×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخلافة المغتصبة أزمة تاريخ أم أزمة مؤرخ ؟ / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٦ فارغة
كتاب الخلافة المغتصبة للكاتب إدريس الحسيني (ص ١ - ص ٣٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الاهداء

إلى ريحانتي سعيدة - أم حيدر - على ما وفرته لي في أجواء مشجعة كل البحث والدراسة.. ولما هي حقيقة به من جزيل الشكر وعظيم الفخار.. أهدي هذا الكتاب، خدمة للحسين (ع).

٧

مقدمة

في كتابي السابق - الإنتقال الصعب - كنت قد تجاوزت الكثير من الموضوعات المهمة بسبب السرعة من جهة، وبسبب تجنبي الدخول في مطارحات معقدة من جهة أخرى. ذلك أن كتاب - الإنتقال - لم يكن سوى مجلى لتجربة استمرت رازحة بين أسوار الباطن القاتل والممل، ميدانا لفورة عاطفية أفقدتني كما سبق القول مني " تقنياتي المعرفية " - لذا كان الخطاب فيها ذو نبرة حادة تعبر في ذات الوقت، عن حجم القلق الذي ظل يكتنفني ويتسلط على قريحتي. وهو القلق الذي يعاني من تسلطه كل باحث عن الحقيقة في أغوارها المظلمة، وكل متنقل في ملكوت الاعتقاد، في رحابه الواسعة. ومن جهة أخرى، لأن العنصر الشخصي كان له حضور مكثف في كل زوايا الكتاب، فكان أقرب ما يكون إلى قصة منه إلى كتاب بحث وتحليل!.

أود قبل ولوج أبواب البحث، أن أتحدث عما آثاره كتاب " الإنتقال " من ردود الفعل في بعض الأوساط، وما أثاره من الاعجاب والأريحية في نفوس البعض الآخر. علما أن الكتاب كما سبقت الإشارة إليه، لم يكن يهدف إلى الانتصار لطائفة على أخرى، ولا إنزال فئة مقابل أخرى. كانت الحقيقة هي مدار الكتاب، الحقيقة وحدها!.

كان مما آخذوني عليه، تلك الطريقة العنيفة والطبيعة الخشنة التي تناولت بها الموضوع، ومن جهة ثانية، وجدوا علي فيما ذهبت إليه من مرويات مسقطة

٨
ومزدرئة بأشخاص مقدسين، كما فيه تعرض للصحابة والخلفاء الراشدين!.

وثالثا، عن تجاوزي مصلحة الوحدة، وسعيي وراء الفتن التاريخية.

ولست واجدا على هؤلاء فيما ادعوه من الأمر، خصوصا بعد أن أثلج صدري انطباع زمرة من العلماء والمشايخ ممن أثق في أهليتهم ونبوغهم.

أرد على من رأى في أسلوبنا عنفا زائدا وجرأة مفرطة. بأنني لم أكتب كتابي إلا بدافع الاحتجاج. فالقضية في تقديري متصلة بمصير الإنسان أمام خالقه وبدينه الذي يشكل ينبوع ممارسته العبادية اليومية عندما ترى نفسك وقد دنوت قاب قوسين أو أدنى من لهيب النار، وفجأة تكتشف حبل النجاة. أفلا يدعوك ذلك إلى الجنون، إلى قول أي شئ في حق من قادك إلى هذه الهوة السحيقة، للهوه ولعبه. ماذا كنت أنوي قوله لربي، لو سألني عمن هو إمام زماني؟!.

أفكنت مجيبا: يا ربي إني لا أدري! ماذا لو قضيت كل حياتي في معرفة كل الرجال، وذهبت إلى ربي وأنا لا أعرف عن أئمة أهل البيت شرو نقير؟!.

أفكنت مجيبا: يا ربي إني قد عرفت مالك وبن حنبل والشافعي، وأبا حنيفة.

