×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

يقول الثعالبي: " والجمهور على هذا " (١).

وقول النبي صلى الله عليه وآله لزوجته أن سلمة عندما طلبت الدخول في الكساء والانضمام إلى العترة: " أنت من أزواج النبي " يؤكد خروج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن مفهوم أهل البيت.

ثم إن مسلما قد روى بإسناده إلى عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله: أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم " خرج ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) " (٢).

وروى أيضا في حديث طويل: " لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي " (٣).

ويقول الكنجي الشافعي: " وهذا دليل على أن أهل البيت هم الذين ناداهم بقوله:

" أهل البيت "، وأدخلهم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في المرط " (٤).

وعلى هذا، فأهل البيت هم علي والزهراء والحسن والحسين عليهم السلام، إذ هم الذين أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في المرط المرجل، كما عرفت.

وروى الطبري عند تفسيره الآية، عن قتادة: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، فهم أهل بيت طهرهم الله تطهيرا من السوء، وخصهم برحمة منه.

ويقول: عني بأهل البيت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم. ذكر من قال ذلك:

" عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي (رضي الله عنه)، وحسن (رضي الله عنه) وحسين (رضي الله عنه)، وفاطمة (رضي الله عنها)، (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

١ - تفسير الثعالبي: سورة الأحزاب / ج ٣.

٢ - صحيح مسلم ٣ / ١٨٨٣.

٣ - صحيح مسلم ٤ / ١٨٧١.

٤ - كفاية الطالب لمحمد بن يوسف الكنجي ٢٢: ٥ - ٧ سورة الأحزاب.

٢٤١
ويطهركم تطهيرا).

قالت عائشة.. وذكر حديث المرط المرجل من الشعر الأسود، مرويا عنها، وقد مر عليك ذكره.

وعن أنس: إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة، فيقول: " الصلاة أهل البيت.. (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ".

وعن أم سلمة، قالت: كان النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عندي، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم حريرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ".

[ عن ] أبي الحميراء، قال رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، قال: رأيت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة، الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

وروى يونس بن إسحاق مثله.

عن أبي عمار، قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا رضي الله عنه فشتموه.. فلما قاموا قال: إجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه: إني عند رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قلت: يا رسول الله، وأنا؟

قال: وأنت. فوالله إنها لأوثق عملي عندي.

ثم ذكر حديث أم سلمة الذي فيه تجليلهم عليهم السلام بالكساء الخيبري، وقوله صلى الله عليه وآله: هؤلاء أهل بيتي.

[ عن ] أم سلمة، قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعته بين يديه فقال: " أين ابن

٢٤٢
عمك وابناك؟

فقالت: في البيت.

فقال: ادعيهم.

فجائت إلى علي، فقالت: أجب النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنت وابناك.

قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين، مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال: هؤلاء أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ".

قال عامر بن سعد: قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: " رب، هؤلاء أهلي وأهل بيتي ".

إن الروايات في كون علي وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) يضيق بنا المقام عن إحصائها، وهي مما لا ينكرها إلا مخالف للطبع والفطرة، ناقض للدين وأصوله، مكابر في قوله وكلامه. والحق ما قاله الثعالبي في ذلك.. " والجمهور على هذا "، وقد مر ذكره عليك.

وأما ما روي من أهل البيت هم نساء النبي صلى الله عليه وآله خاصة ليس معهم رجل، ففيه:

أولا: إنه غير مسند.

ثانيا: إنه مقدوح المتن لمخالفته فصاحة القرآن وقواعد اللغة العربية، لأنه لو كان أهل البيت المذكورون في الآية هم نساء النبي صلى الله عليه وآله خاصة ليس معهن رجل - كما روي - لكان من الواجب أن لا يأتي الخطاب في الآية مذكرا على التغليب. ولما كن نساء ليس معهن رجل كان يجب أن يقال: إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيرا، وعندئذ فلا كلام فيما ذهب المخالفون. ولكن الحال ليس كذلك، فالخطاب في الآية للمذكر على التغليب. على أن الأحاديث التي مرت عليك تقطع قول كل خطيب في هذا الأمر.

