×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الاعتقاد تكون على نقيض الإسلام، فالله تعالى موجود وهو لخالق والمدبر للوجود بأسره، ما علمنا منه وما لم نعلم.

الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله)، باعتباره رسولا من قبل الله تعالى إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والرسل، معصوم مبرأ عن كل ما يقلل من شأنه، وجبت طاعته في أوامره ونواهيه.

الإيمان بالقرآن كتاب الله الذي أنزل على نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله) كتابا محفوظا تكفل الله بحفظه عن التحريف والتبديل، وهو المعجزة التي بينت صدقه (صلى الله عليه وآله).

فالقرآن هو الدليل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو - من ثم - الدليل على وجود الله وخالقيته وربوبيته ووحدانيته إضافة إلى الدلائل الأخرى المبثوثة في الأنفس والآفاق، وذلك لأن طبيعة القرآن الإعجازية تفرض على البشر ذلك الاعتقاد، إذ أنهم - بإزاء القرآن - قد عجزوا عن:

١ - الإتيان بمثله. يقول الله في كتابه الكريم: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (١).

٢ - الإتيان بسورة من مثله. يقول تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (٢).

وهذا تحد صريح يثبت صدق النبي (صلى الله عليه وآله) في ادعائه النبوة، الأمر الذي يثبت وجود الله وهيمنته على الوجود.

٣ - العجز عن تحريف القرآن. ولو بإبدال حرف واحد بحرف آخر، وهذا من إعجاز القرآن الواضح في بقائه - منذ نزوله إلى هذا اليوم عبر القرون - على ألفاظه، ولا غرو فقد تكفله الله بالحفظ (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٣). وهذا دليل قاطع يؤكد صدوره من عند الله تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله).

(١) الإسراء: ٨٨.

(٢) البقرة: ٢٣.

(٣) الحجر: ٩.

٢١
إن الباحث وهو يقف على هذه الثوابت لا يخشى خلوا عن الاعتقاد الذي يضمن له البقاء على عقيدة الإسلام، وإن كان ربما اكتنفه النقص من حيث آخر، لأن الإيمان بالله وبرسوله وكتابه ومفارقته فيما أمر الناس به خلل صريح في عقيدة المخالف عن عمد بعد العلم به، ونقص في عقيدة المخالف بلا عمد لجهله بالأمر. وهو لا يعذر لجهله هذا، فما عليه إلا البحث والتحقيق لإزالة الجهل أو الظن أو الوهم لإكمال هذا النقص الواضح، . وهذا هو المطلوب التحقيق فيه، ذلك لأنه لو كان الإيمان بالله وبرسوله وكتابه كافيا لنجاة الناس لما كانت الفرقة الناجية واحدة. ولما اختلف الناس فصاروا مذاهب وفرقا تسعى كل واحدة منها لإبطال اعتقاد الأخرى.

فالإيمان بالله وبرسوله وكتابه هي السمة المشتركة بين كل الفرق المختلفة والمتخالفة، ولا نجد فرقة تدعي الانتساب إلى الإسلام تؤمن بالله وتكفر برسوله أو تطعن في كتابه الكريم، ورغم ذلك فالناجية واحدة. فما هي إذا تلك السمة التي انفردت بها هذه الفرقة عن سائر الفرق ونالت بها الفوز والنجاة؟ وبالتأكيد أن هذه السمة لا تتوفر إلا في هذه الفرقة دون غيرها، وإلا لما كان اختلاف، ولكانت كل الفرق في الواقع فرقة واحدة، فما هذه الصفة يا ترى؟! وهذا هو أساس البحث والتحقيق الذي نحن بصدده..

إذا لا بد من التعرف على هذه الفرقة بهذه الصفة التي تميزت بها عن سائر الفرق.

يقول الإمام الرازي: (إن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحدا. وإذا كان كذلك كان الناجي واحدا [ أي الناجي فرقة واحدة من بين الفرق المتخالفة ] (١).

