×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعبل الخزاعي وشعره في الغدير / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب دعبل الخزاعي وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

دعبل الخزاعي
الشهيد ٢٤٦ هـ


تجاوبن بالأرنان والزفرات * نوائح عجم اللفظ والنطقات
يخبرن بالأنفاس عن سر أنفس * أسارى هوى ماض وآخر آت
فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت (١) * صفوف الدجا بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المها * سلام شج صب على العرصات (٢)
فعهدي بها خضر المعاهد مألفا * من العطرات البيض والخفرات (٣)
ليالي يعدين الوصال على القلا * ويعدى تدانينا على الغربات
وإذ هن يلحظن العيون سوافرا * ويسترن بالأيدي على الوجنات
وإذ كل يوم لي بلحظي نشوة * يبيت بها قلبي على نشوات
فكم حسرات هاجها بمحسر (٤) * وقوفي يوم الجمع من عرفات
ألم تر للأيام ما جر جورها * على الناس من نقص وطول شتات؟!
ومن دول المستهزئين ومن غدا * بهم طالبا للنور في الظلمات
فكيف ومن أنى بطالب زلفة * إلى الله بعد الصوم والصلوات؟!؟!
سواحب أبناء النبي ورهطه * وبغض بني الزرقاء والعبلات
وهند وما أدت سمية وابنها * أولوا الكفر في الاسلام والفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه * ومحكمه بالزور والشبهات
ولم تك إلا محنة قد كشفتهم * بدعوى ظلال من هن وهنات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى * وحكم بلا شورى بغير هدات

(١) تقوضت الصفوف: انتقضت وتفرقت.

(٢) المها: البقرة الوحشية. الصب: العاشق وذو الولع الشديد.

(٣) خفرت الجارية: استحيت أشد الحياء.

(٤) وادي محسر بكسر السين المشددة: حد " منى " إلى جهة " عرفة ".

٢
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة * وردت أجاجا طعم كل فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهم * على الناس إلا بيعة الفلتات
وما قيل أصحاب السقيفة جهرة * بدعوى تراث في الضلال نتات
ولو قلدوا الموصى إليه أمورها * لزمت بمأمون عن العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى * ومفترس الأبطال في الغمرات
فإن جحدوا كان " الغدير " شهيده * وبدر واحد شامخ الهضبات
وآي من القرآن تتلى بفضله * وإيثاره بالقوت في اللزيات
وغر خلال أدركته بسبقها * مناقب كانت فيه مؤتنفات (١)

(القصيدة ١٢١ بيتا)

* (ما يتبع الشعر) *
من كلمات أعلام العامة

١ - قال أبو الفرج في الأغاني ١٨ ص ٢٩: قصيدة دعبل:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات (٢)

من أحسن الشعر وفاخر المدايح المقولة في أهل البيت عليهم السلام، قصد بها علي ابن موسى الرضا عليه السلام بخراسان قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال لي: أنشدني شيئا مما أحدثت. فأنشدته:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

حتى انتهيت إلى قولي:

إذا وتروا مدوا إلي واتريهم * أكفا عن الأوتار منقبضات

قال: فبكى حتى أغمي عليه وأومأ إلى الخادم كان على رأسه: أن اسكت. فسكت فمكث ساعة ثم قال لي: أعد. فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى وأومأ الخادم إلي: أن اسكت. فسكت فمكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد. فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها. فقال لي: أحسنت - ثلاث مرات -

(١) أنف كل شئ: أوله. وروض أنف: ما لم يرعه أحد: كأس أنف: لم يشرب بها. المستأنف: ما لم يسبق إليه.

(٢) هو البيت الثلاثون من القصيدة وتسمى به.

٣
ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن دفعت إلى أحد بعد وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إلى الخادم، فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم إشتراها مني الشيعة فحصل لي مائة ألف درهم فكان أول مال اعتقدته (١) قال ابن مهرويه: وحدثني حذيفة بن محمد: أن دعبلا قال له: إنه استوهب من الرضا عليه السلام ثوبا قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل وإلا فأنت أعلم.

فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعا ولا تنفعكم غصبا وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف الدرهم وفرد كم من بطانتها، فرضي بذلك فأعطوه فردكم فكان في أكفاته وكتب قصيدته:

مدارس آيات خلت من تلاوة * .  .  .  .  .  .         

فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في أكفانه (٢)

وروى في ص ٣٩ عن دعبل قال: لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي: السلام عليكم ورحمة الله انج يرحمك الله. فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم فقال لي: لا ترع عافاك الله فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرء إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

فأحببت أن أسمعها منك. قال فأنشدته إياها فبكى حتى خر، ثم قال: رحمك الله ألا أحدثك حديثا يزيد في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك؟! قلت: بلى. قال مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السلام فصرت إلى المدينة فسمعته يقول:

حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي وشيعته هم الفائزون. ثم ودعني لينصرف فقلت له: يرحمك الله إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل. قال: أنا ظبيان

(١) في معاهد التنصيص ١ ص ٢٠٥، عيون أخبار الرضا ص ٢٨٠.

(٢) وذكر في معجم الأدباء ٤ ص ١٩٦، ومعاهد التنصيص ١ ص ٢٠٥، وعصر المأمون ٣.

٤
بن عامر (١).

٢ - قال أبو إسحاق القيرواني الحصري المتوفى سنة ٤١٣ في " زهر الآداب " ١ ص ٨٦: كان دعبل مداحا لأهل البيت عليهم السلام كثير التعصب لهم والغلو فيهم وله المرثية المشهورة وهي من جيد شعره وأولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات؟!
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الآفاق مفترقات؟!
أحب قصي الدار من أجل حبهم * وأهجر فيهم أسرتي وثقاتي

٣ - قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه ٥ ص ٢٣٤: ثم إن المأمون لما ثبتت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه أقبل بجمع الآثار في فضايل آل الرسول فتناهى إليه فيما تناهى من فضائلهم قول دعبل:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات

فما زالت تردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل (٢) فقال له: أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس عليك ولك الأمان من كل شيئ فيها فإني أعرفها وقد رويتها إلا أني أحب أن أسمعها من فيك. قال: فأنشده حتى صار إلى هذا الموضع:

ألم تر أني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهم * وآل زياد غلظ القصرات
بنات زياد في الخدور مصونة * وبنت رسول الله في الفلوات

(١) وذكره صاحب معاهد التنصيص ١ ص ٢٠٥.

(٢) ومن هنا يوجد في الأغاني ١٨ ص ٥٨، وزهر الآداب ١ ص ٨٦، ومعاهد التنصيص ١ ص ٢٠٥، والإتحاف ١٦٥.

٥
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا عن الأوتار منقبضات
فلو لا الذي أرجوه في يوم أوغد * تقطع نفسي إثرهم حسرات

فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره، وكان دعبل أول داخل عليه وآخر خارج من عنده.

٤ - قال ياقوت الحموي في " معجم الأدباء " ٤ ص ٦ ١٩: قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر، وأسنى المدايح قصد بها علي بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان [وذكر حديث البردة وقصتها المذكورة ثم قال:] ويقال: إنه كتب القصيدة في ثوب وأحرم فيه وأوصى بأن يكون في أكفانه، ونسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن (١) أنها مصنوعة ألحقها بها أناس من الشيعة وإنا موردون ما صح منها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار عفاها كل جون مبادر * ولم تعف للأيام والسنوات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات؟!
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الآفاق مفترقات؟!
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا * وهم خير قادات وخير حماة
وما الناس إلا حاسد ومكذب * ومضطغن ذو إحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر * ويوم حنين أسبلوا العبرات
قبور بكوفان وأخرى بطيبة * وأخرى بفخ نالها صلواتي
وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات
فأما المصمات التي لست بالغا * مبالغها مني بكنه صفات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج منها الهم والكربات
نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معرسهم فيها بشط فرات

