×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

إن هذا لأمر عجاب، وتلك والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

يقول العلامة مرتضى العسكري: لست أدري كيف لم يكن الرسول يعرف نفسه وعلى كتفه خاتم النبوة التي يعرفه بها كل من رآه من أهل الكتاب؟.

١٢ - خلفاء أتقى من نبي

روى البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - باب مقدم النبي وأصحابه المدينة، وفي كتاب العيدين - باب سنة العيدين لأهل الإسلام، وروى مسلم في صحيحه كتاب صلاة العيدين - باب الرخصة في لعب يوم العيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استمع إلى غناء جوار من الأنصار فنهرهن أبو بكر.

وروى مسلم في كتاب صلاة العيدين بأن الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد الحديث ١٨ و ١٩ و ٢٠ و ٢١ و ٢٢: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رفع عائشة على منكبيه لتنظر إلى الحبشة الذين يلعبون في المسجد، فنهرهم عمر. وروى الترمذي في أبواب المناقب باب مناقب عمر: إذ اطلع عمر فانفض الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (عليهم السلام) إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر! فشياطين الجن والإنس لا تفر من النبي، ولكنها ما إن ترى الخليفة عمر حتى تفر منه، وهو مجرد صحابي جليل ومسلم، والناس يلعبون أمام النبي ولا ينكر عليهم لعبهم، ثم يأتي أبو بكر وعمر فينهرا الجميع.

ومثل هذا النصوص التي رواها الترمذي، باب المناقب عن عمر، ومسند أحمد مجلد ٥ صفحة ٣٥٣ حيث يقعد الشيطان آمنا مطمئنا مع النبي حتى إذا دخل عمر فر الشيطان!!

١٣ - نبي يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله

روى البخاري في كتاب بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده، وفي كتاب الطب - باب هل يستخرج السحر، وكتاب الأدب - باب أن الله يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات - باب تكريم الدعاء، وروى مسلم في صحيحه - باب السحر: أن بعض اليهود سحروا رسول الله حتى يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله!

٦١

١٤ - نبي يسقط آية من القرآن فيذكره بها قارئ

روى البخاري في باب قول الله (وصل عليهم) وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وروى مسلم في كتاب فضائل القرآن - باب الأمر بتعهد القرآن، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله اذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا!

فأنت ترى أنه لولا هذا القارئ لما تذكر النبي الآية التي أسقطها من سورة كذا!

ونترك لك الحكم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

١٥ - ابن عم خليفة يعلم النبي ويرفض طعامه

روى البخاري في صحيحه - كتاب الذبائح - باب ما ذبح على النصب والأزلام مجلد ٢ صفحة ٢٠٧، وروى أحمد في مسنده مجلد ٢ صفحة ١٩ و ٨٦، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن ينزل عليه الوحي قدم إلى زيد بن عمرو بن نفيل سفرة فيها لحم فأبى زيد أن يأكل منها، ثم قال زيد للنبي: إني لا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وزيد هذا هو ابن عم الخليفة عمر بن الخطاب!

فانظر كيف احتاط زيد حتى قبل أن يدخل في الإسلام، وكيف رفض أن يأكل من طعام النبي، النبي الذي رباه الله، وصنعه على عينه. راجع نهج البلاغة، الخطبة في وصف النبي (صلى الله عليه وآله) صفحة ٤٤ - شرح صبحي الصالح.

١٦ - نتيجة المقدمة

بعد كل هذا فلا ينبغي أن تندهش إذا رفع مقام الخلافة على مقام النبوة، فقد خطب الحجاج بن يوسف الثقفي في أهل الكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة، فقال: إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية!!! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله! راجع شرح النهج لابن

٦٢
أبي الحديد مجلد ٥ صفحة ٢٤٢، وراجع الكامل للمبرد صفحة ٢٢٢ طبعة النهضة بمصر، وراجع معالم المدرستين مجلد ١ صفحة ٤٥.