٢٤٣
وبهذا يتضح أن أهل البيت هم أهل العباءة الخمسة، وأن التطهير الذي تم لعترة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته من أصحاب الكساء الخيبري والمرط المرجل بالشعر الأسود، هو تطهير يختص بهم دون غيرهم من الناس. وهو بالإضافة إلى ذلك - قد تم على أساس الإرادة التكوينية التي لا تنفك عن مرادها - فيكون بذلك قد حدث التطهير لهم وحصلت التزكية من الرجس والآثام والذنوب والمعاصي وكل قبيح.

وهذه هي العصمة، ذلك لأن التطهير الذي تم لهم هو تطهير معنوي بلا ريب. فلو كان تطهيرا عن طريق الإرادة التشريعية، فهو مما لا يختص بأحد من الناس. ولما كان قد اختص بأهل البيت النبوي فهو تطهير من نوع خاص لهم لا يفسر إلا بمعنى العصمة، لعدم صدور الذنب والمعصية عنهم، إذا أنها قذارات وخبائث النفس.

وبعد كل تلك الأحاديث الواردة في بيان أهل البيت النبوي لا يستطيع أحد أن يخرج واحدا من أهل العباءة باعتباره غير معدود في أهل البيت، كما لا يستطيع أن يضيف إليهم شخصا خارجا عنهم، سواء كان هذا الشخص من نسائه صلى الله عليه وآله أو الشيخين أو سائر الصحابة.. لأن قول النبي صلى الله عليه وآله بعد إجلاس الحسن والحسين وعلي وفاطمة على الكساء ولفه حولهم: " هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " نفهم منه أنه لو كان هناك أحد من أهل البيت بالمعني الحقيقي لدعاه النبي صلى الله عليه وآله وأجلسه إلى جانبهم واشتمله معهم بالكساء.

ألا ترى أنه في بعض الروايات، لما جاءت فاطمة انتظر النبي صلى الله عليه وآله حتى جاء الحسن، ثم انتظر حتى جاء الحسين، وهكذا حتى جاء علي عليه السلام، ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك ربه قائلا: " هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "، فنزلت الآية حين اجتمعوا جميعا على البساط.

ألا يدل ذلك على أنه ليس هناك أحد غيرهم يشمله وصف أهل البيت النبوي؟!

إن إعلان النبي صلى الله عليه وآله أن هؤلاء هم أهل البيت هو إعلان لأمر الوحي وتبليغ لأمر الله، فلو أعلن النبي صلى الله عليه وآله وبلغ هذا الأمر قبل أن يكتمل تعدادهم وحضورهم أفلا يكون هذا التبليغ للوحي ناقصا مبتورا؟! بلى، لأن الناس يفهمون الوحي طبقا لتبليغه.

٢٤٤
إذا، لا يمكن أن ندعي أن أهل البيت ليس هم أهل الكساء وحدهم، ثم نضيف إليهم شخصا آخر لم يكن موجودا إلى جانبهم في ذلك الوقت، وقت قول النبي صلى الله عليه وآله: اللهم هؤلاء أهل بيتي، ووقت نزول الآية. هذا إلى جانب عدم سماح النبي صلى الله عليه وآله لأم سلمة بالدخول معهم في الكساء.. قالت: " فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما نعم، وقال: إنك إلى خير ".

إذا، لم يكن تعداد أهل البيت ناقصا حتى يضاف إليهم من هو منهم ولم يكن موجودا، بل اكتمل العدد وانحصر الأمر في أهل الكساء وحدهم.

وإذا خرجت أم سلمة دون أن تنال هذا الوصف فخروجها يعني خروج كل نساء النبي صلى الله عليه وآله. على أن عائشة لما روت هذا الحديث ذكرت إدخال النبي صلى الله عليه وآله لأهل بيته دون أن تدعي دخولها معهم، فلو كان قد دخلت معهم في الكساء لما تركت ذكر ذلك، بل لتباهت به، لأنه شرف ومفخرة يتمناها كل شخص.

غير أن مسلما روى ما يوضح عدم شمول معنى أهل البيت لنساء النبي صلى الله عليه وآله.. فبعد أن روى حديث الثقلين، ذكر أن يزيد بن حبان ومن معه سألوا زيدا عن قول النبي صلى الله عليه وآله:

" أذكركم الله في أهل بيتي "، قال يزيد بن حبان: فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟

قال: " لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (١).

