×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٢٢١ - ٢٤٠

القربى هذا تمتلئ النفس باليقين، ليس امتلاء وعاء، وإنما استحالة إلى اليقين... بل عين اليقين.. فينكشف باليقين اليقين، ولا يرى من خلف اليقين، حيث لا شئ في عالم اليقين غير اليقين.

فأين النفس وأهواؤها؟ وأين الشيطان وهمزاته؟! فهذا مقام ليس لهما إليه من نفوذ.

إن شدة العلم اليقيني إنما هي في عالم اليقين كما وكيفا، فلا يغدو شئ غير معلوم، ولا تبقى حقيقة غير مشهودة. وعلم في هذه الشدة ليس للجهل فيه من نصيب أبدا.

والأخطاء معاليل الجهل، وحيث لا جهل فلا خطأ، وحيث اليقين فكل شئ هناك صواب وحق صرف.

ولهذا لا يمكن تصور هذه العصمة في هذا المقام مسبوقة بارتكاب المعاصي والأخطاء، أو معقوبة بها، لأن الإيمان الباعث لهذه العصمة هو إيمان مبكر جادت به العناية الإلهية، يلحق المعصوم قبل أن يأتي إلى هذا الوجود، إذ صنع على عين الله منذ الأزل، وسبقت له من الله الحسنى من قبل، فلا مجال المسبوقية المعاصي ولا معقوبيتها، لأن اليقين ملازم لهذه العصمة، - بل ملازم للمعصوم - ملازمة ذاتية لا تسمح بنفوذ مسببات ارتكاب المعاصي والأخطاء.

وهكذا تشمل هذه العصمة حياة المعصوم كلها لا تتقيد فيها بحال دون حال، ولا سن دون سن.. فالمعصوم معصوم منذ الأزل حتى الأجل.

ولقد رأينا نبي الله عيسى عليه السلام قد جعل وأوتي الحكم صبيا، وخاطب الناس وهو في حضن أمه. وهكذا الأنبياء جميعا، وهكذا أولو الأمر، إذ أنهم شركاؤهم في وجوب الطاعة الجازم، شركاؤهم في العلم الذي يرثون به الأنبياء، فهم العلماء وهم ورثة الأنبياء.

فالرسول صلى الله عليه وآله لما كان يؤدي الرسالة، ويقوم بهداية الناس على أساس هداية الوحي، عبر العصمة التي تؤمن أداء الوحي على النحو الذي أنزل به.. علم أن العلم اليقيني الشامل الذي يتمتع به العلماء من خلفاء الرسول وأولي الأمر يسد مسد الوحي في هداية الإمام، وهو بدوره يهيئ العصمة المطلوبة لمواصلة أداء الدور الرسالي على النحو الذي

٢٢١
نزل به الوحي ومشى عليه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، دون تغاير وتفاوت، فالوحي النازل على النبي صلى الله عليه وآله يتمثل في العلم اليقيني عند الإمام المعصوم، مع الاشتراك في العصمة اللازمة لتبليغ الرسالة، وإيجاب الطاعة بالقطع والجزم...

فمن هم أهل البيت؟ وهل هم معصومون؟

أهل بيت النبي معصومون

إن عصمة أهل بيت النبوة عليهم السلام لهي من المسائل التي يحكم بها كل عقل سليم، لأنه ما دام قد ثبت أن أولي الأمر يلزم أن يكونوا معصومين، وثبت عقلا أنه ليس هناك من البشر من يرقى إلى هذا المقام غير أهل البيت.. فقد ثبتت بالضرورة عصمتهم.

على أن النقل قد أشار إلى عصمتهم بوضوح وصراحة، فهم العلماء الذين يرثون بعلمهم هذا إرث الأنبياء من العمة بوضوح وصراحة، عليهم من سبيل.

وأما الأدلة التي تشير إلى هذه العصمة وتوضح اختصاصهم بمقام ولاية الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله، فإليك منها ما يلي:

دلالة آية التطهير على العترة من خلال العصمة

يقول الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (١).

إن الأمر الذي لا شك فيه أن هذه آية من آيات القرآن الكريم، ونحن نعلم أن القرآن منزه عن اللغط واللغو في الكلام، فإن ذلك نوع من العبث والباطل الذي لا يخالط القرآن بأي حال من الأحوال.

ولهذا فأي عبارة في القرآن الكريم وأي كلمة تضمنتها آياته لم توضع عبثا دون أن تحتوي على معنى له أثر أساسي في تشكيل معنى الآية التي فيها تلك الكلمة. ولهذا لا يمكن مثلا أن نتجاوز كلمة (إنما) المذكورة في الآية التي نحن بصددها، ولا يمكن

١ - الأحزاب: ٣٣.
٢٢٢
أن نتجاوز التطهير بعبارة (تطهيرا)... لأنه لو كانت تلك العبارات خالية من معنى أساسي فيه فائدة لكان إسقاطها من قبل الله تعالى واجبا، لأن الحق بعيد عن ذكر ما لا فائدة فيه في الكلام، فكان يمكن أن يكتفي مثلا في بدء الآية بقوله (يريد الله ليذهب عنكم الرجس...)، أي بدون ذكر (إنما) في البدء. أو كان يمكن أن يختم الآية بقوله:

(يطهركم)، بأن يقول (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم)، فكان يمكن أن تكون الآية بعد إسقاط العبارات كالآتي:

(يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم) ، فما الإشكال في هذا؟!

إذا المعنى كما يبدو في الظاهر محفوظ، وهو تطهير أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم!

