×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٢٠١ - ٢٢٠

على أن الانقسام المشاهد في كل فرقة من الفرق الإسلامية هو تصريح باستحالة تحقق الإجماع. ولا أري إمكانية وقوع الإجماع بين أهل السنة فيما بينهم، ولا بين الشيعة بانفرادهم، فضلا أن يقع الإجماع بينهما مجتمعين.

فاجتماع الأمة بأسرها على الخطأ ممكن، ولكن لا يمكن أيضا اجتماعها على الحق بأسرها.

إن واقعة صفين كانت بين أمة المسلمين، وقد كان الحق عند أحد الطرفين بلا شك، ولكن لم يجتمع المسلمون عليه كما لم يجتمعوا على ما يقابله من الباطل، فنشبت بينهم الحرب، وقتل بعضهم بعضا.. فلماذا يتكلم الإمام الرازي بكلام يبعد عن الواقع ويعطي مصدقا لآية قرآنية ليس له وجود؟!

ثم كيف يتم التعرف على أن أهل الحل والعقد هم هؤلاء؟! فالإشكال الذي أشكل به الإمام الرازي - وهو إشكاله بصعوبة التعرف على الأئمة المعصومين، واستحالة الوصول إليهم - هو إشكال يرد عليه، إذ كيف يتم التعرف على أهل الحل والعقد والوصول إليهم؟!

. من الذي يقدمهم إلى الأمة بهذه الصفة؟! ونحن ليس لدينا في مجال التعيين إلا الإجماع أو الانتخاب والترشيح أو النص.

فأما القول بضرورة الإجماع عليهم فنحن به محتاجون إذا إلى إجماعين: إجماع من الأمة يعرفنا بأهل الحل والعقد، وإجماع آخر يعرفنا بصواب ما يصدره أهل الحل والعقد من أحكام وأوامر ونواه، بحيث تلتزم الأمة بما يصدر عنهم. وبهذا تتضاعف المشكلة، لأن العبور من الإجماع الأول إلى الإجماع الثاني محال، لعدم إمكانية وقوع الإجماع الأول.

فالجهد الذي قام به الإمام الرازي لإبعاد نفسه عن الاعتراف بالأئمة المعصومين على قول الشيعة - لا سيما بعد الاعتراف الموفق منه بعصمة أولي الأمر - فهو جهد مقدر ومشكور علميا، لكنه ناقص ولا يحل المشكلة، فقد كان عليه أن يبين لنا معيار وملاك الاتصاف بأهلية الحل والعقد، وكيفية تعريف الأمة بهم، وعلى رغم أن ذلك تترتب عليه مشكلاته، غير أنه يتيح فرصة أطول لمن أراد السفسطة.

٢٠١
وأما الترشيح.. فكيف لنا أن نطمئن لمن جاء بهم الترشيح، وأنهم ممن يملكون أهلية الحل والعقد دون منازع؟!

إن الانتخاب أو الترشيح قد يأتيان بالجاهل أو الفاسق أو المنافق أو بكل من هو بعيد عن هذه المسؤولية. والتجارب في ذلك كثيرة.

ثم كيف نتصور عصمة أهل الحل والعقد على رأي الإمام الرازي، لا سيما وأنها ناتجة عن عدم اجتماعهم على الخطأ؟! إن تحقق العصمة على هذا القول الذي ذهب إليه الرازي يواجه بمشكلتين أساسيتين:

الأولى: لا تتحقق هذه العصمة إلا بتحقق الاجماع، وقد أثبتنا عدم إمكانية وقوعه.

الثانية: أن الاجماع - من حيث هو - أمر اعتباري، إذ أنه لا يعدو أن يكون سوى الهيئة الاجتماعية الاعتبارية للمجتمعين، فلو نسبت العصمة إلى هذه الهيئة فهي - لاعتباريتها - ليس لها وجود متحقق، بل هي عدم محض. فكيف تتعلق العصمة بشئ عدمي، والعصمة هي في الواقع معلول للعلم اليقيني الذي هو حاصل للمعصوم؟!

وأما إذا نسبت إلى الأفراد من أهل الحل والعقد.. فمن ينسبها إليهم فلا بد له من دليل على ذلك. ولو أنه تحصل عليه فسيتفق مع الشيعة في قولهم: إن أولي الأمر هو الأئمة المعصومون، أو يقول بقولهم من حيث لا يشعر بهذا الاتفاق.

يقول الإمام الرازي: " إن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم. وإننا نعلم بالضرورة أننا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم... ".

أجل، فلو عصم الله تعالى أولي الأمر وأوجب طاعتهم على الناس ثم ترك للبشر التعرف عليهم بوساطة أنفسهم فصحيح أننا عاجزون عن معرفتهم ولا يستقيم لنا ذلك، ولكن لا يقومه كلام الرازي بأن إيجاب طاعتهم مشروط بكون الناس عارفين بهم.

لماذا؟!

ذلك لأن أولي الأمر معصومون، كما ثبت، وأوجبت طاعتهم قطعا، كما هو واضح،

٢٠٢
فلو ترك أمر تعيينهم والتعرف عليهم للناس فسيظل الناس عاجزين عن ذلك أبدا، ولا يمكنهم الوصول إليهم بأي حل من الأحوال، لما علم أن الناس ليس في مقدورهم معرفة المعصوم الواجب الطاعة من البشر.

إذا، فعجزهم أبدي في هذا الأمر، وعلى هذا يكون الله تعالى قد عصم وأوجب قطعا طاعة من ليس له طاعة على الناس، لأن طاعته مشروطة بكون الناس عارفين، به وليس ذلك في وسعهم بتاتا. ولا يبقى بعد ذلك معنى لعصمتهم ولا لوجوب طاعتهم، ولا يبقى إلا العبث - تنزه الله عن ذلك وعلا علوا كبيرا -.