(١) يأتي في آخر ما يتبع الشعر: إن هذا الظن إثم ولا يغني من الحق شيئا.
٦
تقسمهم ريب الزمان كما ترى * لهم عقرة مغشية الحجرات
سوى أن منهم بالمدينة عصبة * مدى الدهر أضناه من الأزمات
قليلة زوار سوى بعض زور * من الضبع والعقبان والرخمات
لهم كل حين نومة بمضاجع * لهم في نواحي الأرض مختلفات
وقد كان منهم بالحجاز وأهلها * مغاوير يختارون في السروات
تنكب لأواء السنين جوارهم * فلا تصطليهم جمرة الجمرات
إذا وردوا خيلا تشمس بالقنا * مساعر جمر الموت والغمرات
وإن فخروا يوما أتوا بمحمد * وجبريل والفرقان ذي السورات
ملامك في أهل النبي فإنهم * أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي
تخيرتهم رشدا لامري فإنهم * على كل حال خيرة الخيرات
فيا رب زدني من يقيني بصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي
بنفسي أنتم من كهول وفتية * لفك عناة أو لحمل ديات
أحب قصي الرحم من أجل حبكم * وأهجر فيكم أسرتي وبناتي
وأكتم حبيكم مخافة كاشح * عتيد لأهل الحق غير موات
لقد حفت الأيام حولي بشرها * وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تر إني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات؟!
أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهم * وآل زياد حفل القصرات (١)
بنات زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم * أكفا من الأوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * لقطع قلبي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات
سأقصر نفسي جاهدا عن جدالهم * كفاني ما ألقى من العبرات

(١) الحفل من الحافل: الممتلئ. القصرات جمع قصرة: أصل العنق.
٧
فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري * فغير بعيد كل ما هو آت
فإن قرب الرحمن من تلك مدتي * وأخر من عمري لطول حياتي
شفيت ولم أترك لنفسي رزية * ورويت منهم منصلي وقناتي
أحاول نقل الشمس من مستقرها * وأسمع أحجارا من الصلدات
فمن عارف لم ينتفع ومعاند * يميل مع الأهواء والشبهات
قصاراي منهم أن أموت بغصة * تردد بين الصدر واللهوات
كأنك بالأضلاع قد ضاق رحبها * لما ضمنت من شدة الزفرات

٥ - أخرج شيخ الاسلام أبو إسحاق الحموي (المترجم له ج ١ ص ١٢٣) عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال: أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا رضي الله عنه:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

قال لي الرضا: أفلا الحق البيتين بقصيدتك؟! قلت: بلى يا بن رسول الله؟ فقال:

وقبر بطوس يا لها من مصيبة * ألحت بها الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الهم والكربات (١)

قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم الله والبركات

بكى الرضا بكاء شديدا ثم قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك أتعرف من هذا الإمام؟! قلت: لا إلا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطا وعدلا.

فقال: إن الإمام بعدي إبني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، وهو المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت جورا وظلما، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت لقد حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة. ويأتي هذا الحديث عن الشبراوي أيضا.

٦ - قال أبو سالم ابن طلحة الشافعي المتوفى ٦٥٢ في " مطالب السئول " ص

(١) ألحقهما الإمام عليه السلام بعد قول دعبل:

وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمان في الغرفات

٨
٨٥ قال دعبل: لما قلت: مدارس آيات. قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا وهو بخراسان ولي عهد المأمون فأحضرني المأمون وسألني عن خبري ثم قال لي:

يا دعبل؟ أنشدني - مدارس آيات خلت من تلاوة - فقلت: ما أعرفها يا أمير المؤمنين؟

فقال: يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام؟ فلم يكن إلا ساعة حتى حضر فقال له: يا أبا الحسن؟ سألت دعبلا من - مدارس آيات خلت من تلاوة - فذكر إنه لا يعرفها. فقال لي أبو الحسن: يا دعبل؟ أنشد أمير المؤمنين؟ فأخذت فيها فأنشدتها فاستحسنها فأمرني بخمسين ألف درهم. وأمر لي أبو الحسن الرضا بقريب من ذلك فقلت: يا سيدي؟ إن رأيت أن تهبني شيئا من ثيابك ليكون كفني. فقال:

نعم. ثم دفع لي قميصا قد ابتذله ومنشفة لطيفة، وقال لي: إحفظ هذا تحرس به.

ثم دفع ذو الرياستين أبو العباس الفضل بن سهل وزير المأمون صلة وحملني على برذون أصفر خراساني، وكنت أسايره في يوم مطير وعليه ممطر خز وبرنس فأمر لي به ودعا بغيره جديد ولبسه وقال: إنما آثرتك باللبيس لأنه خير الممطرين. قال:

فأعطيت به ثمانين دينارا فلم تطب نفسي ببيعه، ثم كررت راجعا إلى العراق فلما صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا فكان ذلك اليوم يوما مطيرا فبقيت في قميص خلق وضر شديد متأسف من جميع ما كان معي على القميص والمنشفة ومفكر في قول سيدي الرضا إذ مر بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين وعليه الممطر ووقف بالقرب مني ليجتمع إليه أصحابه وهو ينشد - مدارس آيات خلت من تلاوة - ويبكي فلما رأيت ذلك عجبت من لص من الأكراد يتشيع ثم طمعت في القميص والمنشفة فقلت: يا سيدي. لمن هذه القصيدة؟! فقال: وما أنت وذلك؟! ويلك. فقلت: لي فيه سبب أخبرك به. فقال: هي أشهر بصاحبها من أن تجهل. فقلت: من؟! قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد جزاه الله خيرا. قلت له: يا سيدي فأنا والله دعبل وهذه قصيدتي. الحديث.

