×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بإنذار ودعوة الأقارب من عشيرته والتماس العون فيهم، للقيام بنشرها والصدع بها بين الناس، ولهذا فلما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع النبي صلى الله عليه وآله إليه أعيان أهله من قريش، أولئك الذين كانت لهم الصولة والكلمة بين الناس في مجتمع العرب يومئذ، وفيهم أعمامه حمزة والعباس وأبو طالب.

فلما اجتمعوا عنده، واستطعموا مما صنعه لهم، خاطبهم فقال لهم في حديث طويل:

يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

فأحجم القوم عنها غير علي، وكان أصغرهم سنا، إذ قام وقال: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه (١).

فأخذ رسول الله برقبته، وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع! (٢)

وهكذا بدأ تشييد أركان الرسالة، بتعيين خليفة رسول الله الأكرم، ولا غرو، إذ في وجوده ضمان استمرارية الرسالة.

إن استحقاق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله يتحقق بالمؤازرة والمعونة للنبي الأكرم في أمر الدين ونشر دعوته، وهذا صريح في قوله صلى الله عليه وآله لبني عبد المطلب: " فأيكم يؤازرني على

١ - والمشهور من الروايات أن عليا قام ثلاث مرات يعلن مؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله، والنبي صلى الله عليه وآله يقول له: إجلس، فلما كانت الثالثة أعلن له الخلافة والأخوة والإرث، وخاطب القوم قائلا: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، وما كان قول من النبي صلى الله عليه وآله لعلي. فلو كان علي ليس أهلا لها في ذلك الوقت، لما أعلن النبي خلافته ولو قام مائة مرة، فالنبي صلى الله عليه وآله مأمور بأداء الوحي، ولذا فاعلان خلافة علي سواء بعد الثلاثة أو بعد الأولى إنما هو من صميم الوحي بلا ريب.

٢ - مسند أحمد ١: ١١١، ص ١٥٩ بسند معتبر ثقة عن ثقة وأيضا في ص ٣٣١ عن ابن عباس، مستدرك الحاكم ٣: ١٣٢، كنز العمال ٦: ٣٩٢ / ٦٠٠٨ و ٣٩٦ / ٦٠٤٥ و ٣٩٧ / ٦٠٥٦، الخصائص ص ٦، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٢٥٥، تاريخ الطبري ٢: ٢١٧، تاريخ ابن الأثير ٢: ٢٢، تاريخ أبي الفداء ١: ١١٦ السيرة الحلبية ١: ٣٨١، تاريخ دمشق ١: ١٠٣.

٢٦١
أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟! ".

ومن الأمور التي يجب الانتباه إليها هي أن عرض النبي صلى الله عليه وآله الخلافة على بني عبد المطلب باشتراط العون والمؤازرة، ليس هو أمرا جاء على هوى النبي الأكرم، إنما هو أمر إلهي بلا ريب، لأنه من الواضح أن قبول مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله في أمر الدين والدعوة إليه هو في الواقع قبول لهذا الدين وتحصيل للإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله. ولهذا كان ثمن الخلافة في الواقع هو هذا الإيمان المبكر بدين الله، ولهذا نسب الله تعالى الولاية لرسوله معرفا إياه بصفة الرسالة المتضمنة للإيمان بالله، فلما أراد نسبتها إلى خليفة الرسول نسبها إليه معرفا إياه بعلة الاستحقاق وهي الإيمان، ولهذا قال: (والذين آمنوا)، وهو تعريف لهم بهذا الإيمان المبكر. ولهذا كان علي ولي كل مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله. لقبوله العرض الذي كان ثمنه الإيمان في حقيقة الأمر.. وهكذا أولو الأمر.

فهل تحقق هذا الإيمان في علي عليه السلام، عندما قبل مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله في أمره الذي بعث به؟!

بالتأكيد أن الإيمان كان قد اتخذ شكله في قلب علي عندما نهض معلنا مؤازرته لنبي الله الكريم. ولقد اطمأن النبي صلى الله عليه وآله لصدق علي ويقينه وإيمانه بهذا الدين يومئذ، فأعلن خلافته في الحين، وخاطب كبار القوم بالسمع والطاعة له باعتباره خليفته ووليه من بعده. ولهذا جاءت الإشارة إليه في الآية بعد الرسول صلى الله عليه وآله بعبارة: (والذين آمنوا)، أي في ذلك الوقت الذي كان على قد قبل الإيمان فيه وقبل مؤازرة النبي الكريم فنال الخلافة.