(١) التفسير الكبير للإمام الرازي ٨: ١٧٤ - آل عمران ١٠٣ قوله تعالى: (واعتصموا...).
٢٢

الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة

لا شك أن ما ندين من عقائد يحتوي على قدر جيد من الحقيقة، بل بالنظر إلى وجود القرآن بيننا يجعلنا نستطيع أن نجزم بأن ما بين أيدينا هو كل الحقيقة، ولكن وجود الحقيقة بيننا شئ والعمل على أساس هذه الحقيقة شئ آخر، فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمر باتباع القرآن أو العمل به فحسب بل قرن به ما قرن، وهذا المقرون بالقرآن ليس فيه حقيقة تنفصل عن القرآن وتخالفه، بل يبين ما اشتمل عليه القرآن من الحق. إذا فالمقرون بالقرآن هذا لا نستطيع أن نقف من دونه على ما جاء به القرآن من الحق. وهذا هو السبب الذي لا نستطيع معه أن نقطع بأن ما ندين به يشتمل بلا ريب على اليقين دون الظن، وكثير من الأسباب أدت إلى عدم القطع هذا فكان دافعا للتحقيق والبحث، ومن هذه الأسباب:

أولا: الفتن والاختلافات الحادة

وهي الفتن والاختلافات عصفت بالمجتمعات والأفراد المسلمين، منذ نعومة أظافر الإسلام. وقد بدأت هذه الاختلافات والنبي (صلى الله عليه وآله) لما يرتحل من بين الناس آنذاك، فلقد اختلفوا في أهم مسألة ترتبط بمصير المسلمين وهم جلوس في حضور نبيهم (صلى الله عليه وآله)، وهو الاختلاف الذي عرف فيما بعد ب‍ " رزية يوم الخميس ". ولا تخلو من حكايته كتب السير والأحاديث. ولا شك أن هذا الاختلاف قد ألقى بظلاله على زماننا، وأحيطت الحقيقة

٢٣
على أثره بقدر من الإبهام أدى إلى صعوبة التعرف عليها بعينها، ولا سيما بعد افتراض عدالة كافة الصحابة الذين كانوا أول من اختلف في أمور الدين، فقد أسدلت هذه العدالة الشاملة ستارا معتما على كثير من الأمور، ومنعت التطرق إلى البحث والتحقيق فيما وقع بين الصحابة من اختلاف بهدف إدراك الحقيقة، فتهيب الناس السؤال عما حدث لمعرفة الحق من الباطل. وبسبب هذه العدالة استوى عند المسلمين في هذا العصر الخطأ والصواب! لأن المتخالفين من الصحابة كلهم مأجورون ومثابون! فانتشر الإسلام على هذا، يدين الناس بأمور كثيرة مختلف عليها فيه.

ثانيا: تعدد الفرق الإسلامية

ذلك أن اختلافا كهذا حدث بين الرعيل الأول - ولا سيما بعد الركون إلى عدالتهم كافة - قد أدى إلى بروز فرق لا تحصى ولا تعد في المجتمع الإسلامي. والعجيب أن أعضاء هذه الفرق - وهم لا يجوزون بحث الخلاف بين الصحابة - تراهم يبحثون حول ما حدث بينهم من اختلاف، وقد غفلوا عن أن اختلافهم هذا كثير منه معلول الاختلافات الأول، فإثبات الحق لفرقة وسلبه عن فرقة أخرى، هو في الواقع نسبة ذلك الحق إلى رأي من آراء بعض الصحابة في المسألة المختلف فيها، وسلبه عن الفرقة الأخرى هو سلب هذا الحق عن البعض الآخر منهم في نفس مسألة الاختلاف، وقد طعنوا بذلك في عدالة كافة الصحابة من مكان بعيد.

ثالثا: بعد المسافة الزمنية بين زماننا وزمان النبي (صلى الله عليه وآله)

وهذا من الأسباب القوية التي تؤدي بلا شك إلى بعث غريزة التحقيق والبحث في أمور الدين، لأن ما صدر من النبي (صلى الله عليه وآله) لا بد له أن يطوي كل تلك المسافة متنقلا بين أنواع أفراد البشر والمجموعات المتخالفة التي لا تعتمد إلا ما وافق الرأي منها ولا تحتفظ إلا بما تراه صوابا.

وهي في تحديدها الصواب من الخطأ تتنازعها أمور وتتناوشها أشياء، فالنسيان

٢٤
والخطأ والهوى والتقليد والعصبية والقبلية والحقد... كل ذلك سيضع آثاره على ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من كلام، وجب علينا التعبد به ونحن في هذا العصر البعيد عن زمن الرسالة.

