأمة قرار!

وقد ركزت وسائل الإعلام على هاتين النقطتين، فكل مسلم من شيعة الدولة يؤمن إيمانا مطلقا.

١ - إن الرسول مات ولم يجمع القرآن وتركه في صدور الرجال غير مكتوب، والخلفاء وحدهم هم الذين جمعوه وكتبوه.

٢ - إن الرسول قد ترك أمته ولا راعي لها (خلى على الناس أمرهم) فجاء الخلفاء فسنوا سنة حسنة وهي ولاية العهد.

٤٢٣

٣٣ - وكلما فعله الخلفاء كان لحكمة

فأعظم شئ عند المسلمين بعد القرآن هو سنة الرسول، وقد أحرق الخلفاء ما كان مكتوبا منها كما وثقنا، ومنعوا كتابتها وروايتها مدة ٩٥ سنة، وقال الخلفاء: (حسبنا كتاب الله)، وكتاب الله يكفي! ثم جاءت شيعة الخلفاء فقالوا إن الحكمة اقتضت منع كتابة ورواية أحاديث الرسول حتى لا يختلط القرآن بالحديث أثناء فترة كتابة القرآن وهذه الحكمة منقوضة لأن كلام الله المعجز يختلف عن كلام الرسول، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن فترة كتابة القرآن وتدوينه كانت خلال عهدي أبي بكر وعمر كما وثقنا عند بحث نظرية جمع القرآن، فطالما أن كتابة القرآن قد انتهت في هذين العهدين فلماذا استمر الحظر على كتابة ورواية أحاديث رسول الله مدة ٩٥ سنة؟!!

٣٤ - إذا كان كل شئ فعله الخلفاء له حكمة

فما هي الحكمة من مواجهة الرسول؟

أراد الرسول أن يؤمن أمته ضد الضلالة فقال لمن حوله: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فقال عمر بن الخطاب وحزبه: لا حاجة لنا بالكتاب، (حسبنا كتاب الله)!

وعندما كرر الرسول طلبه قالوا: إن رسول الله قد هجر، (حسبنا كتاب الله)!!

وقد وثقنا ذلك، وتحدينا كل المسلمين أن ينكروا هذه الحادثة أو يعتذروا عنها!

والسؤال الذي يطرح نفسه أنه إذا كان كل شئ فعله الخلفاء قد فعلوه لحكمة، فما هي الحكمة من مواجهة الرسول نفسه؟ وما هي الحكمة من القول بأن رسول الله قد هجر - حاشا له -؟!!

ثم إن الأمة كلها قد أجمعت على صحة حديث الثقلين وأن رسول الله قد قال (تركت فيكم اثنين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)

٤٢٤
لست أدري ما هي الحكمة من إذلال العترة أهل البيت، ومن إقصائهم عن مسرح الحياة السياسية، ومن تقتيلهم وتشريدهم ولعنهم في كل بلدة وعلى كل منبر، ومطاردة كل من يحبهم، ومن الذي طاردهم وأذلهم غير الخلفاء وأهل طاعتهم!

لست أدري ما هي الحكمة من ذلك سوى تصور الخلفاء المتغلبين أن أهل البيت خطر عليهم، إذ من الجائز أن يطلب صاحب الحق حقه من الذين ابتزوه هذا الحق!!

وما هو مبرر الخلفاء المتغلبين لممارسة هذا الأفعال والخروج عن إطار الشرعية سوى ما سموه اجتهادا، والاجتهاد بحقيقته ومعناه هو العمل بالرأي!

٣٥ - هل الشرائع الوضعية أحرى بالاحترام من الشريعة الإلهية

الرسول نفسه ليس بإمكانه الخروج عن إطار الشرعية، فطالما تلى قوله تعالى (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) فالرسول ملتزم بالنص، وملتزم بالشرعية والشرعية غطت كل شئ وبنيت كل شئ تماما، فما من شئ إلا وله حكم.