وقال ص ٨٦ بعد ذكر الحديث ما لفظه: فانظر إلى هذه المنقبة وما أعلاها و ما أشرفها وقد يقف على هذه القصة بعض الناس ممن يطالع هذا الكتاب ويقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة ب مدارس آيات - ويشتهي الوقوف

٩
عليها وينسبني في إعراضي عن ذكرها إما أنني لم أعرفها، أو: أنني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس وأن أدفع عني هذا النقص المتطرق إلى بعض الظنون فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي:

ذكرت محل الربع من عرفات * وأرسلت دمع العين بالعبرات
وفل عرى صبري وهاج صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة * ومهبط وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات (١)
ديار عفاها جور كل منابذ * ولم تعف بالأيام والسنوات
ودار لعبد الله والفضل صنوه * سليل رسول الله ذي الدعوات
منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الأمين يحلها * من الله بالتسليم والزكوات
منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات
منازل وحي الله ينزل حولها * على أحمد الروحات والغدواة
فأين الأولى شطت بهم غربة النوي * أفانين في الأقطار مفترقات؟!
هم آل ميراث النبي إذا انتموا * وهم خيرات سادات وخير حمات
مطاعيم في الاعسار في كل مشهد * لقد شرفوا بالفضل والبركات
إذا لم نناج الله في صلواتنا * بذكرهم لم يقبل الصلوات
أئمة عدل يقتدى بفعالهم * وتؤمن منهم زلة العثرات
فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي
ديار رسول الله أصبحن بلقعا * ودار زياد أصبحت عمرات
وآل رسول الله غلت رقابهم * وآل زياد غلظ القصرات

(١) ذكر الثعالبي في ثمار القلوب ص ٢٣٣ بيتين من القصيدة أحدهما: مدارس آيات. والثاني هذا البيت وقال: (ذو الثفنات) كان يقال لكل من علي بن الحسين بن علي (ع) وعلي بن عبد الله بن عباس: ذو الثفنات. لما على أعضاء السجود منهما من السجدات الشبيهة بثفنات الإبل وذلك لكثرة صلاتهما.
١٠
وآل رسول الله تدمى نحورهم * وآل زياد زينوا الحجلات
وآل رسول الله تسبى حريمهم * وآل زياد آمنوا السريات
وآل زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات
فيا وارثي علم النبي وآله * عليكم سلام دائم النفحات
لقد آمنت نفسي بكم في حياتها * وإني لأرجو الأمن من بعد مماتي

٧ - ذكر شمس الدين سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى ٦٥٤ في تذكرته ص ١٣٠ من القصيدة ٢٩ بيتا وفيها ما لم يذكره الحموي في " معجم الأدباء " وذكرت في هامش التذكرة القصيدة من أولها إلى - مدارس آيات -.

٨ - ذكر صلاح الدين الصفدي المتوفى ٧٦٤ في " الوافي بالوفيات " ١ ص ١٥٦.

طريق رواية القصيدة عن عبيد الله (١) بن جخجخ النحوي عن محمد بن جعفر بن لنكك أبي الحسن البصري النحوي عن أبي الحسين العباداني عن أخيه عن دعبل. وهذا الطريق ذكره جلال الدين السيوطي في " بغية الوعاة " ص ٩٤.

٩ - روى الشبراوي الشافعي المتوفى ١١٧٢ في " الإتحاف " ص ١٦٥ عن الهروي قال: سمعت دعبلا يقول: لما أنشدت مولاي الرضا قصيدتي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومهبط وحي مقفر العرصات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا عليه السلام بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الإمام؟! ومتى يقوم؟!

