×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة إلى سبيل المؤمنين / الصفحات: ٤١ - ٦٠

لا تستحسن من أحد صحابيا كان أو تابعيا أو من سائر الناس، ذلك لأن هذا الدين فوق الجميع ولا يعرف فضيلة لأحد على الآخر إلا بمقدار تمسكه بالدين وبمقدار ما يتصف به من تقوى. وإثبات مخالفة البعض للشرع يكفي في إبطال حديث الاقتداء بجملة الصحابة، وبالتالي سنعلم أن الصحابة بعضهم يستحق أن يكون قدوة لالتزامه جانب الشرع واقتفاء أثر النبي (صلى لله عليه وآله) واتباعه في أفعاله دون تغيير لها أو تبديل، وبعضهم لا يستحق أن يكون أسوة يقتفي آثاره غيره، لمخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في آثاره. وفي الواقع لا يملك الإنسان إلا التعجب من أولئك الذين ينسبون العدالة والوثاقة لكل الصحابة، ويغضون أبصارهم عما نقل عن بعضهم من آثام وأخطاء في الدين.

يقول الشيخ التفتازاني: " ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التاريخ والمذكور على ألسنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي (ص) بالخير موسوما " (١). فانظر إلى سلامة هذا القول وصراحته في تأييد ما ذهبنا إليه في نقض عدالة بعض الصحابة، وهو الحق بلا ريب.

إن فرض القول بعدالة كافة الصحابة، هو في الواقع كتم للأنفاس وتسلط على الدين وفرض للآراء ورد لنظر القرآن في بعض الصحابة. وخلاصة القول فهو مسلك لا ينتهي سالكوه إلا إلى الحيرة والاختلاف والتخبط في الدين. والذين يصححون أخطاء الصحابة قد أخطأوا في معرفة مقياس صحة الأعمال، واختلط عليهم ذلك الأمر، هذا مع إحسان الظن بهم وإلا فهم قد خضعوا لسلطان السياسة والعصبية، فهم بتصحيح أخطاء الصحابة يسعون إلى الضغط على الشرع ليتقبل هذه الأخطاء ويعطيها مكانا عنده بعد طلائها بطلاء الشرع لتصبح بذلك مصدرا للتشريع. لقد غفل هؤلاء عن أن الشرع هو الذي يجب أن يكون المقياس في صحة أو بطلان أعمال الناس سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وهذا واضح جدا، فكلما اصطدموا بخطأ صدر من أحد الصحابة يخالف به أحكام الدين

(١) شرح المقاصد للتفتازاني ٤: ٣١٠ - ٣١١.
٤١
وحدود الله يسعون بكل جهد إلى لي أطراف الشرع وتشكيل أحكامه لصناعة قالب شرعي منه لهذه الأخطاء، وهم مع ذلك يسمعون قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " (١). فكل عمل لا يطابق الشره فهو مردود مرفوض مهما كان صاحبه، ولعمري إن هذا لهو الحق الذي يقبله الشرع نفسه وترتاح على جنبه العقول وتنسجم مع أطرافه الفطرة الإنسانية.

شرب الخمر

قدامة بن مظعون صحابي من أهل بدر، تعاطى الخمر في زمان الفاروق، فأقام عمر بن الخطاب عليه الحد إجراء لحكم الله تعالى.. (٢) فماذا يضيرنا لو قلنا لابن مظعون الصحابي البدري هذا: إنك ارتكبت إثما كبيرا وعصيت الله بذلك، فهل نصبح بهذا القول من الفاسقين الخارجين عن الدين؟! وقد يقول قائل: إن الله قد غفر لأهل بدر فليفعلوا ما يحلو لهم، فلو كان هذا الكلام صحيحا فلماذا لم يغفر الفاروق وقد غفر الله لابن مظعون وأمثاله؟!

غير أن الفاروق لم يتوان عن إقامة الحد على ابنه عبد الرحمن الأصغر أيضا عندما تعاطى الخمر هو الآخر، فعمر لم يسع إلى تبرير خطأ هؤلاء الصحابة، ولم يقل: اجتهد هؤلاء في شربهم الخمر فأخطأوا ولهم أجر واحد، وإلا فعلى الدين السلام!

ثم إن الوليد بن عقبة كان واليا على الكوفة، فشرب الخمر وقام يصلي بالناس صلاة الفجر، فصلاها أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده: " اشربي واسقني "، وتقيأ في المحراب ثم سلم بعد الأربع وخاطب المصلين: " هل أزيدكم "؟! (٣) فأقام الإمام علي (عليه السلام) عليه الحد الشرعي ولم تشفع له صحبته بشئ، ورغم ذلك فعلينا أن نقتدي بهم لكونهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)! أرجو أن لا يعاند أحد الحقيقة المرة ويقول: إن الوليد

(١) صحيح البخاري: كتاب البيوع - النجش ج ٤: ٥٥.