فما هو مبرر الخلفاء ليتركوا النص ويعملوا بالاجتهاد، أو بتعبير أدق ليتركوا النص الشرعي ويحكموا وفق آرائهم الشخصية؟!

هل يمكن للقاضي الذي يطبق أي شريعة وضعية أن يتجاهل النص وأن يحكم بما يرى؟

إن حكم هذا القاضي باطل من كل الوجوه، وبكل المعايير، فهل الشرائع الوضعية أولى بالاحترام من الشريعة الإلهية!!

لكن يجوز للخليفة المتغلب ما لا يجوز لغيره، فكلما يفعله الخليفة وأهل طاعته حلال، وكل ما ينهى عنه الخليفة وأهل طاعته حرام! فيمكن للخليفة أن يترك النص الشرعي وهو فعل الرسول وقوله وتقريره وأن يعمل برأيه، ثم يجد من يبرر له خروجه على الشرعية وعمله برأيه!

قال القوشجي في صفحة ٤٠٨ من شرح التجريد (ومنها أن الرسول قد سوى

٤٢٥
بالعطاء، وأن عمر قد فضل بالعطاء) إن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه، فإنه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية) تصور أن القوشجي يرى أن مخالفة عمر لرسول الله في هذه الأحكام هي من باب مخالفة مجتهد وهو عمر لمجتهد آخر وهو رسول الله!! راجع معالم المدرستين مجلد ٢ صفحة ٦٨

فماذا بقي من الشريعة برب السماء، إذا كان بإمكان الخليفة أن يترك النص ويعمل برأيه؟

وماذا بقي من فكرة (التميز) التي هي أساس السلطة إذا كان بإمكان الخليفة أن يتجاهل النص الذي وضعه الشرع الحكيم ويعمل برأيه؟

منظومة حقوقية إلهية بموازاة منظومة حقوقية وضعها الخلفاء الله تعالى وضع منظومة حقوقية إلهية، والخلفاء وضعوا مع الأيام منظومة حقوقية وضعية، وسارت المنظومتان بخطين متوازيين متقاربين ولكن لم تلتقيا قط!

الخلفاء لم يعلنوا بالكلام وبالتصريح تمردهم على المنظومة الإلهية، كانوا دائما يؤكدون أنهم مع المنظومة الإلهية، ولكنهم عمليا تجاهلوا المنظومة الإلهية ووضعوا لأنفسهم منظومة من صنع اجتهاداتهم واجتهادات أهل طاعتهم.

٣٦ - طبيعة المنظومة الإلهية

المنظومة الحقوقية الإلهية المتكونة من القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير، منظومة غطت بالكامل ساحة كل شئ، فما من حادثة إلا ولها حكم وتكييف، وما من علاقة إلا ولها تنظيم، وما من مصلحة شرعية إلا ولها طريق موضحة في مطاوي هذه المنظومة، وما من حركة إلا ولها هدف رصدت من أجله، لأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ بالنص القرآني، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين للناس ما نزل إليهم من ربهم بالتصوير الفني البطئ قولا وفعلا وتقريرا، وأعلن الله كمال الدين وتمام النعمة.

٤٢٦

٣٧ - إذا كانت المنظومة الحقوقية الإلهية بهذا الكمال والشمول

فما هي حاجة الخلفاء لوضع منظومة حقوقية من آرائهم؟

مؤهل الخليفة طوال التاريخ، وشهادته العلمية هو أنه الغالب الذي قهر الأمة وعلا فوقها بالقوة، وابتز الحق من أولي الأمر. فإذا انصاع الخليفة الغالب لأحكام المنظومة الإلهية فإن أول عمل يتوجب عليه هو أن يرد الحق الذي ابتزه، وأن يرمي السوط الذي أخضع به الأمة، والغالب لم يقبل بذلك ولن يسمح لأحد أن يجرده من أسباب قوته.