١٧ - النبي يتحول بقدرة قادر إلى مجرد مجتهد

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقام الاعتذار عن تخلف الخليفتين - أبي بكر وعمر - عن جيش أسامة: إنه (أي الرسول) كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته! ثم أطال الحديث عن اجتهاد الرسول في هذه القضية، راجع شرح النهج لابن أبي الحديد مجلد ٤ صفحة ١٧٢ - ١٧٨... وسنعالج الموضوع في باب الاختلاف. إن شاء الله تعالى.

١٨ - النبي حاشا له يهجر

١ - روى البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الجوائز مجلد ٤ صفحة ٢١ ط. دار الفكر وروى مسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية مجلد ٢ صفحة ١٦ ط عيسى الحلبي، وفي مجلد ١١ صفحة ٨٩ - ٩٤ ط مصر بشرح النووي، وروى الإمام أحمد في مسنده مجلد ١ صفحة ٢٢٢ ط الميمنية ومجلد ٣ صفحة ٢٨٦ الحديث ١٩٣٥ بسند صحيح، ومجلد ٥ صفحة ٤٥ الحديث ٣١١١

عن ابن عباس: أن النبي اشتد به وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني، وأوصى عند موته بثلاث:

أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه، ونسيت الثالثة.

٢ - وروى مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ترك الوصية مجلد ٢ صفحة ١٦ ومجلد ١١ صفحة ٩٤ - ٩٥ بشرح النووي، وروى الإمام أحمد في مسنده مجلد ١ صفحة ٣٥٥، والطبري في تاريخه مجلد ٣ صفحة ١٩٣، وابن الأثير في الكامل

٦٣
مجلد ٢ صفحة ٣٢٠ عن ابن عباس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إئتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يهجر.

٣ - روى البخاري في صحيحه كتاب النبي إلى كسرى وقيصر - باب مرض النبي ووفاته مجلد ٥ صفحة ١٣٧، والطبري في تاريخه مجلد ٣ صفحة ١٩٢ - ١٩٣ عن ابن عباس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعه فقال:

إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا عن النبي ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يرددون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها.

٤ - وروى البخاري في صحيحه كتاب الجزية - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب مجلد ٤ صفحة ٦٥ - ٦٦ أنه قال (صلى الله عليه وسلم) إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له؟! أهجر؟ استفهموه...

٥ - وذكر السبط بن الجوزي الحنفي في كتابه تذكرة الخواص صفحة ٦٢ المطبعة الحيدرية، وجاء في كتاب سر العالمين، وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي صفحة ٢١ مطبعة النعمان: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: إن النبي ليهجر.

إذا حالوا بينه، وبين كتابة ما أراد، مع أن الوصية حق لكل مسلم، ولم يكتفوا بذلك إنما صرحوا علنا، وصدموا خاطر النبي الشريف، وزعموا أنه هجر، يهجر، ليهجر، حاشا له مع أن الصديق (رضي الله عنه) اشتد به المرض أكثر مما اشتد برسول الله المرض، وأملى جزءا من وصيته، ثم فارق وعيه، وبعد أن استرد وعيه أكمل وصيته، ولم يقل أحد عل الإطلاق أن الصديق يهجر، ولم يحل بين الصديق وبين كتابة ما أراد حائل،

٦٤
ونفذت بدقة تعليمات الصديق ووصيته، ولم ينقسم الحاضرون عنده إلى قسمين، بل كانوا كتلة واحدة خلفه وفي حضرته كأنهم بنيان مرصوص، لا يعلو على صوت الصديق صوت، إمعانا باحترامه، وإجلالا له!!!

مع أن الصديق ليس أكثر من صحابي جليل، ومن حاكم عادل، ولم يصل إلى درجة النبوة، ولا قال أحد أنه قد وصل إلى هذه الدرجة!!

كذلك فإن المرض قد اشتد بعمر (رضي الله عنه) أكثر مما اشتد برسول الله مرضه، وتكلم عمر وأصغى له المسلمون بإجلال ولم ينقسموا بين يديه، ونفذوا كلامه، وأوصى، ونفذوا وصيته، وتحدث أثناء مرضه ما شاء أن يتحدث، ولم يحل بينه وبين أن يقول ما يشاء حائل، ولم يقل له أحد قط إن الفاروق (رضي الله عنه) هجر أو يهجر، مع أن الفاروق ليس أبدا أكثر من صحابي جليل ومن حاكم عادل!!