ولكن هذا نظر من لم يعرف للقرآن قدره واكتفى منه بالسطح والقشور.. فالمعنى أوسع من أن نلتمسه في ظاهر الألفاظ دون الغوص في أعماق معانيها، والتدبر في دقائقها ولطائفها.

من الخطأ أن نكتفي من عبارة (يريد الله) بمفهوم الإرادة، دون تحديد أي إرادة هي، ومدى تعلقها بالمراد. كما أنه من الخطأ أن نكتفي من عبارة (ليذهب) بمعنى الإبعاد، دون أن نتدبر في كيفيته، ودون أن نربطه بنوع الإرادة التي تم بها هذا الاذهاب.

وعموما فمن الخطأ الفاضح أن لا نستخلص من معنى الآية، بعد التدبر فيها، خصوصية تميز أهل البيت عن سائر الناس. وعندئذ تنكشف حقائق ما كنا لنراها لو قنعنا بشكل الحروف وصور الألفاظ من هذه الآية.

إن الرجس هو كل قذر، حسا ومعنى. والمعني منه هنا ما يتعلق بالنفس الإنسانية من قذارة الذنوب والمعاصي: سواء أكبرت فصارت شركا، أو صغرت فشملت ما دون ذلك. وإذهابها هو إبعادها وإزالتها وتطهير النفس منها تطهيرا لا يعقبه تقذر أو تلوث بها.

ولكن، كيف يتم إذهاب الذنوب والمعاصي وقاذورات النفس من الأخطاء والقبائح؟ وبأي أسلوب يتم ذلك؟

إن تطهير النفس البشرية لهو من الأهداف الأساسية لهذا الدين، بل هدف لكل الأديان السماوية. وهو يتم في الغالب عن طريق أداء التكاليف التي أوجبها الله على

٢٢٣
الناس، لأن أداء التكاليف والالتزام بالأوامر والانصراف عن النواهي يوجب التطهير ومحو الذنوب.. وعلى هذا يكون الله تعالى قد أراد إذهاب الرجس عن الناس، ففرض عليهم التكاليف ليتم لهم التطهير عن طريق الالتزام بالشرع والعمل به.

إن هذه الإرادة التي تستتبع تطهير النفس البشرية لا تتحقق إلا بأداء التكليف والشرع، فهي إرادة يمكن أن تتعلق بالفعل البشري الاختياري، ويمكن أن لا تتعلق به، لأن سبيلها هو القيام بأداء التكليف في الواقع، ومرادها عبر هذه الواسطة هو التطهير، ولهذا يمكن أن يتحقق ما أراده الله، ويمكن أن لا يتحقق، لأن الإنسان مختار في أداء التكاليف دون جبر من الله تعالى، فإذا أدى ما عليه من تكليف على النحو المطلوب طهر وذهبت ذنوبه فيتحقق ما أراده الله، وإذا لم يؤد ما عليه من تكاليف بقي في أدرانه النفسية ولا يطهر فلا يتحقق المراد، فالمسألة موصولة بموقف الإنسان من أداء التكاليف.

ولا غضاضة في أن لا يقع ما يريده الله تعالى عن طريق الإرادة التشريعية، لأن مدار الإرادة هذه هو فعل المكلف الاختياري.

ثم إن هذه الإرادة التشريعية لا تختص بأحد دون أحد أو قوم دون قوم، ذلك لأن كل الناس مطالبون بأداء التكاليف، فيكون الله تعالى قد أراد لهم جميعا التطهير من الذنوب والرجس.

إذا، فهي إرادة شاملة لكل فرد من المسلمين، ولا يتحتم تحققها، لأن من الناس من يقوم بأداء التكاليف، ومنهم من لا يعبأ بذلك.

ولكن كيف تستقيم عمومية الإرادة التشريعية هذه وشمولها لكل فرد وعدم اختصاصها بأحد من المسلمين مع الحصر الوارد في الآية الكريمة، والواضح في لفظة (إنما) التي تفيد الحصر كما هو معلوم؟

وكيف تستقيم تلك العمومية مع اختصاص الإرادة بالتطهير بفئة معينة من الناس؟

وكيف يستقيم أن تكون الإرادة تشريعية شاملة لكل فرد، عبر أداء التكاليف ومن خلال القيام بالشرع، وقد اختص الخطاب بأهل البيت دون غيرهم من الناس، كما هو واضح في الآية؟! إن أهل البيت ليس وحدهم المطالبين بأداء التكاليف والالتزام

٢٢٤
بالشرع، بل هو أمر شامل لهم ولغيرهم من الناس، والتطهير عن طريق القيام بأداء التكليف حق لكل فرد مكلف..

وهنا يجب أن نعلم أن الحصر الوارد في الآية واختصاص التطهير بأهل البيت ينفي أن تكون الإرادة هنا إرادة تشريعية تقتضي العموم، ولذا فهي إرادة من إرادات الله التكوينية التي تتعلق بما يصدر من الله تعالى من أفعال، ولا يتصور انفكاكها عن الفعل الصادر منه تعالى. فلا يريد الله تعالى بهذه الإرادة التكوينية شيئا إلا حدث.. فإرادته هي فعله، وفعله هو إرادته. وإرادة الشئ تكوينيا تعني إيجاده وخلقه وتحققه بلا انفصال.

ويصور الله تعالى هذا المعنى في قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (١).

فهذا هو الايجاد والخلق. وهذه الإرادة - كما وضح - تختلف عن تلك التشريعية، فالمكلف إذا صلى وصام مثلا يتم ما أراد له الله تعالى من تطهير، ولكن إذا لم يؤد ذلك لا يتحقق تطهيره.