وعلى هذا فالشرط الذي ذكره الرازي في إيجاب طاعة أولي الأمر بكون الناس عارفين بهم شرط لا معنى له، لأن الإمام الرازي يعلم جيدا أن الناس لا يمكنهم معرفة أولي الأمر ذوي العصمة، لو أسند أمر التعرف عليهم إلى هؤلاء الناس.. فيبقى عدم وجوب الطاعة أبديا ليس مؤقتا بشرط. ولكن ما أراد الله هذا. فهل أمر بطاعتهم لكي لا يطاعوا؟! أم أوجبها على الناس قطعا وإطلاقا لكي يقف عجز الناس عن معرفة المعصومين أمام قطعها وإطلاقها؟!!

إن الله سبحانه وتعالى ما عصم أولي الأمر إلا ليحفظ بهم الوحي، وما أوجب طاعتهم إلا ليهتدي الناس بهم. ولا يتم ذلك إلا إذا كانوا معروفين ومعينين للناس، حتى يؤدى لهم واجب الطاعة. ولهذا كله فلا يعقل أن يسند الله تعالى أمر تعيينهم إلى الناس، أو يترك التعرف عليهم لجهد الناس العاجزين في الحقيقة عن معرفتهم.

إن الإمام الرازي غفل عن أن الله تعالى هو المتكفل بتعيين أولي الأمر وتعريفهم إلى الناس، فلما رأى وجوب الطاعة القطعي المطلق، وعجز الناس الأكيد عن معرفة أولي الأمر.. اضطر إلى تقييد الاطلاق بشرط لا معنى له، فأبعد وابتعد.

ثم عمد الرازي إلى إبطال قول من حمل معنى " أولي الأمر " في الآية على الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام. وأورد ثلاثة أدلة لإبطال هذا القول:

والواقع أن المرء يقف مندهشا بين مقام الرازي العلمي وضعة قوله في إبطال قول من يفسر " أولي الأمر " بالأئمة المعصومين.

٢٠٣
إن أصحاب هذا القول لا يعنون بالأئمة المعصومين إلا العلماء من عترة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته الكرام.

فالرازي الذي على عصمة أولي الأمر.. يصرفها عن الأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله، فلمن يعطيها يا ترى؟! لأهل الحل والعقد؟! ومن الذي يراه الرازي له أهلية الحل والعقد من الناس غير علي وفاطمة والحسن والحسين وأبنائهم على مر العصور؟!!

إنهم إلى العصمة أقرب من غيرهم، وحمل معنى " أولي الأمر " عليهم أولى وأسلم من حمله على أناس لا يمكن التعرف عليهم ولا سبيل إلى الوصول إليهم.

يقول الرازي: " وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين - على ما تقول الروافض - ففي غاية البعد، لوجوه:

أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة [ أي مشروطة بكون الناس عارفين بهم ] ".

وأنا لا أدري.. أيكون الإمام الرازي لا يعلم بالأئمة المعصومين الذين يعنيهم الشيعة، ويحملون عليهم معنى " أولي الأمر " في الآية؟! أم إنه يعلم بذلك ويعرف هؤلاء الأئمة، ولكنه لا يعرف لهم عصمة تجعلهم من أولي الأمر؟!

على أن قوله بأن طاعتهم مشروطة بكون الناس عارفين بهم قول قد اندفع بأن الله تعالى هو المتكفل بتعيين أولي الأمر وتعريفهم للناس، منذ إعلانه وجوب طاعتهم، بل منذ بدء الرسالة. ولهذا لا يبقى لشرط الرازي معنى، ويبقى العموم والإطلاق. في الأمر يوجوب طاعتهم على ما عليه الأمر بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وآله من العموم والإطلاق.

وأما كون الأئمة المعصومين هم العلماء من عترة النبي صلى الله عليه وآله فسيأتي إثباته في محله إن شاء الله.

وأما دليل الثاني فيقول فيه: " إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، و " أولي الأمر " جمع، وعندهم - أي عند الروافض، ويعني بهم الشيعة - لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر ".

وهذه من المسائل التي ارتعش فيها يراع الرازي، لأن ذكر " أولي الأمر " بلفظ الجمع في هذه الآية لا ينافي وجود إمام واحد في الفترة الزمانية الواحدة، ثم يليه الذي بعده

٢٠٤
فيبقى في فترة زمانية واحدا، ثم يليه الذي بعده.. وهلم جرا إلى اثني عشر إماما. وإنما ورد ذكرهم بلفظ الجمع لاشتراكهم في حكم واحد، فجمعهم هذا الحكم لفظا لا زمانا، فإن كانوا مجتمعين فلهم هذا الحكم، وإن تفرقوا في الأزمان حسب التسلسل فلكل واحد منهم نفس هذا الحكم، وهو الأمر بوجوب طاعتهم.

إذا، فلا تنافي بين الإمام الواحد في زمانه وبين ذكر " أولي الأمر " في الآية بلفظ الجمع.

وأما حمل الجمع على الفرد الذي هو خلاف الظاهر، فهو أن يطلق لفظ الجمع ويراد به واحد بعينه من أفراده، دون قصد بيان حكم مشترك بين الأفراد. وهناك من النصوص ما يؤيد ذلك.

فالأمر بطاعة الخلفاء واتباع سنتهم جاء على قرار الأمر بطاعة أولي الأمر في الآية، يقول: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء.. ". فالخلفاء جمع، فلا يجوز أن يقال هو خلاف الظاهر لحمله على الفرد، إذ أننا رأينا الخلفاء الأربعة قد جاء في كل زمان واحد منهم، فلم يتناف ذلك مع لفظ الجمع " الخلفاء "، ولم يقل أحد بلزوم مجيئهم جميعا في زمان واحد، فأولو الأمر من هذا القبيل.

وأما قوله في دليله الثالث فهو: " لو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم، لوجب في قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) أن يقال: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الإمام المعصوم "!