فالذين ينقون ما يمر عبرهم من أقوال وأفعال صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله).. على أي معيار يعتمدون في هذه التنقية؟ ومن يجرح غيره ويتهمه بالنسيان وكثرة الخطأ يجرحه بأمور هو نفسه عرضة لها وإن كان ثقة عادلا، هذا فضلا عن الذين شمروا عن سواعدهم لوضع ما لم يكن عن النبي (صلى الله عليه وآله) صدوره ونسبته إليه بعد ذلك، وهم أكثر وأشد نشاطا وفعالية.

وعملهم أسهل وأهون من عمل الإصلاح.

رابعا: حصار أهل البيت وتكميم أفواههم

لقد كان الخليفة الأول وكذلك الخليفة الثاني يرجعان في كثير من الأمور إلى أهل البيت، فأبو حفص كان مفزعه في أمور الدين الإمام علي، ولهذا صدر منه مرارا قوله: " لولا علي لهلك عمر "، وقوله: " الله أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن "، وهكذا كان دأبهما.

وأعلمية أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي (عليه السلام) - من الحقائق التي لا مراء فيها ولا جدال، وقد اعترف بذلك أبو بكر الصديق وخليفته أبو حفص. واستمر الحال إلى زمان عثمان حيث استولى بنو أمية على مقاليد الأمور في الدولة الإسلامية، وتصرفوا في كل شئ حتى هيمنوا على السلطة تماما، فتغير الحال وحورب أهل البيت، وحوصرت أقوالهم، وسلب حقهم في المرجعية الدينية فضلا عن الخلافة. واستمر الحال هكذا إلى آخر يوم في الدولة العباسية، فنشأ الناس على ترك أهل البيت. ثم إن الحصار في دولة بني أمية لم يقف على إبعاد أهل البيت النبوي عن المرجعية فحسب، بل تعدى إلى ابرازهم بنحو يؤدي إلى نفور الناس منهم، ولهذا الغرض استنوا سب الإمام علي (عليه السلام) أكثر من خمسين عاما.

وضرب الحصار على من يرجع إليهم في أمور دينه، وقتل من لم يطلق لسانه فيهم بالسباب والشتم، وهيئت الفرص لمن يسبهم ويجافيهم. وأمر معاوية الناس في بقاع

٢٥
الدولة بإبراز محاسن غيرهم في مقابل ما أبرزه النبي (صلى الله عليه وآله) من محاسن لهم، ثم قتلوا بعد ذلك شر تقتيل، فليس منهم إلا مسموم أو مقتول.

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته! فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام (١).

والسؤال الذي يطرح ببراءة: لماذا حارب الأمويون طيلة حكمهم هذا علماء أهل البيت؟ ولأي شئ قتلوهم؟ ولماذا نسج على منوالهم العباسيون؟

وقد يجيب أحد بأنهم نافسوهم في الحكم والسلطة.. ولكن، هل كان أهل البيت يعارضون حكم الأمويين لو كان قائما على ما جاء به الوحي وقضى به النبي (صلى الله عليه وآله)؟! وهل كان من الوحي سب الإمام علي أو قتل الإمام الحسين بالصورة الوحشية التي عرفها التاريخ؟! أو كان من الوحي إطعامهم السم الزعاف؟! وهل كان أبناء الرسول يحبون السلطة من أجل السلطة والحكم؟ وما ذا تضرر العباسيون من عترة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى انتهجوا معهم ما انتهجه الأمويون؟!

إن أهل البيت بعد الضربات الأموية لم تبق لهم تلك الخطورة السياسية التي تعتمد على قوة الجيش والسلاح، فقد انفض الناس من حولهم إما خوفا من القتل والسبي، وإما انجذابا نحو الأصفر والأبيض من أموال السلطة. وصار أهل البيت تحت المراقبة الأموية في منازلهم وبين أهليهم، أو في المحابس وفي سجون الحكومة العباسية، وهذا يكفي الحكام لتوطيد حكمهم. إذا.. لماذا القتل؟! وهل كان لأهل البيت خطر غير الجيوش والسلاح لا يزول إلا بقتلهم؟! وما ذاك الخطر؟ وهل كان السبيل إلى الصلح والتوافق معهم قد أغلق تماما؟!

لقد كانت المسألة بين الحكام من الأمويين والعباسيين، وبين أهل البيت مسألة الدين والشرع، فالحكام في نظر أهل البيت قد خالفوا الشرع والنهج المحمدي، وأهل

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٤٤، الباب ٢٣.
٢٦
البيت في نظر الحكام خطر ديني أساسي لا يحتاج إلى جيش وسلاح.