وبهذا ينحسم الأمر والجدل في هذه المسألة، ويتضح خروج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن معنى أهل البيت النبوي.

ثم إن عائشة وحفصة على هذا الأساس لا يشملهما معنى أهل البيت بلا ريب، فخروجهما عن هذا المعنى إشارة ودليل على خروج أبويهما أبي بكر وعمر لا محالة.

ومما يؤكد ذلك عدم إنكارهما على علي عليه السلام عندما قال مخاطبا إياهما والمهاجرين: " فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به - يعني النبي صلى الله عليه وآله - لأنا أهل البيت ". وهذا يعني بلا شك إخراج الشيخين وكل المهاجرين من دائرة الانتساب إلى أهل

١ - صحيح مسلم ١٥: ١٧٩ - ١٨٠ / كتاب فضائل الصحابة - بل فضائل علي بن أبي طالب.
٢٤٥
البيت الذين جللهم النبي صلى الله عليه وآله بالكساء الذين الخيبري والمرط الأسود، وطهرهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس.

على أن العصمة التي أثبتناها لأهل البيت في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والتلازم بين أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله والقرآن بالمعني الذي أوضحه حديث الثقلين، لا يدع مجالا لإعطاء هذا الوصف النبوي لأحد غير أهل الكساء، لأن هذا الوصف ملازم لوصف العصمة، كما وضح.

ولهذا كان الاتصاف بالعلم والتقوى، ولهذا كان الشرف، ولهذا كان التمسك بهم والأخذ منهم، ولهذا كانت النجاة من الضلالة بهم.

يقول التفتازاني - بعد ذكره حديث الثقلين -: (نعم لاتصافهم بالعلم والتقوى، وشرف النسب، ألا يرى أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قرنهم بكتاب الله، وكون التمسك بهم منقذا من الضلالة؟! ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذا من العترة " (١). أي لا معنى للتمسك بالعترة إلا بالأخذ منهم والسير على نهجهم دون اللجوء إلى غيرهم.

على أن قول النبي صلى الله عليه وآله عندما نزلت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا): " نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي (رضي الله عنه) وحسن (رضي الله عنه) وحسين (رضي الله عنه) وفاطمة (رضي الله عنها) (٢) يحسم الجدل.

فذكره صلى الله عليه وآله عدد الذين نزلت فيهم الآية فيهم الآية، وإيراد أسمائهم جميعا لهو أقوى دليل على أن نزول الآية في معنى أهل البيت قد انحصر بهم وكفى.

١ - كتاب شرح المقاصد للتفتازاني ٥: ٣٠٢ - ٣٠٣.

٢ - هذا من الأحاديث التي أوردها الطبري في تفسيره عند تفسير الآية ٢٢: ٥.

٢٤٦
٢٤٧

الفصل الخامس: الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله علي عليه السلام

خلافة علي عليه السلام في آية الولاية.

علي عليه السلام ولي كل مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله.

خلافة علي عليه السلام في حديث الدار والإنذار.

خلافة علي عليه السلام في حديث الثقلين.

عمر بن الخطاب يقول الحق!!

٢٤٨
٢٤٩

خلافة علي عليه السلام في آية الولاية

إن نزول آية الولاية في علي عليه السلام من الحقائق التي لا يكون إنكارها إلا مكابرة. و بدلالة هذه الآية على خلافته عليه السلام تنكشف حقيقة الأمر، وتثبت خلافة الإمام بما لا يدع مجالا للشك أو الظن.

وقدح القادحين في دلالة الآية على خلافة الإمام إنما هو مشي ضد تيار الحقيقة، وتصلب في قبالة أوامر الله تعالى، وهذا مما لا يستمع إليه ولا يهتم به.

يقول تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) (١).

إن الولاية التي أسندها الله تعالى إلى نفسه ورسوله والذين آمنوا إنما هي ولاية عامة في دلالتها على ما تحمله الكلمة من المعاني التي يمكن أن تتناسب مع المقام الإلهي، لأن بعض معاني " الولي " لا يصح أن يسند إلى الله تعالى ورسوله، ولهذا يجب صرفها عن هذه المعاني.