إن هذا لشئ عجاب!!

١٩ - القرآن وحده يكفي ولا حاجة لوصية النبي وقوله

هذه التصورات المهزوزة عن ذات النبي جمحت بالمسلمين، فجنحت بهم عن الطريق، فركبوها، وأرخوا لها العنان، فأدخلتهم بليل الغموض والتيه، وآفاق الهوى، فتصوروا أن بإمكانهم أن يدركوا الرشد بدون نبي وبالقرآن وحده، وتصوروا أن بإمكانهم أن يهتدوا، وأن لا يضلوا إذا تمسكوا بالقرآن وحده، بمعنى أن دور النبي محدود، وثانوي جدا.

كانت هذه التصورات وساوس خفية في الصدور، وأفصحت عن ذاتها في مرض النبي، وبرزت سافرة وبدون ستر، وتبين أن لهذه التصورات أنصارا وأعوانا، وأخيرا واجه أصحاب هذه التصورات النبي نفسه، وانتصروا، وانتصرت تصوراتهم.

وآية ذلك وبرهانه:

١ - جاء في صحيح البخاري كتاب المرضى - باب قول المريض: قوموا عني مجلد ٧ صفحة ٩ دار الفكر، وجاء في صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية مجلد ٥

٦٥
صفحة ٧٥ مطبعة المكتبة التجارية، ومجلد ١١ صفحة ٩٥ من صحيح مسلم بشرح النووي مطبعة مصر، ومسند الإمام أحمد مجلد ٤ صفحة ٣٥٦ الحديث ٢٩٩٢

بسند صحيح دار المعارف بمصر عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلب الوجع، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول! القول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله: قوموا عني.

وأنت تلاحظ أن الفريق الذي كان يعارض كتابة الكتاب كان بقيادة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

٢ - وجاء في شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد مجلد ٦ صفحة ٥١ - مطبعة مصر بتحقيق محمد أبو الفضل - عن ابن عباس: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال ابن عباس: فقال عمر كلمة معناها: أن الوجع قد غلب على رسول الله، قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله...

٣ - وجاء في صحيح البخاري كتاب العلم - باب كتابة العلم مجلد ١ صفحة ٣٧ دار الفكر، عن ابن عباس: لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا، وأكثروا اللغط، قال النبي: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع....

٤ - وجاء في صحيح البخاري - كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة - باب كراهية الخلاف مجلد ٨ صفحة ١٦١ دار الفكر عن ابن عباس قال: لما حضر النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) غلبه الوجع وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر....

٦٦
٥ - روى الذهبي في تذكرة الحفاظ بترجمة أبي بكر مجلد ١ صفحة ٢ - ٣ أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال.... إلى أن قال: فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله...

٦ - وروى ابن عبد البر بثلاثة أسانيد في جامع البيان مجلد ٢ صفحة ١٤٧، والذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد ١ صفحة ٤ و ٥ قول عمر بن الخطاب.... إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم....

٢٠ - ذات الخليفة أهم من ذات النبي!

روى الزبير بن بكار في الموفقيات صفحة ٥٧٥ - ٥٧٦، وروى علامة المعتزلة بن أبي الحديد في شرح النهج مجلد ٢ صفحة ١٧٦ عن المطرف بن مغيرة بن شعبة قال:

دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه ويتحدث معه، ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتما منذ الليلة، فقال: يا بني جئت من أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، وإن في ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات، هيهات، أي ذكر أرجو بقاءه، ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبي كبشة (يعني النبي) ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمدا رسول الله) فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا؟

لا والله إلا دفنا دفنا. إنتهى النص كما ورد في المرجعين السابقين، وكما نقله العلامة السيد مرتضى العسكري في مجلد ٢ صفحة ٣٥٦ - ٣٥٧ من معالم المدرستين.