وهذا الإمام الحسين يصور حقيقة النزاع بين الحكام وأهل البيت، يقول الطبري: " وقام الحسين في كربلاء مخاطبا أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري " (١).

فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد ربى أبناء الناس على الدين خير تربية، أتراه تاركا أبناءه فإنه على غير تربية الدين؟! لا، بل لهم الأولوية في التربية والنشأة على الوحي، وإلا فإنه يكون كالآمر بالبر والناسي لنفسه.

ولما كان هدف أهل البيت إقامة الدين وإجراء الشرع الذي تربوا عليه وهم أولى بذلك، كان الحكام في زمانهم يهدفون إلى السلطة فحسب، لأن الذي لا يهدف إلى شئ إلا أن يرى الدنيا قائما، لا يضيره شئ إن قام الدين بغيره من الناس على الوجه المطلوب.

وهكذا حوصر أهل بيت النبوة من كل صوب، ومنعوا من الكلام في أي أمر في مجال الدين سياسيا وعباديا. فإن كان هذا حال أهل البيت فمن من أتباعهم تكون له جرأة الكلام والتفوه بما يرضي العترة النبوية؟! فلو استهان أمر أهل البيت عند الحكام فلأمر أتباعهم أشد هوانا. ومع ذلك ظهر على سطح الساحة الدينية علماء صار حق الفتيا لهم، وارتضاهم الحكام، وقصدوا إلى فرض ما أفتوا به على الناس ونشره بينهم، فقربوهم إليهم وأجزلوا لهم العطاء. فلم كان ما أفتى به هؤلاء يرضي سريرة أهل البيت ويوافق ما هو عليه من أمر، فلماذا لم يترك الحكام أهل البيت لأن يفتوا أو يقولوا بهذا ما دام لا يضيرهم منه شئ؟! أم أن هؤلاء كانوا أعلم من أهل البيت بأمور الدين والوحي؟! ولكن أهل

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٠٤ - حوادث سنة إحدى وستين.
٢٧
البيت لم يكونوا ليقبلوا بالصمت أمام الظلم وجور الحكام، كما سمعت من كلام الإمام الحسين. وأما من قرب من العلماء وارتضى من قبل الحكام فلم يكونوا يرون ما كان يراه الإمام الحسين وأهل البيت كافة، ولذا أفتى هؤلاء العلماء بما زعموا أنه من رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية "! وبعد هذا كيف لا يقبل الحكام هذه الفتاوى وأصحابها من العلماء؟! وكيف بعد هذا يسمع لأهل البيت فتوى في الدين؟!

ولهذا أبعد أهل البيت، وقرب من خالفهم من العلماء والناس. واستمر الحال هكذا وطارت فتواهم كل مطير وانتشرت في البلاد وسار الناس على مذاهبهم، ولم يلتفت أحد إلى بيت النبوة ومهبط الوحي، فأخذ الناس الدين عن غيرهم. وها نحن نرى الخلاف بين أتباع المذهب الجعفري (١) من شيعة أهل البيت وبين المذاهب السنية.

أفلا يدعو هذا إلى البحث والتحقيق؟!

(١) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
٢٨

اختلاف المسلمين حول ولي الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله)

ثم إن من المسائل التي تفرض علينا التحقيق البحث حولها باعتبارها من أهم مسائل الدين، هي معرفة ولي الأمر.

الاعتقاد السائد بين كافة المسلمين أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والرسل، أي هو نبي لا نبي من بعده، وأي اعتقاد بخلاف ذلك يستوجب الكفر بلا شك. وفرض عدم خاتمية الرسالة يفرض نبيا آخر يأتي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) لهداية الناس بعد انقضاء فترة الإسلام، ولما لم يكن كذلك.. فهم الإسلام على ضوء ختم الرسالة بأنه دين كل زمان ومكان، وهذا منطق بلا شك يتفق وختم الرسالة، وعلى هذا تصافق وتوحد اعتقاد المسلمين باعتباره أمرا قرآنيا مسلما (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (١)، وعلى هذا فإننا نستخلص من هذا الاعتقاد المسائل التالية:

١ - ليس هناك نبي يأتي بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو خاتم وآخر الأنبياء والرسل.

٢ - إن الإسلام خاتم الأديان، وهو قد جاء إذا لكافة الناس إلى يوم القيامة.