وعرفت يا ربي، فولتير ومونتسكيو وفيرلين.. ولم أعرف الإمام زين العابدين، أو الإمام الصادق، أو حتى إمام الزمان؟!.

كيف كان يتهيأ لي إن الرسول، بعدها سيحضنني في جنات الخلد والتمس القرب منه وبرفقة ابنه الحسين (ع) أأقول له - بالله عليك، هأنذا جئتك يا رسول الله بعد أن قربني منك تعبدي واتباعي لرجال ذبحوا وخذلوا ابنك هذا الذي بين جنبيك؟!.

إن القضية إذا نظرنا إليها بمنظار الإيمان، والحق. سوف لا أكون إلا كذلك، عنيفا وجريئا. أما الذين وجدوا في تلك المرويات التي أثرتها في كتابي، تحريضا بالصحابة والراشدين. فإنني لا أجد طريقا يقوى، ولا دليلا تنهض في وجه من يرفض الروايات، لا لضعف سندها ولا لرطانة متنها، وإنما فقط لأجل تعرضها للمقدسين!.

٩
ما ذنب الرواية إذا جاءت بما يخالف المقدس، وبما لا يستجيب لهوى المقدسين؟! وهل هذا المقدس يستمد حجيته من النص أم أنه يستمدها من الذهنية التاريخية - السياسية -؟!.

متى رأى الذين يقدسون أشخاصهم بالعيان؟! حتى يقطعوا بأنهم كانوا على حالة أسطورية من التقوى والورع؟! إننا لم نتعرف عليهم إلا من خلال الروايات، فلماذا نقف في وجه الروايات المناقضة علما بأن الرواية هي مصدرنا الوحيد لمعرفة رجال التراث! إنها رواية برواية، واللبيب من يفهم بالعقل والإشارة!.

ثم من هم هؤلاء الذين أسقطتهم؟ أوليسوا هم الذين أسقطوا أنفسهم. أولم يسقطوا رسول الله (ص) عندما خالفوه في حياته واستنكفوا عن تنفيذ وصاياه في مماته. وقتلوا أبناءه وضيقوا على نسله الطاهر. لقد قال عنه عمر: إنه يهجر.

ورفض هو وأبو بكر تجهيز جيش أسامة بن زيد. وتصرف أبو بكر في ماله (ص) بلا حق.

لقد أسقطوه في عين عامة المسلمين، أسقطه عمر وهو ينزله منزلة أبي بكر في الهدى، عندما قال:

لأن لم أستخلف فإن الرسول لم يستخلف، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر.

لقد أسقطوه - بأمي وأبي - فكيف أجد حرجا في التعرض لهم بحق. إنني لم أرم تسقيطهم، ولكنني حاولت فقط إرجاعهم إلى أحجامهم الطبيعية، أزلت فقط ورقة التوت عنهم لتنكشف عوراتهم أمام أجيال المسلمين. أفهذا يعتبر تسقيطا؟! ثم بالله عليك، متى كانوا كبارا حتى نسقطهم؟! وهل وجودهم كبارا وعمالقة في الأذهان المسحورة بكذب المؤرخين كاف لجعلهم كبارا وعمالقة في واقعهم التاريخي. كيف أكبر من قال عن نفسه:

إن لي شيطانا يعتريني. أو " كل الناس أفقه منك يا عمر ".

نعم.. لقد تعرضت مثلا لنسب عمر بن الخطاب، وذكرت ما علق به من

١٠
رواسب جاهلية بسبب ما سبق من تكريعه للخمر. وإني لم أقل شيئا لم يثبت في واقع الأمر، فنسب عمر كما ذكرته كان مما جاء في مثالب النسابة الكلبي وهو من الممدوحين عند العامة وقد مدحه ووثقه بن خلكان، كما اعتمد رواياته بن خلدون، وكثير من حفاظ ومؤرخي العامة. وإن وجد من يؤاخذني على تعرضي لما ولده الادمان على الخمر في شخصية عمر. فإن ذلك ليس إسرافا مني لم يسبقني أحد إليه. قلت في الإنتقال:

" وعلى الرغم من أن الخمر كانت من عادة العرب، إلا أن التواريخ والسير، تثبت إن من بين العرب من كان يتورع عنها " وهذا إسراف بدا مني لما بت أحاسب عمر على فعل قام به في الجاهلية. ولكن كان أجدر بمن اعترض على ذلك أن يفهم سياق حديثي، الذي كان يهدف تحليل شخصية عمر النفسية والاجتماعية. ولعل قولة سبقت من ابن خلدون تعزز ما ادعيناه، إذ قال: " وقد كانت حالة الأشراف في العرب الجاهلية في اجتناب الخمر معلومة، ولم يكن الكرم شجرتهم، وكان شربها مذمة عند الكثير منهم " (١).

وهذا يدل على أن عمر الذي كرعها في جاهليته لم يكن من أشراف العرب، حسب هذا الزعم.

أما الذين اعتبروا كتابي واقعا ضد الوحدة، وباعثا على الفتنة التاريخية. فماذا أقول لهم؟.

إن عقلي لم يعد يفهم هذه الفلسفة الوحدوية المجحفة، ولا ذائقتي بالتي تستسيغ هذه النغمة السياسوية. أي وحدة هذه التي تقوم على مذبحة الحق؟!.

وأي فتنة بدأت وانتهت؟! كيف أسكت وأنا أرى مجاميعهم تعقد الجلسات وتؤلف البحوث الطوال في تكفير أهل الولاية ومحاصرة المد العلوي.

لنعد فيما نعود إليه إلى طاولة المفاوضات التاريخية وبعقلية نيرة ومنهجية موضوعية.

وعلى كل حال فأنا لا أروم الفتنة ولا إعاقة الوحدة. وإذا كانت الفتنة هي أن

(١) تاريخ ابن خلدون، ص ١٨ ج ١.
١١
أكشف عن وجه الحقيقة والوحدة هي أن أساهم في تعزيز الباطل، فنعم الفتنة هي ونعم الفرقة كانت!.

هناك دائما دواعي تدفع الإنسان إلى مثل هذه المشاريع. هو هذا الجهل العريض والأمية المنتشرة في أرجاء الوطن الإسلامي، هذا الجهل وتلك الأمية لهما رابطة بمجمل المباني المذهبية عند المسلمين، فأصول الفقه وقواعده يتغذى بمنهجية الفقهاء كما تحددها ملكاتهم ومبانيهم، وهذه الملكات وتلك المباني تقوم على علم الحديث، وهذا الأخير يقوم على السند في اتصاله وعدالة رجاله، وهنا تكمن الثغرة الخطيرة أي في عدالة الراوي التي تقوم على المزاج السياسي والإيديولوجي، المزاج الذي لا يمكن فهم حقيقته إلا بإرجاعه إلى سياقه التاريخي، لماذا يتحول أبو هريرة الدوسي الذي رفض عمر بن الخطاب نفسه رواياته، ونعته الإمام علي (ع) بالكذب على رسول الله (ص) إلى رجل صادق الرواية موثق عند أهل السنة والجماعة. أليس هو ذات المزاج السياسي والإيديولوجي لأن أبا هريرة كذب على الرسول (ص) لدعم بني أمية لقاء حطام الدنيا، وماذا كان سيعطيه علي (ع) فيما لو ظل عمره كله يمدحه. وهل إن أبا هريرة الدوسي هذا الذي جمع في ذاكرته مالذ وطاب من مرويات، كيف لا يدعوه ما حفظه من رسول الله (ص) إلى نصرة الحق الذي قاتل من أجله علي (ع) أولا أقل أن لا يروم معسكر معاوية لينصره بأكاذيبه المفضوحة، وإن الذي بشهادته ذاته إنه صاحب الرسول (ص) لإشباع بطنه، كيف لا يصاحب معاوية بعد أن ضمن له وفرة الدنيا بعد أن لم يحلم بها في حياته، علما أن صحبة معاوية لا تقتضي منه سوى مزيدا من الكذب والتجديف.