إذا، فالإرادة التكوينية هي إرادة خاصة لا تنفك عن المراد بتاتا. ولعدم عمومية هذه الإرادة، فهي تستقيم مع الحصر والتخصيص الوارد في الآية. ولعدم انفكاكها عن المراد فقد وقع إذا بها التطهير لأهل البيت عن الرجس والذنوب والمعاصي والقبائح. ومن وقع له ذلك التطهير بها يلزم أن يكون معصوما، وإلا فلا معنى للتخصيص ولعدم انفكاك الإرادة التكوينية عن المراد.

ولهذا.. فأهل البيت معصومون، وهذا هو المطلوب.

ثم إن هذا التطهير ما هو إلا ذلك العلم اليقيني اللدني الذي ليس بينه وبين نفوس العترة أي تناف أو ثنائية تجعلهم كوعاء له، بل هو علم مازج النفس منهم تمازجا ذاتيا واتحدبها اتحادا معنويا، كما يتضح من عدم افتراقهم عن القرآن في حديث الثقلين.

فالعترة هم - كما عرفهم النبي صلى الله عليه وآله - ويكون القرآن حياتهم لا غير، وما في ذلك إلا العصمة.

ولما كان الله تعالى قد أنزل كل شئ بقدر معلوم يتطابق مع طاقة وسعة الشئ فإنه

١ - يس: ٨٢.
٢٢٥
سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا ما تسعه، ولا يفيض عليها إلا بقدر ما تطيقه. وليس الناس سواسية في ذلك.. ولهذا فالطاقة الروحية والسعة المعنوية لأهل بيت النبوة منذ الأزل هي التي جعلتهم في قدرة وسعة أرحب تحصلوا بها على قدر من الإيمان لا يتوفر لأي فرد من سائر الناس، فهو إيمان أفيض عليهم طبقا لسعتهم وطاقتهم. ولازم الإيمان العالي هذا تقوى من سنخه وطبعه وقدره، ولازم هذه التقوى علم يوازيها: (واتقوا الله ويعلمكم الله) (١)، فكان هذا العلم هو العلم اليقيني الذي تتحقق العصمة به. وفي الواقع لم يتم الأمر لهم على هذا التسلسل الذي ذكرناه في بيان ذلك المقام، وإنما الأمر واحد كلمح بالبصر، ومنذ الأزل. وإنما الألفاظ هي التي تخلق الانفصال بين الإيمان والتقوى، وهذا هو العلم اللدني لأهل البيت.

وهم بهذا العلم - كما أوضحنا في بحث العصمة - عرفوا حقائق الأشياء وقبيح الذنوب معرفة ذاتية لا وصفية، فنفرت منها نفوسهم، إذ لا تشابه: فهي نفوس عظم فيها الله وامتلأت به نورا..

فهل يبقى مجال للتفكير في اجتناب ظلمات المعاصي فضلا عن ارتكابها؟!!

دلالة حديث الثقلين على عصمة العترة

إن حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة المستفيضة، وهو من الآثار التي وقفت بشدة أمام أشد الناس تعصبا ضد أهل البيت.

إن ابن تيمية المعروف بإنكاره لكل فضيلة من فضائل أهل البيت، والثائر على كل منقبة من مناقبهم قد امتدت ثورته بلا حياء ضد فضيلة أهل البيت في حديث الثقلين!

فلقد سعى الرجل بكل ما أوتي من بغض لعترة النبي صلى الله عليه وآله إلى نفي الأمر باتباع العترة في هذا الحديث، لعله يخفف من وزن الثقل الثاني فيه بإنكاره إياه.

يقول ابن تيمية: " الحديث الذي في مسلم.. ليس فيه إلا الوصية باتباع الكتاب وهو [ صلى الله عليه وآله ] لم يأمر باتباع العترة [ عليهم السلام ]، ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي "!

١ - البقرة: ٢٨٢.
٢٢٦
عجبا لك يا شيخ الإسلام! لقد رأينا أناسا اتبعوك في منهاجك وفتاواك، فهل أمر يا ترى باتباعك ولم يؤمر باتباع العترة؟!! إن البغض يعمي ويصم، فليرهف ابن تيمية سمعه ويفتح بصره، حتى يسمع ويرى افتضاحه.

وقبل أن ينكشف أمر الشيخ، علينا أن نقرأ حديث الثقلين في صحيح مسلم:

قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: " ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ".

إن هذا الحديث من الأحاديث القاصمة لكل من ناصب البيت النبوي العداء أو أظهر استهانة بأمرهم. كما إنه صرخة في مسامع من وضعوا أصابعهم في آذانهم أو استغشوا ثيابهم. كما أنه ذكرى طيبة لمن آمن بالله وأخذ بالثقلين وألقى السمع وهو بصير.

إن هذا الحديث مصيف ترتاح على كلماته لهفات من يكن لأهل العباءة والكساء الخيبري والمرط المرجل بالشعر الأسود محبة وودادا لا ينضبان، ألزمهم بالاتباع واتخاذ القدوة فيهم.

أما ابن تيمية فقد صد ولج، وتعاطى فعقر، وفصل الثقلين وأبى إلا الشقاق.

إن أول الحديث يفضح ابن تيمية ويهيل التراب على رأسه، لقد ذكر ابن تيمية أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر باتباع العترة، وبالتالي فهو ينكر أنهم الثقل الثاني! لا بأس، فليقل ما يشاء، ولكن عليه أن يثبت ما يقول.