٦٧
وطمعا برفع مقام الخلفاء ودوام ذكرهم، انتشر الحديث الموضوع، لرفع مقام الخلافة، فكما فرض الله طاعة رسوله (أطيعوا الله والرسول) فرضت تلك الأحاديث الموضوعة طاعة الخليفة مهما فعل، وحرمت الخروج عليه مهما فعل، فعندما أرادوا هدم الكعبة لمحاصرة أعداء الخليفة، قالوا: إن هدم الكعبة حرمة، وطاعة الخليفة واجبة، فغلبت طاعة الخليفة محارم الله، وهدموا الكعبة فعلا!

وكان شمر بن ذي الجوشن يقعد حتى يصبح، ثم يصلي ويقول في دعائه (اللهم اغفر لي) فقيل له: كيف يغفر الله لك وقد خرجت إلى ابن بنت رسول الله فأعنت على قتله؟ قال: ويحك فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا، فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر). راجع تاريخ الإسلام للذهبي مجلد ٣ صفحة ١٨ - ١٩.

وكان كعب بن جابر ممن حضر قتال الحسين في كربلاء يقول في مناجاته (يا رب إنا قد وفينا فلا تجعلنا يا رب كمن غدر) يقصد بمن غدر من خالف الخليفة وعصى أمره.

ودنا عمر بن الحجاج يوم عاشوراء من أصحاب الحسين، ونادى وقال: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام.

وقد قال مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، وختم أعناق الصحابة، وأذلهم وقتل يوم الحرة أحد عشر ألف مسلم، قال عن عمله هذا: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (أي بعد الإسلام) أحب إلي من قتل أهل المدينة (أي مدينة الرسول) ولا أرجى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي فإن هذا تدين بحب الخلفاء، وطاعتهم فريد من نوعه.

وثمرة لهذا كله تعاظم مقام الخليفة، حتى بلغ عند شيعة الخلفاء مرتبة لم يبلغها النبي نفسه، فقد كتب مروان بن محمد - وكان واليا على أرمينية - إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق: يبارك له خلافة الله على عباده. راجع تاريخ بن كثير مجلد ١٠ صفحة ٤، وهذا الوليد هو الذي سعى أخوه سلمان في قتله، وقال أشهد أنه كان

٦٨
شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي، وأراد الوليد أن يشرب الخمر فوق الكعبة، ولما قيل عنه في مجلس المهدي: إنه كان زنديقا، قال المهدي: خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق. راجع تاريخ ابن كثير مجلد ١٠ صفحة ٧ - ٨

٢١ - التصريح يغني عن التلميح

روى أبو داود في سننه مجلد ٤ صفحة ٢١٠ الحديث ٤٦٤٥ باب في الخلفاء، عن سليمان بن الأعمش قال: جمعت مع الحجاج فخطب... قال فيها: إسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان!

وروى أبو داود في سننه مجلد ٤ صفحة ٢٠٩ الحديث ٤٦٤٢، والمسعودي في مروجه - ذكر طرف من أخبار الحجاج مجلد ٣ صفحة ١٤٧ - وابن عبد ربه في العقد الفريد مجلد ٥ صفحة ٥٢، واللفظ لأبي داود قال: عن الربيع بن خالد العنبي قال:

سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله!

وفي العقد الفريد مجلد ٥ صفحة ٥١ أنه - أي الحجاج - كتب إلى عبد الملك يعظم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلا بها، وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ذلك أن الله خلق آدم بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه، فأعجب عبد الملك بذلك وقال: لوددت أن بعض الخوارج عندي فأخاصمه بهذا الكتاب... إلخ!

ثم أنزل من قدر الخليفة وجعله مساويا للرسول، فقال في خطبة له - كما في سنن أبي داود والعقد الفريد: إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم، ثم قرأ الآية: إذ قال الله يا عيسى بن مريم إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة). راجع سنن أبي داود مجلد ٤ صفحة ٢٠٩، والعقد الفريد مجلد ٥ صفحة ٥١

٦٩
وفي العقد الفريد كما في حوادث سنة ٨٩ مجلد ٥ صفحة ٦١ من تاريخ الطبري وابن الأثير مجلد ٤ صفحة ٢٠٥، وابن كثير مجلد ٩ صفحة ٧٦ وفي العقد الفريد بعد (من الذين كفروا) أنه أشار بيده إلى أهل الشام أي أنهم الذين اتبعوا الخليفة فجعلهم الله فوق الذين كفروا، وهم أهل العراق.

وأمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقي منها الناس، فقال خالد في خطبته على منبر مكة: أيها الناس أيها أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة! إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا!! بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية حجون، فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، قال الراوي: ثم غارت البئر، فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم.

هكذا بلغت منزلة الخليفة خاصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فصار من الشروط على الخليفة الجديد بعدهما أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الصديق والفاروق، كما هو ثابت بدون توثيق.

وخطب الحجاج يوما على منبر الكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله فقال:

تبا لهم يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ألا يعلمون أن خليفة الرجل خير من رسوله!!!

وهكذا ارتقت مرتبة الخلافة فوق مرتبة النبوة وبلغ الإسفاف بشيعتها حدا يخجل الإنسان من وصفه.

وفي هذا المناخ التربوي كتبت أحاديث رسول الله بعد ٩٥ سنة من منعها وحصارها!!

* *
٧٠
٧١

الفصل السابع
بيان النبي عند شيعة أهل البيت وشيعتهم

١ - النبي المعصوم، ومعنى العصمة

برأي محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، والسيد الشريف محمد بن الحسين الرضي الموسوي، كما جاء في الصفحة ١٥٠ من أوائل المقالات في المذاهب المختارات:

أن العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشئ، كأنه امتنع به عن الوقوع في ما يكره. وليست جنس من أجناس الفعل، ومنه قولهم: اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به، ومنه سميت العصم وهي وعول الجبال لامتناعها بها.

والعصمة من الله تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا أتى بالطاعة. وذلك مثل إعطائنا رجلا غريقا حبلا ليثبت به فيسلم، فإذا هو أمسكه واعتصم به، سمي ذلك الشئ عصمة له، لما تثبت به فسلم من الغرق، وإن لم يعتصم به لم يسم عصمة، وكذلك سبيل اللطف أن الإنسان إذا أطاع سمي توفيقا وعصمة، وإن لم يطع لم يسم توفيقا ولا عصمة، وقد بين الله تعالى ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) سورة آل عمران ١٠٣، وحبل الله هو دينه، ألا ترى أنهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه، فصار تمسكهم بأمره اعتصاما، وصار لطف الله لهم في الطاعة عصمة، فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والأئمة معصومون لأنهم متمسكون بطاعة الله.

٧٢
وهذا جملة من القول في العصمة، ما أظن أحدا يخالف في حقيقتها، وإنما الخلاف في حكمها، وكيف تجب، وعلى أي وجه تقع. راجع أوائل المقالات.

يقول الطوسي صفحة ١٥٢ من النافع يوم المحشر في شرح الباب الحادي عشر، وراجع عقيدة الشيعة الإمامية في الإمام الصادق وسائر الأئمة للسيد حسين يوسف مكي العاملي صفحة ١٢ و ٢٣، وفي أعيان الشيعة للمجتهد الأكبر محسن الأمين مجلد ١ صفحة ٢ و ٦ و ٧: إن من يخلف رسول الله معصوم من الله تعالى، والعصمة لا يطلع عليها إلا الله تعالى، وعصمة الإمام ضرورية، لأنه لو كان غير ذلك لم يؤمن من اتباع الهوى، خاصة وأنه معلم الأمة ما يجهلونه من أحكام الشرع، وصدور الذنب منه يؤدي لعدم الوثوق بأقواله، وذلك ينافي الغرض المطلوب من إمامته، فالدليل الدال على عصمة الرسول دال على عصمة خليفته المنصوص عليه شرعا، لأنه القائم مقام الرسول في حفظ الشرع وتأديته إلى الأمة، وقد أمد الله الأئمة بفيض من القابليات والاستعدادات والكمالات النفسية...، راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة ٢٣ - ٢٤

٢ - النبي لا ينطق عن الهوى

قال محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه أوائل المقالات صفحة ٦٩ ما يلي وبالحرف: إن نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعص الله عز وجل منذ خلقه الله عز وجل إلى أن قبضه، ولا تعمد له خلافا، ولا أذنب ذنبا، على التعمد ولا النسيان وبذلك نطق القرآن، وتواتر الخبر عن آل محمد، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه.