فقلت: لا يا سيدي؟ إلا أني سمعت بخروج إمام منكم (إلى آخر ما مر عن الحموي) (٢)

وفي " الإتحاف " ص ١٦١: نقل الطبري في كتابه عن أبي الصلت الهروي قال:

دخل الخزاعي على علي بن موسى الرضا بمرو فقال: يا بن رسول الله؟ إني قلت فيكم

(١) قال ياقوت الحموي: كان ثقة صحيح الكتابة.

(٢) وذكره الصدوق في العيون. ٣٧٠، والأمالي ٢١٠، والطبرسي في أعلام الورى ١٩٢.

١١
أهل البيت قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك وأحب أن تسمعها مني فقال له علي الرضا: هات قل. فأنشأ يقول:

ذكرت محل الربع من عرفات * فأجريت دمع العين بالعبرات
وفل عرى صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة * ومهبط وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذو الثفنات
ديار لعبد الله والفضل صنوه * نجي رسول الله في الخلوات
منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الأمين يحلها * من الله بالتعليم والرحمات
منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى * فأمسين في الأقطار مفترقات؟!
أحب قضاء الله من أجل حبهم * وأهجر فيهم أسرتي وثقاتي
هم أهل ميراث النبي إذا انتموا * وهم خير سادات وخير حماة
مطاعيم في الاعسار في كل مشهد * لقد شرفوا بالفضل والبركات
أئمة عدل يقتدى بفعالهم * وتؤمن منهم زلة العثرات
فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي
لقد آمنت نفسي بهم في حياتها * وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تراني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات؟!
أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات
إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم * أكفا عن الأوتار منقبضات
وآل رسول الله نحف جسومهم * وآل زياد أغلظ القصرات
سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات
وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات

١٢
كتاب دعبل الخزاعي وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١٣ - ص ٢٤)
١٣

قال الرضا: آمنك الله يوم الفزع الأكبر. فلما انتهى إلى قوله:

وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات

قال له الرضا: أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟! فقال بلى يا بن رسول الله. فقال عليه السلام.

وقبر بطوس يا لها من مصيبة * توقد في الأحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الهم والكربات

فقال دعبل: يا بن رسول الله؟ هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟! فقال الرضا:

قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له. ثم نهض الرضا عليه السلام وأمر دعبل أن لا يبرح من موضعه. [فذكر قصة الجبة واللصوص ثم قال:

كانت لدعبل جارية لها من قبله محمل فرمدت عينها رمدا عظيما فأدخل أهل الطب عليها فنظروا إليها فقالوا: أما العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت، وأما اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجوا أن تسلم. فاغتم لذلك دعبل غما شديدا وجزع عليها جزعا عظيما، ثم أنه ذكر ما كان معه من وصلة الجبة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة منها من أول الليل فأصبحت وعيناها أصح ما كانتا قبل ببركة أبي الحسن الرضا عليه السلام (١).

في مشكاة الأنوار (٢) ومؤجج الأحزان (٣): روي أنه لما قرأ دعبل قصيدته على الرضا عليه السلام وذكر الحجة عجل الله فرجه بقوله:

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * تقطع نفسي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات

وضع الرضا عليه السلام يده على رأسه وتواضع قائما ودعى له بالفرج. وحكاه عن " المشكاة " صاحب الدمعة الساكبة وغيره.

(١) وذكره الطبرسي في أعلام الورى ص ١٩١، والأربلي في كشف الغمة ص ٢٧٥.

(٢) تأليف الشيخ محمد بن عبد الجبار البحراني.

(٣) تأليف الشيخ عبد الرضا بن محمد الأوالي البحراني.

١٤
ولهذه التائية عدة شروح لأعلام الطايفة منها:

شرح العلامة الحجة السيد نعمة الله الجزائري المتوفى ١١١٢.

شرح العلامة الحجة كمال الدين محمد بن محمد القنوي الشيرازي.

شرح العلامة الحاج ميرزا علي العلياري التبريزي المتوفى ١٣٢٧.

لفت نظر

إن مستهل هذه القصيدة ليس كل ما ذكروه فإنها مبدوة بالنسيب ومطلعها:

تجاوبن بالأرنان والزفرات * نوائح عجم اللفظ والنطقات

قال ابن الفتال في روضته ص ١٩٤، وابن شهر آشوب في " المناقب " ٢ ص ٣٩٤:

وروي أن دعبل أنشدها الإمام عليه السلام من قوله: مدارس آيات - وليس هذا البيت رأس القصيدة ولكن أنشدها من هذا البيت فقيل له: لم بدأت بمدارس آيات؟!

