×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٢ - إظهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رغبته بحفظ القرآن، والاحتفاظ به، وكانت السيطرة والسلطة له خاصة، والعادة تقضي بأن الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته، فإن ذلك الكتاب يكون رائجا بين جميع الرعية الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا.

٣ - إن حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس وتعظيمه عندهم، فقد علم كل مطلع على التاريخ ما للقراء والحفاظ من المنزلة الكبيرة، والمقام الرفيع بين الناس، وهذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة، أو بحفظ القدر الميسور منه.

٤ - الأجر والثواب الذي يستحقه القارئ والحافظ بقراءة القرآن وحفظه.

هذه أهم العوامل التي تبعث على حفظ القرآن والاحتفاظ به، وقد كان المسلمون يهتمون بشأن القرآن، ويحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم وبما يهمهم من مال وأولاد.

وقد ورد أن بعض النساء جمعت القرآن كله، أخرج بن سعد في الطبقات:

أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثني جدي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك، أداوي جرحاكم، وأمرض مرضاكم، لعل الله أن يهدي لي شهادة؟ قال:

إن الله مهد لك شهادة - الإتقان، النوع ٢٠ مجلد ١ صفحة ١٢٥.

وإذا كان هذا حال النساء فكيف يكون حال الرجال، وقد عد من حفاظ القرآن على عهد رسول الله جم غفير؟ قال القرطبي (قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بئر معونة مثل هذا العدد) الإتقان مجلد ٢٠ صفحة ١٢٢، وراجع تفسير القرطبي مجلد ١ صفحة ٥٠، وقد تقدم في الرواية العاشرة أنه قتل من القراء يوم اليمامة ٤٠٠ رجلا، وقد كان للنبي كتاب عديدون، ولا سيما أن القرآن نزل نجوما في مدة ٢٣ سنة.

كل هذا يورث لنا القطع بأن النبي كان قد أمر بكتابة القرآن على عهده، روى زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع. (قال الحاكم: هذا حديث

٤١
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفيه الدليل الواضح على أن القرآن إنما جمع على عهد رسول الله) المستدرك للحاكم مجلد ٢ صفحة ٦١١، أما حفظ بعض سور القرآن، أو بعض السورة، فقد كان منتشرا جدا، وشذ أن يخلو من ذلك رجل أو امرأة من المسلمين.

روى عبادة بن الصامت قال (وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن) مسند أحمد مجلد ٥ صفحة ٣٢٤

وروى كليب قال (كنت مع علي (عليه السلام) فسمع ضجتهم في المسجد يقرأون القرآن فقال: طوبى لهؤلاء) كنز العمال مجلد ٢ صفحة ١٨٥

وعن عبادة بن الصامت قال (كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع من مسجد رسول الله ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا) مناهل العرفان صفحة ٣٢٤.

نعم إن حفظ القرآن ولو بعضه كان رائجا بين الرجال والنساء من المسلمين، حتى أن المسلمة قد تجعل مهرها تعلم سورة من القرآن أو أكثر رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي، التاج مجلد ٢ صفحة ٣٣٢

ومع هذا الاهتمام كله كيف يمكن أن يقال: إن جمع القرآن قد تأخر إلى زمن خلافة أبي بكر، وإن أبا بكر احتاج في جمع القرآن إلى شاهدين يشهدان أنهما سمعا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

٢ - شجرة اجتثت ما لها من قرار

نكرر نحن أهل السنة بلا كلل ولا ملل، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انتقل إلى جوار ربه، ولم يبين من هو الخليفة من بعده، ولا بين كيفية محددة لاختيار خليفته، ولا كيف ينتقل منصب الخليفة، ونتيجة عدم البيان هذا، ضاع الناس سياسيا، وأوشكت أن تحدث فتنة لولا أن قيض الله لهذه الأمة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وسنا سنة ولاية

٤٢
العهد، فاستقرت الأمور سياسيا، فأصحبت ولاية العهد هي الطريقة المتبعة لتنصيب الخليفة وإضفاء طابع المؤسسية على النظام السياسي الإسلامي.