(٢) أسد الغابة في معرفة الصحابة، وسائر التراجم.

(٣) أسد الغابة ٣: ٣١٢ السقيفة لأبي بكر الجواهري ص ١٢٠ وما بعدها.

٤٢
كان من المنافقين، فالرجل كان واليا على الكوفة في زمان عثمان بن عفان. ونحن على استعداد لقبول عدالة الوليد هذا لو استطاع من ينسبها لكافة الصحابة إثبات ذلك له، وهيهات.

الفرار من الزحف وشماتة البعض

يقول ابن هشام: " فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله (ص) من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: " لا تنتهي هزيمتهم دون البحر "! وصرخ جبلة بن حنبل: " ألا بطل السحر اليوم " (١)! فأبو سفيان هذا صحابي معروف، فهل يلزمنا أن نقول إنه من العدول؟! أم كان جبلة محقا في اعتقاده ببطلان دين السحر يوم حنين؟! وعلى من كان ضغن وحقد أبي سفيان حتى دفعه إلى التفوه بهذا القول وإظهار ذلك السرور عندما شاهد هزيمة المسلمين؟!

على أنه لما تمت البيعة لعثمان وتولى أمر الخلافة دخل إليه بنو أمية، حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليه، فقال لهم أبو سفيان: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال:

" يا بني أمية، تلقفوها [ يعني الخلافة ] كتلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة "! (١) وبهذا ينكشف لنا ضغن أبي سفيان، وهو الصحابي العدل ينكر البعث ويوم الحشر. وليتنا نعلم بمن يحلف أبو سفيان، وهل بعد إنكار البعث والجنة والنار يبقى شئ يحلف به أبو سفيان غير اللات والعزى؟! ورغم ذلك فقد نفي عنه الشك والخطأ والكذب وصار من عدول الأمة! والعياذ بالله من التقليد الأعمى.

إن فرار كثير من الصحابة يوم حنين وأحد، من المسائل التي لا تخفى على أحد، والفرار من القتال أمر منكر يؤدي إلى غضب الله وسوء المصير. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا

(١) سيرة ابن هشام ٣: ١١٤، ٤: ٤٤٤.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩: ٥٣ - باب ١٣٩، انظر كتاب السقيفة للجواهري ص ٣٧.

٤٣
لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (١). فماذا حدث يوم أحد؟ يقول القرطبي: " قد فر الناس يوم أحد، وعفا الله عنهم " (٢). ولقد خاطبهم الله تعالى بقوله: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " (٣). وقيل كان يناديهم النبي (صلى الله عليه وآله): " إلي عباد الله (٤)، من كر فله الجنة " دون أن تحين منهم التفاتة.

وأما غزوة حنين فقد لاذ فيها أغلب الناس بالفرار، وقال لهم تعالى: (ثم وليتم مدبرين) (٥). يقول الواقدي في فرار الصحابة: " فقالت أم الحارث: فمر بي عمر بن الخطاب فقلت له:

يا عمر، ما هذا؟ فقال عمر: أمر الله " (٦)!

إن فرار الصحابة عن بعض ساحات المعارك أمر أثبته التاريخ وحفظه القرآن آيات تتلى. وفي غزوة أحد يقول الطبري: " وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها " (٧). فكيف بهذه الصحبة التي لا تمنع صاحبها من ارتكاب خطأ كهذا وقد حصلوا فيها على العدالة؟! وكيف تكون تلك العدالة وقد تركوا نبيهم في تلك المعارك عرضة لسيوف الحاقدين من المشركين، وبه قد نالوا تلك الصحبة؟! ولولا بعض الصحابة العدول حقا لانطفأ نور الإسلام، ولكن أتمه الله بهم إذ وقفوا إلى جنب النبي (صلى الله عليه وآله) يصدون عنه كل خطر، ويحمونه بأبدانهم، ويفدونه بأرواحهم رضي الله عنهم.

ويقول: قد كان الناس انهزموا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص. وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان... حتى بلغوا الجلعب جبلا بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثا... قال لهم رسول الله: لما عادوا "

(١) الأنفال: ١٥ - ١٦.

(٢) تفسير القرطبي ٧: ٣٨٣.

(٣) آل عمران: ١٥٣.

(٤) الطبري ٢: ٢٠١ غزوة أحد.

(٥) التوبة: ٢٥.

(٦) المغازي للواقدي ٣: ٩٠٤.

(٧) تاريخ الطبري ٢: ٢٠١ غزوة أحد.

٤٤
لقد ذهبتم فيها عريضة " (١).