إن الرسول صلى الله عليه وآله قد قال في بدء الحديث: " وأنا تارك فيكم الثقلين "، فلو كان القرآن هو الثقل الأول، واستنكر ابن تيمية أن تكون العترة هي الثقل الثاني.. فعليه أن يدلنا على ثقل ثان حتى لا يكذب النبي صلى الله عليه وآله حيث قال صلى الله عليه وآله: " وأنا تارك فيكم الثقلين ". فإما أن يكونا ثقلين حقا، أو يكون النبي صلى الله عليه وآله قد قال ما ليس بحق، وهو الكذب!

وعلى هذا الأساس، فابن تيمية ينتظر من إنكاره الثقل الثاني أن يصدقه الناس ويتبعوه على ذلك ويكذبوا النبي الصادق ويخالفوه!!

٢٢٧
ولو قبل ابن تيمية باتباع القرآن وحده، فعليه أن يقبل النقص في دينه، لأن القرآن ثقل واحد، والنبي صلى الله عليه وآله قد ترك فينا ثقلين، أولهما القرآن الكريم وأنكر ابن تيمية الثاني.

ولو كان لا بد لابن تيمية من ثقل ثان - وبالطبع لا بد له من ذلك - فمن ذا الذي يطمئن إليه ابن تيمية، في مقام الثقل الثاني، غير أبناء الرسول وأهل بيته؟

لقد ذهب ابن تيمية وما يعتقد، فعلى أتباعه أن يعلموا أن ابن تيمية لم يكن يرى باتباع العترة النبوية، على الرغم مما قاله فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله!

عن زيد بن أرقم، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: من أراد أن يحيا حياتي ويموت موتي، ويسكن جنة الخلد وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب، فإنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة " (١).

وعلي عليه السلام هو رأس العترة وسيدها، وهو رأس الثقل الثاني بلا ريب، وتأتي من بعده ذريته من أبنائه العلماء.

يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وآله: " يا أيها الناس، إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته، فلا تذهبن بكم الأباطيل " (٢).

وأرجو أن لا تكون قد ذهبت بابن تيمية الأباطيل، فتذهب باتباعه أيضا.

إن حقانية اتباع العترة المحمدية لهو من بديهات العقول، فالرسول صلى الله عليه وآله لما علم أنه مجيب رسول به أخبر الناس بأنه ترك لهم الثقلين. ولا معنى لهذه الوصية، ولا معنى للثقلين لو لم يكن فيهما القدوة والاقتداء. ولا معنى لتقديم القول في دنو الأجل لو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله يريد توضيح مقام المتبع والمقتدى به من بعده.

ولكن ابن تيمية لم يفهم ذلك، وبدلا من الفهم السليم واتباع ما ينبغي له اتباعه.. سار على إرضاء الفطرة الأموية التي رضعها من صدر الدولة الأموية!

ولو ظن ابن تيمية أن قول النبي صلى الله عليه وآله " أذكركم الله في أهل بيتي " ليس فيه إشارة إلى اتباعهم فهو مخطئ، إذ أن تذكير النبي صلى الله عليه وآله الناس بالله في أهل بيته ليس الغاية منه منع

١ - المستدرك للحاكم ٣: ١٢٨، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

٢ - الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٠٥ (وقد مر عليك).

٢٢٨
الناس عن أذيتهم بهذا المعنى الساذج الذي اختاره ابن تيمية ضمنيا، وأذية أهل البيت لا يجب أن نفهمها مقتصرة على ما يمسهم بالذات في نفوسهم، ولا تنحصر بما يضر بأبدانهم فحسب، بل إن ما يؤذي أهل البيت أكثر، وبالمعنى الأبلغ، هو عدم اتباع الناس لهم، باعتبارهم يعلمون - كما علموا من النبي صلى الله عليه وآله - إنهم سفينة نجاة الأمة إذا اتبعوهم، وبهم هدايتهم إذا اقتفوا آثارهم، وسيصيب الناس الضلال إذا ما خالفوهم.

فأهل البيت كالنبي صلى الله عليه وآله في حرصهم على نجاة الناس وهدايتهم، وكالنبي صلى الله عليه وآله في رأفتهم بالمؤمنين ورحمتهم بهم.. ولهذا، فهم يألمون إذا خالفهم الناس، ويتأذون إذا لم يتبعوهم، وهذه أكبر أذية لهم من الناس.

فاسمع كيف يتألم العترة علي عليه السلام من مخالفة القوم له، وهو يتعجب من ذلك أشد العجب: " فيا عجبي! وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها؟! لا يقتصون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي " (١).

ونحن نعلم أن مفارقة الناس ومخالفتهم لأهل البيت يؤلم العترة بلا ريب. ولما فهم من قوله: " أذكركم الله في أهل بيتي " وجوب تجنب إيذائهم ونهي النبي صلى الله عليه وآله الناس من إيلامهم تحتم إذا اتباعهم، لأن المخالفة تؤذيهم بلا شك، وإيذاؤهم ممنوع بالنصوص، فإنه لا يمكن أن تفرح الزهراء بمخالفة الناس لأمير المؤمنين علي عليه السلام، بل يشتد غضبها، وغضبها غضب النبي صلى الله عليه وآله، وغضبه غضب الله بلا ريب.. فلا حل لهذا إلا الاتباع الصادق لعترة النبي صلى الله عليه وآله.

ونسأل شيخ الوهابية وأتباعه: ماذا أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب للناس عندما قال لهم: " هلم - أو قربوا - أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده "؟!