الأمة رعايا وهو حاكمها بالقوة، وهو غير قادر على تطبيق الشرع، لأنه غير معد وغير مؤهل لتطبيقه، فمؤهله وشهادته العلمية هي القوة، والمشاكل تحدث لا بد لها من حكم، والخليفة وأهل طاعته لا يعرفون الحكم، وهم غير راغبين بسؤال أولي الأمر الشرعيين!

عندئذ يضطر الخليفة المتغلب وأهل طاعته أن يعملوا برأيهم، فسموا العمل بالرأي اجتهادا!!

أنا لا أدري ما قيمة الاجتهاد مع وجود النص؟ إن أي منظومة حقوقية وأي مشرع لا يسمح بتجاهل النص والاجتهاد مع وجوده.

إن مثل الخليفة المتغلب كمثل أحد الحضور في قاعة محكمة انقض على القاضي وكتفه وجلس مكانه، وزعم بأنه القاضي، وكان لهذا المتغلب مثله يتقاسمون معه المنافع!!

لقد سخرت الدولة برئاسة الخليفة المتغلب كل مواردها وكل وسائل إعلامها، لإثبات أن العمل برأي الخليفة وأهل طاعته هو اجتهاد، والاجتهاد مشروع عند الله، والرسول نفسه مجتهد، ولا حرج إن خالف المجتهد - الخليفة المتغلب - مجتهدا آخر وهو الرسول!!! راجع شرح التجريد للقوشجي كما وثقنا. وقد قاد الخلفاء التاريخ السياسي الإسلامي على هذا الأساس، وتفيض الإعلام اقتنع الناس واختلط الأمر عليهم!

٤٢٧

٣٨ - أضواء على منظومة الخلفاء الوضعية التي صنعوها من اجتهاداتهم

لا يوجد في النظام السياسي الإسلامي الذي وضعه الخلفاء قاعدة حقوقية واحدة من صنع الله تعالى، وهي بالكامل من صناعة الخلفاء! وإذا وجدت قاعدة حقوقية إلهية في نظام الخلافة فما ذلك إلا للزينة، وآية ذلك أن رئيس الدولة في النظام السياسي الإسلامي الإلهي هو مركز الدائرة، وهو معين ومعد ومؤهل إلهيا ومنصوص عليه، وقد جاء الخليفة المتغلب وجلس بالقوة محل الإمام المعين والمعد والمؤهل إلهيا، ثم جر القواعد الشرعية المتعلقة بمنصب الإمامة، وفصلها على نفسه، وركعها لمصلحتها، وأخرج كل ذلك بقالب جديد من رأيه واجتهاده، ورأي واجتهاد أهل طاعته!

٣٩ - ما هو السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي؟

في الحق والحقيقة إن السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي هو الإجماع!! لكن متى حدث الإجماع!! وهل يجوز العمل بالإجماع مع وجود النص!!

هل الشريعة الإلهية ناقصة وجاء الإجماع ليكملها؟

ثم ما قيمة الإجماع إن قام أمام النص الشرعي؟!

٤٠ - لا بديل عن إعطاء الخليفة صلاحية النبي

أجمع شيعة الخلفاء على أن الرسول ترك أمته ولا راعي لها، بتعبيرهم الملطف:

خلى على الناس أمرهم، فلماذا صارت ولاية العهد جائزة؟

هل لأن الرسول أمر بها؟ الرسول لم يشرعها ولم يأمر بها حسب رأيهم، ولكنها صارت جائزة، لأن الخليفة سنها فأبو بكر عهد لعمر، وعمر عهد للستة!!

فإذا سألتهم هل خول الله أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما صلاحية التشريع وإيجاد مراكز حقوقية جديدة بهذا المستوى من الخطورة؟ ضاقت صدورهم ولعنوك بقلوبهم، ثم قالوا صارت ولاية العهد جائزة بالإجماع!!