٣ - ولكي يفي الإسلام بهذه العمومية لكل البشر، وحتى يفي بمتطلبات عموم الناس على اختلافهم وتنوعهم زمانا ومكانا، لا بد أن يكون على درجة من القوة والكمال حتى ينهض بالناس دينيا واجتماعيا وسياسيا وخلقيا واقتصاديا، ولهذا يقول تعالى: (اليوم

(١) الأحزاب: ٤٠.
٢٩
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (١) والله لا يرضى بما هو ناقص غير مكتمل، كما هو واضح.

بكل هذه الخصائص لا بد لهذا الدين أن يشق طريقه نحو المجتمعات، ماضيها وحاضرها والناشئة مستقبلا، لإرشاد الناس إلى سبيل المؤمنين، وإبطال كل فكر واعتقاد يباعد بينهم وهذه السبيل. فهذه مهمة لا تنجز منحصرة في عصر واحد، بل تقتضي الحضور الدائم في كل عصر، فكما كان النبي (صلى الله عليه وآله) هو المتصدي لهذه المهمة يكون ولي الأمر من بعده هو المتكفل بذلك، وهكذا أولو الأمر إلى آخرهم.

وأهمية ولي الأمر تنحصر في أمور:

أولا: فهو من ناحية أنه رئيس وقائد ومدير لشؤون الدولة الإسلامية، فله الأهمية السياسية بكل جوانبها.

ثانيا: ومن ناحية أنه المرجع الديني للمسلمين في نواحي الدولة الإسلامية كافة، فله الأهمية الدينية التي لا تنفصل عن حياة الناس.

ثالثا: ومن ناحية أنه واجب الطاعة فهو يمثل مسألة من أهم مسائل أصول الدين، إذ أن طاعته أمر إلهي تعبدي لا بد من أدائه، وذلك لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (٢)، فهذا أمر مطلق قطعي، وواجب يلزم أداؤه لولي الأمر.

إذا، فالأمر الصادر من الله تعالى بإطاعة أولي الأمر يحتم علينا التعرف على ولي الأمر هذا، لأداء واجب الطاعة له، تنفيذا لأمر الله تعالى. والطاعة هذه تكون لولي الأمر في كل ما يقول ويأمر به وينهى عنه، فمخالفته في شئ بعد تعيينه معصية صريحة، ومخالفته في أمر بسبب الجهل به ليس فيه عذر، لأن تصريح القرآن بالأمر بطاعته هو إشارة إلى وجوده وتعيينه، وإلا يكون تكليفا فوق الطاقة.

فمن هو ولي الأمر من بعد النبي (صلى الله عليه وآله)؟

لقد اختلف المسلمون في ذلك، وانحصر الاختلاف بينهم في ولي الأمر بين أبي

(١) المائدة: ٣.

(٢) النساء: ٥٩.

٣٠
بكر بن أبي قحافة وعلي بن أبي طالب (عليه السلام). وذلك لاستلام أبي بكر زمام الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولادعاء الإمام علي أحقيته في ذلك، وقد قال (عليه السلام) في ذلك: " ولقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها كمحل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير " (١). وهو يعني بذلك الخلافة وأحقيته فيها. فمن هو الخليفة وولي الأمر؟ ولا بد أن يكون واحدا، إذ لا يصح أن يكون وليان للأمر في زمان واحد لدولة واحدة. ولما كانت طاعته واجبة فهو إما أن يكون أبا بكر أو علي بن أبي طلب (عليه السلام).

ونحن مسؤولون عن معرفة الولي المطاع، طبقا للآية الكريمة، ومن هنا تظهر أهمية التحقيق والبحث بل وجوبه حول هذه المسألة المصيرية.

(١) نهج البلاغة: من الخطبة رقم ٣ (الشقشقية).
٣١

الفصل الأول: عدالة الصحابة

    مقدمة في عدالة الصحابة.

    تعريف الصحابي.

    تعريف العدالة.

الباب الأول: حديث الاقتداء بالصحابة     شرب الخمر.

    الفرار من الزحف وشماتة البعض.

    كتمان الشهادة! شهادة الزور.

    سب الإمام علي (عليه السلام).

    اختفاء المنافقين بين الصحابة.

الباب الثاني: حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء.

    إشكالات على الحديث.

    إختلاف علي وعثمان.

    إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالإحداث.

    محدثات أبي حفص.

    مخالفة الصحابة للخلفاء الأربعة.

    مخالفة سعد بن عبادة لأبي بكر وعمر.

    خلاف بعض الصحابة للخليفة الرابع.

    مخالفة عائشة لعثمان وعلي.