إن الجهل المطبق، والأمية المنتشرة تجعل من الضروري أن تنهض الأصوات المسؤولة بالدعوة إلى ما يلم شعث الإسلام الحق ويرأب صدعه ويعيد حبك نسيجه المنفوش.

في مناقشاتي الكثيرة مع العامة، كنت أضع هدفا من احتجاجاتي. أن تعالوا جميعا للتباحث الموضوعي الهادف إلى تصحيح ما ينوء به الصرح الإسلامي من متعلقات الماضي، لنجعل من مواد دراساتنا، مادة تعني بالفقه المقارن تكون أساسا للتعريف بمختلف المذاهب الإسلامية، والأسس التي تقوم عليها وتاريخية

١٢
نشوءها وتطورها، يتولى توضيحها علماء نزيهون يمثلون مختلف المدارس والمذاهب الإسلامية، غير أن الواقع ظل دائما يجري بعكس الاتجاه المطلوب، الإمام الصادق (ع) مثلا، هو ذلك العملاق الكبير الذي على يده تخرج كبار الفقه الإسلامي، نراه يقبر في ذاكرة النسيان، في حين هناك بعض الأصوات المختنقة بتعسفها، تحاول عبثا إنقاذ بعض المذاهب من تحت الرميم، وتعيد بناء الطلل المنسي.

فمتى ما لم يتنازل الطرف الآخر عن موقفه الصارم الذي لا يتسع لرأي الآخر، فإن المشكلة ستبقى عالقة إلى الأبد. حتى ولو طال المزمار بطلب الوحدة، إن الرافضي ظلت ولا زالت هي عنوان كل معتصم بولاية الأئمة الطاهرين من أهل البيت، وكان التشيع ولا يزال تهمة مسقطة للسمعة. ففي الماضي المتخلف كانت تهمة التشيع تعني الجريمة التي لا حد فيها غير الإعدام في دولة خلفاء بني أمية والعباس. وعلي تهمة تتلف عدالة الراوي عند المحدثين، ومن هنا كان بينهم والتعرض للإمام النسائي أن ينسبوا له التشيع عندما كتب في خصائص الإمام علي (ع) فنال بها ما شاء له الخلفاء من الشتم والضرب كما أن الشافعي الذي يعد أحد أئمة المذاهب الأربعة كان ممن أتهم بالتشيع لأهل البيت (ع) وكان البخاري يرفض الرواية عنه، ولم يخرج أحاديثه كما ذكر الرازي في مناقبه، وكذلك الطبري المؤرخ الكبير وصاحب أول تفسير جامع عند العامة، لم ينج من هذه التهمة التي رجم من أجلها، في حين لا يجد المحدثين حرجا في أن يخرجوا أحاديث لمن عرف بالنصب لأهل البيت. فقد أخرج البخاري لعمر ابن حطان، وهو خارجي، كما أخرج النسائي لعمر بن سعد قاتل الحسين. إن هذه التهمة أصبحت معنية في حد ذاتها. أن يكون المرء شيعيا كاف لإخراجه من الملة أو الآدمية في عصور الظلام.

وساعد في ذلك بلاغات العرب في تشويه صورة أعدائهم أو أقلياتهم، ولعل الكثير ممن يجهل مغزى هذه التهمة كان ينخرط بسهولة في هذه الجوقة الناصبية، وذلك من باب حشر مع الناس عيد. فكثير من أهل الشام ظلوا يلعنون عليا (ع) في المنابر، ولم يعرفوه عن قرب، حتى إذا جاء الشامي إلى الكوفة ويسأل عن علي (ع) فيقال له إنه بالمسجد، يأخذه العجب، ويدهشه الأمر، معربا عن حالته

١٣
بقوله. أو علي يصلي!؟.