فمن معاني الولي: الصديق، والتابع، والجار، والصهر، والنصير، والمتصرف في الأمر... ومعاني أخر لا تستقيم والمقام الإلهي.

فأما دلالتها على معنى الصديق، والتابع، والجار، والصهر فلا يصح أن تنسب إلى الله تعالى، فالله تعالى ليس صديق أو تابع أو جار (بالمعنى الحقيقي) وهو سبحانه ليس صهر أحد من الناس، فلا يبقى إلا معنى المتصرف والنصير والمحب.

١ - المائدة: ٥٥ و ٥٦.
٢٥٠
فولاية الله تعالى، لكونها عامة فيما يليق به من معاني، يجب أن تفهم بهذا العموم، فالله تعالى طبقا لذلك يليق به أن يكون المتصرف، والنصير، والمحب، دون سائر المعاني.

ولما كان معنى الولاية في الآية مشتركا بين من نسب إليهم، فيلزم أن توضع جميع المعاني المشتركة في الاعتبار عند نسبتها إلى من دلت عليهم دون أي استثناء. ولهذا يجب اختيار المعاني التي يمكن نسبتها إلى الجميع دون اختلاف أو تفاوت، فمثلا لا يمكن أن نفسر الولاية بمعنى (الصهر)، لأن نسبة ذلك المعنى إلى الله تعالى لا تجوز، فتختلف نسبتها إلى الجميع بهذا المعنى، لجواز نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وإلى الذين آمنوا.

وعلى هذا الأساس يكون المعنى المناسب لقوله تعالى: (إنما وليكم) هو أن المتصرف في أمركم، والناصر لكم، والمحب هو الله ورسوله والذين آمنوا.

إن النصرة والمحبة من الله لرسوله والمؤمنين أمر واضح، والنصرة والمحبة من الرسول للمؤمنين أمر لا يخفى. ونصرة ومحبة المؤمنين بعضهم لبعض أمر أوضحه القرآن وبينته السنة في كثير من المواطن: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (١)، " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ". فهذه معان يشترك فيها المؤمنون كافة، ولا تنحصر في أفراد بعينهم ولا تختص بقوم دون قوم. ولكنا رأينا انحصار الآية واختصاصها بعبارة (إنما) المذكورة في ابتداء الآية.. ونحن علمنا أن النصرة والمحبة أمر عام وواجب بين المؤمنين بعضهم لبعض دون انحصار واختصاص.

إذا، نسبة إلى انحصار الآية لقوله (إنما) - وهي للحصر كما هو معروف ومضبوط في اللغة - يخرج معنى النصير والمحب من معنى الولي، لعمومهما بين المؤمنين، ويبقى معنى " المتصرف " وحده.

وهذا المعنى يليق بالله تعالى، فهو المتصرف في شؤون الناس. وهو يليق بالنبي صلى الله عليه وآله، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في إدارة أمورهم. كما إنه يليق بالذين آمنوا.

ومعنى الذين آمنوا هنا ليس شاملا لكل المؤمنين، لانحصارية معنى المتصرف فيمن لهم

١ - التوبة: ٧١.
٢٥١
حق التصرف في إدارة شؤون الناس، وهو الإمام والراعي.

ثم إن الخطاب في قوله عليهم السلام (إنما وليكم) يمنع شمول حق التصرف للجميع، فالولي المتصرف هذا بسبب الخطاب يلزم أن يكون خارجا عن المخاطبين، لأنه لا يجوز أن يكون الفرد الواحد وليا ومولى أو مخاطبا به ومخاطبا في وقت واحد. ولا يجوز أن يكون الفرد الواحد وليا ومولى أو مخاطبا به ومخاطبا في وقت واحد، إذ أن هذا يستوجب الاتحاد بين المخاطب به والمخاطب، أو بين الولي والموالي، وهذا محال.

فلو قال المعلم للتلاميذ: إنما رئيسكم الذين طالعوا دروسهم، فلا يمكن أن يكون كل المطالعين رؤساء، لأن الخطاب يحكم بوجود طرفين، رئيس ومرؤوس وهم سائر التلاميذ.. فالخطاب دائما يستلزم التفكيك بين الرئيس والمرؤوس، وقوله تعالى: (إنما وليكم) كذلك، فبسبب الخطاب يلزم التفكيك بين الولي والمخاطب به والموالي وهم المخاطبون، وهذا أمر بديهي وواضح.