كتمان الشهادة! شهادة الزور

وأرجو أن لا يندهش أحد إذا قلت: إن من الصحابة من كذب وكتم الشهادة. وهذا بلا شك طعن في العدالة والوثاقة، ذلك أن كتم الشهادة وشهادة الزور من أكبر المطاعن التي بين سوءها القرآن الكريم.

يقول ابن أبي الحديد: " ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة والتابعين والمحدثين كانوا منحرفين عن علي عليه السلام، قائلين فيه السوء. ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه، ميلا مع الدنيا وإيثارا للعاجلة، منهم أنس بن مالك.

ناشد علي عليه السلام الناس في رحبة القصر - أو قال رحبة الجامع بالكوفة -:

أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه "؟ فقام اثنا عشر رجلا شهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يقم، فقال له: يا أنس! ما منعك أن تقوم فتشهد، ولقد حضرتها؟

فقال: يا أمير المؤمنين، كبرت سني ونسيت!

فقال: اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة.

قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه " (٢).

فالصحابة بشر تدفعهم بشريتهم أحيانا إلى ارتكاب الأخطاء من أجل تحقيق أهداف، وإن خالفت الشرع، وحتى لو أدى ذلك إلى شهادة الزور.

روي أنه لما جازت عائشة ماء الحوأب ونبحتها كلابها تذكرت تحذير رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونهيه إياها أن تكون هي صاحبة الجمل، فبكت وقالت: " ردوني، ردوني "، فجاءها طلحة والزبير بخمسين رجلا لهم جعلا، فأقسموا بالله إن هذا ليس بماء الحوأب. فواصلت مسيرها حتى البصرة. ثم ذكر أنها أول شهادة زور أقيمت في

(١) تاريخ الطبري ٢: ٢٠٣ حوادث السنة الثالثة - غزوة أحد.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ٧٤ - فصل في ذكر المنحرفين عن علي، أنظر مسند أحمد ١: ١٩٤.

٤٥
الإسلام (١).

وروي أن أول شهود شهدوا في الإسلام، وأخذوا عليها الرشا: الشهود الذين شهدوا عند عائشة حين مرت بماء الحوأب... أنه ليس ماء الحوأب (٢).

فأي عدالة تبقى بعد شهادة الزور والقسم بالله كذبا؟! وقد قالوا إن الله نفى عنهم الكذب وسماهم عدول الأمة، إنه بهتان عظيم، فليس الصحابة كلهم عدولا، وإنما العدول منهم قلة كما أن أهل الحق قلة.

سب الإمام علي (عليه السلام)

إن مسألة سب الإمام علي (عليه السلام) على المنابر من أشهر المسائل التي شهدها القاصي والداني، وطرقت أسماع الأصم. ورائد هذا السباب واللعن هو الصحابي المشهور معاوية بن أبي سفيان، إذ أصدر أمره بذلك لعماله، وعاقب من الناس من لم يقدم على سباب الإمام علي (عليه السلام) لقد أمر معاوية عماله في الأمصار باتخاذ لعن الإمام علي سنة يسمعونها الناس من على المنابر، ولما استاء بعض الصحابة من هذه السنة أمر معاوية بقتلهم (٣).

كتب زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة كتابا إلى معاوية يخبره أن حجرا وأصحابه قد خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب وخرجوا عن الطاعة، فأمر معاوية بقتلهم، فقتلوهم بمكان يعرف ب‍ (مرج عذراء)، وقد قالت عائشة لمعاوية: سمعت رسول الله (ص) يقول: " سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء " (٤).

فمن هو أبو تراب الذي سن معاوية لعنه على منابر المسلمين، وقتل حجر بن عدي لامتناعه عن سب أبي تراب؟ إن الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الذي يقول لنا بنفسه من هو أبو تراب هذا، يقول النبي (صلى الله عليه وآله): " علي حبه إيمان وبغضه نفاق ". ويقول (صلى الله عليه وآله) له أيضا: " لا يحبك إلا

(١) مروج الذهب ٢: ٣٦٦، معجم البلدان ٢: ٣١٤، أنساب الأشراف ٢: ٢٢٤.

(٢) المناقب ص ١١٤.

(٣) صحيح مسلم: باب فضائل علي بن أبي طالب.

(٤) دلائل النبوة للبيهقي ٦: ٤٥٧، الإصابة لابن حجر ٢: ٣٢٩.

٤٦
مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق " (١).

ثم من هو معاوية؟!

أرسل إليه النبي (صلى الله عليه وآله) ليأتي، فقالوا: إنه يأكل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " لا أشبع الله بطنه "، وقد قال ابن عباس: " فما شبع بطنه أبدا " (٢)، وقال الذهبي: " قد كان معاوية معدودا في الأكلة " (٣).