فهذا شئ عجاب، إذ أن قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) لا يعارض كون أولي الأمر هم الأئمة المعصومين الذين يجب الرجوع إليهم عند النزاع والاختلاف بعد الرسول الأكرم.

إن الله أمر برد النزاعات إلى نفسه وإلى الرسول، وهذا لا ينحصر في نزاع دون نزاع، بل يشمل كل النزاعات التي تحدث بينهم في حياة الرسول وبعد وفاته.

إذا، فالنزاعات مستمرة بعد الرسول صلى الله عليه وآله، ولا بد من حلها طبقا للوحي وما يقول به الرسول صلى الله عليه وآله، فمن الذي سيتصدى لهذا الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله؟!

٢٠٥
ولو ترك الأمر لكل الناس في حل منازعاتهم فرجوعهم إلى الكتاب والسنة لا يكون غير رافع لنزاعاتهم فحسب، بل سيؤدي إلى شدة النزاع. وليس التقصير أو القصور في الكتاب والسنة، وإنما القصور في عقول الناس، وإدراكاتهم متباينة ومتفاوتة، والفرق التي نشاهدها - سواء في الماضي أو الحاضر - هي نتيجة لتلك الإدراكات المختلفة.. إذا، فالنزاع باق.

والنزاع والاختلاف - كما نعلم - أمر ممنوع وغير مسموح به، وإن رفعه وتجنبه أمر واجب بنص القرآن، ولا يتم هذا إلا بالرجوع إلى أولي الأمر. وهذا مما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب إذا. وعدم ذكر الرجوع إليهم عند المنازعات في الآية لا يتعارض مع وجوب الرجوع إليهم.

ولكن، ما هو السر في عدم ذكرهم في الآية الآمرة برد المنازعات إلى الله والرسول؟

إننا نعلم أن موضوع الإمام المعصوم نفسه من المسائل التي حدث فيها النزاع، كما رأيت في سقيفة بني ساعدة.

كما أننا لا نشك في أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو إذا عالم بوقوع النزاع الذي حدث في أمر الإمام في سقيفة بني ساعدة قبل نزول هذه الآية، ولهذا لا يمكن أن يأمر برد النزاعات إلى الإمام المعصوم، وهو متنازع فيه مع أنه قد عين وحدد. ونحن نعلم أن النزاع بطبيعة الحال لا ينتج إلا عن العصبية والقبلية، واتباع الهوى، أو التأويل الخاطئ للنصوص. ولأن الله تعالى لطيف بعباده يهيئ لهم دائما سبل الثوبة والأوبة، فأمرهم - رحمة منه وتذكيرا لهم - برد النزاع في الإمام المعصوم مرة أخرى إلى الكتاب وما قاله الرسول في ذلك، عسى أن يتذكر الناس، أو يعلم الجاهل، أو ينتبه الغافل، أو تلين قناة المعاند اللاج، أو يطلع المتأول خطأ على الصواب.

وما دام الله قد أمر برد النزاعات إلى الكتاب والسنة، فحل هذه النزاعات لا محالة موجود فيهما. وما دام قد وقع النزاع في الإمام المعصوم فبيانه موجود في الكتاب والسنة، وإلا يكون رد النزاع إليهما لا معنى له إن كانا لا يتضمنان الحل. ولما كان الكتاب والسنة فيهما الحل لما وقع من نزاع حول الإمام فمن المحال أن لا يكون النبي صلى الله عليه وآله قد

٢٠٦
أعلمهم بذلك وبلغهم إياه، لأن التبليغ واجب عليه، بل التبليغ البين المزيل لكل إبهام وإيهام (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) (١).

على أن الله تعالى يقول: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (٢)، فالرد إلى أولي الأمر فيما يجهل الناس حلوله - سواء كان نزاعا أو حكما من الأحكام - أمر ثابت. ولكن لوقوع النزاع فيهم أنفسهم أجل الأمر بذلك إلى بعد الثوبة والأوبة، بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله.

وقد يشكل علينا بما قلنا بأن أخذ الناس مباشرة من الكتاب والسنة أمر لا يرتفع به النزاع ولا يزداد به الطين إلا بلة، فكيف يرجع الناس النزاع في أولي الأمر وهم غير معروفين لهم، والناس لا تدرك من القرآن والسنة إدراكا واحدا، فكيف تحل مسألة النزاع في أمر الإمام هذا؟

ونجيب: إننا قد ذكرنا أن الإمام المتنازع في أمره قد عين من قبل النبي صلى الله عليه وآله إذا، فهو موجود بين المتنازعين، فواجب عليه - بحكم إمامته - أن يبين لهم الأمر إذا أراد الناس أن يعلموه وردوا نزاعهم إلى الكتاب والسنة. فالإمام في هذه الحال لا بد أن يقيم الحجة والدليل على إمامته وأحقيته في الأمر من الكتاب والسنة، إذ أنه بهما أعلم إذا، فهو - كفرد من أفراد الناس وطرف من أطراف النزاع - سيتكفل برفع النزاع حتى تثبت إمامته.. هذا إذا كان المتنازعون قد تأولوا خطأ، أو كانوا لا يعلمون.

وأما إن كانت العصبية والقبلية والعناد واللجاج: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون) (٣).

ثم إن الإمام الرازي ركز على العجز عن معرفة الإمام، سواء في عصره خاصة، أو ما يليه من عصور.. فهل يعني هذا أن العجز عن معرفة الإمام المعصوم كان في عصر الإمام الرازي فقط، وأنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله لم يكن الناس عاجزين عن معرفة الإمام المعصوم

١ - النور: ٥٤، العنكبوت: ١٨.

٢ - النساء: ٨٣.

٣ - الجاثية: ٢٧.