٣٢
٣٣
كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين لـ طارق زين العابدين (ص ٣٤ - ص ٥٥)
٣٤
لمدة الصحبة ودرجتها، من حيث الملازمة للنبي (صلى الله عليه وآله) ومستوى أخذ الأحكام منه ودرجة الاهتمام بذلك.

وفي الواقع لم يكن الصحابة من هذه النواحي سواسية، فكان منهم الذي يكتب ويسجل الحديث، ومنهم من لم يكن يكتب، ومنهم من شغلته الصفقات في الأسواق فيفوته الكثير ثم ينقل إليه نقلا، ومنهم من له أوقات خاصة مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد خص بالعلم دون الآخرين، فإن سأل يعطي وإن سكت عن السؤال يبتدر بالعلوم (١). ومنهم من يسمع الحديث فلا يعيه، ومنهم من يحفظ ما يقال، ومنهم من ينساه.

فالصحابة بشر بلا شك، فلا يمكن أن يكونوا في ذلك على وفق واحد. على أن الصحابة من حيث الإيمان لم يكونوا على قرار واحد، ولا في الإخلاص على وتيرة.

فهذا هو التاريخ والواقع يبين هذه الحقيقة، فلماذا الغلو في الصحابة؟! لا شك أن وصفهم كافة بالصحبة التي تستوجب العلم والعدالة إسراف مبغوض وتكلف لا يطاق، إذ لا دليل ينهض بذلك ولا حجة تقوم له. ومهما يكن صاحب هذا الرأي ومهما ينسب إليه من الأوصاف والنياشين العلمية فهو مخطئ وعاثر في رأيه هذا، إذ أن الخطأ والغلط والنسيان سواءا كان عمدا أو سهوا فهو من لوازمه، فلا يؤخذ بقول كل من يقول ولا بكل ما يقول.

إن مسألة عدالة كافة الصحابة بقضهم وقضيضهم من المسائل التي عفى عليها الدهر، وتجاوزها العلم والمنطق. ونحن بقدر ما نرى في ذكرها حلا لمعضلة البعض من الشباب المتعطشين للحقيقة، نرى البحث فيها مضيعة لوقت أولئك الذين وقفوا عليها.

وقبل الخوض في الموضوع تفصيلا، علينا أن نرى أولا ما يقوله القوم في تعريف الصحابي، والمعيار الذي اعتمدوه في تحديد عدالة الجميع.

تعريف الصحابي

يقول ابن حجر في تعريف الصحابي: " الصحابي من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) مؤمنا به ومات

(١) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح ص ٣٠٠ - الخطبة ١٩٢.
٣٥
على الإسلام، فيدخل في من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه ومن لم يرو، ومن غزا معه ومن لم يغز، ومن رآه رؤية ومن لم يجالسه ومن لم يره لعارض العمى " (١). " وأنه لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وأنه لم يبق من الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا دخل في الإسلام، وما مات النبي (ص) وواحد منهم يظهر الكفر " (٢).

هكذا عرف ابن حجر الصحابي، وكما وضح فإن رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) هي المعيار الذي ينال الفرد به لقب الصحبة عنده، حتى وإن لم يجالس النبي (صلى الله عليه وآله) لحظة عمره.

ثم إنه لما جاءت سنة عشر لم يبق أحد في مكة والطائف إلا أسلم، وبالطبع على يد النبي (صلى الله عليه وآله)، فيكون بالتالي لم يبق أحد منهم إلا وقد انضوى في سلك الصحابة، لإسلامه ومشاهدته النبي (صلى الله عليه وآله). ثم إنه لما كانت حجة الوداع التي حضرها مع النبي (صلى الله عليه وآله) ما يربو على مائة ألف شخص كان هؤلاء كلهم - على قول ابن حجر - من الصحابة، لأنه يستبعد أن يكون هناك من لم يره. ثم إنه لما مات النبي (صلى الله عليه وآله) لم يظهر من أحدهم الكفر، فيكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد ارتحل وترك الناس كلهم صحابة، لمشاهدتهم إياه، وإسلامهم على يديه، وعدم ظهور الكفر من أحدهم، وهكذا يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد ترك الناس كلهم صحابة عدولا، لإسلامهم على يديه، ولعدم ظهور الكفر من أحدهم حتى رحيل النبي (صلى الله عليه وآله). فهذه هي الصحبة بحدودها التي عرفت بها.