وهو حال من انخرط بغباء في هذه الجوقة الناصبية في عصرنا، لقد قال ابن الأثير في كامله:

" قال علي بن عيسى: لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه ".

ويؤسفني جدا أن تستمر الحقيقة في الغياب عن هذه الأمة النائمة، والتي زادها نوما كسلها في التماس عقيدتها الصحيحة، مكتفية بما حملته أقلام التحريف على أديم التاريخ.

وهناك أيضا بعض من صغار القوم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ممن راموا تهديدنا بعد سماعهم الكتاب، ويا ليتهم قرأوا ما جاء فيه وتمعنوه، إذن لاستناروا منه ما يرشد ألبابهم في الفجاج المختلفة، وقضوا به على عتمة أذهانهم وجهالاتهم. وبعضهم وجد علينا في اتهامنا جمهورهم بالجهل والأمية. وكأنهم ممن أخذتهم العزة بالجهل.

فترفعنا عن الالتفات إلى. استفزازاتهم الصغيرة، وأحجمنا عن التنغم بأقاويلهم إحجام الساري عن نقيق الضفادع. إنهم حاولوا تسلق مقامات العلماء بجهلهم وصغارهم. هؤلاء رحمة بهم سوف لا نعطي أهمية لما قالوه.

وفي النهاية أود أن أقول إن كتابنا هذا محاولة في استدراك ما فاتنا هناك. عاملين الوسع في مناقشة القضايا الكبرى في الفكر الإسلامي وعقائده وتاريخه. التي لا زالت عالقة في أذهان المسلمين لا يتوفر لديهم فيها حل شاف ولا جواب منطقي.

ولأن الإمامة وما يتصل بها من موضوعات هي مفتاح كل الصراعات التي شهدها التاريخ الإسلامي، وحيث كانت هي الأساس الذي تكاثرت عليه جميع الاتجاهات والمذاهب الكلامية والفقهية، كان لا بد من التطرق إليها بمزيد من البحث والإيضاح. ولأن اختيارنا المنهجي - أيضا - ظل هو التاريخ، لما يمثله هذا الأخير من أهمية قصوى في تسهيل البحث وتيسير الايضاح، تقرر عندي أن يكون هو ميدان الدراسة من دون أن يقودنا ذلك إلى رفض الميادين الأخرى التي تساهم

١٤
أيضا في تيسير البحوث.

فإذا كان التاريخ كذلك، ساحة يتحرك فيها وعينا بكل ما له علاقة بالفكر الإسلامي، وإنه ساحة ضرورية لفهم نشوء وتطور وتكامل الظاهرة الفكرية والسياسية والمذهبية كان من الواجب علينا تبني قواعد الممارسة التاريخية والمنهج التاريخي الذي يعطي للسياق دورا أساسيا في الحدود التي تتجلى فيها سلطة السياق التاريخي على الوقائع والأحداث وعلى عملية تفكير هذه الوقائع والأحداث.

وما دام إن المنهج الذي تبنيناه يدعونا إلى إعادة المباني المذهبية إلى طبيعتها البسيطة من جهة تعقدها بفعل الصيرورة التاريخية، وإلى وحدتها من جهة تداخلها بالعناصر الأخرى المتعددة، التي تؤسس المبنى المذهبي. كان لا بد من الرجوع إلى النص النبوي الذي يقع في خط النص القرآني من الناحية البيانية.