فما ترون في أن يأكل الإنسان ولا يشبع، ويعد لكثرة أكله من الأكلة، فهل في ذلك فضيلة يا أولي الألباب؟!

فهذا هو معاوية، وهذا هو رأي النبي (صلى الله عليه وآله) فيه، وذاك كان عليا، وذاك قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه.

وأما طلحة والزبير.. فبعد أن تمت بيعتهما للإمام علي (عليه السلام)، خالفاه ونقضا بيعتهما له وحارباه إلى جنب معاوية هذا. وكان طلحة قد ألب الناس على عثمان وكتب إلى أهل البصرة يحرضهم عليه، وفي وقعة الجمل أخرج له البصريون ما كتب لهم من رسائل وسألوه: " أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قالوا: فما ردك على ما كنت عليه، وكنت بالأمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه؟! " (٤).

ولهذا دعا عثمان - وهو محصور - على طلحة، فقال: " هذا ما أمر به طلحة، اللهم اكفني طلحة، فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي. والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا، وأن يسفك دمه " (٥).

وبعد هذا كله اجتمع طلحة هذا والزبير مع معاوية لحرب الإمام علي بعد أن وجبت بيعتهما له في عنقيهما، وأول من بايعه من الناس طلحة والزبير، ثم اتهموا الإمام بعد ذلك بقتل عثمان.

(١) صحيح مسلم ١: ٨٦ و ١٣١ - كتاب الإيمان.

(٢) دلائل النبوة ٦: ٢٤٣.

(٣) سير أعلام النبلاء ٣: ١٢٤.

(٤) تاريخ الطبري ٥: ١٧٩، تاريخ ابن الأثير ٣: ٢١٦، الإمامة والسياسة ١: ٥٢.

(٥) الكامل لابن الأثير ٣: ١٧٤.

٤٧
فهؤلاء الثلاثة من الصحابة البارزين، قسموا لنا بينهم العدالة، حتى نتبعهم ونقتدي بهم، لكي نهتدي إلى سواء السبيل لو كان لهذا من سبيل بعد قوله (صلى الله عليه وآله): " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (١).

ونحن نسأل: ماذا بقي بعد السباب واللعن في قلب معاوية تجاه الإمام علي (عليه السلام)؟

وماذا يفضل في نفسه نحوه بعد إعلان القتال والحرب عليه؟

فهل بعد هذا كله نستطيع أن نرى حبا لعلي (عليه السلام) في قلب ابن أبي سفيان؟ اللهم إلا أن تنعكس نواميس الدين والعقل فيكون جائزا أن يلعن الإنسان من يحبه ويحاربه بلا هوادة ويقتله!

يقول الحسن البصري: " أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة:

الأولى: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ذوو الفضل.

الثانية: استخدامه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير.

الثالثة: ادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله (ص): الولد للفراش، وللعاهر الحجر.

الرابعة: قتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر، ويا ويلا له من حجر " (٢).

ولقد علمت لماذا قتل معاوية حجرا وأصحاب حجر، إذا نحن نزيدك الخامسة: بغضه علي بن أبي طالب، وقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " (٣).

ثم إن الذين كانوا في صف معاوية يوم قتل عمار بن ياسر، ما هو السبيل إلى عدالتهم وقد قطع الرسول منذ أمد بعيد ببغيهم وانحرافهم عن الحق، إذ قال (صلى الله عليه وآله): " ويح عمار، تقتله

(١) صحيح البخاري: كتاب الفتن - باب قول النبي: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، صحيح مسلم ١: ٤٤ - كتاب الإيمان.

(٢) الكامل لابن الأثير ٣: ٤٨٧، شرح النهج لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٢ و ١٦: ١٩٣.

(٣) صحيح مسلم ١: ٦١ - كتاب الإيمان.

٤٨
الفئة الباغية، يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار " (١) كيف هذا؟ وهل مع النار عدالة؟ اللهم إلا أن يكون قاتل عمار هو الذي جاء به إلى الحرب، فيكون إذا هو الإمام علي (عليه السلام)، وبالتالي يكون قاتل سيد الشهداء حمزة هو النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه هو الذي جاء به لقتال المشركين! نعوذ باله من عمى البصائر وخبل العقول.

واستمر لعن معاوية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطب الجمع والأعياد وعلى مسمع من الناس في أرجاء البلاد، وظل ذلك حتى عام ٩٩ هـ‍ (٢).