إن إيمان علي في ذلك الوقت ينضح به قلبه في خطابه للنبي الكريم بقوله: " أنا أعينك عليه يا نبي الله ". فانظر وتدبر في قوله " يا نبي الله " تراه قد أثبت في هذه العبارة النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله، وأقر له بكونه من جانب الله تعالى، بإضافة كلمة " نبي " إلى لفظ الجلالة " الله " سبحانه وتعالى، وعمره يومئذ عشر سنوات!

وهذا يدل بوضوح على كمال إيمانه ورجاحة عقله رغم صغر سنه. ونحن نعلم أن قلة العمر أو زيادته ليست معيارا لتحديد كمال العقل والإيمان. ودونك القرآن يصرح

٢٦٢
بذلك، إذ أوتي يحيى عليه السلام الحكم وهو صبي، وجعل الله تعالى عيسى نبيا وهو رضيع، فهل كانا لا يعرفان ما الإيمان بالله في ذلك العمر؟!

إذا، فلا ريب يخالج النفس في إيمان علي عليه السلام ورجاحة عقله يوم عين خليفة على المسلمين في بدء الرسالة، لعدم كذب النبي صلى الله عليه وآله في قوله: " هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ".

فهذه من الحوادث التي عادة ما يمر عليها الناس مرور الكرام، دون أن تخشع لها قلوبهم وتشهد بخلافة علي عليه السلام، رغم وضوحها وصراحتها.

خلافة علي عليه السلام في حديث الثقلين

إن حديث الثقلين من الأحاديث التي تبين حقيقة الخلافة بوضوح وجلاء، وتحكي عن استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لعترته من بعده مبينا في عبارات صريحة طريق النجاة والسلامة من الضلال والانحراف عن سبيل المؤمنين.

لقد خاطب النبي صلى الله عليه وآله الناس فقال لهم: " إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " (١).

إن المتدبر في هذا الحديث - لا سيما قوله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم خليفتين " - لا يجد في هذه العبارة، ولا يفهم منها سوى خلافة العترة. وهذا مما لا يحتاج إلى كبير عناء، ولا يجوز لمسلم أن يتلو هذا الحديث دون أن يتدبر في معانيه وعباراته.

إن استخلاف القرآن لا يعني بأي حال من الأحوال تركه بين الناس مصحفا مدونا ليأخذ كل فرد منه على حدة حسبما يفهمه هو ويدركه، ويعمل على أساس ذلك، لأن التعامل مع القرآن بهذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى التشتت والافتراق، فالتناحر والخصام والاختلاف. إن القرآن - وهو دستور الحياة الذي فرض على الناس العمل به والعيش على أساس هدايته - يحتاج إلى من يبينه للناس بيانا لفظيا وعمليا. والالتفات حول فرد

١ - مسند أحمد بن حنبل ٥: ١٨٢.
٢٦٣
واحد لأخذ معاني ومفاهيم القرآن، ولكسب طريقة العيش على أساسه.. هو أحجى وأبلغ في تحقيق التعاضد والوحدة والتماسك، بل هو الطريق الأوحد، للهداية إلى التي هي أقوم. وما دام الاختلاف والنزاع قد منعا بين الذين آمنوا، فأسبابهما وعللهما التي تؤدي إليهما أيضا ممنوعة بلا ريب. واحد هذه الأسباب التي تؤدي إلى الاختلاف هو الأخذ من القرآن حسبما يرى كل فرد على حدة، وكيفما شاء له فهمه الشخصي المتأثر بشتى العوامل ومختلف التأثيرات.

إذا، فلا بد من شخص يتفق عليه الناس في أخذهم من القرآن عبره، وتتوحد في أمره ونهيه آراء الناس فيما يتعلق بأمور الدين، بل بأساسيات الحياة الأخرى.

وها هو الثقل الثاني، وها هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.. إذا، فهم الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله لأخذ معاني ومفاهيم وأوامر ونواهي القرآن منهم، لأنه على هذا يكون اتباعهم والاقتداء بهم في الواقع اتباعا لكتاب الله واقتداء بالثقل الأول، إذ هما لا يفترقان أبدا.