٢٠٧
في ذلك الزمان؟

فنقول: إن كان الناس في تلك العصور، من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، عاجزين عن معرفة الإمام المعصوم.. فلماذا يحصر الرازي الكلام في عجز الناس عن معرفة الإمام المعصوم بعصره فقط أو بما بعده من عصور؟! وإن لم يكونوا عاجزين فكيف تولى الأمر من هو غير معصوم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله؟!

نظر ابن جرير الطبري

أما الطبري فقد ذكر عند تفسيره هذه الآية: " والصواب من القول في ذلك أن يقال:

هو أمر من الله [ تعالى ] بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته، وذلك أن الله [ تعالى ] عم بالأمر بطاعته، ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم.. واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم: [ هم ] - الأمراء أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

- وقال بعضهم: هم أهل العلم والفقه.

- هم أبو بكر وعمر.

ثم قال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، ومنها عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال: على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا طاعة.

فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة على أحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) بطاعة ولي أمرنا.. كان معلوما أن الذين أمر الله بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولاهم المسلمون دون غيرهم من الناس.. وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر أو نهى - فيما لم تقم حجة وجوبه - إلا الأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم، فإن على

٢٠٨
من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية ". (١)

إن من المسائل الهامة التي أثبتها وأقرها الإمام الرازي والطبري في تفسيريهما لهذه الآية هو أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على نحو من القطع والجزم. وفي الواقع لا أظن مسلما يقول بغير ذلك، إذ أن الآية صريحة في إيجاب طاعتهم، بل إن الرازي قد ذهب إلى عصمة أولي الأمر، وهو الحق بلا ريب، وأشار الطبري إليها بقوله: " وأنه لا طاعة لأحد فيما أمر أو نهى - فيما لم تقم حجة وجوبه - إلا الأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم ".

فالذي وجبت طاعته في أمر لم يقم الدليل على وجوبه إذا أمر به لا بد أن يكون معصوما، لأن وجود الدليل يصون الإنسان عن الوقوع في الخطأ، ويهديه إلى الصواب، فإذا انعدمت العصمة والفرض عدم دليل على الوجوب، فكيف نعلم أن المأمور به صواب وأمر واجب. ولما كانت طاعة الأئمة، في الأمر الذي ليس له دليل يشير إلى وجوبه، واجبة على الناس علم أن أمرهم هذا حق وصواب ولا سبيل للخطأ إليه لعصمتهم، وإلا لما كانت طاعتهم واجبة، فالأمر بالباطل والخطأ أمر لا يصح ولا يجب، بل يحرم.

إذا فطاعة الإمام في أمر لا دليل على وجوبه هو لعدم نفوذ الخطأ والباطل إلى أمره هذا، وذلك لعدم نفوذ الخطأ إلى نفس الإمام، بسبب عصمته التي هي أساس فرض طاعته ووجوبها على الناس بلا دليل أو برهان على وجوب أمره.

ونفهم من هذا عدم جواز مسألة الإمام في أوامره ونواهيه، كما لا يجوز مسألة النبي صلى الله عليه وآله فيما يأمر به أو ينهى عنه، كل ذلك لعصمتها.. وبهذا يثبت الطبري أيضا عصمة أولي الأمر بقوله هذا.

ثم رجح الطبري من بين آراء العلماء الرأي القائل بأن أولي الأمر هم الأمراء والولاة وأئمة المسلمين.

وهذا صحيح لا قدح فيه، ولكنه أتبع ذلك بقوله: " ومن ولاهم المسلمون " ونفهم من ذلك أن الطبري يرى أن هؤلاء الولاة والأئمة يعينهم المسلمون، وهذا أمر لا يصح أبدا.

١ - تفسير جامع البيان لابن جرير الطبري ٥: ٩٤ - ٩٥.
٢٠٩
إننا نصرف النظر عن العصمة التي أشار إليها الطبري إشارة، ولم يصرح بها كما صرح الإمام الرازي، ولكن.. هل أثبت الطبري وجوب طاعة الأئمة هؤلاء فيما أمروا به أو نهوا عنه ولو لم تقم الحجة على وجوب أمرهم ونهيهم؟!!

إذا، يكفي هذا في إبطال ما ذهب إليه من قدرة الناس من المسلمين على معرفة الولاة والأئمة وتعيينهم. والسبب واضح، فإننا ذكرنا أن البشر ليس في مقدورهم معرفة من وجبت طاعته في أوامره ونواهيه - سواء كان بدليل أو بدون دليل - على وجوب أمره.

وإذا عجزوا عن معرفته فهم عاجزون عن تعيينه وتنصيبه، كما هو واضح، لأن معرفة من وجبت طاعته على الناس هو فرع معرفة الواجبات. ولو كان الناس يعرفون الواجبات لما خالفوا منها شيئا، ولبطل إرسال الرسل لبيان الواجبات للناس وصار إرسالهم تحصيلا للحاصل.

فالناس لجهلهم بما هو واجب أرسل الله تعالى إليهم الرسل والأنبياء ليهديهم إلى تلك الواجبات ويعرفهم بها، إذ فيها صلاحهم ونفعهم. ولكي يتحقق هذا الهدف الذي أراده الله - وهو إصلاح الناس وهدايتهم - لا بد أن يضمن وصول أوامره ونواهيه الموصلة إلى تلك الغاية، فعصم الرسل ليسد باب التغيير والانحراف عن طريقهم، ثم أوجب طاعتهم. ولكن رأيناه أيضا أوجب طاعة أولي الأمر، فلو كانت الأخطاء تعتريهم فهل يصل إلى الناس ما أراده الله لهم من نفع وصلاح، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وهم المتصدون لهداية الناس وإرشادهم إلى الغاية والهدف الإلهي؟ أبدا، فوجوب طاعتهم - مع ارتكابهم الأخطاء - هو مدعاة للانحراف عن المسير الذي رسمه الله تعالى بوساطة رسله المعصومين، فهنا تكمن عصمة أولي الأمر، وهنا سر وجوب طاعتهم، وهنا عجز الناس عن معرفة أولي الأمر.. فالمعصوم الواجب الطاعة لا يعلمه إلا الله، وتعيينه إذا مسند إليه، إذ أنهم الطريق الذي يطويه الوحي المعصوم ليصل إلى الناس سالما من أي خطأ، فإنه يجب أن يصل إليهم كما هو بعيدا عن الخطأ والباطل، ولا يتم ذلك إلا بعصمة الأنبياء وولاة الأمر من بعدهم.