وذلك في ضوء السياق التاريخي الذي وقعت فيه محنة النص النبوي وانطلقت سلطة الرأي، لتحل محله. ولأن السقيفة لم تكن سوى المنعطف الأول، أو بؤرة لانعكاس المخبوء والمستتر من واقع المجتمع الإسلامي، بدأنا حديثنا عن ملابساتها محاولين التعرض لمجريات أمرها. لتعيدنا مرة ثانية إلى السقيفة. إذ أن هذه الأخيرة هي بمثابة محطة ضرورية لفهم السيرة النبوية فهما حقيقيا. وكذلك محطة ضرورية في إيضاح تاريخ الخلافة والخلفاء. وحيث أن أول واقع فعلي للخلافة تتجسد فيما أسموه بالخلفاء الراشدين، كان اهتمامي أيضا منصبا على هذا الموضوع للوقوف عند حقيقته، والنهوض بدليل تاريخي، لإعادة المصداقية والاعتبار إلى النص ذي المعنى المغيب، من أجل إعادة تأسيس الفهم والوعي بتاريخنا الإسلامي. ولأن هذه التركيبة " الراشدة " لها علاقة بالصحبة وقضية الصحابة. كان لا بد من التطرق إلى هذا الموضوع الشائك لتوضيح جوانبه.

وبعد ذلك هناك بعض القضايا التي أطلقت عليها اسم " الأصنام " والتي أرى من الضروري هدمها، لأنها تحجب الحقيقة على الإنسان. وهي عبارة عن مسائل كثيرة مثار جدل ونقاش بين المذهبين. وحيث أن الأمور في جريانها لم تكن سوى امتداد لمنعطف السقيفة كنت أود لو أشير إلى أن السقيفة لم تشكل أول منعطف إلا فيما يتعلق بالمرحلة التي توفي فيها الرسول (ص) بينما هناك منعطفات أخرى جرت

١٥
قبل ذلك، مثل واقعة الفتح. فالفتح كان يشكل منعطفا مهما في التاريخ الإسلامي، حيث دخل الجميع إلى الإسلام، وهذا منعطف رسم مرحلة القوة في الدولة الإسلامية يومذاك.

غير أن دخول الجموع الغفيرة من مؤلفة قلوبهم وطلقاء. جعل المجتمع الإسلامي يدخل مرحلة جديدة من التحدي، هي مرحلة المنافقين في المجتمع الإسلامي. وأردت هذه المرة أن أجعله منطلقا في تفهم باقي المجريات.

وبعد ذلك حاولت أن أردف بحثي هذا، بطرح قضية الإمامة كما حللها ابن خلدون في تاريخه. مع الرد عليه فيما ذهب إليه من مزاعم، وكان ذلك هو الشق الثاني من البحث.

أسلوب الكتاب واضح جدا. لا محل فيه للتعقيد اللغوي. يعتمد طريقة النظار في الرد على المبطلين، كما يعتمد التحليل في فهم جانب من الظاهرة المدروسة. ميسر للقراءة والفهم والاستيعاب.

ربي يسر لي أمري.

واحلل عقدة من لساني.

يفقهوا قولي.

٢٨ / ٤ / ١٩٩٤   
الدار البيضاء - المغرب

١٦
١٧

مدخل

حركة النفاق في المجتمع الإسلامي

هناك مرحلتان مرت بهما تجربة الرسالة في مقاومة الشرك العربي.

الأولى: تجسدت في مسلسل المعارك والحروب التي قادها الرسول الأعظم (ص) ضد مشركي مكة من أجل الإطاحة بهم.

الثانية: كانت بمد الفتح الإسلامي ودخول أخلاط كثيرة من العرب إلى الإسلام.

لقد كان أصل الصراع الذي جرى في بداية الدعوة، هو ما أسماه. القرآن الكريم مراع الشرك والإيمان.

وكان هدف الإسلام ابتداء هو إخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. فالجاهلية تمثل كل ما له علاقة بقيم الشرك، مقابل الإسلام الذي يمثل قيم التوحيد. وكان لكل معسكر رموزه وفعالياته. فالجاهلية عرفت رموزها وقياداتها في بني أمية بن حرب بقيادة أبي سفيان. الذي كان وراء أخطر الحروب وأضراها على المسلمين، ولكم كاد الإسلام أن ينتهي ويهلك أهله بتلك الحروب، ولعل أهم تلك المغازي التي كادت تذهب ريح المسلمين، هي غزوة الأحزاب التي وصفها القرآن، قائلا:

١٨
" وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر " (٢).