اختفاء المنافقين بين الصحابة

إن المنافقين ينقسمون إلى قسمين، قسم كان معروفا بالنفاق، وقد تحددت شخصياتهم بالذات، وهؤلاء يسهل اتقاء شرهم وخطرهم. وقسم لم يكن معروفا، ولم يكن أحد يعلم عنهم شيئا، إذ لا يختلفون عن الصحابة العدول والمخلصين من حيث المظهر وإظهار الإيمان، ولهذا كانوا يحسبون من خيرة الصحابة بلا ريب، ولم يكن يعلمهم إلا الله تعالى: يقول عز وجل: (ومن أهل المدينة مردوا إلى النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (٣)، فهؤلاء لشدة تمرسهم وقدرتهم على النفاق اختفى أمرهم عن الناس.

فلو منح الصحابة كافتهم العدالة والوثاقة بقضهم وقضيضهم فإنها ستشمل هؤلاء المنافقين المستورين بلا ريب، وبالتالي ينطبق عليهم حديث الاقتداء، فيجوز الاقتداء بهم، فهل تتحقق بهم عندئذ الهداية؟!!

ثم إن البخاري يروي بالإسناد إلى أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " بينا أنا قائم، فإذا زمرة حتى عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله.

(١) صحيح البخاري ٥: ٥٢ - كتاب الجهاد والسير - باب مسح الغبار عن الناس.

(٢) راجع كتب السير والأخبار والتاريخ.

(٣) التوبة: ١٠١.

٤٩
قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم " (١).

إن المتدبر في هذا الحديث يستيقن أن كثيرا من الذين وصفوا بالصحابة ومنحوا هذه العدالة ارتدوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) القهقرى. وبالتأكيد لم يكن هؤلاء منافقين، لأن الارتداد يكون بعد إيمان، والمنافقون لم يكن لهم إيمان حتى يرتدوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إذ أنهم لم يؤمنوا حتى في زمان النبي (صلى الله عليه وآله). ثم إنهم لا يجب أن يقال هم الذين ارتدوا في أواخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، ذلك لأن المرتدين في زمانه لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) يجهل ردتهم حتى يأتي ويقول عندما يراهم قد حيل بينهم وبينه وأخذوا إلى النار: أين؟ فيقال له: إلى النار والله، فيقول النبي (صلى الله عليه وآله): ما شأنهم؟.. فهو لم يعلم ماذا فعلوا في حين أنه كان يعلم بالمرتدين في حياته. ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم "، وهذه إشارة إلى كثرتهم وقلة الناجين منهم حتى وصفهم بهمل النعم، أي الإبل القليلة التي تنفصل عن القطيع، في حين أن المرتدين في زمانه لا يزيدون على عدد الأصابع.

نخلص من هذا إلى أن من بين الصحابة - وكثير ما هم - قد ارتدوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله). ولا أحد يعلم من هم، وبالتالي لا يستطيع أن يصرف عنهم العدالة لثبوت الصحبة لهم. فهذه معضلة بلا شك يبطل على إثرها حديث " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".

وفي رواية: يقول النبي (صلى الله عليه وآله): " ليردن علي أناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك " (٢).

إذا فلا بد أن نصرف النظر عن اعتبار الصحبة معيارا للعدالة وسببا للاقتداء والهداية، وإلا فسنقع في شراك أولئك المرتدين الذين منعوا ورود الحوض وأخذوا إلى النار، مع العلم أنهم ليسوا معروفين وقد شملتهم الصحبة التي فرض أنها موجبة للعدالة.

فالإنسان طالما هو المسؤول وحده عن أعماله وأفعاله، وهو الذي يواجه بنفسه مصيره في اليوم الآخر، فلا بد أن يحرص على أن يأخذ أمور دينه ممن عرفت عدالته بالدليل

(١) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨ - كتاب الرقاق، باب الحوض.

(٢) نفس المصدر السابق.

٥٠
القاطع، واستحق بذلك مقام الأسوة، فلا بد من معيار لمعرفة الصحابة غير معيار الصحبة، حتى تميز الحق عن الباطل والصالح عن الطالح. إن الصحبة والمشاهدة لا تعطيان أحدا مزية لأحد ولا تمنحانه عصمة، وهذا هو النبي (صلى الله عليه وآله) يؤكد ذلك بقوله: " وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم إلى ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (١).

ونحن نعلم بعد أن الفتن والاختلافات قد عصفت بالحصابة قبيل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، واستمرت بعده. كما نعلم أيضا أن الحق لا يمكن أن يكون عند كل الأطراف المتناحرة والمتخالفة، والصحبة قد وصف بها الجميع، فهم مشتركون في الصحبة مختلفون في الحق، فهل سنهتدي بهذه الصحبة إلى الحق والصواب في خضم الفتن والاختلافات؟

أعد البصر إلى الحديث المذكور كرتين ترى أن الذين أخذوا إلى ذات الشمال صحابة، فهل لهم من العدالة شئ؟ إذا فمن هم هؤلاء؟!