لو كان النبي صلى الله عليه وآله آمرا باتباع القرآن وحده فلم أخرج الناس من حجرته غاضبا لما قالوا: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله.. وقال لهم قوموا؟! فماذا أراد أن يكتب لهم في ذلك الوقت؟

بالتأكيد لم يكن النبي الكريم يريد كتابة وتدوين السنة، فهو إن لم يكتبها لهم في

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٤٥ - الخطبة رقم ٨٤.
٢٢٩
خلال ثلاث وعشرين سنة من عمر الرسالة، ولم يتسع الوقت لذلك.. فكيف اتسع له الوقت لكتابتها وهو محتضر؟!

ولو كان يريد أن يكتب لهم باتباع الكتاب وحده، فقد سبقه ابن الخطاب بذلك لما قال: " حسبنا كتاب الله "، ولكن لم يقبل منه، بل غضب لذلك وأخرجهم، كما عرفت.

إن ما أراد النبي صلى الله عليه وآله كتابته للناس في لحظة احتضاره إذا هو الثقل الثاني، ليعمل به إلى جانب الثقل الأول من أجل أن تتحقق لهم النجاة من الضلال. ولما لم يكن ما أراده هو تدوين السنة فهو الوصية: العترة، بلا شك، إلى جانب القرآن.

فالعترة هي الثقل الثاني، واتباعها هو اتباع القرآن. وهذا هو بعينه ما فهمه عمر، واعترف به لابن عباس، كما سيأتي.

على أن ما ذكرناه تؤيده روايات الحديث الأخرى، وتشرح ما جاء في رواية مسلم:

عن زيد بن أرقم، قال: " رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (١).

كما روى أحمد بن حنبل أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (٢).

وبهذه الروايات الواضحة تتضح حقيقة أهل البيت، وتظهر عصمتهم في أجلى مظاهرها، وتصرح بها عبارات الحديث في بلاغة وفصاحة يعيها من تدبر وتفكر.

((وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))

إن التدبر في العبارة أعلاه يزيل كل شكوك تثار حول مسألة عصمة أهل البيت، وبه يزول كل ما أثاره الناصبون من غبار حول أهل البيت وعصمتهم.

١ - مستدرك الحاكم ٣: ١٤٨ - كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

٢ - مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٧، المستدرك للحاكم ٣: ١٤٨ (حديث صحيح..).

٢٣٠
إن من المعلوم الذي لا شك فيه أن كتاب الله تعالى معصوم لا يأتيه الباطل من أي ناحية، ولا يعتريه التغيير أو التبديل بتغير الزمان أو تبدل المكان، إذ هو صالح لكل مكان وأوان، ثم إنه الثقل الأول من الثقلين. وقد علمنا أن العترة النبوية هي الثقل الثاني، وأن العترة وكتاب الله هما كفتا ميزان الدين المتعادل، وقد أخبرنا صلى الله عليه وآله بأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.

إن الافتراق الذي نفاه النبي صلى الله عليه وآله بين الثقلين وضح عدم إمكانية حدوثه، لأن أداة النفي " لن " تؤكد عدم إمكانية الحدوث، وعبارته صلى الله عليه وآله: " حتى يردا علي الحوض " تبين عدم الافتراق بين الثقلين إلى يوم القيامة، فهما متلازمان معا أبدا ما بقي الزمان والمكان.

ولكن.. ما هو نوع المعية بين الثقلين؟!

وما هي كيفية الملازمة بينهما؟ علما أن الملازمة إما أن تكون مادية، وهو تلاقي الأشياء بعضها ببعض، كتلاقي جسمين متباينين جنبا إلى جنب. ويكون تلاقي الثقلين على هذا المعنى هو اصطحاب العترة لصحائف الكتاب، سواء بحملها بالأيدي أو بوضعها بالقرب منهم. وبعبارة أوضح هو عدم بقاء أحدهم إلا وفي صحبته مصحف.

ولكن هذا المعنى لا يستقيم ولا يتفق مع اختصاصهم برفقة القرآن، وذلك لوجوه:

أولا: إن عدم مفارقة الكتاب بهذا المعنى المادي لا يختص بأحد من الناس، بل حتى غير المسلمين يمكن لهم مرافقة القرآن بهذا المعنى واصطحابه أينما حلوا. ولهذا فليس في ذلك خصوصية أو أفضلية لأهل البيت، إذ يشاركهم في ذلك جميع الناس.

ثانيا: إن النفي يؤكد عدم الافتراق بين الثقلين إلى يوم ورود الحوض. وعدم مفارقة القرآن على هذا المعنى أمر محال، فالنوم والموت والمرض كل ذلك من مسببات الافتراق بين العترة والكتاب.

إذا، فليس هو المقصود من عبارة: " لن يفترقا حتى يردا على الحوض ". وما ذكرناه في ذلك بديهي للغاية.

ولا يبقى إذا إلا المعنى المعنوي للمعية والتلازم بين الثقلين، إذ بذلك تبقى المعية أبدا ويظل التلاقي بينهما حتى بلوغ الحوض، ولا يؤدي النوم أو المرض أو الموت حالتئذ

٢٣١
كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين لـ طارق زين العابدين (ص ٢٣٢ - ص ٢٥٤)
٢٣٢
" أنا القرآن الناطق ". وقوله هذا فيه إشارة إلى وجوب اتباع الإمام كوجوب اتباع القرآن لا سيما الناطق منهما.

ولهذا نرى أن حديث الثقلين ينسجم تماما مع آية التطهير، الأمر الذي يؤكد نزولها فيهم، ويظهر بكل وضوح مدى خطأ المستصغرين لشأنهم، والجاهلين بأمرهم، والتاركين الاقتداء بهم، والمائلين عنهم إلى غيرهم.