وقد يحتج علينا بما قاله الطبري: " فإن على من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما

٢١٠
كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين لـ طارق زين العابدين (ص ٢١١ - ص ٢٣١)
٢١١
إذا، فالتقييد الذي جاء في الحديث ينافي الآية، ومن ثم فالحديث لا يتكلم عن الأئمة العدول أولي العصمة، لعموم وجوب طاعتهم، كما وضح.

ثم إن تقييد طاعة أولي الأمر بكون ما أمروا به ليس فيه معصية لله، يفرض قدرة الناس على تشخيص الخطأ من الصواب، بإقامة الدليل على ذلك من الكتاب والسنة..

وهذا لا يتوفر لكل إنسان، وأعلمية أولي الأمر وعصمتهم تنفي أمرهم بالمعصية.

فلو كانت طاعة أولي الأمر لا تجب إلا فيما وضح بالكتاب والسنة أنه حق وصواب للزم من ذلك أن يكون كل فرد ملما وعارفا بمفهوم ومعاني وتأويل وتفسير القرآن والسنة، وهذا ليس صحيحا. وعلى أقل التقادير سيؤدي ذلك إلى الاختلاف والنزاع في تحديد كون هذا الأمر خطأ أو صوابا. والاختلاف ممنوع قطعا، وسيؤدي إلى تعطيل التنفيذ، وقد يؤدي إلى فتح الثغرات لمعصية الإمام في كل ما يأمر به.

ولو فرض أن في استطاعة الجميع معرفة بعض الأدلة من ظاهر بعض الآيات لإثبات صحة وحقانية أو بطلان أمر الإمام.. فكيف تتم لهم معرفة الأدلة على صحة أو بطلان ما أمر به الإمام في المسائل التي لا تتضح إلا بالاستنباط والاجتهاد؟!

ونحن نعلم أن القدرة على الاستنباط والاجتهاد لتحصيل الأحكام ليست لكل أحد، بل ليست للغالبية. ومن هنا يكون هذا الأمر مختصا بهؤلاء العلماء الذين هم أولو الأمر، وورثة الأنبياء، ولا أحد يعلوهم في العلم والمعرفة.

فلو كان هذا الأمر مختصا بهم، والغالبية العظمى ليس لها إدراك ذلك.. فكيف يقنعون منهم بأن ذلك صواب وليس معصية؟! وكيف يقيمون لهم الدليل ويحتجون عليهم به على صحة أوامرهم، وعامة الناس لا يدركون شيئا من ذلك؟!

فإما أن يحملوهم على الأمر والنهي بالقوة والعنف، ولا يبقى حينئذ معنى لاشتراط وجوب الطاعة بكونه في غير معصية لله. أو يتركوهم عن تنفيذ الطاعة وأداء الواجب في ذلك.. وبهذا يذهب الأمر بطاعتهم أدراج الرياح.

فنحن إذا، محتاجون إلى التسليم لبعض أوامر أولي الأمر فيما لا ندركه، لفقداننا قدرة الاستنباط والاجتهاد. لكن التسليم في البعض وعدمه في البعض الآخر لا يتفق

٢١٢
وعموم الأمر بالطاعة وإطلاقه في الآية. كما أنه ليس من العقل في شئ، فلو سلم الناس لأولي الأمر فيما يصعب عليهم إدراكه وفهمه من القرآن والسنة.. فهذا التسليم ليس أولى من التسليم لهم فيما يسهل على الناس إدراكه وفهمه من ظاهر القرآن، لأن قدرة أولي الأمر في إدراك ما صعب على الناس إدراكه وما بعد عن أفهامهم يبث الطمأنينة والتسليم لهم فيما يأمرون به من أوامر يدركها الناس من ظاهر الآيات والسنة، إذ لا يقول أحد إن ما يدركه الناس من ظاهر القرآن يصعب إدراكه على أولي الأمر.

إذا، فالتسليم لأولي الأمر الظاهر دليله من الكتاب أو السنة أولى. ومن هنا فالتسليم لهم فيما صعب على أفهام الناس والتسليم لهم فيما سهل على الناس إدراكه من الظاهر ينفي اشتراط إقامة الدليل على صحة أو بطلان ما أمر به أولو الأمر.. هذا من ناحية المقايسة بين أولي الأمر وعامة الناس من حيث العلم والأعلمية.

وأما إذا ثبتت للناس ولايتهم وإمامتهم بالنص الإلهي وثبتت بذلك عصمتهم، فإن التسليم لهم يكون أحجى وأبلغ وأكمل في هداية الناس وصيانة الأمر، وهذا ما أراده الوحي من الأمر بطاعتهم وإيجابها.

فقول الطبري بأن أولي الأمر هو الولاة والأمراء صحيح لا غبار عليه، ونضيف إليه قول الرازي بعصمتهم، فنخلص عندئذ إلى قول الشيعة بأنهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام..

وأما قول الطبري باختيار وتولية المسلمين لهم، وقول الرازي بأنهم أهل الحل والعقد.. فقد وضح بطلان هذين القولين، وعدم استقامتهما شرعا وعقلا.

وأما القول بأن أولي الأمر هم أبو بكر وعمر.. فهذا قول لا يصح من وجوه:

أولا: إنهما يفتقدان العصمة ولا ينسبها أحد إليهما. وأولو الأمر قد ثبتت عصمتهم، ووجبت طاعتهم على الناس.