لا يستطيع أحد أن يحددهم، ولهذا لا يمكن أن يأمرنا نبي الإسلام والهدى أن نقتدي بأي كان من الصحابة، ولا يمكن أن يجعلنا نلتمس سبيل الهداية بين صحابة ضموا في أوساطهم منافقين مخفيين، وصحابة مرتدين، وآخرين محدثين في الدين.

أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب، قال: " لقيت البراء بن عازب، فقلت له:

طوبى لك، صحبت النبي (ص) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده "! (٢).

إذا فالصحبة والبيعة لا تحول بين الإنسان والإحداث والابتداع، ولا تعصمه من الأخطاء، لأنه من الممكن أن يكون المبايع للنبي (صلى الله عليه وآله) في لحظة البيعة مؤمنا صادقا، ولكن ليس هناك مانع من انتفاء هذه الحال عنه في أي وقت آخر، فيذنب ويرتد ويحدث في أمر الدين، والإيمان يزيد وينقص وينعدم كما هو معروف.

إن الاتباع الحقيقي والطاعة الخالية من التردد والمسألة، والملازمة اللصيقة

(١) صحيح البخاري ٤: ١١٠ - كتاب بدء الخلق، باب قول الله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا...).

(٢) صحيح البخاري ٥: ١٢٥ - باب غزوة الحديبية - طبعة مصر على النسخة الأميرية ١٣١٤.

٥١
والمراقبة الدائمة للنبي (صلى الله عليه وآله)، والعلم التام بالشرع المأخوذ عن صاحب الرسالة.. كل ذلك هو الموجب للعدالة التي بها يتهيأ لنا سبيل الاقتداء المؤدي إلى الهداية الحقة.

لقد حذر النبي (صلى الله عليه وآله) من الفتن والاختلافات، وبحكم حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين ورحمته بهم وإرادة النجاة والسلامة لهم.. لا بد أن يكون قد بين لهم طريق النجاة من تلك الفتن والاختلافات، وأوضح لهم سبيل المؤمنين، فكيف بين النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك للمؤمنين؟...

علينا أن نبين ذلك عاجلا إن شاء الله.

غير أن حديث الاقتداء بكافة الصحابة - بعد ظهور بطلانه من خلال بحث مطابقة الحديث لواقع الصحابة - حديث باطل عند كثير من علماء المسلمين. والألباني قد أورد في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة) كل روايات هذا الحديث، وأثبت بطلانها.

أما الإمام الغزالي، فيقول: " فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم عم جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة؟ وكيف تتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ وكيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابي؟... " إلى قوله: " فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم، فيه ثلاثة أدلة قاطعة " (١).

وعليه فحديث " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وأي حديث آخر يأمر باتباع كافة الصحابة دون شرط، فهو حديث لا يستقيم ولا يصح، لمخالفته واقع الصحابة، إذ لا يتسق وتلك الأخطاء والاختلافات الني وقعت بينهم، لأن متابعة المختلفين في المسألة المختلف فيها متابعة على السواء محال، واتباع أحدهما هو مخالفة للآخر ولازم ذلك اعتبار خطأه ومتابعة البعض الآخر، لاعتقادهم بوقوفه على الحق، يستوجب الدليل على ذلك، وتكون هذه متابعة للدليل لا للشخص ذاته.

يقول الألباني: " قال ابن حزم:... إن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بل لا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه (ص): (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي

(١) المستصفى من علم الأصول للغزالي ١: ٢٦١ - طبعة بغداد.
٥٢
يوحى) (١). فإذا كان كلامه عليه [ وآله ] الصلاة والسلام في الشريعة حقا كله وواجبا، فهو من الله تعالى بلا شك. وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه لقوله تعالى: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (٢)، وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله: (ولا تنازعوا) (٣).. فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم من يحلل الشئ وغيره يحرمه. ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا، اقتداء بسمرة بن جندب، ولو كان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة، وحراما اقتداء بغيره منهم... "

ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة وأخطأوا فيها السنة، ذلك في حياته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وبعد مماته. وقال (٨٦): " فكيف يجوز تقليد قوم يخطأون ويصيبون؟! ". وقال قبل ذلك (٥ / ٦٤) تحت ذم الاختلاف: " إنما الفرض علينا ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الذي أمره الله تعالى ببيان الدين... فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا، وقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. قال: هذا حديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق، لوجوه ضرورية:

أحدها: أنه لم يصح عن طريق النقل.

الثاني: أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، وهو عليه السلام قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة.

فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون عليه السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، تعالى الله عن ذلك.

(١) النجم: ٣ و ٤.

(٢) النساء: ٨٢.

(٣) الأنفال: ٤٦.