والرسول يقول: " واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين " (١)، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

دلالة " حديث السفينة " على عصمة العترة

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح: من ركبها نجا " (٢).. عن حنش بن المغيرة، عن أبي ذر.

يقول ابن حجر: " وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضا [ قول النبي صلى الله عليه وآله ]:

" ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (٣).

إن صراحة التعبير، ووضوح معاني الألفاظ في حديث السفينة.. إلى جانب أنه يقطع العذر على الناس في عدم الاقتداء بالعترة، وفي ترك اتباع أهل البيت النبوي، وإلى جانب أنه يقيم الحجة كاملة على من ركبته العصبية، وامتطته الأهواء النفسية والنزعات القبلية.. فهو يقسم الناس إلى فرقتين لا غير: فرقة ركبت على متن السفينة وسلكت سبيل المؤمنين، وفرقة أوت إلى الجبل ليعصمها من الطوفان فكانت من الغارقين، فصاروا لذلك حزب إبليس.

والعجب ممن يريد بيانا أصرح مما سمعنا في اتباع العترة والاقتداء بأبناء محمد نبي الله صلى الله عليه وآله! وأي تأويل يجوز به اتباع غيرهم من بني آدم؟! وهل عاقبة المتأولين بعد ذلك

١ - أخرجه جماعة من أصحاب السنن مرفوعا إلى أبي ذر، وأورده النبهاني في الشرف المؤبد ص ٣١.

٢ - كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٢١١.

٣ - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي: الباب الحادي عشر - ص ٢٣٤، مستدرك الحاكم ٣: ١٥١ عن كتاب معرفة الصحابة: النهاية لابن الأثير: باب الزاي مع الخاء.

٢٣٣
إلا أن يبتلعهم الطوفان؟!

إن هذا الحديث أيضا يتعاضد بشدة مع آية التطهير وحديث الثقلين. وهذه الثلاثة متضافرة يؤيد بعضها بعضا، وهي متفقة في الهدف ومتسقة في المعنى.

إن آية التطهير قد أوضحت زكاء العترة الطاهرة عن كل ما يشين البشر من قبح، فأبانت عصمتهم صريحة واضحة، فجعلهم النبي صلى الله عليه وآله - مع كتاب الله تعالى - ثقلين متلازمين لا يختلفان ولا يفترقان. ولذلك صاروا - حتميا - مثل سفينة نوح، إذ وجه الشبه هو النجاة والسلامة.. على أن الأولى بها نجاة الناس من الغرق في الماء، والثانية بها النجاة من الغرق في الضلال، وشتان ما بين النجاتين!

إن من المسلمات التي أقرها هذا الحديث هي أن أهل البيت هم المعيار الذي يفرق به الحق عن الباطل، ويميز به الصالح من الطالح من الناس، ويتضح به الصواب من الخطأ.

وبالتأكيد يلزم أن يكون المعيار في منأى عن كل باطل وخطأ، لأن مخالطة الباطل له واشتماله على الخطأ يخرجه عن كونه معيارا لتشخيص الحق عن الباطل والصواب عن الخطأ، فالميزان الذي يستعمله التاجر في متجره للقياس والوزن لا يكون وزنه وقياسه صحيحا لو كان به عطب وخلل، وسيفقد بذلك معنى كونه " الميزان ". وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ".

فأهل البيت هم ميزان للحق والباطل: فما وافق ما هم عليه فهو حق، وما خالفه فهو باطل. وأي معنى بخلاف ذلك لا يترك لهم خصوصية دون الناس. ولا وصف يليق بهذه الخصوصية إلا العصمة.. كل ذلك لإحاطتهم بما في القرآن من علوم فرض على الناس العمل بها، بل لحياتهم القرآنية التي فيها روح النبوة وإخلاص العبودية لله عز وجل.

ولقد أوضح ابن حجر ذلك جيدا، فقال: " سمى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم القرآن وعترته [ الأهل والنسل والرهط والأدنون ] ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون. وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن العلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية.. " (١).

١ - كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر: الباب الحادي عشر - ص ١٤٩.
٢٣٤
فأما من حيث إنهما معدن العلوم اللدنية فهذا يبين الاتحاد المعنوي للثقلين، فعلوم القرآن بأسرها هي نفسها علوم العترة ولا اختلاف، ولهذا لا يفترقان أبدا.

وأما من حيث إن الثقل مصون ومحفوظ، فهو واضح في القرآن: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (١) وأما حفظ وصون العترة فهو واضح من حيث إنهم لا يفارقون القرآن، وبالتالي لهم خصوصية حفظه فتمثلت في عصمتهم ليتم الانطباق وعدم الافتراق والاختلاف بينهما.

وكل ذلك يبين بكل وضوح عصمتهم التي بها علو درجتهم على الناس.

ثم يقول ابن حجر: " ولذا حث صلى الله عليه [ وآله ] وسلم على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " (٢).

ولازم هذا أن الحكمة ليست في غيرهم بالنحو الذي فيهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "، إذ هم أهل البيت الذين خصوا بالعلوم والحكمة، ولهذا لا يجوز اتباع من خالفهم مهما كان عالما، حنفيا كان أو مالكيا، حنبليا كان أو شافعيا.

ثم يقول: " ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر السابق: لا تعلموهم فهم أعلم منكم. وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله تعالى أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (٣).

إن قوله: " وتميزوا بذلك عن بقية العلماء " فيه مقايسة لا تصح، فلا علم لهؤلاء العلماء إلا عن طريق العترة، فكل الناس متهافتون على موائد علمهم، فهم العلماء بالحقيقة وغيرهم علماء بالمجاز، ولا قياس بين الحقيقة والمجاز، فالحقيقة أصل والمجاز فرع.