كذلك نكرر نحن أهل السنة بلا كلل ولا ملل بأن رسول الله أيضا لم يجمع القرآن في كتاب واحد، بل تركه متفرقا مبعثرا في صدور الرجال، والأكتاف، والألواح المتفرقة بين المسلمين، وأدرك الصديق والفاروق رضي الله عنهما أنهما إن تركا القرآن الكريم دون جمع كما تركه رسول الله فإن الدين سيضيع تماما وسيندثر القرآن الكريم وهو معجزة النبي، وقانون الدولة الإسلامية، لذلك نهدا لهذه المهمة التاريخية، وقاما بجمع القرآن! وسموه المصحف!

هذه النظرية هي في حقيقتها كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهي لا تثبت لا بحكم العقل، ولا بحكم الشرع، وهي في ميزان الحق والحقيقة لا تقدم ولا تؤخر، وما هي إلا وسيلة من وسائل إبراز فضل الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، وقد أغنى الله هؤلاء الخلفاء عن الفضل الذي سينسب إليهم على حساب القرآن الكريم، وعلى حساب النبي العظيم.

ومع أن هذه النظرية لا تستقيم بأي مقياس موضوعي، ولا تقدم ولا تؤخر إلا أنها وبسبب نسيجها الواهي فتحت على القرآن الكريم أبواب الشائعات، والشائعات لا تؤثر على الحقيقة، إلا أنها قد تبلبل أفكار العامة، وتفتح شبهة ظنون أعداء الإسلام، وتغذي ظنونهم المريضة عن الإسلام.

٣ - شائعات بنقص سور من القرآن الكريم

جاء في صحيح مسلم مجلد ٣ صفحة ١٠٠ باب لو كان لابن آدم واديين كتاب الزكاة - أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء البصرة وكانوا ثلاثمائة رجل فقال من جملة ما قال: وإن كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ودايا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).

٤٣
وكنا نقرأ سورة فأنسيتها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة).

وجاء في الإتقان في علوم القرآن مجلد ٢ صفحة ٢٥، والدرر المنثور صفحة ١٠٥

عن أبي موسى الأشعري قوله إنها نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة، ثم رفعت وحفظت منها (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم) ونحوه في مجلد ٦ صفحة ٣٧٨ من الدر المنثور.

٤ - شائعات بنقص آية أو زيادة أية في القرآن الكريم

وهذه الشائعات منتشرة في كتب حديث أهل السنة كلها، ولا تجد صحيحا من صحاح أهل السنة يخلو منها، وكلها تذهب إلى الزعم بوجود نقص في القرآن، أو زيادة في القرآن الكريم، ولم نر حاجة لإيراد هذه النصوص والأحاديث، لأنها برأينا بنيت على افتراض أن رسول الله انتقل إلى جوار ربه ولم يجمع القرآن ولم يكتبه، فجاء الخلفاء فجمعوا هذا القرآن، فجاءت تلك الأحاديث ثمرة طبيعية من ثمرات هذه المقولة التي تسند جمع القرآن للخلفاء الثلاثة، وحتى لا يتصور متصور أننا نتقول القول تقولا عليهم فسنذكر بعض كتب الحديث التي وثقت هذه الشائعات.