٥٣
الثالث: أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لا يقول الباطل بل قوله الحق، وتشبيهه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي، فأم جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ فاحشا، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا " (١).

(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السئ في الأمة لمحمد ناصر الألباني ص ٧٨ - ٨٤.
٥٤

الباب الثاني
حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء...)

لقد ورد هذا الحديث في كل من صحيح الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم. وهو من أخبار الآحاد، إذ أن العرباض بن سارية هو الصحابي الوحيد الذي روى هذا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إن صح ذلك. على أنه لم يكلف البخاري ولا مسلم نفسيهما تعب تخريج هذا الحديث في صحيحيهما، رغم الأهمية التي حصل عليها الحديث بين أتباع الخلفاء الأربعة.

روى الترمذي: " حدثنا علي بن حجر، حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:

وعظنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ " (١).

هذا حديث آخر من الأحاديث التي اعتمد عليها أتباع الخلفاء الأربعة في إثبات

(١) صحيح الترمذي ٥: ٤٤ - ٤٥ باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.
٥٥
كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين لـ طارق زين العابدين (ص ٥٦ - ص ٧٩)
٥٦
رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والاختلاف.

الثانية: أن يكون اتباع سنتهم هو اتباع لسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، بل دون أن تكون لهم سنة غير سنته (صلى الله عليه وآله)، بل هم تابعون له.

وفي هذا الحال تكون عبارة " وسنة الخلفاء " زائدة لا معنى لها، ويكون بالتالي قد أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) باتباع سنته وحدها، دون ذكر اتباع القرآن. وليس هذا معهودا من النبي (صلى الله عليه وآله) إذ أنه كان دائما يقدم القرآن سواء على السنة أو العترة، فضلا عن خلو الحديث من الإشارة إليه خلوا تاما.

ثم إنه لو قيل إن ذكر اتباع الخلفاء لحرصهم على اتباع سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، لا لأنهم ينفردون بسنة خاصة.

قلنا: فما هو السبب في تخصيص الاتباع بهم؟ هل كان سائر الصحابة مخالفين للنبي (صلى الله عليه وآله) في سنته أو بعضها؟ وأين حديث: " أصحابي كالنجوم... "؟ أليس هذا وحده كافيا لإبطال حديث الخلفاء؟

وفي الحقيقة أن هذا الحديث بهذه الدلالة التي فهمها منه أتباع الخلفاء الأربعة - باعتباره دليلا على اتباع سنتهم وحجية أقوالهم - لا يمكن أن يكون وسيلة للنجاة من الاختلاف كما أريد له، أو وسيلة لمعرفة الفرقة الناجية، وسلامة عند ظهور البدع والمحدثات. والباحث عن الفرقة الناجية في دلالة ومعاني هذا الحديث - طبقا لهذا التفسير - لا ينتهي ببحثه إلا إلى مفترق الطرق، ولا يزداد به إلا حيرة في الوصول إلى الفرقة الناجية هذه، وذلك للتناقض بين ما يفيده مفهوم الحديث كدليل يفهم منه الأمر باتباع الخلفاء الأربعة وبين المدلول عليه، وهو واقع حال الخلفاء الأربعة فيما بينهم.

فالحديث كان وعظا وعهدا ووصية من النبي (صلى الله عليه وآله) في آخر أيامه إلى أصحابه، حذرهم فيه مغبة الاختلاف ومحدثات الأمور، غير أننا سنرى أن الخلفاء أنفسهم لم ينجوا من هذا الاختلاف والوقوع في المحدثات، فخالف بعضهم بعضا، وكاد بعضهم أن يقتل بعضا. لقد اختلف الإمام علي مع أبي بكر وعمر في مسألة الخلافة، فادعى الإمام علي أن الخلافة حق له، وأن أبا بكر يعلم ذلك وأنه أخذ حقا ليس له، يقول الإمام علي:

٥٧
" ولقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ". ثم عمدا إلى أخذ البيعة منه بالقوة والتهديد بالقتل! فقد قال الإمام (عليه السلام) لأبي بكر وقومه: " إن لم أبايع فم؟ فقالوا له: والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ".

فنشب الاختلاف بينهم في مسألة من أهم مسائل الدين، وهي الخلافة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

فإن كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أوصى لأحد، فلا ينبغي الاختلاف بينهم في الأمر، بيد أن الاختلاف بينهم قد وقع. وإن لم يكن قد أوصى لأحد، فلا يجوز بينهم الاختلاف أيضا، وهم الذين بهم سلامة الأمة من الفتن والاختلاف.

ولهذا فالحديث لا يصح. وهذه الحادثة لو لم تكن إلا هي فهي كافية في بيان بطلان هذا الحديث بهذا المعنى.