لكن من الناحية العملية صار الخليفة مشرعا، ومن مهمة أهل طاعته أن يبرروا

٤٢٨
تشريعات الخليفة! صار الخليفة يتمتع بصلاحيات النبي، والفرق بين الخليفة وبين النبي، أن النبي يتبع ما يوحى إليه من ربه، والخليفة يعمل برأيه، ويتبع ما يوحيه إليه رأيه، أو بتعبير أهل طاعته الملطف: يعمل باجتهاده.

ولا حرج على الخليفة إن خالف النبي وعمل عكس النبي تماما، فالخليفة مجتهد والنبي مجتهد آخر، فالرسول مثلا كان يساوي بالعطاء فجاء الخليفة عمر وفضل بالعطاء، فقد أعطى كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف درهم وفضل عائشة وحفصة فأعطى لكل واحد منهما اثني عشر ألف درهم! وخصص لكل مسلم مبلغا معينا حسب موقعه برأيه، فما هي الحكمة من مخالفة النبي!!!

إن عمل النبي بمثابة نص شرعي، فما هي الفائدة من ترك النص الشرعي والعمل برأي الخليفة!!!

ومع هذا فإن الجموع صفقت للخليفة! ثم اكتشف الخليفة الآثار المدمرة لمخالفة النص الشرعي، وتفاوت المداخيل فقال إنه إن عاش ليأخذن فضل أموال الأغنياء ويردها على الفقراء، فصفقت الجموع للخليفة!!! والله غالب على أمره.

٤١ - وهكذا كون الخلفاء قوانين موازية للقوانين الإلهية

فما من أمر من الأمور له حكم في الشريعة، إلا واجتهد الخلفاء وأهل طاعتهم وأوجدوا له حكما آخر موازيا تماما للحكم الإلهي! فلو جمعت اجتهادات الخلفاء لتكون لديك مجموعة حقوقية متكاملة تقف بخط متواز مع المجموعة الحقوقية الإلهية!

وعليك أن تلحق المجموعة الحقوقية التي صنعها الخلفاء بالمجموعة الحقوقية التي وضعها الله ورسوله! فالدين والشرع هو المجموعتان معا!!

وجاء التاريخ السياسي الإسلامي ونصر المجموعة التي وضعها الخلفاء، وتفنن أهل طاعة الخلفاء باختلاق الأحاديث التي تبرر ما فعله الخلفاء، فلا نجد نصا إلا ونجد نقيضا له، فنص يأمر بعدم إطاعة الظالم، ونص آخر يأمرك بطاعة الظالم حتى لو أخذ مالك وجلد ظهرك! وعليك أن تأخذ المنظومتين الحقوقيتين معا أو تتركهما معا!!

٤٢٩
وركزت دولة التاريخ السياسي إعلامها على وحدة المنظومتين، وسخرت كل موارد الدولة لإقناع العوام بذلك، ومع الأيام صار العالم كالعامة، وصار التاريخ دينا حقيقيا، وتناسى الناس الدين الحقيقي الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق لهم إلا شكله!!

ولله عاقبة الأمور، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

٤٢ - للخليفة قداسة فاقت قداسة النبي!

أشاع إعلام الخلفاء أن الرسول كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها.

راجع صحيح بخاري كتاب الدعوات، وصحيح مسلم كتاب البر، وهم يقولون ذلك عن خير البشر، وعن صاحب الخلق العظيم، ولكن هل يجرؤ أحد أن يقول ذلك عن أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما!

وأشاع إعلام الخلفاء أن النبي قد سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال النبي: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا! راجع صحيح بخاري - باب قول النبي وصلى عليهم، وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى، وراجع صحيح مسلم - كتاب فضائل القرآن!!! من يجرؤ أن يقول ذلك عن أحد الخلفاء!!!