كتب الحديث وثقت شائعات علماء الدولة: صحيح بخاري مجلد ٤ صفحة ١٢٠ باب رجم الحبلى من كتاب الحدود، وصحيح مسلم مجلد ٥ صفحة ١١٦، وسنن أبي داود مجلد ٢ صفحة ٢٢٩ في الرجم من كتاب الحدود، والترمذي مجلد ٦ صفحة ٢٠٤ باب ما جاء في تحقيق الرجم من كتاب الحدود، وسنن ابن ماجة الحديث ٢٥٥٣، والدارمي مجلد ٢ صفحة ١٧٩ كتاب الحدود، والموطأ مجلد ٣ صفحة ٤٢ كتاب الحدود وصحيح مسلم مجلد ٤ صفحة ١٦٧ كتاب الرضاع، وأبو داود مجلد ١ صفحة ٢٧٩، والنسائي مجلد ٢ صفحة ٨٢ كتاب النكاح، وابن ماجة مجلد ١ صفحة ٦٢٦ كتاب النكاح الحديث ١٩٤٤، وموطأ مالك مجلد ٢ صفحة ١١٨ كتاب الرضاع، والدارمي مجلد ١ صفحة ١٥٧ كتاب النكاح، وصحيح مسلم مجلد ٣ صفحة ١٠٠ كتاب الزكاة،

٤٤
الإتقان في علوم القرآن مجلد ٣ صفحة ٢٥، وروح المعاني للآلوسي مجلد ١ صفحة ٢٥، والدر المنثور مجلد ٢ صفحة ٢٩٨ ومجلد ١ صفحة ١٠٦، وكنز العمال مجلد ٢ صفحة ٥٦٨، ومسند الإمام أحمد مجلد ٢ صفحة ٤٢، والمصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة مجلد ٢ صفحة ٥٠٤... إلخ.

ولو أردنا أن نتتبع الأحاديث التي تقول بزيادة في القرآن أو نقص فيه، لما اتسع لتلك الأحاديث هذا المجلد، ويمكن لمن أراد أن يقف على موجزها أن يقرأ كتاب آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي من ١٨٥ - ٢٤٨، وقد أعرضنا عن ذكر هذه الأحاديث لعدم إنتاجيتها، ولأنها مبنية على فرض أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القرآن وهو معجزته الكبرى دون جمع، مما اضطر الخلفاء لتلاشي ما تركه الرسول، وهذا غير وارد بكل المقاييس العقلية والشرعية.

لقد رأينا كيف ترنحت نظرية السنة وتداعت واعتراها الخور وانهارت أمام هذا التحليل الرائع العلمي والعقلي لأحد مراجع الشيعة وسليل شجرة النبوة المباركة السيد أبو القاسم الخوئي، وتوجب علينا بعد ذلك وحتما مقضيا أن نبسط الخطوط العريضة لنظرية المعارضة أو شيعة أهل البيت الكرام في موضوع جمع القرآن الكريم.

* *
٤٥

الفصل الخامس
نظرية أهل البيت وشيعتهم في جمع القرآن

١ - تمسك الإمامية بالقرآن

إن الإمامية أشد تمسكا بالقرآن الكريم، ومحافظة عليه وتعظيما له، ومنه يستقون عقيدتهم وأحكامهم، وبه يدفعون شبهات المبطلين، وأقوال المتحذلقين، فهو عندهم المعجزة الكبرى، والمقياس الصحيح للحق والهداية، فقد رووا أن أئمتهم أمروهم أن يعرضوا ما ينقل عنهم على القرآن، فإن خالفه فهو كذب وافتراء، وزخرف وباطل، يجب ضربه في عرض الجدار. آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي صفحة ١٥٠، وراجع الشيعة في الميزان صفحة ٣١٤

قال تعالى (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) المصدر السابق صفحة ١٥٠ وعلماء الشيعة الإمامية يستدلون بهذه الآيات لنفي الزيادة والنقصان. المصدر السابق صفحة ١٥٠

٤٦

٢ - عقيدة جمع القرآن الكريم على عهد النبي

قال الإمام شرف الدين العاملي (وكان القرآن مجموعا أيام النبي (صلى الله عليه وآله) على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق، في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تبديل ولا تغيير، إن القرآن كان عند الشيعة مجموعا على عهد النبي والوحي، مؤتلفا على ما هو عليه الآن، وقد كان القرآن زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلق عليه الكتاب قال تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وهذا يشعر بأنه كان مجموعا ومكتوبا، فإن ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتابا، وإنما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى...