تعريف العدالة

وأما العدالة التي وصف بها كل الصحابة، لصحبتهم النبي (صلى الله عليه وآله) وجعلتهم من مصادر التشريع الإسلامي التي لا يجوز ردها، فيقول فيها إمام الجرح والتعديل أبو حاتم الرازي : " أما أصحاب رسول الله (ص)، فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه (ص) ونصرته وإقامة دينه

(١) الإصابة ١: ٧، الفصل الأول.

(٢) الإصابة ١: ٨، الفصل الأول.

٣٦
وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه (ص) ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى، وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله (ص) ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز، وسماهم عدول الأمة " (١).

بيد أن الغزالي يرد جميع المذاهب التي رأت القول بعصمة الصحابة وحجية قولها، فيقول: " قد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله: اقتدوا بالذين من بعدي، وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا. والكل باطل عندنا " (٢)، فيكون الإمام الغزالي بهذا قد رمى بعصمة الصحابة وحجية أقوالهم في مزبلة الباطل.

على أن انشعاب القوم في مسألة حجية قول الصحابة وذهابهم تلك المذاهب يدل بوضوح على أن عدالة الصحابة بأجمعهم أمر فيه اضطراب أدى إلى هذا التقسيم، إذ ليس من بينها مذهب يمكن الاعتماد عليه، لأن واقع الصحابة من حيث الوقوع في الخطأ والاختلاف يبطل تلك المذاهب والنصوص التي اعتمدوا عليها من السنة في حجية الصحابة كافة.

إن الذين ذهبوا إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا لا شك أنهم واقعون في التناقض الذي يوجب تأييد رأي ضد رأي أو رد كلا الرأيين. وهذا التضارب إما من حيث اختلاف الصحابة فيما بينهم، أو من حيث اختلاف أقوال الصحابي نفسه، أو من حيث مخالفة أقوالهم أحيانا للقرآن والسنة.

أما قول البعض بأنه حجة إذا خالف القياس فمفهومه أنه ليس حجة إذا خالف القرآن والسنة، لأنهما مقدمان على القياس بلا خلاف.

(١) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٧ هـ‍، ص ٧ " الصحابة ".

(٢) المستصفى في علم الأصول للإمام الغزالي ١: ٢٦٠.

٣٧
أما قول البعض بأن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة، فهم مطالبون بتوضيح ما صدر منهما من أفعال خالفت القرآن والسنة النبوية. ثم إنه كيف يكون الحال إذا خالف قول الصحابي قياس صحابي آخر، وأي القولين عندئذ أولى بالترجيح؟

وأما حجية أقوال الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا، فهذا شرط يفهم منه عدم حجية رأي أحدهم منفردا أو إذا خالفه الآخرون منهم. وتأييد رأي أحدهم ضد رأي الآخر يقتضي نسبة الخطأ للآخر، إذ لا يمكن أن يصح الرأيان مع الاختلاف بينهما، فأين انتفاء الخطأ عن كل الصحابة؟!

أما الأحاديث التي اعتمدوا عليها في منح العدالة لكافة الصحابة، فمنها حديث الاقتداء الذي نصه: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". ومنها حديث الخلفاء الراشدين الذي نصه: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ".

ومنها حديث الاقتداء بالذين... ونصه: " اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر ".

وسنبحث هذه الأحاديث ونورد أمثلة تبين خطأ المعتمدين عليها في فرض حجية كافة الصحابة أو الأربعة منهم أو أبي بكر وعمر. وسنحصر البحث في مطابقة متون هذه الأحاديث لواقع الصحابة، وهذا وحده كفيل ببيان حقيقة وضع هذه الأحاديث، وخطأ نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله). على أن هذه الأحاديث من حيث السند ساقطة أيضا، وهذا ثابت في مظانه.

ومن هذا يتضح أن معنى العدالة التي صارت سمة عامة لكافة الصحابة هي العصمة تماما، فمن ناحية قوله: " فحفظوا عنه (ص) ما بلغهم عن الله عز وجل ومن سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه فأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله " ينضاف إليهم إلى جانب الصحبة صفة العلم، فالصحابة على هذا القول كلهم من العلماء الذين فقهوا في الدين وعلموا أمر الله وأحكامه ونواهيه بوعي وإتقان دون شائبة. والحال ليس كذلك، لأن الوقوع في الخطأ سببه الجهل.