إذا، فالخليفة الإجرائي والعملي واحد، وأما القرآن فهو الدستور والقانون الذي يستنطقه الخليفة في إدارة شؤون الناس على أساسه ويستنبط منه بما آتاه الله من علم اليقين.

ولهذا أعلن النبي صلى الله عليه وآله في كثير من المواطن، بل طيلة مدة حياته منذ بدء الرسالة إلى يوم وفاته، خلافتهم وخلافة القرآن فيهم، إذ هما نفس واحدة بصورة لا تقبل الانفصال، ليكونا خليفتين في الواقع الخارجي بين الناس، فالخليفة الذي تركه وخلفه الرسول صلى الله عليه وآله من بعده للناس ليعتصموا به ولا يتفرقوا هو العترة النبوية ذات الخلق القرآني، بل العترة التي هي القرآن يمشي على نسق النبي الأكرم. وإذا فصل القرآن عن ذات العترة تصورا وذهنا فهما شخص واحد في الحقيقة والواقع الخارجي، وهما شئ واحد بالذات لا غير.

لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله ذلك في كثير من المواطن، مؤكدا خلافتهم وخلافة القرآن في خلافتهم، فأعلن ذلك مرة بصراحة في حجة الوداع بغدير خم، ومرة في حجرته والناس حوله في لحظة مرضه الذي مات فيه (١)، فقال للناس خاتما حياته بإعلانه خلافة العترة،

١ - الصواعق المحرقة ص ٨٩ - الباب الحادي عشر.
٢٦٤
مبتدئا خلافتهم بخلافة علي عليه السلام، فقال موصيا لهم:

" أيها الناس، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة لكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل، وعترتي أهل بيتي ". ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال:

" هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا على الحوض ". (١)

وبهذا توج النبي الأكرم خلافة العترة بإعلانه خلافة القرآن في علي وخلافة علي في خلافة القرآن، ولا ننسى هنا قول النبي صلى الله عليه وآله لبني عبد المطلب: " فأيكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟! " ولا ننسى قبول علي هذا العرض الإيماني الإلهي، وقبوله المؤازرة. ومن الطبيعي أن يفي الله تعالى بوعده، ولا بد للنبي صلى الله عليه وآله أن يعطي عليا ثمن المؤازرة التي شهدت لها السماء: " لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار "، وكان علي مع القرآن والقرآن مع علي، وكان هو الخليفة الأول في سلسلة خلافة العترة. وليس هذا الاعلان بجديد، فقد سمعناه في أول الدعوة، وها نحن نسمعه في اللحظات الأخيرة من أيام الداعي الأعظم. وبين البداية والنهاية كانت إعلانات عديدة، فقبل من قبل، وأبى من أبى، لشئ في نفس يعقوب!

وإني لا أرى في قبالة هذا الأمر الذي يبين معية علي والقرآن، والقرآن وعلي.. إلا البخوع والسرور بخلافة علي عليه السلام، عديل القرآن وقرينه. وما أجمل أن ينصاع المؤمن لأمر هكذا، لا لشئ سوى قوة الحجة وصراحة الدليل ولياقة أمير المؤمنين علي عليه السلام.

وبعد هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال اتباع الناس دون العترة، لأن النبي عليه السلام أمر باتباع العترة والتمسك بهم دون غيرهم من الناس، إذ أن الواجب التعبدي يلزم كل أحد باتباع العترة لأداء الطاعة لنبي الإسلام الكريم في أمره بذلك. وهذا الأمر النبوي باتباع علي عليه السلام وذريته يجب أن يدرك من خلال قوله تعالى:

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم

١ - نفس المصدر ص ٥٧. الباب التاسع.
٢٦٥
حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (١)

إن أمر النبي صلى الله عليه وآله المؤمنين باتباع علي عليه السلام وأهل بيته وعترته الكرام نابع من الحرص عليهم وصادر من الرأفة والرحمة بهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله - وهو أعلم بسبيل النجاة والسلامة، ويود نجاة المؤمنين بلا ريب - وجه الناس صوب العترة عدول القرآن وقرنائه، فقال: " ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ". ثم بين ذلك برفع يد علي عليه السلام معلنا أنه مع القرآن، والقرآن معه، بل لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض، فهو يعني أن من أراد أن يرد علي الحوض يوم القيامة فعلية بعلي لأنه عليه السلام سبيل المؤمنين ونجاتهم.