ولهذا لا يمكن أن يكون المعني بقوله: (إنما وليكم) هم كافة المؤمنين، للاستحالة في اتحاد طرفي الخطاب (مخاطب به ومخاطب).

على أن الصفات التي ذكرها الله تعالى في الآية واصفا بها (الذين آمنوا) تبين عدم شمول الأمر للجميع، فبقوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة) يخرج الذين لا يقيمونها من المؤمنين، أو أولئك الذين لا يقيمونها على الوجه المطلوب، لأن الله تعالى لم يقصد إلا المعنى الأكمل في إقامة الصلاة، وليس صلاة كل المؤمنين كذلك.

وبقوله: (ويؤتون الزكاة (١) وهم راكعون) يخرج أولا الذين لا يؤتون الصدقات بتاتا تكاسلا وإهمالا، أو جهلا بقدرها، ويخرج ثانيا الذين يؤدونها ولكن ليس في حال الركوع، بل يخرج من يؤديها في ركوعه بعد نزول الآية، لاختصاص الآية بالموقف الأول.

لأن الموقف الأول سبب في نزول الآية، وأما الموقف الثاني فقد كانت الآية سببا في حدوثه.

١ - الزكاة في الآية بمعني الصدقة.
٢٥٢
ثم إن ذكر الركوع بالذات في الآية ليس المقصود منه الإشارة إلى أداء الصلاة وإقامتها على نحو عام باعتبارها صفة لمن استحق الولاية على الناس، لأن ذكر الصلاة بهذا القصد قد جاء في الأول صراحة في قوله: (الذين يقيمون الصلاة) ولهذا لا يتكرر مرة أخرى، إذ لا فائدة من ذكره لوضوح القصد والمعنى سابقا.

وأما قوله: (الذين آمنوا) فلا يدل على كافة المؤمنين، وذلك بالبيان الآتي:

أولا: للحصر الذي في الآية الواضح من لفظة (إنما).

ثانيا: لطبيعة الخطاب الذي في قوله: (إنما وليكم) إذ لا بد من طرفي الخطاب.

ثالثا: لخصوصية التصرف، فهو ليس لكل فرد، بل هو لمن له الحق في ذلك، لأنه لو ثبت التصرف لكل فرد مؤمن، ففي أمر من يكون التصرف؟ ولو كان كل مؤمن متصرفا، فمن هو المتصرف في أمره منهم؟ ومن هو الراعي؟ ومن هم الراعية؟ إذ لا بد من هذه التفرقة بين هذين الطرفين في القضية.

فقوله: (والذين آمنوا) جمع، ولكن بسبب الحصر وثبوت معنى التصرف والخطاب يمنع أن تكون دلالته على الجمع، لا سيما وأن وصف الذين آمنوا بإيتائهم الزكاة وهم في حال الركوع يحصر المعنى في فرد واحد، وهو الذي آتى الزكاة وهو على تلك الحال، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام..، كما أكدت ذلك الروايات.

ولله تبارك وتعالى حكمة في ذكر لفظ الجمع للدلالة على فرد واحد، وهي التعظيم والإكبار. أو قل إنه لفظ جمع دل على جمع على نمط القضية الحقيقية، وهي القضية التي تشمل مصاديقها في الحال والمستقبل، فلفظ (الذين آمنوا) يشمل أولي الأمر وأصحاب الولاية والتصرف، وهم جماعة. فأين الغرابة في أن يأتي الوصف بالجمع؟!

على أن في القرآن أمثلة متوافرة فيها دلالة الجمع على الفرد كقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)، فلفظ الناس جمع دل على فرد، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي بإجماع أهل التفاسير والأخبار.

إذا، فالمعني ب (الذين آمنوا) هو علي بن أبي طالب عليه السلام، لنزول الآية فيه عندما تصدق بخاتمه في حال ركوعه، وهو بالمسجد يصلي.