ثانيا: لو كانا هما المعنيين بأولي الأمر في الآية لوجبت طاعتهما، ولما خالفهما كبار الصحابة، ولما امتنع أكثرهم عن بيعة أبي بكر، ولما احتج بعضهم على استخلاف عمر، ولما خالف سعد أبا بكر وامتنع عن بيعة الصديق ومات وهو مخالف لهما ولم يقتد بهما في

٢١٣
شئ، ولما خاصمتهما الزهراء وامتنعت عن بيعة الصديق وكانت تدعو عليه في كل صلاة تصليها عليها السلام.

ولو كانا هما أولي الأمر لما جاز لعلي بن أبي طالب الامتناع عن بيعة أبي بكر، بل لما قال لهما ولأفرادهما: " بل أنتم أولى بالبيعة لي "، وقد مر عليك ذلك كله.

أولو الأمر هم أهل البيت عليهم السلام

أن أولوية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في تولي أمور المسلمين، والانفراد بلقب " أولي الأمر " بعد النبي صلى الله عليه وآله دون غيرهم من الناس.. لهي أولوية تأخذ شكلها الطبيعي من عبارات الوحي بشقيه، فالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن يرى من هو أولى منهم بهذا المقام، بل لم يكن يراه لغير هم أبدا، إذ أننا نلمس ذلك في المقام، الذي حفظه النبي الكريم لهم. وليس ذلك من حيث الاحساس الأبوي الخاضع لقوانين النفس البشرية، وإنما هو أمر تلقاه النبي صلى الله عليه وآله متنزلا من مقامات الوحي الإلهي، موضحا السنخية والشبه الذاتي بين أهل البيت النبوي و بين محمد صلى الله عليه وآله ذلك لأن الأبوة مهبط لوحي العاطفة التي كثيرا ما تتخطى الحق وتنطق عن الهوى ولهذا فقام أهل البيت لما كان مرتكزا على الأمر القرآني بوجوب طاعتهم من حيث إنهم أولو الأمر، ترى الشق القرآني يمثل أساسا منيعا لمقام العترة، وحينما ترى وصف السنة لعترة النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام بأنهم الهداة الذين لا يضل من تمسك بهم تعلم طبيعة هذا المقام الصادرة من جانب الوحي الإلهي وعندئذ نعلم السنخية بين العترة ومحمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبيان هذا المقام ليس له مسير غير قنوات الوحي الذي ينتظم كل نفس النبي صلى الله عليه وآله وكل حياته بحركاتها وسكناتها، ولهذا كان الاستحقاق للخلق العظيم الذي يبرئ النبي عليه وآله الصلاة والسلام من نزعات الأبوة البشرية في بيان مقام العترة. وعلى هذا الأساس فهو مقام لهم من صميم أنوار النبوة، بل مقام من مقاماتها، صاغه الوحي في عبارات لا تخفى على من له مسكة من الادراك وقدر من ملكة التدبر.

٢١٤
(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (١)، فالأجر لا بد أن يكون على قدر نوع العمل، ولذا فمودة أهل البيت لا بد أن تساوق من حيث القدر ما جاء به النبي الأكرم من نعمة الإسلام والرحمة التي ما أرسل إلا بها. ولو كان هناك أجر يضاهي ذلك غير مودة أهل البيت يمكن أن يكافأ به النبي صلى الله عليه وآله لكان هو الأجر.. وهذا أمر لو تدبرنا عظيم.

إن هذا الأجر أدناه تسليم زمام الأمر في قيادة المسلمين وإدارة شؤونهم بعد النبي الأكرم لأهل بيته الذين ساوت مودتهم - من حيث إنها الأجر - نعمة الدين الإسلامي من حيث إنه عليه بهذه المودة.

وهذا التساوي السنخية والشبه القوي بين النبي صلى الله عليه وآله وهذا الدين الذي هو خلق النبي المعصوم وطريقة حياته صلى الله عليه وآله من ناحية.. والشبه القوي بين العترة الطاهرة والنبي صلى الله عليه وآله من ناحية أخرى.

ووجه الشبه بين العترة والنبي الأكرم هو تلك المودة، من حيث إنها واجبة في حق العترة، ومن حيث إنها الأجر الذي استحقه النبي صلى الله عليه وآله مقابل ما جاء به للناس من هداية ورحمة.. فمودة العترة كأجر ترضي النبي صلى الله عليه وآله بلا ريب، فهي في حقيقة الأمر مودة للنبي نفسه، فتدبر.

ولكن، هل تصح هذه المودة مع المخالفة للنبي في نهجه؟ وهل يمكن تصورها مع مشاقة النبي صلى الله عليه وآله؟! أبدا. فلا يستطيع أحد ادعاء مودة النبي صلى الله عليه وآله وهو مخالف له. فهذه المودة لا تستقيم إلا باتباع النبي صلى الله عليه وآله، ولما كانت مودة النبي صلى الله عليه وآله هي في عترته.. فما هو أنسب أسلوب للمودة يمكن أن يحفظ به النبي صلى الله عليه وآله في عترته؟ أليس هو الاتباع للعترة والاقتداء بهم.؟

أجل، إن مودة النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام لا تغني إلا اتباع النبي الكريم باتباع أهل البيت من عترته، لأن هذا هو الذي يرضي النبي صلى الله عليه وآله ويسره لا غير.

ولو كان ودهم يعني المحبة دون الاتباع فهذا لا يختص بأهل البيت النبي وحدهم، وإنما هو أمر مطلوب بين عامة المؤمنين الذين هم في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد...

١ - الشورى: ٢٣.
٢١٥
إذا، فلا يختص أهل البيت بذلك، ولكن إضافة إلى هذا المعنى الشامل لكل المؤمنين يتوفر معنى آخر يتميز به ود النبي صلى الله عليه وآله عما سواه من ود بين المسلمين، وهو الاقتداء والاتباع بلا ريب، كما كان حب الله هو اتباع النبي صلى الله عليه وآله، إذ ليس لحب الله معنى إذا قرن بمخالفة النبي صلى الله عليه وآله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (١).. فحب الله يستلزم اتباع النبي صلى الله عليه وآله الذي هو سبب حب الله للتابعين، وهو رحمته.