ورأي المحققين من علماء الشيعة هو أن القرآن العظيم إنما هو ما بين الدفتين الموجود في أيدي الناس، والباحثون من أهل السنة يعلمون ذلك، والمنصفون منهم يصرحون به.

والمعروف عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بين أيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام منهم: العالم الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن، والشيخ المفيد، والشيخ البهائي... والمشهور بين علماء الشيعة الإمامية ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (ولا يوجد في القرآن الكريم زيادة ولا نقصان). آراء علماء المسلمين صفحة ١٥١ - ١٥٢ للسيد مرتضى العسكري صفحة ١٥٧ - ١٥٨

قال الشيخ الصدوق في كتابه (الإعتقاد) اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره ماءة وأربع عشرة سورة. وعندنا أن الضحى وألم نشرح لك صدرك سورة واحدة، ولإيلاف قريش وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أننا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب. كتاب الإعتقاد صفحة ٦٣ طبع طهران.

وقال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (أقول بسلامة القرآن الكريم). أوائل المقالات في المذاهب المختارات صفحة ٩٥ طبع طهران.

٤٧
وقال الشريف المرتضى (إن القرآن الكريم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان، حتى عيب على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله)، وإن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور ولا مبثوث. راجع آراء علماء المسلمين صفحة ١٦١ - ١٦٢، وقد نقله عن بحر الفوائد في شرح الفرائد صفحة ٩٩ طبع طهران.

وقال الشيخ الطوسي (اعلم أن القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي (عليه السلام) بل هو أكبر المعجزات وأشهرها... إلى أن قال: وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان فيه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح... وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته ينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه. تفسير التبيان مجلد ١ صفحة ٣

إلى أن قال: والعلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، وقد عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ إلخ. مجمع البيان مجلد ١ صفحة ١٥ وصفحة ١٦٥ من آراء علماء المسلمين.

وقال الفيض الكاشاني (قال تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟

وقال الشيخ العلامة جعفر الجناحي النجفي: لا زيادة فيه من سورة ولا آية من بسملة وغيرها، ولا كلمة ولا حرف، وجميع ما في الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى

٤٨
بالضرورة من المذهب، بل الدين، وإجماع المسلمين، وأخبار النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام).. وقال: ولا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان، كما دل عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر.

وقال الشيخ آل كاشف الغطاء (وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم). أصل الشيعة وأصولها صفحة ١٣٣ وصفحة ١٧٢ من آراء علماء المسلمين.

وقال السيد الشريف شرف الدين (والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) إنما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا إلى عهد الوحي والنبوة، وقد كان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن، وكان جبريل (عليه السلام) يعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرآن في كل عام، وقد عارضه به عام وفاته مرتين والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى ختموه عليه مرارا عديدة، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية. الفصول المهمة في تأليف الأمة صفحة ١٦٢ وصفحة ١٦٩ من آراء علماء المسلمين.

وروى روح بن عبد الرحيم، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها فقال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال: فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك، ثم إنهم اشتروا قلت: فما ترى إن أعطي على كتابته أجرا؟ قال: لا بأس ولكن هكذا كانوا يصنعون.

وروى سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله (صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن

٤٩
ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل علي فقال: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب، لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورآه وسمع منه فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عز وجل (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا فهو في يده، يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، شيئا أمر به ثم نهى عنه هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

وآخر الرابع لم يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ فإن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ (وخاص وعام) ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام له وجهان: كلام عام، وكلام خاص، مثل القرآن وقال الله

٥٠
عز وجل في كتابه: ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وليس كل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يسمعوا. وقد كنت أدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيدخلني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نسائه، فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني، وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) آية من القرآن إلا قرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها، ودعا الله أن يعطيني فهمها، وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال وحرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شئ لم أكتبه أفتتخوف على النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوف عليك النسيان والجهل.