١ - الحجر: ٩.

٢ - الصواعق المحرقة: الباب الحادي عشر - ص ١٤٩.

٣ - نفس المصدر السابق.

٢٣٥
ويقطع ابن حجر العذر على من اقتفى آثار غيرهم بقوله: " وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب كذلك، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض " (١).

نعم، إنهم أمان من الغرق في مفاوز الاختلاف والفتن ومحدثات الأمور، ولو كانوا ممن يصيبهم شئ من تلك الأشياء لما كانوا أمانا لأهل الأرض.

أجل يا ابن حجر، لا يخلو الزمان منهم أبدا.. سواء في زمان أبي حنيفة، أو في زمان مالك والشافعي وابن حنبل. بل لا يخلو الزمان منهم فيما نحن فيه من زمان.. فكيف ولى الناس عنهم ويمموا صوب مذاهب أربعة؟! وكان فيهم الصادقون والكاظمون من أبناء الرسول وأحفاد البتول؟!!

على أن وجود المذاهب المتنوعة، والفرق المتعددة، وشدة الاختلاف بينها يدل بعينه على عدم اقتفاء آثار العترة، ويدل على الاكتفاء باتباع غيرها من الناس، ذلك لأن النتيجة الحتمية لاتباع العترة المحمدية في مسائل الدين وغيرها من نواحي الحياة هي الاتفاق على كلمة سواء والاعتصام بالحق الذي لا يتعدد، وعندها تنصرم حبائل الاختلاف وتزول دواعي الشتات بين المسلمين.

ولما كان الاختلاف في أمر من الأمور ينبئ عن عدم الاعتصام بحبل الله، فهو - إذا - من عند غير الله بلا ريب، لأن لازم قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (٢)

أن التفرق والتشتت هو دليل على عدم الاعتصام بحبل الله، وعلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله ومخالفة أولي الأمر، وهم العترة كما وضح. بل لازم هذا القول هو الانحراف عن الثقلين.

وبهذا يمكن أن نفهم بكل ارتياح ووضوح ما هو حبل الله الذي أمر الناس بالاعتصام به.. فهل يختلف قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا) مع قوله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي "؟! فهم إذا حبل الله الذي تنقطع به أسباب الاختلاف، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله: " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي

١ - نفس الصدر السابق.

٢ - آل عمران: ١٠٣.

٢٣٦
أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا، فصاروا حزب إبليس ".

وبهذا يتضح أن في اتباعهم النجاة، وفي خلافهم الغرق. وإنما هو البعد عن الدين والاختلاف فيه، وتنكب الطريق والانحراف عنهم إلى غيرهم، فمن خالفهم من الناس فلا ينضوي إلا في حزب إبليس.

ولهذا كانوا هم معيار النجاة والسلامة، لأنهم خبراء سبيل المؤمنين، لعصمتهم وطهارتهم عن كل ما يتسبب في الضلالة والإضلال.

والرسول صلى الله عليه وآله يبين ذلك بقوله، عن زياد بن مطرف: " من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد، فليتول عليا وذريته من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة " (١).

وهكذا.. فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأمر إلا باتباع القرآن والعترة دون غيرهم من الناس كيف لا وهم مصدر الفضيلة، ونفاة الرذيلة، وهم أساس الدين ونور المهتدين، وهداة المؤمنين، وهم الصلة بين الناس وربهم، إذ لا طريق إليه إلا عبر واديهم والأخذ بأطرافهم وأسبابهم، وبهم رواء الصادي يوم الظمأ الأكبر، إذ أنهم سقاة حوض الكوثر.

يقول جدهم محمد صلى الله عليه وآله: " يا أيها الناس، إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته، فلا تذهبن بكم الأباطيل " (٢).

أجل، فكل ما خالف ما عليه أهل بيت: النبي صلى الله عليه وآله فهو باطل، وكل مذهب خالف ما هم عليه مجانب للحق ومفارق له.

يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " في كل خلف من أمتي من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله.. فانتظروا من توفدون " (٣).

فهل يبقى بعد هذا عذر لمعتذر، أو مهرب لمتأول؟!! أبدا.. فقد قامت الحجة،

١ - كنز العمال للمتقي الهندي ٦: ١٥٥ / ٢٥٧٨.

٢ - الصواعق المحرقة لابن حجر: الباب الحادي عشر ص ١٠٥.

٣ - الصواعق المحرقة لابن حجر: الباب الحادي عشر ص ٩٠.

٢٣٧
وصرح الحق عن محضه، وبانت معالمه.. و (كل نفس بما كسبت رهينة) (١).

خلاصة البحث

إن الله سبحانه وتعالى ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وآله إلا لتبليغ الناس أمر الله تعالى وبيانه لهم، للعمل به على الأساس الذي يريده الله تعالى منهم. وكل ما كان خلاف ذلك فهو باطل يخالف أمر الله.

ولهذا لزم تبليغ الوحي الإلهي كما أراده الله تعالى، من غير انحراف في منهج الوحي أو تبديل لشئ منه. وقد تكفل الله تبارك وتعالى بعصمة نبيه الكريم وإنزال وحيه عليه.

كل ذلك بنحو لا يتيح أي منفذ للخطأ والتغيير فيه حتى يصل إلى البشر عن طريق النبي الأكرم ما أنزل الله إليهم، لتنظيم شؤون حياتهم في كل مناحيها، ولتحقق الغاية المقصودة من الدين.