وكان مما قاله الرسول (ص) داعيا به ربه في تلك المعارك:

" اللهم إن تهلك هذه العصابة، لن تعبد في الأرض " (٣).

فهذه الحروب التي قادها المشركون بقيادة بني أمية. لم تكن حروبا سهلة. بل إنها كلفت المسلمين خسائر كثيرة في الأموال والأرواح. وكان الوحي يعايش هذه المحنة عن كثب. وكثيرا ما لعن وواعد بالنار مشركي قريش. ونزلت آيات كثيرة تبشرهم بعذاب أليم.

وكما كان لمعسكر الشرك رموزه وقياداته، فإن المعسكر الإسلامي تمثلت رموزه وقياداته في بني هاشم وعلى رأسهم الرسول (ص) وعلي (ع). تكرست تلك العداوة بين الفريقين بين أبي سفيان ووزراءه من دهاقنة الشرك، ونبي الله محمد (ص) ووزيره علي (ع) عداوة أشد ما تكون العداوة.

وكان الفتح بمثابة منعطف مهم في حياة الجماعة المسلمة. فالإسلام سوف يتحول من مستوى العصابة والجماعة الثائرة، إلى مستوى الدولة. والشرك سوف يتحول إلى عكس ذلك، من تجمع مركزي إلى حالة ضعيفة وفاشلة. وهذا التحول الكبير في تجربة المسلمين كان له أثران: أحدهما إيجابي تجلى في قوة الإسلام وشمول حاكميته. والثاني نتج عن دخول تلك الاخلاط في الإسلام بمن فيهم الطلقاء الذين عفا عنهم الرسول (ص) بعد أن أمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة.

إن الهزيمة العسكرية للشرك ليست كافية لتحسين إيمانهم، لقد انهزموا بعد أن نفذت كل حيلهم ومكايدهم لتحطيم الإسلام. وبعد أن نصبوا كل ما يملكون من حواجز، وأفرغوا كل ما في كنانتهم حتى الأهزع.

لقد دخل المشركون مرحلة جديدة من العمل وسلكوا استراتيجية الهدم من

(٢) ١٠ / الأحزاب.

(٣) سيرة ابن هشام. في معركة بدر، ص ٢٦٩ ج ٢ ط ٢ دار الكتاب العربي.

١٩
الداخل وبأسلوب سري للغاية. فتحولوا إلى شريحة منافقة في المجتمع تترصد الفرصة للانقضاض عليه.

ولم يكن النفاق في حقيقة الأمر سوى امتداد طبيعي ومنطقي للشرك. فهو حلقة من حلقاته التاريخية. ظل بنو أمية على امتداد أحفادهم يمثلونه. في حين استمر التوحيد مع محمد وعلي وبنيه (ع).

إن الطبيعة الامتدادية للشرك، نلمحها في عودته بعد أن استتب الأمر لبني أمية عندما لحقت أهل البيت (ع) أعنف ضربة بقتل الإمام الحسين (ع) تمثلها يزيد وهو يومها مالك لزمام الأمور:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل (٤)
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا: يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لست من عقبة إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

وأوضح الرسول الأعظم (ص) فيما أوضح للمسلمين. من أن سمة النفاق تتجلى في بغض هذا البيت الهاشمي وفي بغض علي (ع) لذلك شاع قوله عليه الصلاة والسلام: (يا علي، لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق " (٥).

وعندما جعل القرآن سمة المنافقين في لحن القول، أدرك المسلمون إن ذلك يتم من خلال موقفهم من علي (ع) لقد روى الجمهور، عن أبي سعيد الخدري أنه قال في قوله تعالى:

(٤) تاريخ ابن كثير ٨ / ٢٠٤.

(٥) كنز العمال / علاء الدين الهندي ص ٥٩٨ ج ١١ مؤسسة الرسالة ط ٥ - ١٤٠٥ ه‍ بيروت. ورواه أيضا أحمد ومسلم والترمذي.

٢٠