قال: إستحييت من الإمام عليه السلام أن أنشده التشبيب فأنشدته المناقب ورأس القصيدة

تجاوبن بالأرنان والزفرات * نوائح عجم اللفظ والنطقات

ذكرها برمتها وهي مائة وعشرون بيتا الأربلي في [كشف الغمة]. والقاضي في " المجالس " ص ٤٥١. والعلامة المجلسي في " البحار " ص ٧٥. والزنوزي في الروضة الأولى من " رياض الجنة " ونص على عددها المذكور الشبراوي والشبلنجي كما مر. فما قدمناه عن الحموي من أن [نسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة ألحقها بها أناس من الشيعة وإنا موردون هنا ما صح] من بعض الظن الذي هو إثم وقد ذكر هو في معجم البلدان ما هو خارج عما أثبته في معجم الأدباء من الصحيح عنده فحسب راجع ج ٢ ص ٢٨، وذكر المسعودي في " مروج الذهب " ٢ ص ٢٣٩ و غيره بعض ما ذكره في معجم البلدان. وأثبت سبط ابن الجوزي في " التذكرة " وابن طلحة في " المطالب " والشبراوي في " الإتحاف "، والشبلنجي في " نور الأبصار " زيادات لا توجد بما استصحه الحموي، وليس من الممكن قذف هؤلاء الأعلام بإثبات المفتعل. وبما أن العلم تدريجي الحصول فمن المحتمل أن الحموي يوم تأليفه " معجم الأدباء " لم يقف به البحث على أكثر مما ذكر ثم لما توسع في العلوم ثبت عنده غيره أيضا فأدرجه في معجم البلدان " الذي هو متأخر في التأليف، ولذلك يحيل فيه على " معجم الأدباء " في

١٥
أكثر مجلداته راجع ٢ ص ٤٥، ١١٧، ١٣٥، ١٨٦ و ج ٣ ص ١١٧، ١٨٤، و ج ٤ ص ٢٢٨، ٤٠٠، و ج ٥ ص ١٨٧، ٢٨٩، و ج ٦ ص ١٧٧ وغيرها لكن سوء ظنه بالشيعة حداه إلى نسبة الافتعال إليهم عند تدوين الترجمة، ونحن لا نناقشه بالحساب في هذا التظني فإن الله لهم بالمرصاد وهو نعم الرقيب والحسيب.

* (الشاعر) *

أبو علي - أبو جعفر - دعبل بن علي بن رزين (١) بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة بن جزي بن عامر بن مازن ابن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي.

أخذناه من فهرست النجاشي ص ١١٦. وتأريخ الخطيب ٨ ص ٣٨٢. وأمالي الشيخ ٢٣٩. وتأريخ ابن عساكر ٥ ص ٢٢٧. ومعجم الأدباء للحموي ١١ ص ١٠٠ وقال: وعلى هذا الأكثر. والإصابة لابن حجر ١ ص ١٤١.

* (بيت رزين) *

بيت علم وفضل وأدب وإن خصه ابن رشيق في عمدته ٢ ص ٢٩٠ بالشعر، فإن فيهم محدثون وشعراء، وفيهم السؤدد والشرف، وكل الفضل والفضيلة ببركة دعاء النبي الأطهر لجدهم الأعلى: بديل بن ورقاء لما أوقفه العباس بن عبد المطلب يوم الفتح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله: وقال: يا رسول الله؟ هذا يوم قد شرفت فيه قوما فما بال خالك بديل بن ورقاء؟! وهو قعيد حبه. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

أحسر عن حاجبيك يا بديل؟ فحسر عنهما وحدر لثامه فرأى سوادا بعارضه فقال: كم سنوك يا بديل؟! فقال: سبع وتسعون يا رسول الله؟ فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: زادك الله جمالا وسوادا وأمتعك وولدك. (٢)

ومؤسس شرفهم الباذخ: البطل العظيم عبد الله بن ورقاء الذي كان هو وأخواه عبد الرحمن ومحمد رسل رسول الله صلى الله وآله وسلم إلى المين كما في رجال الشيخ. و

(١) في الأغاني ٨ ص ٢٩: ابن سليمان بن تميم بن نهشل بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل ابن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن مزيقيا.

(٢) أمالي الشيخ ص ٢٣٩، الإصابة ١ ص ١٤١.

