×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى / الصفحات: ٢١ - ٤٠

مسجد الرسول ; وإنّما يقولون: مسجد المدينة "(١)!

ولولا الخوف من الضجّة التي يحدثها ذلك في أنحاء العالم الإسلامي ضدّهم، لهدموا مرقد الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما صرّح بذلك أحد مشايخهم، وهو إبراهيم الجبهان، في كتابه " تبديد الظلام "! ويرون بقاء مرقد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً إنّما هو منكَر وانحراف عن الدين القويم.

قال في كتابه هذا: " نحن لا ننكر أنّ بقاء الأبنية على قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالف لِما أمر به الرسول "(٢).

وأضاف: " إنّ إدخال قبره في المسجد أشدّ إثماً وأعظم مخالفةً ".

وينتهي بالقول: " إنّ سـكوت المسـلمين على بقاء الأبنية لا يصيّرها أمراً شرعيّاً ".

وكان عدد العلماء الّذين وقّعوا هذا الاستفتاء الكارثة خمسة عشر عالماً!

هذا كان في زمن مضى وانقضى، فحريٌّ بنا اليوم أن نطرح هذه الفتاوى على مؤتمر إسلاميّ عامّ، يضمّ الأكابر من

١- مجلّة آخر ساعة، ٧ أبريل ١٩٩٩ م، ص ١٩، من حوار أجراه محمود صلاح بعنوان: " أطول حديث مع أنيس منصور ".

٢- يوم البقيع: ٧٧.

٢١
علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم الإسلامية في شتّى بقاع العالم، لنتبادل الرأي والحوار العلمي على ضوء القـرآن والسُـنّة..

ونعرضها على المنظّمات الإسلامية والاجتماعية، بل على الرأي العامّ للشعوب والمجتمعات الإسلامية بما لها من تنظيمات ; لأنّ الأمر هامّ وخطير جدّاً ; إذ إنّه يتعلّق بمقدّسات الأُمّة الإسلامية، ومعالم تاريخها.

فقد أحدثت هذه الاستفتاءات ضجّة في العالم الإسلامي، فانبرى الكثير من علماء المسلمين من السُـنّة والشيعة لدحض هذه الفتاوى، وبيان منافاتها لروح الإسلام ولمقامات الأئمّة العظام(١).

ولا نريد أن نتعجّل ذلك، فسيجيء إبطال ما استندوا إليه من الأحاديث..

وأُكرّر قائلا: ها نحن في عصر المؤتمرات، التي تُعقد بين الحين والآخر، هنا وهناك، وفي أُمور ليست بتلك الأهمّية،

١- انظر: " معجم ما ألّفه علماء الأُمّة الإسلامية للردّ على خرافات الدعوة الوهّابية " لعبـد الله محمّـد علي، المنشور في مجلّة " تراثنا " العدد ١٧، السنة الرابعة، شوّال ١٤٠٩ هـ، ص ١٤٦ ـ ١٧٨، فقد أحصى فيه أكثر من ٢٠٠ كتاب ورسالة ممّا كُتب ردّاً على عقائد هذه الفرقة وفتاويها، لعلماء المذاهب الإسلامية المختلفة.

٢٢
ينبغي أن يكون هناك اهتمام بالغ، وبأمر من المسؤولين، على عقد مؤتمر إسلامي لإعادة النظر في هذه الفتاوى.

قال الأُستاذ الدكتور عمر ممتاز القاضي: " إنّ المتغيّرات الاجتهادية ـ أي الفتاوى التي لا حرج في تغييرها باتّباع معايير أُصول الفقه ـ كثيرة في كتب التراث، والمطلوب وضع تلك الفتاوى والآراء في نصابها بإعطائها قيمة استشارية من جانب العلماء المعاصرين، وعدم التهيّب من التعديل فيها، أو مخالفتها، باتّباع منهج أُصول الفقه، وإلاّ صارت مثلها مثل أحكام القرآن "(١).

إنّ تلك الفتاوى هدمت صرحاً حضارياً يؤرّخ لعصرَي الجاهلية والإسلام، في حين نرى مصر اليوم تفخر بأهراماتها، التي كانت تُعبد من دون الله، والتي يؤمّها الناس من شرق الدنيا وغربها، ولا زال أبو الهول يناجيه الشعراء ; قال أميرهم أحمـد شوقي(٢):


أبا الهول أنت نديمُ الزماننجيُّ الأوان سمير العُصُرْ
بسطتَ ذراعيك من آدموولّيتَ وجهك شطرَ الزمرْ

١- رسالة التقريب، العدد ١٤، ١٤١٧ / ١٩٩٧، طهران.

٢- ديوان أحمد شوقي ١ / ١١٧ من قصيدة ألقاها بمناسبة رفع الستار عن تمثال لأبي الهول في القاهرة.