وما حدث في الغرفة المباركة لآية. النبي يريد أن يكتب كتابا والخليفة لا يريد أن يكتب النبي! فقال الخليفة وحزبه: لا حاجة لنا بالكتاب (حسبنا كتاب الله)! ولما أصر النبي، قال الخليفة وحزبه: النبي قد هجر!! ومع هذا لا أحد يلوم الخليفة، وما فعل الخليفة ذلك إلا لحكمة، وانتصر الخليفة وكسروا خاطر النبي الشريف!!

فالخليفة حتى بمواجهته مع النبي بطل ولا يقول إلا الحق!!! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة.

ذلك أثر من آثار انتصار النظام البديل، ولله عاقبة الأمور، إذ قدم المتأخر، وصار المتأخر متقدما!!

* *
٤٣٠
٤٣١

الفصل الثامن
تفكيك النظام الإلهي وتعطيل مسيرته المباركة

١ - ركنا النظام الإلهي

النظام الإلهي يقوم على ركنين هما:

١ - كتاب الله المنزل وهو القرآن الكريم.

٢ - نبي الله المرسل وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

أ - بذاته ب - بقوله ج - بفعله د - بتقريره.

فالنظام الإلهي لا يعمل إلا بالاثنين معا، ولا يعطي أكله إلا بركنيه، ولا يستجيب إلا بوحدة هذين الركنين والثقة المطلقة بهما.

وهذا النظام مفصل ليقود الدين، ويقود الدولة، ليحكم الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، وليكون نظاما للعائلة الإنسانية كلها.

٢ - الإستيلاء على السلطة بالقوة لا يتحقق إلا بتفكيك النظام الإلهي

الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة بعد وفاة الرسول أدركوا استحالة تحقيق هدفهم هذا بدون تفكيك النظام الإلهي خاصة القواعد المتعلقة بظاهرة السلطة.

٣ - الإنفراد بالنبي

هنالك وحدة عضوية بين القرآن المنزل، والنبي المرسل، فالقرآن معجزة النبي، ودليل نبوته، والنبي هو الشاهد الأوحد على أن القرآن من عند الله، وأن مهمته هي

٤٣٢
بيان ما أنزل للناس من ربهم، فمن غير المتصور عقلا هدم هذه الوحدة العضوية بين الاثنين، ولكن لا بديل أمام الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة من هدم هذه الوحدة العضوية تمهيدا لتفكيك النظام الإلهي. فأعلنوا تمسكهم بالقرآن الكريم، وأنه لا خلاف عليه، وقرروا أن يتفردوا بالنبي وحده كخطوة لفك الوحدة العضوية بين القرآن الكريم والنبي العظيم!

٤ - التشكيك بقول النبي

الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة أشاعوا مبكرا وقبل وفاة الرسول بمدة طويلة أن كلام الرسول كله ليس صحيحا لأنه يتكلم بالغضب والرضا، فما قاله الرسول بالرضا فهو حق، وما قاله بالغضب فهو ليس بحق (حاش لك يا رسول الله) ولا أحد يدري غضب الرسول من رضاه سوى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة!

لذلك منعا للالتباس وإشفاقا على المسلمين، نهى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة نهوا عن كتابة أحاديث رسول الله، ولما علم رسول الله بذلك أخبر الذي أطلعه على هذه الإشاعة بأنها غير صحيحة، وأنه لا يخرج من فمه الشريف إلا حق، وأقسم له الرسول على ذلك.

٥ - الدليل على صحة ما ذكرناه

جاء في سنن الدارمي مجلد ١ صحفة ١٢٥ باب من رخص في الكتابة، من المقدمة، وسنن أبي داود مجلد ٢ صفحة ١٢٦ باب كتابة العلم ومسند أحمد مجلد ٢ صفحة ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦ ومستدرك الحاكم مجلد ١ صفحة ١٠٥ - ١٠٦، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر صفحة ٨٥ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟!

٤٣٣
فأمسكت، وذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).