عمر بن الخطاب يقول الحق!!

ولعمر بن الخطاب مواقف غلب فيها على أهواء النفس وهمزات الشيطان، وأزال فيها عن الحق ما علق به من غبار، ولكن بعد انكسار الزجاجة وانسكاب ما كان فيها!

قال عمر ابن الخطاب في أيام خلافته لابن عباس: " يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منكم؟

فقال ابن عباس: فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكم أدري، فإن أمير المؤمنين يدري.

فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووفقت!

قال [ ابن عباس ]: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.

قال [ عمر ]: تكلم.

قال ابن عباس: فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.. فلو أن قريشا اختارت لأنفسها من حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك إنهم أبوا أن تكون النبوة والخلافة.. فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة، فقال: (ذلك كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم).

فقال عمر: هيهات يا ابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها فتزيل

١ - التوبة: ١٢٨.
٢٦٦
منزلتك مني.

قال ابن عباس: فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتك مني، وأن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه.

فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما حرفوها عنا، حسدا وبغيا وظلما.

فقال ابن عباس، أما قولك حسدا، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون.

فقال عمر: هيهات هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول.

قال ابن عباس: فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين! لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (١).

إن قول عمر: " كرهوا يجمعوا لكم النبوة والخلافة.. فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت " يفرض علينا طرح سؤال لا بد منه، إذ أن في قوله هذا نوعا من الابهام وتمويها للحقيقة.. فسؤالنا:

من هم قوم أهل البيت الذين كرهوا أن يجمعوا النبوة والخلافة لهم؟

ومن هي قريش تلك التي اختارت لأنفسها فأصابت ووفقت؟!

إن المطالع لحوادث السقيفة يعلم أن أولئك القوم هم المهاجرون من قريش، كما يعلم أيضا أن الذين كانوا في مقابلة الأنصار يوم السقيفة من المهاجرين لم يكونوا سوى أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف، فهؤلاء الثلاثة هم الذين كانوا من المهاجرين المتصدين لدفع الأنصار عن مقام الخلافة.

وفي حوارهم مع الأنصار لم يقدم أبو بكر عليا معرفا إياه للأنصار على أنه صاحب الحق في خلافة، بل قدم لهم عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ليختار الأنصار منهما واحدا.

إذا، فهو بتقديمه هؤلاء الاثنين يصرف الخلافة عن علي وأهل البيت النبوي، كما هو واضح. ولما رفض عمر ذلك لم يقل لأبي بكر: قدم عليا فهو أحق، بل قال لأبي بكر: مد

١ - الكامل في التاريخ: ٣: ٢٤ - حوادث سنة ٢٣، سيرة عمر، السقيفة لأبي بكر الجوهري: ص ٥٢ ونقله ابن أبي الحديد شرح النهج ٢: ٥٧.
٢٦٧
يدك يا أبا بكر أبا عك، فمد يده وبايعه عمر.

إذا، فلو كان قوم أهل البيت في قول عمر: " أتدري ما منع قومكم منكم..؟! " هم الذين كرهوا اجتماع النبوة والخلافة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فهؤلاء القوم هم المهاجرون بلا ريب. ولما لم يكن من المهاجرين في السقيفة غير أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف.. فهم القوم الذين كرهوا ذلك. بل عندما جاء عمر إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله - والمسلمون قد تجمعوا هناك وعلي مشغول في غسل جسد النبي صلى الله عليه وآله الطاهر - أخبر عمر أبا بكر باجتماع الأنصار في السقيفة خفية، ولم يطلع عليا بذلك.

وبهذا يتضح أن الذين كرهوا اجتماع النبوة والخلافة لأهل البيت وأن قريشا التي اختارت لأنفسها.. ليسوا سوى أبي بكر وعمر، فهما اللذان كرها واختارا، وهما اللذان استصغرا عليا عليه السلام على الخلافة.

فقد قال عمر لابن عباس: " يا ابن عباس، ما أرى صاحبك (يعني عليا) إلا مظلوما "، غير أنه قال هذه المرة: يا ابن عباس، ما أظن منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه!