وأما ما يتعلق به أهل الخلاف من قوله تعالى (ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وأشباه ذلك في القرآن الكريم، ويعتمدونه في الحجة على خلاف ما ذكرناه، فإنه تأويل بضد ما توهموه، والبرهان يعضده إلى البيان، وقد نطق القرآن الكريم بما قد وصفناه فقال جل اسمه (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى) فنفى بذلك عنه كل معصية ونسيان.

٧٣
وقال في الصفحة ١٢٦ من شرح عقائد الصدوق أو تصحيح الاعتقاد: والعصمة تفضل من الله تعالى على من علم أن يتمسك بعصمته، والإعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة إليه، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصية له، وليس كل الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار، قال تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) الأنبياء آية ١٠١ وقال سبحانه: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) سورة ص آية ٤٧

والأنبياء والأئمة من بعده معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر، والعقل يجوز عليهم ترك مندوب إليه على غير التعمد للتقصير والعصيان، ولا يجوز عليهم ترك مفترض لأن نبينا (صلى الله عليه وآله) والأئمة: من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب والمفترض قبل إمامتهم وبعدها.

وفي الصفحة ٢٣٥ - ٢٣٧ من المرجع السابق قال الشيخ المفيد: فأما الوصف لهم بالكمال في كل أحوالهم، فإن المقطوع به كما لهم في جميع أحوالهم التي كانوا فيها حججا لله على خلقه، منذ أكمل عقولهم إلى أن قبضهم، وقد جاء في الخبر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة: من ذريته كانوا حججا لله تعالى منذ أكمل عقولهم إلى أن قبضهم، ولم يكن لهم قبل أحوال التكليف أحوال نقص وجهل، فإنهم يجرون مجرى عيسى ويحيى (عليهما السلام) في العلم والعصمة في أحوال النبوة والإمامة، ونتوقف قبل ذلك، وهل كانت أحوال نبوة وإمامة أم لا؟ ونقطع على أن العصمة لازمة منذ أكمل الله عقولهم إلى أن قبضهم....

٣ - آباء النبي كانوا موحدين

قال الشيخ المفيد: إن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) من آدم (عليه السلام) كانوا موحدين على الإيمان بالله حسب ما ذكره أبو جعفر (رحمه الله)، وعليه إجماع عصابة الحق، قال تعالى (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) سورة الشعراء ٢١٨ - ٢١٩، يريد به تنقله في أصلاب الطاهرين

٧٤
إلى أرحام المطهرات، وقد قال نبينا (صلى الله عليه وآله): ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني الله في عالمكم هذا)، فدل على أن آبائه كلهم كانوا مؤمنين، إذ لو كان فيهم كافرا لما استحق الوصف بالطهارة لقوله تعالى (إنما المشركون نجس) سورة التوبة آية ٢٨، فحكم على الكافر بالنجاسة، فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بطهارة آبائه كلهم ووصفهم بذلك دل على أنهم كانوا مؤمنين.

* *
٧٥

الفصل الثامن
قضية كتابة الحديث النبوي

١ - أهمية الحديث النبوي

قلنا إن المنظومة الحقوقية الإلهية تتكون من مقطعين: كتاب الله المنزل. ونبي الله المرسل بذاته، وقوله، وفعله وتقريره، وأن الصلة عضوية بين هذين المقطعين.

وقد تناولنا مواقف المسلمين من ذات النبي، وبينا أن هذه المواقف محصورة في مجموعتين: موقف الحكام وشيعتهم وهم أهل السنة. وموقف أهل البيت الكرام وشيعتهم، وهم أهل الشيعة. وسنتناول في هذا الفصل موقف المسلمين من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونلاحظ أن المسلمين قد انقسموا حتى في هذه الناحية إلى قسمين:

١ - الحكام وشيعتهم، وهم أهل السنة.

٢ - أهل البيت الكرام وشيعتهم.