فتأكد من المراجع السابقة واسأل نفسك: من هي قريش التي نهت ابن العاص؟

وما هي مصلحتها بهذا النهي؟ ومتى اجتمعت قريش دفعة واحدة عند ابن العاص؟

عندئذ تدرك أن الذين نهوا هم أنفسهم الذين خططوا لابتزاز الحق من أهله، وللاستيلاء على السلطة بالقوة! وخطتهم لذلك هي التشكيك بأقوال رسول الله حتى لا يحملها الناس محمل الجد!!

ومن الطبيعي أن تنطلق هذه الإشاعات، وأن تجد في صفوف المنافقين آذانا صاغية، والإشاعة تلد إشاعة، والشر يخلق شرا، والإثم يفرخ بغير حساب.

٦ - مواجهة النبي والتشكيك به وجاهيا

النبي على فراش الموت، وجبريل يلازمه، ولا ينقطع عن زيارته، كما وثقنا ذلك.

وغرفته المباركة غاصة بعواده، وهو على علم بالفتن التي تتربص بالمسلمين، وتنتظر موته لتندلع، فأراد أن يلخص الموقف لأمته، وهذا حق له كقائد، لأنه ما زال رئيسا للدولة، وحق له كنبي لأنه ما زال نبيا، وحق له كإنسان وكمسلم بأن يقول ما يشاء.

فقال للحاضرين (قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا).

من يقل لي بربكم ما هو الخطأ بقول رسول الله؟ وأي عيب فيه؟!!

٧ - المواجهة

بمجرد أن سمع عمر عرض النبي هذا قال: (حسبنا كتاب الله) لا حاجة لنا بالكتاب، وانقسم الحاضرون إلى قسمين، قسم يقول قربوا يكتب لكم رسول الله، وحزب عمر يقول: القول ما قال عمر!!

٤٣٤
من أقنع الأكثرية التي أيدت عمر بصحة رأيه حتى أيدوه سوى رابطة التفكير الحزبي المبيت والموحد!!

ما الذي نفر هذه الأكثرية من عرض رسول الله!!

٨ - لو أصر النبي لأصروا بأن النبي قد هجر!

لما عجب الحاضرون ممن كانوا خارج دائرة التخطيط المبيت، وقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله، صاح حزب عمر، (حسبنا كتاب الله) إن رسول الله قد هجر، استفهموه إنه يهجر!! حاشا لك يا رسول الله!

ولو أصر النبي على كتابة الكتاب لأصر حزب عمر على القول بأن رسول الله قد هجر، ولأثبتوا هذا الزعم بكل وسائل الإثبات!!!

٩ - صدموا خاطره الشريف

وصدم خاطر النبي الشريف من تلفظهم بهذه الكلمة النابية، وقال لهم: قوموا عني، ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه! فخرج عمر وحزبه منتصرين ولكن على النبي!!

وفائزين ولكن على الشرعية!!!

١٠ - الدليل على صحة ما ذكرناه عن المواجهة مع النبي

لقد ذكر بخاري هذه الحادثة بست روايات، راجع صحيح بخاري مجلد ٢ صفحة ٩ باب قول المريض قوموا عني، ومجلد ١ صفحة ٣٧ ومجلد ٥ صفحة ١٣٧ ومجلد ٢ صفحة ١٣٢ وذكرها مسلم في صحيحه آخر كتاب الوصية مجلد ٥ صفحة ٧٥ وصحيح مسلم بشرح النووي مجلد ١١ صفحة ٩٥، ومسند الإمام أحمد مجلد ٤ صفحة ٣٥٦ الحديث ٢٩٩٢ وشرح النهج مجلد ٦ صفحة ٥١ ومجلد ٢ صفحة ١٦ الحديث ١١ صفحة ٩٤ و ٩٥ من صحيح مسلم بشرح النووي، وابن الجوزي في تذكرة الخواص صفحة ٦٢

والطبري في تاريخه مجلد ٢ صفحة ١٩٢ - ١٩٣، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة مجلد ٣ صفحة ١١٤ سطر ٢٧ الطبعة الأولى - بيروت ومجلد ١٢ صفحة ٧٩ سطر ٣

٤٣٥
بتحقيق محمد أبو الفضل - مكتبة الحياة ومجلد ٣ صفحة ١٦٧ دار الفكر، وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة ٢٨٧ وما فوق.