قال ابن عباس: فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ " براءة " من صاحبك " (١)، يعني بذلك أبا بكر.

وقد وضح لك من هم القوم الذين استصغروا عليا. بيد أن الصغر أو الكبر في العمر ليسا دليلا على القدرة أو عدمها في القيام بأعباء المسؤوليات. والأمثلة كثيرة لتأييد ذلك، فقد ولى النبي صلى الله عليه وآله أسامة بن زيد قيادة الجيش في حرب الروم وله من العمر - على أكثر التقديرات - عشرون عاما، وكان أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من المهاجرين والأنصار جنودا في ذلك الجيش يعلمون بأمر أسامة.

فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يولي الصغار والأطفال على كبار السن، ويسند إليهم قيادة الجيوش لعبا ولهوا؟!

بل قال النبي صلى الله عليه وآله عن أسامة عندما طعن الناس فيه: " إنه لخليق للإمارة ".. فكيف

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٠٥.
٢٦٨
صار خليقا بها وهو صغير السن؟! وكيف صار علي صغيرا على الخلافة غير خليق؟!

فصغر العمر أو كبره ليس معيارا للعظمة أو القدرة على القيام بالمسؤولية أبدا.

إن الإمام علي عليه السلام لما أعلن مؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله في " يوم الدار " لم يقل له النبي صلى الله عليه وآله:

إجلس يا علي، فإنك صغير على أمر الخلافة! بل أخذه من رقبته، وقال لكبار قريش، وفيهم حمزة والعباس وأبو لهب وأبو طالب: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فالقول بأن الإمام عليا صغير على الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله هو:

أولا: خلاف لما كان يراه النبي صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فإذا أعلن الوحي خلافة علي في سن العاشرة، فما بالك به وهو في سن الثلاثين؟!

ثانيا: أن القول بصغر الإمام على الخلافة فيه ظلم شنيع للإمام، فهو على أقل تقدير لا يقل من حيث العقل والحنكة والتدبير عن أسامة بن زيد شيئا، فظلم أن يوصف بذلك وهو الذي له من هذا العقل وهذه الحنكة والتدبير ما له.

ولهذا قال عمر لابن عباس: ما أري صاحبك إلا مظلوما! إذ لو كان حقا صغيرا لما وقع الظلم هذا، ولكن.. كان القوم يعلمون في قرارة نفوسهم بعلو مكانه ورفعة مقامه وقدرته على القيام بأعباء الخلافة.

وقال عمر مرة لابن عباس: كيف خلفت ابن عمك؟

قال ابن عباس: فظننته يعني عبد الله بن جعفر... فقلت: خلفته مع أترابه.

فقال [ عمر ]: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت.

قال [ ابن عباس ]: قلت: خلفته يمتح بالغرب (١) وهو يقرأ القرآن.

قال [ عمر ]: يا عبد الله، عليك دماء البدن إن كتمتنيها.. هل بقي نفسه شئ من أمر الخلافة؟

قال [ ابن عباس ]: قلت: نعم.

قال [ عمر ]: أيزعم أن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] نص عليه؟

١ - الغرب: الدلو العظيمة. والمتح: جذب حبل الدلو، تمد بيد وتأخذ بيد على رأس البئر. والماتح: الذي يملأ الدلو من أسفل البئر.
٢٦٩
قال ابن عباس: قلت: نعم وأزيدك، سألت أبي عما يدعي - أي النص على الخلافة - فقال: صدق.

فقال عمر: كان من رسول الله في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع في أمره وقتا، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك " (١).

نعم، وذلك عندما كان النبي صلى الله عليه وآله مريضا والحجرة غاصة بالناس من حوله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: " قربوا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ".

فقال عمر: " إن الرجل قد غلب عليه الوجع، إن الرجل ليهجر! حسبنا كتاب الله، عندنا القرآن ". وردد الناس ما قال عمر!

فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله غاضبا: قوموا!.. ولم يكتب الكتاب الذي كان سيصرح فيه باسم علي عليه السلام، إذ أن عمر منعه من ذلك بما قاله من قول نسج الناس عليه، كما عرفت!

على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك التصريح لفظا باسم علي عليه السلام، كما مر عليك، إذ قال صلى الله عليه وآله:

" ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي ".. ثم أخذ بيد علي وقال: " هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ".