ولما كان محمد صلى الله عليه وآله ميتا لا محالة، ومنصرفا عن هذه الحياة الدنيا، ولا بد للرسالة أن تستمر في هداية الناس إلى التي هي أقوم، ولا يتحقق ذلك إلا على أساس الوحي كما أنزل وطبقا لمنهج النبي صلى الله عليه وآله المعصوم في التبليغ.. كان لا بد من شخص يقوم بأداء وظيفة النبي صلى الله عليه وآله في نقل مضامين الوحي وتبيان كلام الله تعالى كما أراده سبحانه إلى الناس، لهدايتهم به إلى نفس الغاية التي لا يتم بلوغها إلا عبر معصوم. وإلا فسينحرف المسير بالوقوع في الخطأ وأهواء النفوس وهمزات الشيطان، فلا يصل الناس إلى الغاية التي أرادها الله لهم على أساس الإرادة الشريعية.

إذا، فلا بد من عصمة خليفة النبي صلى الله عليه وآله، ولهذا فأولو الأمر معصومون. وقد أقر الرازي ذلك وأشار إليه، كما عرفت.

ولما كان ليس في مقدور الناس معرفة المعصوم من البشر، وكان لا بد من أخذ الوحي وأحكامه من المعصوم هذا.. كان لا بد أن يعينه الله لهم، إذ ليس في استطاعة الناس معرفته.

١ - المدثر: ٣٨.
٢٣٨
ولما لم يكن هناك أليق من أهل البيت، وثبت عن طريق النقل ما يشير إلى عصمتهم، كانوا هم ولاة الأمر وأئمة المسلمين المعصومين، وهم الخلفاء الذين أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: " لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة " (١). وطبقا لهذا الحديث فهم خليفة بعد خليفة، ولا يخلو الزمان منهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " في كل خلف من أمتي عدول.. " وقد مر عليك.

من هم أهل البيت؟

وبعد هذا التوضيح لعصمة أهل البيت عليهم السلام، تجب علينا الإجابة عن السؤال التالي:

من هم أهل البيت الذين خصتهم آية التطهير بإذهاب الرجس عنهم بإرادة الله التكوينية.. فطهرت نفوسهم عن الذنوب والآثام، بانكشاف سوء هذه القبائح من تحت أنوار العلم اليقيني، فبدت مجسمة لهم عين اليقين، فعافتها نفوسهم الطاهرة، فأصبحوا بذلك هداة الناس وأمانا للأمة، فوجبت طاعتهم، وصاروا ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله؟!

أهم نساء النبي صلى الله عليه وآله خاصة دون أن يكون معهم رجل، أم هم نساؤه وعترته عليهم السلام، أم عترته الأدنون خاصة ممثلون في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام؟

لقد علمنا أن التطهير الذي حدث لأهل البيت بالإرادة التكوينية قد استوجب عصمتهم بتزكيتهم عن الرجس من الذنوب والمعاصي والأخطاء.

فهل كانت نساء النبي صلى الله عليه وآله على هذه العصمة وهذا التطهير من الأخطاء؟ الواقع أن الإثم أو الخطأ من واحدة منهن ينتقي على أثره القول بأنهن أهل البيت المطهرون عن الإثم والأخطاء، المعصومون عن المعاصي.

إن القرآن الكريم يؤكد وقوع أم المؤمنين عائشة وحفصة بنت عمر في إثم هددهما الله عز وجل على أثره وأمر هن بالتوبة عنه، فقال لهما: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير. عسى ربه إن طلقكن أن يبدله

١ - صحيح مسلم ٨: ٥ - كتاب الإمارة.
٢٣٩
أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) (١)، وهذا التهديد لتظاهرهما على النبي الأكرم.

وقوله تعالى لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) (٢).

فالله تعالى يأمرهما بالتوبة، ولا توبة إلا من ذنب، وذلك لإتيانهما ما لا يرضاه الله تعالى، وما يعد ميلا عن الحق.

قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: "... يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي؟

فقال: تلك حفصة وعائشة " (٣).

وقالت عائشة: " خاصمت النبي [ صلى الله عليه وآله ] فقلت: يا رسول الله، أقصد (أي أعدل)، فلطم أبو بكر خدي وقال: تقولين لرسول الله أقصد؟! وجعل الدم يسيل من أنفي " (٤).

وقالت للنبي صلى الله عليه وآله: " أنت الذي تزعم أنك نبي؟!! " (٥).

إذا، فصدور هذه الأخطاء من عائشة وحفصة يخرج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن مفهوم أهل البيت، اللهم إلا أن يطلق عليهن هذا التعبير على سبيل المجاز، وهو خارج أيضا، لأن الله تعالى ما أراد بأهل البيت في الآية إلا المعنى الحقيقي لهم.

على أن الأحاديث وردت تؤكد أن أهل البيت هم عترة النبي صلى الله عليه وآله دون نسائه.

يقول الثعالبي: " والرجس اسم يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت. قالت أم سلمة: نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال: هؤلاء أهل بيتي، وقرأ الآية، وقال: اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قالت أم سلمة: فقلت: وأنا يا رسول الله؟

فقال: أنت من أزواج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، وأنت على خير "

١ - التحريم: ٤ - ٥.

٢ - التحريم: ٤.

٣ - البخاري ومسلم، عند تفسير الآية.. أنظر التفاسير.

٤ - إحياء القلوب للإمام الغزالي: آداب النكاح، وكتاب مكاشفة القلوب: الباب ٩٤.

٥ - نفس المصدر السابق.

٢٤٠