١١ - هل فعل المتغلبون ذلك لحكمة؟ وما هي الحكمة؟

كيف يمكن الاعتذار عما فعله المتغلبون؟ وهل واجهوا رسول الله لحكمة؟ وما هي الحكمة؟

من يرضى لنفسه أن يكون بالصف المواجه لرسول الله؟

من يملك الادعاء بأنه أعلم بكتاب الله من رسول الله، أو أبعد نظرا منه!!

كيف يمكن تفسير ذلك سوى أنه حلقة من سلسلة من الحلقات، تقود إلى السلطة عن طريق القوة والتغلب؟؟؟

١٢ - التشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته

جاء في صحيح بخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وفي صحيح مسلم - كتاب البر والعلة - باب من لعنه النبي (أن رسول الله كان يغضب فيلعن، ويسب ويؤذي من لا يستحقها...) وجاء في صحيح بخاري - باب قول الرسول: وصل عليهم وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وفي صحيح مسلم كتاب فضائل القرآن - باب الأمر بتعهد القرآن، عن عائشة (أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا....!

تلك حقيقة جديدة للتشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته، وهي امتداد للحلقات السابقة!!!

الرب جلت قدرته شهد بأن رسول الله على خلق عظيم بآية محكمة، وأنه ما ضل وما غوى، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه الشهيد على هذه الأمة، فهل يعقل من كانت هذه صفاته ومن يؤتمن على الوحي، وهو الذي يتبع

٤٣٦
ما يوحى إليه، هل يعقل أن يهبط إلى الصورة التي صوره بها بخاري ومسلم؟

إن أي إنسان عادي يترفع أن يكون بهذه الصورة!!! فكيف بسيد ولد آدم، وبآخر الأنبياء والرسل!!!

لكنها حلقة وامتداد لحلقات سابقة صورها أولئك الذين أصروا على الاستيلاء على السلطة بالقوة والتغلب ثم انظر إلى الحديث الثاني الذي رواه بخاري ومسلم، وكيف أنه من نفس المشكاة، فلو لم يسمع النبي هذا الرجل لبقيت تلك الآية ساقطة!!!

إنها ضرب على نفس الوتر الذي صنعته القوة المتغلبة، وكانت أول من حرك أصابعه عليه!

١٣ - مطاردة وملاحقة أقوال النبي حتى بعد موته

هذا الرسول البشر الذي يتكلم في الغضب والرضا، يجب إخراجه تماما عن مسرح الحدث السياسي، وعدم إتاحة الفرصة لأقواله وأحاديثه للتأثير على الحدث السياسي، لأن القوة المتغلبة لا تؤمن إلا بالحق، وليس مضمونا عندها أن كل ما تكلم به الرسول كان حقا، خاصة الأحاديث المتعلقة بظاهرة السلطة! والحل الأفضل هو:

١ - حرق كافة الأحاديث المكتوبة على عهد رسول الله.

٢ - منع كتابة أحاديث رسول الله.

٣ - منع رواية أحاديث رسول الله.

١٤ - حرق كافة الأحاديث

جاء في كنز العمال مجلد ٥ صفحة ٢٣٧ وفي تذكرة الحفاظ مجلد ١ صفحة ٥ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب، فقلت يتقلب لشكوى أو لشئ بلغه، فلما أصبح قال: أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك فجئته بها، فأحرقها)

٤٣٧
كتاب الخطط السياسية للأستاذ أحمد حسين يعقوب (ص ٤٣٨ - ص ٤٦١)
٤٣٨
وأخرج ابن عبد البر بثلاثة أسانيد في جامع بيان العلم - باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث مجلد ٢ صفحة ١٤٧ وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد ١ صفحة ٤ - ٥ عن قرضة بن كعب قال: لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر إلى صرارة، ثم قال: أتدرون لم شيعتكم؟ قلنا أردت أن تشيعنا وتكرمنا، قال مع ذلك حاجة: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تعدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم! قال قرضة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله!! وفي رواية أخرى: فلما قدم قرضة بن كعب قالوا: حدثنا، فقال: نهانا عمر.