فكان من النبي صلى الله عليه وآله والوحي استخلاف علي والتصريح باسمه، وكان من قريش المنع والاعتراض وكراهة اجتماع النبوة والخلافة في أهل البيت!

غير أن القوم لم يكتفوا بصرف الخلافة عن علي وعترة النبي صلى الله عليه وآله، بل أخذوا عليا عنوة لبيعة أبي بكر، فجئ به يساق - كما قال معاوية - كالجمل المخشوش، وهو يقول:

" أنا عبد الله وأخو رسول الله "!

فقيل له: بايع!

قال [ علي ]: أنا أحق بهذا الأمر منكم. لا أبايع، وأنتم أولي بالبيعة لي.

أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا. ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم، لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة؟ فإذا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٩٧.
٢٧٠
برسول الله حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون.

فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع!

فقال له علي: احلب حلبا لك شطره، وشد له اليوم يردده عليك غدا.

ثم قال: والله يا عمر، لا أقبل قولك ولا أبايعه.

فقال أبو بكر: إن لم تبايع، فلا أكرهك.

ثم قال [ عليه السلام ]: الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت. ونحن أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المتطلع لأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم لهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا عن الحق بعدا.

فقال له بشير بن سعيد الأنصاري: لو كان هذا كلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك! " (١).

وهكذا ظل الإمام رافضا مهادنة أبي بكر ستة أشهر حتى رأى مصلحة الإسلام في الصبر والجلوس في بيته، ومهادنة القوم، كما يوضح ذلك هو بنفسه عليه السلام:

يقول الإمام علي عليه السلام:

" وأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة له علي أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، وكما ينقشع السحاب ".

وقال عليه السلام:

" ولقد تقمصها (أي لبسها قميصا، يعني الخلافة) ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى: ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت عنها ثوبا وطويت

١ - السقيفة لأبي بكر الجواهري ص ٦٠ - ٦١.
٢٧١
عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه.. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا... " (١).

ومعنى هذا كله أن حادثة الظلم الذي أقر بوقوعه الفاروق في حق الإمام علي هي حقيقة تاريخية لا تخلو منها مدونات التاريخ، واعترف بها شهود العيان اعترافهم بالمسلمات. ومنها ما ضمنه معاوية بن أبي سفيان رده على خطاب محمد بن أبي بكر الصديق مشيرا إلى ذلك الظلم بشكل أوضح، يكشف ثقل الظلم الذي وقع على أمير المؤمنين، بحيث اعترف به عمر بن الخطاب، لأن وقوعه ليس من قبيل ما ينكر أو يخفى.

كتب محمد بن أبي بكر رضي الله عنه خطابا إلى معاوية، يردعه على تطاوله على أمير المؤمنين علي عليه السلام، ويبين فيه شأن الإمام ورفعة مقامه.. يقول فيه:

" من محمد بن أبي بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر.

سلام على أهل طاعة الله، ممن هو سلم لأهل ولاية الله.

أما بعد:

فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقه بلا عبث منه ولا ضعف في قوته، ولا حاجة به إلى خلقهم، لكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم غويا ورشيدا، وشقيا وسعيدا. ثم اختار، على علم، فاصطفى وانتخب منهم محمدا (ص)، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على أمره، وبعثه رسولا ومبشرا ونذيرا، مصدقا لما بين يديه من الكتب، ودليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب وآمن وصدق وسلم: أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام). صدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه بنفسه من كل هول، وواساه بنفسه في كل خوف، و حارب حربه وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا

(١) شرج نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٥ - الخطبة رقم ٣ (الشقشقية).
٢٧٢
مقارب له في فعله.

وقد رأيت تساويه، وأنت أنت، وهو السابق المبرز في كل خير، أول الناس إسلاما، وأصدق الناس نية، وأفضل الناس ذريه، وخير الناس زوجة، وأفضل الناس ابن عم. أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة، وعمه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول الله (ص) وعن حوزته. وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل.

على هذا مات أبوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من تدنى ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق والشقاق لرسول الله (ص).