٣ - تهمة والرد عليها

قال الإمام شرف الدين العاملي: نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات... إلخ. فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا، أو مفتر علينا، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته

٥١
وسكناته تواترا قطعيا، من أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام)، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله تعالى، وهذا أيضا مما لا ريب فيه. وظواهر القرآن الحكيم - فضلا عن نصوصه - أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها عملا بأوامر أئمتهم (عليهم السلام). أجوبة مسائل جار الله صفحة ٣٣ ط صيدا عام ١٣٧٢ ه‍، وراجع صفحة ١٦٩ - ١٧٠ من آراء علماء المسلمين لمرتضى العسكري.

٤ - الغاية من التوسع في بسط نظرية شيعة أهل البيت

لقد أبرزت التقاطيع الأساسية لنظرية شيعة أهل البيت في موضوع جمع القرآن، ونقلت حرفيا لكثير من أقوال علمائهم في هذا المجال، بسبب أن الأكثرية الساحقة من علمائنا نحن أهل السنة يجهلون جهلا مطبقا وجهة نظر شيعة أهل البيت في مختلف الأمور.

ولهذا ما زالوا يرددون نفس المقولات التي قيلت عن الشيعة قبل ١٢٠٠ عام، ويتصورون أن هذه المقولات هي بعينها وجهة نظر أهل الشيعة، مع أن هذه المقولات قالها أعداء شيعة أهل البيت، فكان أعداء الشيعة هم الخصم، وهم الشهود، وهم الحكم بنفس الوقت، والضحية في النتيجة الشيعة والعدالة.

والعدالة مقصود شرعي، حتى ولو كان أطراف القضية من أهل الكتاب أو المشركين.

وقد تندهش إذا علمت أن أساتذة جامعات يدرسون الشريعة الإسلامية ومع هذا لا يفهمون معنى التشيع، ولا يفهمون معنى أهل البيت، ويعتقدون أن للشيعة قرآنا غير قرآننا نحن أهل السنة، وأنهم يقولون بوجود نبي غير نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ويشككون بإسلام الشيعة مع أن الشيعة تعلموا الإسلام عن طريق أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين ورثوا علم النبوة، وواكبوا

٥٢
دعوة الإسلام، ودولة النبوة، منذ اللحظة التي أشرقت فيها شمس الهداية الإلهية إلى اللحظة التي انتقل فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى.

هؤلاء هم أساتذة شيعة أهل البيت.

أما أساتذتنا نحن أهل السنة فهم عمليا معاوية، وابنه يزيد، وخلفاء بني أمية، لأن التدوين وخاصة كتابة الحديث وروايته انتشر في عهدهم، ومن المعروف أن بني أمية طلقاء أسلموا يوم الفتح، ومعرفتهم بالدين محدودة، وأنهم حاربوا النبي والإسلام واحدا وعشرين عاما حتى أحيط بهم، فاضطروا للإسلام لأن كل الأبواب قد أغلقت في وجوههم إلا باب الإسلام!

فأئمة أهل البيت مدرسة علمية، وطلاب هذه المدرسة هم شيعة أهل البيت.

وخلفاء بني أمية ومن والاهم كأبي هريرة مدرسة، وطلاب هذه المدرسة هم أهل السنة. فما الداعي للتفريق بين طلاب مدرستين إسلاميتين!!

هذا إذا اعتبرنا أن أمية كهاشم، وأن المهاجر تماما كالطليق، وأن من قاتل تحت لواء الإسلام هو تماما مثل الذي قاتل الإسلام.

على الأقل لنعامل طلاب المدرستين بروح المساواة والأخوة، وليكن هدف أتباع المدرستين الوقوف على الحقائق الشرعية المجردة.

* *
٥٣

الفصل السادس
موقع بيان النبي من المنظومة الحقوقية

١ - الركيزة الثانية من المنظومة الحقوقية الإلهية

وهي نبي الله المرسل، بذاته، وقوله، وفعله، وتقريره، ولو لا (المماحكة) والتقليد الأعمى، وأحابيل السياسة ومكرها، فإن محمدا خاتم الأنبياء غني عن التعريف بذاته وقوله وفعله وتقريره، وللأسباب التي ذكرناها لا بد من أن نفرد أبوابا أربعة، للذات، وللقول، وللفعل وللتقرير.