٢٥٣
يقول الآلوسي: " وغالب الأخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله وجهه ". ولقد ذكر الزمخشري نزولها في علي عليه السلام، ولتبرير مجئ الآية على لفظ الجمع يقول: " جئ به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلا واحدا، ليرغب الناس في مثل فعله " (١).

وفي الذخائر: " ومنها قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) نزلت فيه " (٢)، ويعني نزلت في علي عليه السلام.

قال أبو ذر: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين، وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي راكعا، فأومأ بخنصره إليه - وكان يتختم بها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، فتضرع النبي صلى الله عليه وآله إلى الله عز وجل يدعوه، فقال: اللهم إن أخي موسى سألك، قال:

(رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. واحلل عقدة من لساني. يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرا من أهلي. هارون أخي. اشدد به أزري. وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيرا. ونذكرك كثيرا.

إنك كنت بنا بصيرا) (٣) فأوحيت إليه: (قد أوتيت سؤلك يا موسى). (٤) اللهم إني عبدك ونبيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا، اشدد به ظهري.

قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية:

(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) ".

أجل، فالآية قد نزلت في علي عليه السلام، وأوضحت ولايته وخلافته على الناس من بعد نبي الله الأكرم، إذ هو المتصرف في شؤون وأمور الناس، وهو أولى بهم من أنفسهم. وهذا أمر أوضح من أن يحتاج إلى توضيح، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " أولستم تعلمون، أو لستم

١ - تفسير الكشاف للزمخشري ١: ٦٤٩.

٢ - ذخائر العقبى ص ٨٨.

٣ - طه: ٢٥ - ٣٥.

٤ - طه: ٣٦.

٢٥٤
كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين لـ طارق زين العابدين (ص ٢٥٥ - ص ٢٧٥)
٢٥٥
" ما تريدون من علي؟! إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي " (١).

وعن البراء بن عازب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في سفر، فنزلنا في غدير خم، فنودي الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟

قالوا: بلى.

فأخذ بيد علي بن أبي طالب [ عليه السلام ] فقال: " من كنت مولاه، فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".

قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: " هنيئا لك يا ابن أبي طالب! أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " (٢).

وقال وهب بن حمزة: سافرت مع علي فرأيت منه جفاء، فقلت لئن رجعت لأشكونه، فرجعت فذكرت عليا لرسول الله فنلت منه، فقال: " لا تقولن هذا لعلي، فإنه وليكم بعدي " (٣).

إن أقوال النبي صلى الله عليه وآله:

" وهو ولي كل مؤمن بعدي " " من كنت مولاه فعلي مولاه " " لا تقولن هذا لعلي! فإنه وليكم بعدي " وتهنئة عمر لعلي بعد ذلك بقوله: " هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة "...

١ - الخصائص العلوية للإمام النسائي ص ٢٣، المستدرك ٣: ١١٠ - ١١١ كتاب معرفة الصحابة، مسند أحمد ٥: ٦٣٢، كنز العمال ٦: ٤٠٠.

٢ - مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٨١، حديث البراء بن عازب.

٣ - كنز العمال للمتقي الهندي ٦: ١٥٥، الإصابة لابن حجر العسقلاني ٩: ٣١٩ / ٥٧٩.

٢٥٦
أن أقوال النبي صلى الله عليه وآله هذه وما لم نذكره من أقول، يوضح بكل صراحة أن عليا عليه السلام هو ولي المؤمنين من بعد النبي صلى الله عليه وآله، وهو أولى بهم من أنفسهم. وقد فهم الناس ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وآله كما وصح من تهنئة عمر لعلي عليه السلام، وكما وضح للحارث بن النعمان الفهري فما هي حكاية الحارث بن النعمان هذا؟

إنه لما بلغه خبر ولاية الإمام علي، جاء إلى نبي الله عليه وآله السلام غاضبا لاجا في غيه وطغيانه، فقال: يا محمد! أمرتنا أن نصلي خمسا فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي (١) ابن عمك تفضله علينا فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه؟! فهذا شئ منك أم من الله؟!

فقال صلى الله عليه وآله: " فوالله الذي لا إله إلا هو إن هذا لمن الله عز وجل ".

فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله سبحانه بحجر سقط على هامته، فخرج من دبره فقتله، وأنزل الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج) (٢).