والشاهد لعلي - مع فضله المبين وسابقته القديمة - أنصاره الذين معه، الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن، فضلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويهرقون دماءهم دونه، يرون الحق في اتباعه والشقاء في خلافه.

فكيف، يا لك الويل، تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسول الله (ص) ووصيه وأبو ولده، وأول الناس له اتباعا وأقربهم به عهدا، يخبره بسره ويطلعه على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه؟!

فتمتع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكان أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف يتبين لك لمن تكون العاقبة العليا.

واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده، وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور. والسلام على من اتبع الهدى ". (١)

فهذا كان خطاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية، وقد وضحت لك عباراته وانكشفت معانيها. ووضح لك فضل أمير المؤمنين من حيث إنه أول الناس إيمانا برسول الله، ومن حيث إنه فاق غيره جهادا وارتباطا برسول الله، وهو الوارث له. كما وضح لك قدر معاوية

١ - مروج الذهب للمسعودي ٢: ٥٩: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٨٣: جمهرة رسائل العرب ١: ٤٥٧.
٢٧٣
وشأنه.. فماذا قال معاوية في رده على محمد بن أبي بكر؟!

يقول ابن هند:

من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر.

سلام على أهل طاعة الله.

أما بعد:

فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه، وما أصدق به رسول الله (ص) مع كلام كثير ألفته ووضعته لرأيك في تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف.

ذكرت فيه فضائل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته مع رسول الله (ص) ونصرته له ومواساته إياه في كل هول وخوف، فكان احتجاجك علي وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد ربا صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك.

فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه (عليه الصلاة والسلام) ما عنده وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجته، وقبضه الله إليه (صلوات الله عليه)، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا. ثم دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم. ثم إنه بايعهما وسلم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضهما الله، وانقضى أمرهما. ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهما وسار بسيرتهما فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، فطلبتما له الغوائل حتى بلغتما فيه منا كما.

فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال حمله، ولا تلين على قسر قناته، ولا يدرك ذو مدى أناته.

أبوك مهد له مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله، وإن يك جورا فأبوك استبد به، ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا.

٢٧٤
لولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلمنا إليه، لكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا، فأخذنا بمثاله واقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك أو دع. والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب. (١)

وها هو خطاب معاوية في رده على خطاب محمد بن أبي بكر، فتدبر في قوله:

" فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا ".

فما هو حق علي بن أبي طالب الذي كان لازما لمعاوية وأبي بكر وبقية الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وآله؟! ثم أين ذلك الحق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله؟!

وأما قوله: " كان أبوك وفاروقه أول ابتزه حقه وخالفه على أمره " ففيه بيان الأساس الذي قامت عليه خلافة الصديق وعمر من بعده، والشاهد على هذا الأساس معاوية نفسه تصريحا ومحمد بن أبي بكر إقرارا.

وعلى هذا الابتزاز والمخالفة، تم الاتفاق والاتساق بين أبي بكر وفاروقه، كما أوضح معاوية. وإشارة معاوية إلى هذا توضح اشتراكه في ذلك، إذ أن أبا بكر هو الذي مهد وشيد له ملكه بسنه ابتزاز حق الإمام ومخالفته في أمره، بعد أن كان حقه لازما لهم في حياة النبي صلى الله عليه وآله.

فما هي العلاقة والارتباط بين ما وقع من ابتزاز لحق الإمام ومخالفته على أمره، وبين قول النبي الأكرم لأبي بكر: " لا أدري ما تحدثون بعدي "؟!

وهكذا انشعب الإسلام بعد تلك الحوادث، وانشعب الناس على أساس ذلك إلى قوم تعبدوا بما تمخضت عنه الحوادث بعد وفاة رسول الله في السقيفة، واقتدوا بأهل البيت السقيفي، وقوم ولوا الظهور لذلك وصوبوا نحو أهل البيت النبوي، يقتدون بعلي وأهل بيته عملا ولفظا، ويمزجون حبهم للعترة باقتفاء الآثار منهم.. ليس كمن مزج حبهم باقتفاء آثار غيرهم من الفقهاء والعلماء وهم يخالفونهم في كثير من المسائل.

فهلموا - أيها الناس - إلى سبيل المؤمنين من أهل بيت الرسول وأبناء البتول، فهم

١ - نفس المصدر السابق.
٢٧٥