١٦
كانوا هم وأخوهم عثمان من فرسان مولانا أمير المؤمنين الشهداء في صفين (١) وأخوهم الخامس: نافع بن بديل استشهد على عهد النبي صلى الله عليه وآله ورثاه ابن رواحة بقوله:

رحم الله بن بديل * رحمة المبتغي ثواب الجهاد
صابرا صادق الحديث إذا ما * أكثر القوم قال قول السداد (٢)

فحسب هذا البيت شرفا أن فيه خمسة شهداء وهم بعين الله ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عبد الله من متقدمي الشجعان، والمتبرز في الفروسية، والمحتلي بأعلى مراتب الإيمان، وعده الزهري من دهاة العرب الخمسة كما في الإصابة ٢ ص ٢٨١ قال له أمير المؤمنين يوم صفين: احمل على القوم. فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة وعليه يومئذ سيفان ودرعان فجعل يضرب بسيفه قدما ويقول:

لم يبق غير الصبر والتوكل * والترس والرمح وسيف مصقل
ثم التمشي في الرعيل الأول * مشي الجمال في حياض المنهل

فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه إلى الموت فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه. واختلط الناس واضطرم الفيلقان ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام وأقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه وجعل ينادي: يا ثارات عثمان؟ وإنما يعني أخا له قتل، وظن معاوية وأصحابه أنه يعني: عثمان بن عفان. وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ولج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية وجعل يطلب موقفه ويصمد نحوه حتى انتهى إليه ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفا فنادى معاوية بالناس: ويلكم الصخر والحجارة. حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه، وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فأما عبد الله بن عامر

(١) صفين لابن مزاحم ص ١٢٦، خصال الصدوق، شرح النهج ١ ص ٤٨٦. الإصابة ٣ ص ٣٧١.

(٢) الإصابة ٣ ص ٥٤٣.

١٧
فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له من قبل أخا وصديقا، فقال معاوية:

إكشف عن وجهه. فقال: لا والله لا يمثل به وفي روح فقال معاوية: إكشف عن وجهه فإنا لا نمثل به قد وهبناه لك. فكشف ابن عامر عن وجهه فقال معاوية: هذا كبش القوم ورب الكعبة أللهم اظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر: (١)

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه * قدى السير يحمي الأنف أن يتأخرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره * رمته المنايا قصدها فتقطرا (٢)

ثم قال: إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت (٣) ومر بعبد الله بن بديل وهو بآخر رمق من حياته الأسود بن طهمان الخزاعي فقال له: عز علي والله مصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك، ولو رأيت الذي أشعرك لأحببت أن لا أزايله ولا يزايلني حتى أقتله أو يلحقني بك. ثم نزل إليه فقال: رحمك الله يا عبد الله؟ إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمك الله. قال: أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وتقاتل معه حتى يظهر الحق أو تلحق بالله، وأبلغ أمير المؤمنين عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب.

ثم لم يلبث أن مات فأقبل الأسود إلى علي عليه السلام فأخبره فقال: رحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة ونصح لنا في المماة. (٤) وينم عن عظمة عبد الله بن بديل بين الصحابة العلوية قول ابن عدي بن حاتم رضوان الله عليه يوم صفين:

أبعد عمار وبعد هاشم * وابن بديل فارس الملاحم
نرجوا البقاء مثل حلم الحالم * وقد عضضنا أمس بالاباهم

(١) هو حاتم الطائي من قصيدة في ديوانه ص ١٢١ ولم يرو فيه البيت الثالث.

(٢) تقطر: سقط صريعا.

(٣) كتاب صفين لابن مزاحم ص ١٢٦، شرح النهج لابن أبي الحديد ١ ص ٤٨٦.

(٤) كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٤٣ ط ايران و ٥٢٠ ط مصر، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٢٩٩.

١٨
وقول سليم (سليمان) بن صرد الخزاعي يوم صفين:

يالك يوما كاسفا عصبصبا * يالك يوما لا يواري كوكبا
يا أيها الحي الذي تذبذبا * لسنا نخاف ذا ظليم حوشبا
لأن فينا بطلا مجربا * ابن بديل كالهزبر مغضبا
أمسى علي عندنا محببا * نفديه بالأم ولا نبقي أبا

وقول الشني في أبيات له:

فإن يك أهل الشام أودوا بهاشم * وأودوا بعمار وأبقوا لنا ثكلا
وبابني بديل فارسي كل بهمة * وغيث خزاعي به ندفع المحلا (١)

وأما أبو المترجم علي بن رزين فكان من شعراء عصره، ترجمه المرزباني في " معجم الشعراء " ١ ص ٢٨٣، وجده رزين كان مولى عبد الله بن خلف الخزاعي أبي طلحة الطلحات كما ذكره ابن قتيبة في الشعر والشعراء.