وجاء في كنز العمال مجلد ٥ صفحة ٢٣٩ الحديث ٤٨٦٥ ومنتخب الكنز مجلد ٤ صفحة ٦١ عن عبد الرحمن بن عوف قال (ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق، عبد الله بن حذيفة، وأبو الدرداء، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا أتنهانا؟

قال: لا أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات!).

وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد ١ صفحة ٧ بترجمة عمر: أن عمر حبس ثلاثة وقال لهم: أكثرتم الحديث عن رسول الله.

وجاء عثمان فصعد المنبر ثم قال لا يحل لأحد أن يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر وعمر!! راجع منتخب الكنز بهامش مسند الإمام أحمد مجلد ٤ صفحة ٦٤

١٦ - سريان قرار المنع

قامت السلطة بإحراق كل الأحاديث التي كتبت على عهد رسول الله، ومنعت كتابة ورواية أحاديث رسول الله، وبقي قرار محاصرة سنة رسول الله قائما مدة ٩٥ عاما، ثم قررت السلطة أن ترفع الحظر عن كتابة ورواية أحاديث رسول الله!

راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة ٢٥٩ - ٢٦١ حيث خشي عمر بن عبد العزيز من ضياع السنة فأمر واليه على المدينة أن يكتب، وأن يأذن بالكتابة.

٤٣٩
قال الزهري (كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين! راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة ٢٦٢

لكثرة وشدة محاصرة السلطة للسنة النبوية صارت المحاصرة سنة ألفها الناس، ولما رأى عمر بن عبد العزيز ضرورة كتابة السنة النبوة، رأى الناس في ذلك خروجا على سنة أبي بكر وعمر وعثمان، فقاوموا في البداية، ثم أكرههم الحكام على الكتابة، فصارت كتابة السنة النبوية فضيلة بعدما كانت جريمة يعاقب عليها الحكام!!

١٧ - نثروا عقد اللؤلؤ ثم عادوا ليبحثون عنه!

حرق الحكام المكتوب من سنة النبي، ثم حرموا كتابة السنة وروايتها مدة ٩٥ سنة، ثم خطر ببالهم أن يرفعوا الحظر بعد هذه المدة ويبيحوا للناس أن يكتبوا ويرووا سنة نبيهم!

تماما كمن كان بيده عقد من اللؤلؤ فقطع الخيط الذي يجمع حبات اللؤلؤ ثم رماه بين الأشواك والحصى والحجارة، ثم لاح له بعد ٩٥ سنة أن يعود فيبحث عن ذلك العقد ويجمعه من جديد!

إنها حلقة من خطة!!

١٨ - تفكيك النظام السياسي

وهكذا نجحت السلطة ببث إشاعاتها، والتشكيك بما قاله النبي، وتقسيم قوله إلى قول بالغضب وقول بالرضا، ثم قالت إنه يهجر، ثم منعت كتابة ورواية أحاديثه وأحرقت المكتوب منها، ثم رفعت شعار أن القرآن الكريم وحده يكفي (حسبنا كتاب الله) والخليفة يفسر هذا الكتاب، لأنه القائم مقام النبي!!

ولما تم لها ما أرادات من فك الارتباط بين القرآن والنبي عمليا، وبعد أن استقر النظام البديل، وبعد مضي ٩٥ عاما على وفاة الرسول، وبعد أن صار منع كتابة السنة

٤٤٠