٢ - ذات النبي عند الحكام وشيعتهم

إنها أحسن ذات عرفتها الخليقة، فهو المؤتمن على الوحي الإلهي وهو المكلف بتبليغ آخر رسالة إلهية لبني البشر، وهي رسالة الإسلام بصيغتها النهائية، وهو خيرة الله من خلقه (شجرته خير الشجر، وعترته خير العتر) فهو الأسوة والقدوة، طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، واتباعه محبة لله، وطريق المغفرة، والإيمان به إيمان بالله، والكفر به كفر بالله، صادق مصدق في كل شئ، لا ينطق عن الهوى، فما يقوله حق لا ريب فيه، (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم آية ٣، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) الأحزاب آية ٢١، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) سورة آل عمران آية ٣١، (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه) سورة الأعراف آية ١٥٨.

٥٤
وجاء في سنن الدارمي مجلد ١ صفحة ١٢٥ باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود مجلد ٢ صفحة ١٢٦ باب كتابة العلم، ومسند أحمد مجلد ٢ صفحة ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦، ومستدرك الحاكم مجلد ١ صفحة ١٠٥ - ١٠٦، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مجلد ١ صفحة ٨٥، قال عبد الله بن عمرو بن العاص (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شئ سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).

فكلما قاله الرسول حق، لأنه المبين للقرآن البيان القائم على الجزم واليقين، وهو قائد الأمة إلى الصراط المستقيم بتفويض من ربه، وبرعاية وعناية إلهية تسدده في كل خطوة من خطواته، بلغ القرآن حرفيا، فهو صادق، وكفى بالله شهيدا، وبين القرآن بيانا كاملا فهو صادق في بيانه وكفى بالله شهيدا، وقاد الأمة حتى وضعها على الصراط المستقيم، وهو موفق بقيادته وكفى بالله شهيدا، فالفصل بين النبي وبين القرآن مرفوض لأن من شك في النبي فقد شك في القرآن، ومن آمن بالقرآن ولم يؤمن بالنبي فهو كافر، ومن آمن بالنبي ولم يؤمن بالقرآن فهو كافر، فالقرآن والنبي جملة كاملة تساوي الإسلام، والهدى لا يطلب إلا بالاثنين معا، القرآن والنبي، والتمسك بأحدهما دون الآخر ضلالة ستقود صاحبها إلى النار حتما، فالنبي بالضرورة هو الإنسان الكامل وكماله الإنساني ضرورة من ضرورات تبليغ رسالة الكمال الإلهية، فلو لم تتوفر فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصية الكمال الإنساني، لما كان مؤتمنا على تبليغ رسالة الكمال الإلهية.

ولا عجب في ذلك، فقد تنتشر الأمراض بين أفراد شعب، فتقوم دولة ذلك الشعب باختراع مصل وتقوم بتطعيم رعاياها ضد هذا المرض، فينجو الذين تطعموا ولا يصيبهم هذا المرض ولا يؤثر فيهم، والأطباء بشر، والأمصال من صنع البشر فهل نستكثر على رب البشر أن يطعم أنبياءه ورسله ضد الخطأ!!

٥٥

٣ - ذات النبي عند قادة التاريخ الإسلامي وشيعتهم

روى البخاري ومسلم في كتاب الدعوات باب قول النبي من آذيته، وروى مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي، فقالا - البخاري ومسلم إن رسول الله كان يغضب، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها، ودعى الله أن يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا! تمعن بهذا الحديث، ثم أتل قول الله تعالى في نبيه (وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم آية ٢، فالشخص العادي، الذي لا تتوفر فيه صفات النبوة يترفع عن لعن وسب من لا يستحق اللعنة والمسبة، فكيف بالنبي ذي الخلق العظيم، السمح، اللين، الذي لا يعرف الفضاضة إطلاقا، صاحب الصدر الواسع؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، إذا كانت الأمور على هذه الشاكلة، فمن مصلحة كل مسلم أن يثير غضب النبي، حتى يسبه النبي ويشتمه، ويحصل على الزكاة والطهر!!!.