إن الهدف الأساسي والدائم للقرآن هو تهيئة وسائل وسبل الهداية والنجاة للناس بحكم أنه رحمة جاءت للناس عبر النبي صلى الله عليه وآله الذي ما أرسل إلا رحمة بهذا القرآن. ولا يمكن أن يحدد الله الأجر للناس مقابل هذا الدين وتلك الرحمة، ويكون هذا الأجر متضمنا للشقاء! فهذا الأجر الذي هو مودة العترة أحد قنوات هذه الرحمة الإلهية. كما لا يمكن أن تتحقق هذه الرحمة مع المخالفة.. إذا، لكي تنتقل الرحمة أيضا عبر هذا الأجر - أي مودة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله - لا بد أن تعني تلك المودة الاتباع والاقتداء. وبهذا يتحقق الهدف الأساسي للدين، وهو هداية الناس وإرشادهم لما هو خير لهم وأبقى، لأن المخالفة عمدا أو تساهلا تبعد المخالف عن قنوات الرحمة تلك.

ولهذا، لا يستقيم ودهم وحبهم مع مخالفتهم في أمر أو نهج، لأن في هذا إيذاءهم وإيلامهم بلا شك. ولا يلتئم وودادهم ووداد من صدر منه إيذاؤهم وإيلامهم ووداد من كانت منه شكواهم.

ولهذا كانت مودة أهل البيت أعظم أجر يتلقاه النبي صلى الله عليه وآله من أمته.. لماذا؟

لأن النبي الأكرم - الذي هو عزيز عليه ما عنت المؤمنون، حريص عليهم في هدايتهم، رؤوف بالمؤمنين رحيم - لا يسره شئ مثل أن يرى أمته في نجاة وسلامة وفي أمن من عذاب يوم عظيم. ولذا كان اتباع الناس لأهل بيته في دينهم أجرا يتحقق به رضاه وسروره لما سيجده الناس من نجاة وسلامة.

فالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام هم حملة هذا الدين، وهم العارفون به، والرافعون عنه ضلالات المضلين وأخطاء الجاهلين، وأحقاد الحاقدين، ونفاق المنافقين. وليس هذا

١ - آل عمران: ٣١.
٢١٦
مختصا بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، وإنما هذه مهمة ومسؤولية كانت على عاتقهم منذ أن أنزل الله تعالى قوله (وأنذر عشيرتك الأقربين) (١) فأراد الله بذلك إعدادهم لتلك المسؤولية التي انحصر القيام بها فيهم، استمرارا لمنهاج النبي صلى الله عليه وآله.

ثم إن هذه المسؤولية نالها أهل البيت في مقابل الالتزام الذي تأسس يوم عرض النبي صلى الله عليه وآله هذا الدين على عشيرته الأقربين، طالبا منهم العون والمؤازرة في مسؤولية القيام بتبليغه، على أن تكون لمن يلتزم المؤازرة والمناصرة الخلافة والولاية على الناس من بعد النبي صلى الله عليه وآله. فالتزم الإمام علي عليه السلام بذلك مؤسسا بالتزامه هذا مسؤولية عترة النبي الكريم الذين نشأوا وتربوا عليها أحسن تربية وأفضل تنشئة في كنف النبي صلى الله عليه وآله، يرفع إليهم كل يوم علما، إعدادا لهم واختصاصا بهذا المقام، باعتباره ثوابا وأجرا لما التزم به علي عليه السلام، مؤسسا بذلك المقام والمسؤولية الطبيعية لذريته من أبناء الرسول صلى الله عليه وآله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن جمع إليه أربعين نفرا من قريش من بني عبد المطلب: "...

يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟

فقام علي عليه السلام: " أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه.

فأخذ رسول الله وقال: إن هذا أخي ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا... " (٢).

إذا، فهذه الأولوية في تولي أمر المسلمين بعد النبي الأكرم أمر ثابت للعترة، ولا يجوز لأحد أن ينافسهم فيه وينازعهم. والقبول بهذا الالتزام لنيل هذا المقام هو إشارة واضحة إلى الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله.. فنالت ذلك العترة بالإيمان المبكر الذي شع في قلب سيدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهكذا ظل الأمر فيهم إيمانا خالصا لم تخالطه شوائب الشرك أو نزعات الشك التي أصابت البعض قبل إسلامهم وبعده.

١ - الشعراء: ٢١٤.

٢ - تاريخ الطبري ٢: ٢١٧، الكامل في التاريخ ٢: ٢٢، السيرة الحلبية ١: ٣٨١.

٢١٧
ثم إنه لما حانت لحظة من لحظات الدفاع عن هذا الدين أمام افتراءات نصارى نجران، لم يستنفر الله تعالى لهذه المهمة العظيمة غير النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأكارم.

فهؤلاء نصارى نجران يحاجون النبي الكريم من بعد ما جاءه من العلم في أمر عيسى عليه السلام، فيأمره الله تعالى بمباهلتهم، ولكن بعد أن يدعو أهل بيته إذ أنهم شركاء في الأمر، فقال له تعالى:

(فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (١).

إن هذا الأسلوب في الدفاع عن الدين والذب عنه ليس في مقدور أي فرد من الناس، ذلك لأنه ليس فيه سلاح سوى سلاح الإيمان واليقين الصادق بما نزل به الوحي، بل ليس إيمانا مسبوقا بالشرك أو يمكن أن يخالجه شك من بعد. وإن الدفاع عن هذا الدين بالسيف هو دفاع لا شك فيه، ولكن قد يكون المدافع لا يملك إلا سيفه وشجاعته وحميته، أو قد لا يملك إلا الرغبة في الغنائم ومكتسبات الحرب..