وجاء قوم إلى علي عليه السلام، فقالوا: السلام عليك يا مولانا.

قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟

قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فإن هذا مولاه " (٣).

إن الحارث بن النعمان لو كان قد فهم معنى الولي على أنه المحب والناصر والصديق لما ثار ثورته تلك، ولما رجح العذاب على صداقة ومناصرة ومحبة علي عليه السلام. ولكنه فهم

١ - الضبع: العضد.

٢ - تفسير الثعلبي: تفسير سورة المعارج، أنوار الأبصار للشبلنجي المصري ص ١١ والآيات من سورة " المعارج " ١ - ٣.

٣ - مسند أحمد ٥: ٤١٩.

٢٥٧
معنى التصرف في شؤونه، وفهم أن عليا عليه السلام أولى به من نفسه.. ولهذا قال للنبي صلى الله عليه وآله:

" حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا ". ولهذا أقسم النبي صلى الله عليه وآله ذلك القسم لا ليؤكد له أن عليا محبكم وناصركم، وإنما لتأكيد أمر أخطر وأكبر يغضب له أمثال الفهري هذا ويفضلون عليه العذاب، وإنما ذلك الأمر هو الإمامة والخلافة والولاية على المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله.. ولذا أقسم النبي صلى الله عليه وآله ليؤكد أنه من الله تعالى.

فلا يصح لمؤمن بالله ورسوله أن يشك في ولاية علي عليه السلام بمعنى الخلافة والقيادة، إذ ليس لهذا الشك أي دليل ولا حجة، فعلي ولي الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة دون فصل.

يقول الشيخ علي بن زيد العابدين أطال الله بقاءه: " روى أبو داود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه: أنت ولي كل مؤمن بعدي.

" وليست البعدية بعدية زمانية، كما يتبادر لبعض الأذهان، بل المقصود: ليس أحد أولى بالمؤمنين في الترتيب بعد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في وجوده وبعده من علي كرم الله وجهه، فالبعدية بعدية ترتيبية لا زمانية ".

وبعد أن تقرر هذا نعلم أن الولاية قد انحصرت في ثلاثة: الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وآله، والذين آمنوا. ولما كان علي هو ولي المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل فيكون الذين آمنوا هم عليا عليه السلام. ولم يدع أحد الولاية على المسلمين بالنص النبوي الإلهي غيره، فيكون النبي صلى الله عليه وآله قد شرح وبين معنى (الذين آمنوا) بذكره ولاية علي من بعده.

وكما وضح، فلا يصح أن يفسر معنى الولاية هنا بالنصرة والمحبة، لأننا ذكرنا أن النصرة والمحبة للمؤمنين لا تختصان بعلي وحده، لكي يضطر النبي صلى الله عليه وآله إلى إعلان ذلك مرات ومرات، فهما صفتان يجب أن تتوفرا بين المؤمنين كافة، وإلا فيجب أن يعني هذا أن أبا بكر وسائر الصحابة ليس لهم تلك النصرة وهذه المحبة نحو المؤمنين. وإن كانت لهم، فلماذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله ذلك مختصا به عليا عليه السلام دون أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة؟ فهل كل هؤلاء ليس لهم محبة ونصرة للمؤمنين؟! أم أن المسألة تعني شيئا آخر غير هاتين الصفتين؟

٢٥٨
ولو فرض أن عليا عليه السلام مختص بهذا المحبة وتلك النصرة للمؤمنين دون غيره من الصحابة.. فلماذا انحصرت محبته للمؤمنين ونصرته لهم بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله، كما يقول من يفسر الولاية بالمحبة؟!

ألم، يقل النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت ولي كل مؤمن بعدي، وقوله صلى الله عليه وآله لهم: إنه وليكم بعدي، فلازم هذا هو أن لا تكون لعلي محبة ونصرة للمؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وآله!

إذا، فليس معنى الولي في الآية وهذه الأحاديث هو الناصر والمحب، وإنما المعنى هو المتصرف والمتولي أمر المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وآله.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله في حديث طويل ذكره أحمد بن حنبل في مسنده عن عمر بن ميمون، وهو حديث يتضمن خصالا لم تكن لأحد غيره من الصحابة منها قوله:

" وخرج رسول الله في غزوة تبوك، وخرج الناس معه، فقال له علي: أخرج معك؟

فقال: لا.