إن هذا لأمر عجاب!!

٤ - وظيفة هذا الحديث

جاء في السيرة الحلبية مجلد ٢ صفحة ٢٣٤ طبعة مصر (أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صار يقول:

اللهم العن فلانا وفلانا.

وأخرج البخاري عن يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فأنزل الله (ليس لك من الأمر شئ) إلى قوله (فإنهم ظالمون).

وقال السيوطي وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد: (اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو واللهم العن صفوان بن أمية).

ثم قال السيوطي، وأخرج الترمذي، وصححه وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو على أربعة نفر وكان يقول في صلاة الفجر: اللهم العن

٥٦
فلانا وفلانا، راجع الدر المنثور في التفسير المأثور مجلد ٢ صفحة ٧١. وأراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي صفحة ٧٣ - ٧٦

وأخرج نصر بن مزاحم المنقري، عن عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم العن التابع والمتبوع، اللهم عليك بالأفيعس، فقال ابن البراء لأبيه، من الأفيعس؟ قال: معاوية.

وأخرج نصر عن علي بن الأقمر في آخر حديثه قال: فنظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق، فلما نظر إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: اللهم العن القائد والسائق والراكب، قلنا: أنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟!

قال: نعم وإلا صمت أذناي كما عميت عيناي. راجع وقعة صفين صفحة ٢١٧ تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، طبع مصر، وصفحة ٢٢٠، وراجع النهاية في غريب الحديث والأثر مجلد ٤ صفحة ٨٧ و ٨٨ وصفحة ٧٥ من آراء علماء المسلمين.

ولا يماري أحد بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن الحكم بن العاص، ولعن ما في صلبه، وطرده من المدينة ونفاه إلى منطقة وج، وحرم عليه دخول المدينة، ولما انتقل رسول الله إلى جوار ربه راجع عثمان أبا بكر ليدخل الحكم بن العاص إلى المدينة فرفض الصديق ذلك، ولما توفي الصديق راجع عثمان الفاروق ليدخله المدينة فرفض الفاروق ذلك، ولما آلت الأمور إلى عثمان أدخل الحكم بن العاص معززا مكرما، وأعطاه ماءة ألف درهم دفعة واحدة! ولا أحد من أهل الملة ينكر هذه الوقائع.

٥ - أبو سفيان

قاد الشرك في حربه مع النبي واحدا وعشرين سنة هو وأولاده وبنو أمية، واشترك في حصار بني هاشم، وحاول أن يقتل النبي، وفشلت المحاولة، وقاد الأحزاب، وبانهيار أبي سفيان وأولاده انهارت جبهة الشرك، واستمرت عداوة أبي سفيان وأولاده لرسول الله ولآله وللإسلام ٢١ عاما بلا انقطاع، فهل يستغرب عاقل أن يلعن رسول الله من كان هذا حالهم؟!

٥٧

٦ - الحكم بن العاص

لقد كثر إيذاء الحكم لرسول الله، كما هو معروف، ومن أجل هذا نفاه الرسول ورفض صاحباه إعادته، بالرغم من إلحاح عثمان. خاطبت أم المؤمنين مروان بن الحكم بن العاص قائلة: كذبت والله ما هو به، ولكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله عز وجل! والفضض القطعة. راجع تاريخ ابن الأثير مجلد ٣ صفحة ١٩٩ وراجع فتح الباري مجلد ١٠ صفحة ١٩٧ وصفحة ١٩٨، وأخرج القصة بتفصيلها أبو الفرج في الأغاني مجلد ١ صفحة ٩٠ - ٩١، وراجع ترجمة الحكم بن العاص من الإستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة، والإصابة، ومستدرك الحاكم مجلد ١ صفحة ١٨١، وتاريخ ابن كثير مجلد ٨ صفحة ٨٩، والإجابة في ما استدركته عائشة على الصحابة، في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر، من تاريخ دمشق لابن عساكر... إلخ.