٢ - كتابة حديث رسول الله

يستحيل أن تفهم المقصود الشرعي من كتاب الله دون بيان رسول الله لهذا الكتاب، وهذا البيان له أربعة وجوه: ذات النبي، وقول النبي، وفعل النبي، وتقرير النبي. وهذه حلقات متصلة يتعذر منطقيا وشرعيا الفصل بينها.

٧٦

٣ - حكم النبي في كتابة حديثه

جاء في صحيح البخاري - باب كتابة العلم: أن رجلا من أهل اليمن سمع حديث رسول الله فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان، راجع صحيح البخاري مجلد ١ صفحة ٢٢، والترمذي مجلد ١ صفحة ١٣٥، (وأبو فلان) هو أبو شاه.

وروى أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى النبي، فيسمع منه الحديث، فيعجبه، ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له رسول الله: إستعن بيمينك وأومأ بيده أي خط. راجع سنن الترمذي، كتاب العلم - باب ما جاء في الرخصة فيه مجلد ١٠ صفحة ١٣٤

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلا حقا، وفي رواية: إني أسمع منك أشياء، فأكتبها؟ قال: نعم. راجع مسند أحمد مجلد ٢ صفحة ٢٧.

وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق. راجع ترجمة عبد الله بن عمرو في أسد الغابة مجلد ٣ صفحة ٥٦، وتهذيب التهذيب مجلد ٥ صفحة ٢٣٧، ومعالم المدرستين مجلد ٢ صفحة ٤٢

وفي رواية أخرى: أنه أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني أروي من حديثك، فأردت أن أستعين بكتاب يدي مع قلبي إن رأيت ذلك، فقال (صلى الله عليه وسلم): إن كان حديثي، ثم استعن بيدك مع قلبك.

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: بلى فاكتبوها. راجع مسند الإمام أحمد مجلد ٢ صفحة ٢١٥

قال رسول الله في حجة الوداع: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم

٧٧
يسمعها، فكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه. راجع سنن ابن ماجة المقدمة - باب ١٨ الحديث ٢٣، ٢٣١، ٢٣٦، وسنن أبي داود الحديث ٣٦٦٠ باب ١٠، والترمذي - كتاب العلم - باب ٧ ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وسنن الدارمي مجلد ١ صفحة ٧٤ - ٧٦ المقدمة باب ٢٤، ومسند أحمد مجلد ٣ صفحة ٣٢٥ ومجلد ٤ صفحة ٨٠ و ٨٢ ومجلد ٥ صفحة ١٧٣

وفي حديث آخر: فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. راجع صحيح البخاري مجلد ١ صفحة ٢٤ كتاب العلم - باب قول النبي، وراجع كنز العمال الحديث ١١٢٦، وسنن ابن ماجة مجلد ١ صفحة ٨٥ الحديث ٢٣٣ وبحار الأنوار مجلد ٢ صفحة ١٥٢ الحديث ٤٢

٤ - حكم النبي عين المنطق والصواب

إذا كانت أولى مهام النبي بيان القرآن الكريم، وإذا كانت أدوات البيان النبوي شرعا وعقلا هي القول والفعل والتقرير، فمن الطبيعي جدا أن يأمر النبي بتوثيق هذا البيان، وأن ينقله السامع إلى غيره، وكما سمعه، وأن يحث أتباعه على أن ينقلوا بيان القرآن حيثما نقلوا القرآن نفسه، وهذا أمر من البداهة بحيث أنه لا يحتاج إلى برهان، لولا التقليد الأعمى، وفطرة بعض المسلمين على إطاعة من غلب طاعة عمياء. فلو قلنا بغير ذلك وألقينا جميع مصادر السنة النبوية في البحر، فماذا يبقى من شرائع الإسلام؟!!

٥ - موقف قادة التاريخ السياسي من كتابة أحاديث النبي

شرع الله حكمه المبارك في السياسة، والأشخاص، والأشياء، وكانت مهمة النبي أن يبين حكم الله في كل شئ على الإطلاق، وأن ينقل قواعد التشريع الإلهي من النظر إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الحركة عبر دعوة، وبوسيلة من وسائل ثلاثة وهن: القول، والفعل، والتقرير، أو بهذه الوسائل مجتمعة، وقد بين رسول الله حكم الشرع في كل شئ، وأكمل الله دينه وأتم نعمته، ثم انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى.