ومن ناحية قوله: " فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز " ينضاف إليهم صفة العدالة، وهي بهذا المعنى لا يفهم منها إلا العصمة، لأن الذي نفي عنه الغلط

٣٨
والخطأ والكذب والشك فهو معصوم بلا كلام. فيتضح لنا أن العدالة التي وصف بها كل من أسلم وشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) هي العصمة عن الخطأ والشك والكذب. ومما يؤكد أن معنى عدالة الصحابة هي عصمتهم عن الخطأ والشك والكذب ما قاله ابن الأثير، فهو يقول: " والصحابة يشاركون كافة الرواة... إلا في الجرح والتعديل، فإنهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح " (١). وهكذا ينسب ابن الأثير العصمة إلى كل الصحابة بقوله: " لا يتطرق إليهم الجرح " فالذي لا يتطرق إليه الجرح، إما أن يكون فيه أسباب الجرح وهي الخطأ والشك والكذب... ورغم ذلك لا يجرح ولا يطعن فيه، وهذا ما لا يقره عاقل فضلا عن الدين الإسلامي وشرعه الذي جاء يدعو الناس للعدل والمساواة، وإما أن يكون ليس فيه من أسباب الجرح والطعن شئ قط، بمعنى أن يكون قد نفي عنه الغلط والشك والكذب حقيقة، فهو المعصوم. فهذا ما حواه معنى كلام أبي حاتم الرازي، سواء قصد هذا أو لم يقصده. ومن المستبعد أن يكون غير مقصود منه، لأن قول الصحابي لهذا السبب صار من مصادر التشريع الأساسية.

وبعد هذا التحليل والشرح الوجيز، نفهم بكل وضوح أن الصحبة التي نالها البعض بالرؤية فقط لا بالملازمة اللصيقة ولا بالانقياد التام والطاعة الحقة للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا بالأخذ الصحيح منه الذي سيؤدي إلى العلم اليقيني بالشئ الباعث لإرث الأنبياء " العلماء ورثة الأنبياء ".

أقول: هذا النوع من الصحبة استوجب هذه العصمة وتلك العدالة التي لا تتوفر إلا في نبي مرسل أو إمام منصوص عليه. على أن الذين منحوا كل من أسلم وشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا استثناء هذا النوع من الصحبة المقرون بالعدالة المستوجبة للعصمة قد اعتمدوا كما أسلفنا على أحاديث هي في حقيقة الأمر واهية وضعيفة لم تسلم هي نفسها من الجرح والقدح فضلا عن إعطائها العصمة بالدلالة على من لا يستحقها، فإلى تفصيل البحث حول هذه الأحاديث ومدى دلالتها على عدالة الصحابة كافة.

(١) أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير ١: ١٠ المقدمة.
٣٩

الباب الأول
حديث الاقتداء بالصحابة

لقد اعتمد القائلون بعدالة كافة الصحابة بقضهم وقضيضهم - كما أسلفنا - على أحاديث زعموا أنها صادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ولهذا منعوا الكلام فيهم وفي تمييز غثهم من سمينهم، واعتبروهم طبقا لذلك في عصمة من الجرح والطعن، بل اعتبروا الكلام فيمن خالف الشرع منهم فسقا وخروجا عن دائرة الإسلام. وهذا الكلام لا يصدر إلا عمن أضاع أسس القياس والمعيار الشرعي في معرفة الناس وأفعالهم، واعتمد على التقليد الأعمى وعدم الواقعية، لأن كلاما مثل هذا لا يسنده الواقع الذي عاشه الصحابة في زمانهم، إذ لا يمكن أن تؤيده هذه الأحاديث بتلك العمومية التي تفهم من نصوصها الشاملة لكافة الصحابة، فقد زعموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (١). ومعنى الحديث واضح في إشارته إلى الاقتداء بكافة الصحابة في أمور الدين، وأن الاقتداء بأي كان منهم موجب للهداية والنجاة.

وسنضرب أمثلة من مخالفات بعض الصحابة التي خالفوا بها الشرع صراحة، حتى يتضح أن ما ذهب إليه هؤلاء لا يستقيم، وأن بعض الصحابة لا يمكن أن يعتمد عليهم في أخذ مسائل الدين لمخالفتهم للدين نفسه. ونحن نعلم جيدا أن مخالفة الشرع

(١) جامع الأصول لابن الأثير ٩: ٤١٠، الباب الرابع، في فضائل الصحابة، حديث رقم ٦٣٥٩.
٤٠