ومرة أخرى فهل كثير على رسول الله أن يلعن الحكم بن العاص وما في صلبه بعد إيذاء له من جانبهم دام ٢١ عاما!!؟

٧ - أعداء الرسول تولوا الحكم وأولياؤه أصبحوا مملوكين

٢١ عاما وأبو سفيان وذريته ومن والاهم يكيدون لرسول الله ويحاربونه بكل وسائل الحرب، حتى نصر الله رسوله ودخل مكة عاصمة الشرك فاتحا، فأغلقت الأبواب أمام أبي سفيان ومن والاه ولم يبق أمامه إلا باب الإسلام مفتوحا، وعندما وجد نفسه وسط جزيرة الشرك حفيرة، وقد أحيط به أسلم، فأصبح أبو سفيان ومن والاه طلقاء ومن المؤلفة قلوبهم، فصحب الرسول سنتين، واستغل الخلاف الذي نشأ بين الصديق والفاروق من جهة وبين الإمام علي من جهة أخرى، فحسن وضعه، وولى الصديق ابنه على الشام وألحق به معاوية، وبموت شقيق معاوية أصبح معاوية هو حاكم الشام، واستقرت الأمور لبني أمية في إمارة عثمان، وفجأة، وبدون مقدمات،

٥٨
كتاب الخطط السياسية للأستاذ أحمد حسين يعقوب (ص ٥٩ - ص ٨٤)
٥٩

١٠ - النبي أولى بالخدش من الحكام الغالبين

شخصية النبي الباهرة طاهرة مطهرة، تسامى الله بها وهي بأدق الموازين العلمية لا تخدش ولا تعاب، ولكن إذا كان الناس أمام خيارين: إما أن يخدشوا النبي الراحل ويطعنوا في شخصيته، وإما أن يخدشوا الخليفة الحي ويطعنوا في شخصيته، فالحل هو الطعن في شخصية النبي! وهكذا صوروه كرجل يفقد السيطرة على نفسه في الغضب، فيلعن، ويسب، ويؤذي من لا يستحق اللعن، والسب، والإيذاء، وهكذا خدشوا نبيهم، وأضفوا الكمال والزكاة والطهر على غالبيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!

اللهم إن هذا منكر لا ترضى به، اللهم إن هذه مصيبة، فأذن لنا أن نردد ما أمرتنا بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.

١١ - رسول ونبي لا يعرف أنه رسول

روى البخاري في مجلد ١ صفحة ٣ باب بدء الوحي وتفسير سورة إقرأ، وروى مسلم في كتاب الإيمان - باب بدء الوحي الحديث ٢٥٢، وروى أحمد في مسنده مجلد ٦ صفحة ٢٢٣ و ٢٣٣: أن رسول الله لما جاءه جبريل بآيات (إقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله تعالى (علم بالقلم) رجع إلى بيته ترجف بوادره، وقال لخديجة: إني خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا، وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل - وكان امرءا نصرانيا - فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى...

فورقة هنا أدرى بالوحي وجبريل من رسول الله الذي خوطب بالوحي، ونتيجة ما قاله ورقة اطمأن الرسول لمصيره، وقبل ذلك كان النبي يريد أن يلقي بنفسه من حالق جبل كما يروي ابن سعد في طبقاته مجلد ١ صفحة ١٢٩ - ١٣٠، وكما يروي الطبري في خبر البعثة.

فأنت تلاحظ أن السيدة خديجة وهي امرأة عرفت ما لم يعرفه النبي، وأن ورقة وهو نصراني هو الذي طمأن النبي بأنه نبي، وقبل ذلك لم يكن النبي يعرف أنه نبي مرسل!!!

٦٠