٧٨
ولسوء الحظ فإن الذين أسسوا دولة الخلافة التاريخية اقتنعوا أن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، وأن كلام الرسول وهو في حالة غضب قد يمس أشخاصا معينين، أو يبين حكم الله في أمور معينة وهذا المس، وذلك البيان قد يؤذيان هؤلاء الأشخاص، فينفرون من الإسلام، ويقع الخلاف بعد ائتلاف، لذلك وكراهية من هؤلاء القادة للخلاف، وحرصا على مصلحة الإسلام فرضوا رقابة صارمة على أحاديث الرسول، وروايتها، وكتابتها بعد وفاته، ومن هنا فقد قسموا أقواله إلى قسمين:

١ - قسم من أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدر منه وهو في حالة رضا، ولا يمس أشخاصا معينين، ولا يتعارض مع سياسة الدولة، فهو مقبول ونافذ ولا اعتراض عليه.

٢ - قسم من أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدر منه وهو في حالة غضب، وهذه الأقوال قد تمس الأشخاص، أو تتعارض مع سياسة الدولة، أو تؤدي للخلاف، هذه الأقوال هي موضوع المعارضة.

٦ - الأدلة على ذلك

الدليل الأول: جاء في سنن الدارمي مجلد ١ صفحة ١٢٥ باب من رخص بالكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود مجلد ٢ صفحة ١٢٦ باب كتابة العلم، ومسند أحمد مجلد ٢ صفحة ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦، ومستدرك الحاكم مجلد ١ صفحة ١٠٥ - ١٠٦، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الحديث ٢ صفحة ٨٥ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:

كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق.

٧٩
فمن هي قريش التي نهت ابن العاص عن كتابة أحاديث الرسول؟ وما هي مصلحتها بهذا النهي؟ ومتى اجتمعت قريش دفعة واحدة؟ وسيتبين لك أن قريش تلك هم قادة التاريخ السياسي الإسلامي، وشيعة هؤلاء القادة الكرام!

الدليل الثاني: جاء في صحيح البخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وجاء في صحيح مسلم - كتاب البر والصلة - باب من لعنه النبي... وكفى ببخاري ومسلم دليلا عند شيعة قادة التاريخ، وجاءت الرواية فيهما كما يلي وبالحرف:

أن رسول الله كان يغضب، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها، ودعا الله أن يجعلها لمن بدرت منه زكاة وطهورا.

ومع عميق الاحترام، فإن هذه الأقوال لا تستقيم لا بمعيار العقل ولا بمعيار الشرع، ولا بالمعيار الواقعي لصاحب الخلق العظيم، وقد حاولنا أن نحلل ذلك فيما مضى، وما يعنينا الآن هو أن قادة التاريخ السياسي قسموا حديث رسول الله إلى قسمين: قسم صدر منه في حالة الرضا، وقسم صدر منه في حالة الغضب.

الدليل الثالث: وهو ما سماه ابن عباس بيوم الرزية، حيث روى البخاري وقائع هذا اليوم الأسود بست روايات في مجلد ٧ صفحة ٩ دار الفكر، ومسلم في مجلد ٥ صفحة ٧٥ المكتبة التجارية، ومجلد ١١ صفحة ٩٥ صحيح مسلم بشرح النووي، فضلا عن عشرات المراجع سنذكرها في حينها.

وملخص ما جرى في هذا اليوم الأسود أن رسول الله قال لمن حوله: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فانقسم الحاضرون إلى قسمين: قادة التاريخ السياسي الذين قالوا: إن الرسول قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وأحيانا قالوا: إن الرسول قد هجر، ما له إنه يهجر؟ استفهموه إنه يهجر؟ حاشا له.

وأما القسم الآخر فقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله. وتمكن القسم الأول من أن يفرض وجهة نظره تماما، وحال هذا القسم بين الرسول وبين كتابة ما أراد. هذا القسم

٨٠