فبكى علي [ عليه السلام ]، فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وآله ]: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " (١).

وهذا من الأحاديث التي أوضح فيها النبي صلى الله عليه وآله خلافة علي بكل صراحة ووضوح.

فأنت ترى أنه يمنح عليا كل مرتبة يمكن أن تكون لنبي إلا النبوة. والنبي صلى الله عليه وآله جامع لكل المراتب، وهي النبوة والإمامة والتصرف، فأعطاها لعلي مستثنيا منها النبوة، بقوله:

إلا أنه ليس بعدي نبي.

والنبي صلى الله عليه وآله لم يكن يعني باستخلاف علي على المدينة أن يكون ذلك في لحظة غيابه غازيا فحسب بل يمتد هذا الاستخلاف إلى ما بعد وفاة وذهاب النبي صلى الله عليه وآله، لأنه لو لم يكن يعني ذلك لنفى عنه النبوة، كان يقول: إلا أنه ليس معي نبي كما ليس بعدي نبي، لا بقوله: ليس بعدي نبي. فالنبي صلى الله عليه وآله إذا كان يتحدث عن زمان بعد زمانه، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وآله هو: لك يا علي كل ما لي من وظائف ومسؤوليات من بعدي إلا النبوة، لأنه ليس نبي بعدي. فالكلام عن المستقبل لا الحاضر وإن كان استخلافه له في المدينة في

١ - مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣٠، مستدرك الحاكم ٣: ١٢٣ وقد صححه الذهبي، الخصائص للإمام النسائي ص ٦.
٢٥٩
حياته هو جزء من تلك الخلافة التي لا تأخذ شكلها العملي الكامل إلا بعد وفاة وذهاب النبي صلى الله عليه وآله. وقوله: وإنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي.. يوضح ذلك جيدا، لأنه لو كان يعني استخلافه في حياته على المدينة لكان الاستخلاف على المدينة في حياة النبي الكريم من نصيب علي ومختصا به دوما، فتدبر في قوله: " إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " فالذهاب لم يقيد بمكان وزمان، فهو عام.

إنه من البين أن الاستخلاف على المدينة في حياة النبي الكريم لم يكن مختصا بعلي، فمقصود النبي صلى الله عليه وآله هو أنه لا يجوز أن أنتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد نصبتك خليفة على المسلمين من بعدي، ولهذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله عهده إليه بالخلافة في غدير خم عند عودته من حجة الوداع، وفي حجرته لحظة احتضاره، ثم ذهب النبي صلى الله عليه وآله وعلي قد نصب خليفة من بعده بوساطة النبي الكريم صلى الله عليه وآله نفسه، إذ لا ينبغي غير ذلك.

ثم إن هارون كان خليفة موسى على قومه، وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وآله بقوله لعلي: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! " واستثنى نبوة هارون، إذ لا نبي بعد محمد الخاتم صلى الله عليه وآله.

إذا، فقوله: " أنت ولي كل مؤمن بعدي "، وقوله: " إنه وليكم بعدي " لا يعنيان إلا منزلة هارون يوم خلفه موسى عليه السلام على قومه عند ذهابه إلى ربه، ومثل ذهاب موسى إلى ربه هو مثل التحاق النبي صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى، ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " لا ينبغي أن أذهب.. "، أي لا يصح مني أن أذهب إلى الرفيق الأعلى وأنا لم أعينك خليفة من بعدي على قومي.

ولهذا كان الحديث من أدلة خلافة الإمام علي عليه السلام، إذ لا يحتمل أي معنى غير الخلافة.

فلو قلت كان الاستخلاف على المدينة فقط، فما هو إذا معنى استثناء النبوة والنبي موجود؟! فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يخشى - لو كان الإمام علي مدعي النبوة - أن يدعيها في حياته وعند استخلافه على المدينة؟!! إن عاقلا لا يقول بهذا، كما هو بين جلي.

خلافة علي عليه السلام في حديث الدار والإنذار

كانت الرسالة في بدئها، وبدا التأسيس والتشييد لأركانها وبناء أعمدتها، فأمر الله

٢٦٠