وعم المترجم عبد الله بن رزين، أحد الشعراء كما ذكرة ابن رشيق في " العمدة ".

وابن عمه أبو جعفر محمد أبو الشيص ابن عبد الله المذكور، شاعر له ديوان عمله الصولي في مائة وخمسين ورقة، توجد ترجمته في " البيان والتبيين " ٣ ص ٨٣، " الشعر والشعراء " ص ٣٤٦، " الأغاني " ١٥ ص ١٠٨، " فوات الوفيات " ٢ ص ٢٥. وغيرها. و ترجمه ابن المعتز في طبقاته ص ٢٦ - ٣٣ وذكر له قصايد طويلة غير أنه عكس في إسمه و إسم أبيه وذكره بعنوان: عبد الله بن محمد. والصحيح: محمد بن عبد الله. وعبد الله بن أبي الشيص المذكور، شاعر له ديوان في نحو سبعين ورقة، وذكره أبو الفرج في " الأغاني " ١٥ ص ١٠٨ وقال: إنه شاعر صالح الشعر وكان منقطعا إلى محمد بن طالب فأخذ منه جامع شعر أبيه ومن جهته خرج إلى الناس. وترجمه ابن المعتز في طبقاته ص ١٧٣.

* (أبو الحسن علي أخو دعبل) *

كان شاعرا له ديوان شعر نحو خمسين ورقة كما في فهرست ابن النديم، سافر مع أخيه المترجم إلى أبي الحسن الرضا سلام الله عليه سنة ١٩٨ وحظيا بحضرته الشريفة مدة طويلة، قال أبو الحسن علي هذا: رحلنا أنا ودعبل سنة ١٩٨ إلى سيدي أبي الحسن

(١) البهمة بالضم: الجيش. المحل: الخديعة والكيد. الشدة. الجدب
١٩
علي بن موسى الرضا فأقمنا عنده إلى آخر سنة مأتين وخرجنا إلى قم بعد أن خلع سيدي أبو الحسن الرضا على أخي دعبل قميصا خزا أخضر وخاتما فصه عقيق، ودفع إليه دراهم رضوية وقال له: يا دعبل؟ صر إلى قم فإنك تفيد بها. فقال له: احتفظ بهذا القميص فقد صليت فيه ألف ليلة ألف ركعة وختمت فيه القرآن ألف ختمة (١) ولد سنة ١٧٢ وتوفي ٢٨٣.

وخلف أبا القاسم إسماعيل بن علي الشهير بالدعبلي المولود ٢٥٧، يروي كثيرا عن والده أبي الحسن كان مقامه بواسط وولي الحسبة (٢) بها له كتاب تاريخ الأئمة. و كتاب النكاح.

* (رزين أخو دعبل) *

وأخوه هذا أحد شعراء هذا البيت ولدعبل فيه أبيات في تاريخ ابن عساكر ٥ ص ١٣٩ وقال الأزدي: وخرج إبراهيم بن العباس ودعبل ورزين إبني علي رجالة إلى بعض البساتين (أو: إلى زيارة أبي الحسن الرضا عليه السلام كما في رواية العيون) فلقوا جماعة من أهل السواد من حمال الشوك فأعطوهم شيئا وركبوا حميرهم فقال إبراهيم:

أعيدت بعد حمل الشوك * أحمالا من الخزف
نشاوى لا من الخمرة * بل من شدة الضعف

ثم قال لرزين: أجزها. فقال:

فلو كنتم على ذاك * تصيرون إلى القصف
تساوت حالكم فيه * ولا تبقوا على الخسف

ثم قالا لدعبل: أجزيا أبا علي؟ فقال:

فإذ فات الذي فات * فكونوا من ذوي الظرف
وخفوا نقصف اليوم * فإني بايع خفي

بدايع البداية ٢ ص ٢١٠

(١) فهرست النجاشي ص ١٩٧، أمالي الشيخ ص ٢٢٩.

(٢) يأتي كلامنا في الحسبة في الجزء الرابع عند ترجمة ابن الحجاج البغدادي.

٢٠