فعندما علم بنو هاشم بما حدث في السقيفة من أمر البيعة لأبي بكر اعتصموا، مع جمع من الأنصار والمهاجرين، في بيت علي (عليه السلام)، احتجاجا ورفضا لما حدث، فقال لهم عمر: " والذي نفسي بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: إن فيها فاطمة!

فقال: وإن ".

وجاء رسول أبي بكر إلى علي، فقال: يدعوك خليفة رسول الله.

فقال علي (عليه السلام): لسريع ما كذبتم على رسول الله.

فرجع إلى أبي بكر فأبلغه، فبكى أبو بكر طويلا، فقال عمر: لا تمهل هذا المتخلف عنك في البيعة!

فبعث رسوله إليه ثانية، فقال: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع.

فقال علي (عليه السلام): سبحان الله! لقد ادعى ما ليس له.

فرجع الرسول وأبلغ الخليفة، فبكى أبو بكر طويلا، فقام عمر ومشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة (عليها السلام)، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة!

٥٨
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر فبقي معه قوم، فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر، فقال له بايع.

فقال (عليه السلام): أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي.

فقيل له: لست متروكا حتى تبايع.

فقال: إن لم أفعل فم؟

قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك!

فقال (عليه السلام): إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله!

فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسول الله فلا! وأبو بكر ساكت.

فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!

فقال أبو بكر: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه.

فلحق علي بقبر رسول الله يصيح وينادي: ابن أم، إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلون " (١).

اختلاف علي (عليه السلام) وعثمان (رضي الله عنه)

إن ما يبين عمق الاختلاف بين الخلفاء أيضا ما وقع بين علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان، كما يروي البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا رضي الله عنهما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة [ حج التمتع ] وأن يجمع بينهما [ أي العمرة والحج ]، فلما رأى ذلك علي (عليه السلام) أهل بهما جميعا قائلا: لبيك عمرة وحج معا، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت؟!

فقال علي (عليه السلام): لم أكن لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد (٢).

فيلاحظ في هذه الواقعة أن الاختلاف قد حدث بين الخليفتين المفترض اتباعهما،

(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١: ١٢ - ١٣، الفتوح لابن أعثم ١: ١٣، أعلام النساء ٤: ١١٤ - ١١٥، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٥٦ و ٦: ١١.

(٢) صحيح البخاري ٣: ١٠٨ / ١٤١٢ - كتاب الحج، باب التمتع والإقران.

٥٩
إذ أنهما من الخلفاء الأربعة، فقد خالف علي عثمان في ما نهى الناس عنه وهو الجمع بين العمرة والحج، مؤكدا أن ما يفعله خلافا لعثمان هو سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن له أن يدعها لقول أو أمر أحد من الناس، وهو بهذا يشير إلى أن عثمان قد خالف سنة النبي (صلى الله عليه وآله).

فهذا علي (عليه السلام) وهذا عثمان (رضي الله عنه) يختلفان في السنة النبوية، ولا يتبع أحدهما الآخر، والناس بالطبع منقسمون طبقا لذلك الاختلاف والانقسام. ولما خالف علي عثمان لم يعد عثمان ليتبعه في قوله، بل إن عثمان اعترض عليه قائلا: كيف تفعل شيئا تراني أنهى الناس عنه؟! غير أن عليا اتهمه بترك سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولن يتركها علي من أجله، إذ هو فرد كسائر الناس.

وليست هذه هي الواقعة الوحيدة التي يختلف فيها علي (عليه السلام) مع عثمان (رضي الله عنه) ويظهر فيها عثمان مخالفا لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) في نظر الإمام (عليه السلام)، فقد روى سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: " اعتل عثمان بمنى فأتي علي، فقيل له: صل بالناس، فقال علي:

إن شئتم، ولكن أصلي بكم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يعني ركعتين.

فقالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعا.. فأبى علي أن يصلي بهم " (١).

واضح من هذا أن عليا (عليه السلام) قد رفض أن يصلي بصلاة عثمان أربع ركعات، وهي سنة عثمان - وعثمان من الخلفاء الأربعة - والنبي (صلى الله عليه وآله) قال فيهم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء... "! فما بال علي يخالف عثمان لو كان الحديث قد صدر حقا عن النبي (صلى الله عليه وآله)؟!

إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالإحداث

من الواضح أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يأمر باتباع سنة الخلفاء الأربعة، بل أكثر من ذلك أنه كان يعتبر ما سيسنونه من سنة إنما هو إحداث في الدين ومخالفة له بعد موته، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يظهر التخوف من ذلك.

يروي الإمام مالك في " الموطأ ": أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم.

(١) سنن البيهقي ٣: ١٤٥، أحكام القرآن للجصاص ٢: ٣١٠.
٦٠