أما الوقوف أمام النصارى، ودعوتهم إلى التوجه إلى الله تعالى بالمباهلة - لتحديد الكاذب من الصادق في أمر الدين - فهو أمر يستوجب يقينا بهذا الدين وربه، لا يشوبه شئ. ولما كان الله تعالى لا يمكن أن يختار لهذا الأمر شخصا شاب إيمانه شك وريب أو نقص وضعف.. كان إيمان العترة في أوج كماله وتمامه، فانتدبهم الله تعالى للذب عن الدين بهذا السلاح الإيماني التصديقي. فدعا الحسن والحسين، لقوله " أبناءنا "، ودعا فاطمة لقوله " نساءنا "، ودعا عليا وجاء بنفسه لقوله " أنفسنا "، إذ قصد من قوله " أنفسنا " محمدا وعليا في آن واحد، وهو يوضح أنهما من نفس واحدة.

وبهذا يؤكد الوحي تقدم أهل البيت في القيام بمسؤولية هذا الدين ولازم ذلك عدم أهلية غيرهم لهذه المسؤولية في هذه المقام المتقدم بالذات، أي مقام أولي الأمر. فالعامل في السفينة ليست له مهمة الربان فيها، وليس هو أهل لقيادتها، وإن حذق في وظيفته.

وإنما هو أهل لما هو فيه من وظيفة ومسؤولية تدار من مقام الربانية.

١ - آل عمران: ٦١.
٢١٨
ونسبة لهذه الأولوية في مقام القدوة والاقتداء، في جميع مناحي الحياة بلا استثناء، قال النبي صلى الله عليه وآله محذرا: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ".

ويقول ابن حجر: " وفي قوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: فلا تقدموها فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.. دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما على غيره " (١).

على أن قوله صلى الله عليه وآله: " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " إشارة إلى أعلميتهم الأزلية، وبالتالي تقدمهم الأزلي على غيرهم.. فلا ينتظر أن يتحقق لهم هذا التقدم لا حقا ثم به يتقدمون على غيرهم فيما بعد.

وبعد هذا كله.. كيف يمكن أن يتقدم أبو بكر وعمر على باب مدينة علم الرسول؟! أو كيف يتأتى لمعاوية أن يفوق الإمام الحسن في علمه؟! أو يبذ ابنه يزيد السكير الإمام الحسين علما ومعرفة؟!

فكيف تقدم هؤلاء على العلماء من عترة النبي سيد الأنبياء، والنبي يناديهم في أخراهم: " واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين " (٢)؟!

فواعجبي من القوم! فبعد هذا كله تقدموهم وجعلوهم في سوقة الرعية، لا يؤتم بهم في دين، ولا يقتدى بهم في عبادة!! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إن أهل البيت أولو الأمر بلا مراء ولا جدال. إنه أمر حكم به النقل والعقل، ويحكم به العقل لو فقد النقل. ولكن لو ترك النقل وفقد العقل حكم لغيرهم الجهل..

وعندها لات ساعة مندم!

على أن العصمة التي يتمتعون بها، بل يلزم أن تكون لهم، تلك العصمة تبين هذا الأمر جليا وتحصر ولاية الأمر فيهم. وكل من نازعهم الأمر عبر التاريخ إنما هو قد أخذ

١ - الصواعق المحرقة لابن حجر: ص ٨٩ - الباب الحادي عشر - نقلا عن الطبراني.

٢ - الشرف المؤبد للنبهاني ص ٣١: وانظر: إسعاف الراغبين.

٢١٩
ما ليس بحق له، وناقل رص البناء إلى غير أساسه، عامدا في مخالفة النصوص، أو مخطئا في تأويلاتها.

وقبل أن نبين عصمة الطاهرين وأبناء سيد الأنبياء والمرسلين علينا أن نوضح، في اقتضاب، العصمة في ذاتها ما هي؟!

ما هي العصمة؟

إن العصمة - كما ذكرنا سابقا - هي الأساس الذي تدور عليه الحجية، والقاعدة التي بني عليها وجوب الطاعة على سبيل الجزم والقطع.

والتلازم بين العصمة ووجوب الطاعة القطعي يحتم اتصاف من وجبت طاعته على هذا النحو بهذه العصمة، التي يتحتم بها إبعاد أي احتمال لصدور الخطأ عن الذي وجبت طاعته قطعا.

فما هي هذه العصمة؟ وما هو السر في التلازم بينها وبين هذا الوجوب القطعي في الطاعة؟

لقد تهيب كثير من الناس وصف البشر بالعصمة، وأدى تهيبهم هذا إلى التردد حتى في عصمة النبي صلى الله عليه وآله، فنفاها بعضهم عنه، ونسبها إليه بعضهم، وقيد بعضهم نسبتها إليه في حال تبليغه الوحي.. وسبب كل ذلك يعود إلى الجهل أو الفهم السيئ لمعنى العصمة!

فالعصمة ليست أمرا اكتسابيا حتى يصبح في متناول كل فرد، وإنما هي هبة من الله تعالى وهبها لبعض من عباده، لأداء مسؤولية إيصال الوحي إلى الناس، والإسهام في إرشادهم إلى سبيل المؤمنين، وسواء تهيب الناس نسبتها إليهم، أو لم يتهيبوا ذلك، فالله أعلم بمن يهب العصمة.

إن العصمة في حقيقة الأمر هي وليدة الإيمان، الإيمان الذي يبلغ شأوا لا يبقى للشك إليه من سبيل. والإيمان في هذا المقام العالي لا يعني إلا الاقتراب المعنوي من حضرة الله تعالى، والولوج إلى ساحة النور الإلهي. فالله نور، والانغماس في هذا النور تتلاشى فيه ظلمات النفوس وتزول الحجب، ولا يبقى ما يعتم الرؤيا. وفي مقام

٢٢٠