٢٣
كتاب دعـوة الهـدى للشيخ محمّـد جواد البلاغي (ص ٢٤ - ص ٣٩)
٢٤
عظمى وصحائف سوداً في تاريخ الأُمّة الإسلامية.

وكانت تظاهرة قلمية ـ نثراً وشعراً ـ شارك بها الفقهاء ورجال العلم وشيوخ الأدب العربي، وقد فتحت باباً في الأدب يجدر أن تقدّم به رسالة للماجستير أو الدكتوراه تحت عنوان: البقيع في الأدب العربي..

ونذكر هنا بعضَ قصائد ممّن نظم في هذه النكبة الحضارية والدينية والتاريخية، ولمّا لا يمكن أن تستوعب المقدّمة كلّ ما ورد في البقيع من شعر ـ وإلاّ لخرجت عن كونها مقدّمة ـ فأنا أعرض أمام القارئ الكريم نماذج بقيعية، جاءت عشوائية من الكثير الكثير ممّا قيل في هذه المقامات الشريفة، والمراقد الطاهرة ; وإليك منها مبتدئاً بما نظم السيّد رضا الموسوي الهندي تحت عنوان: " وقفة على قبور الأئمّة في البقيـع "(١):


أَعَزَّ اصطباري وأجرى دموعيوقوفي ضحىً في بقاع البقيعِ
على عترة المصطفى الأقربينوأُمّهِمُ بنت طه الشفيعِ

١- ديوان السيّد رضا الموسوي الهندي: ٣٨.

٢٥

همُ آمنوا الناس من كلّ خوفوهم أطعموا الناس من كلّ جوعِ
وهم روَّعوا الكفرَ في بأسهمعلى أنّ فيهم أمانَ المَروعِ
وقفتُ على رسمهم والدموعُ تسيلُ ونارُ الجوى في ضلوعي
وكان من الحزم حبسُ البكاءلو انّ هنالك صبري مطيعي
وهل يملك الصبرَ مَنْ مقلتاهترى مهبطَ الوحي عافي الربوعِ
وقَيِّمُهُ يمـنـعُ الزائـريـنمن لثم ذاك المقام المنيعِ
إذا هـمّ زوّارُهُ بـالـدنـوِّيذودونهـم عنه ذودَ القطيـعِ
وهذا مقامٌ يُـذَمُّ الـصبـورُعليه ويُحمَد حالُ الجزوعِ
ويا ليت شعري ولا تبرح الــليالي تجيء بخطب فظيعِ

٢٦

أكان إليهم أساء النبيُّفيجـزونه بالفعـالِ الشنيعِ؟!
لئن كان في مكّة صنعهمبحجّاجها نحو هذا الصنيعِ
فلستُ أرى الحجّ بالمستطاعِ ولا واجدَ المال بالمستطيعِ

وقال السيّد محسن الأمين العاملي قصيدة تربو على خمسائة بيت باسم: " العقود الدُرّية "(١)، منها:


قم وابكِ منتحباً لِما قد حلّ بالـإسلام من وهن وفرط تبدّدِ
أبناؤه متشاكسون عراهُمُمحلولة ما بينهم لم تعقدِ
لم تحفظ المختار في أولادهوسواهُمُ من أحمد لم يولدِ
لم تحفظ المختار في أصحابهوهُمُ الّذين بهم غدونا نقتدي

١- العقود الدرّية في ردّ شبهات الوهّابية، الملحق بـ " كشف الارتياب ".

٢٧

هَدَمَتْ قباباً فوقهم قد شيّدتمعقودة من فوق أشرف مرقدِ
أمعالمُ الإسلام تُمحى جهرةًوالمسلمون بمنظر وبمشهدِ؟!
يا للرجال لهولِ خطب فادحأذكى القلوب بغلّة لم تبردِ
ليس احترام ذوي القبور عبادةلذوي القبور ولا لها في موردِ
كلّ احترام لو يكون عبادةفي الخلق عمَّ الشركُ كلَّ موحِّدِ

وقال أحد الشعراء(١):


قف بالبقيع مسائلا تستعلمُآثار آلِ محمّـد لِمْ تهدمُ؟!
تبقى مراقدهم بدون أظلّةتحمي ألوفَ الزائرين وتعصمُ

١- البقيـع: ١٩٢ ـ ١٩٣.

٢٨

في البرد تسقيها السماء بوابلوالحرّ يلفحها هجيرٌ يضرمُ
هدموا قبور أئمّة سادوا الورىوبفضلهم كتب السما تتكلّمُ

وقال الشاعر صدر الدين الصدر(١):


لعمري إنّ فاجعة البقيعِيشيبُ لهولها فود الرضيعِ
وسوف تكون فاتحة الرزاياإذا لم نَصْحُ من هذا الهجوعِ
فهل من مسلم لله يرعىحقوق نبـيّه الهادي الشفيعِ

وقال السيّد مهدي الأعرجي(٢):


مصاب فيه يذهلُ كلُّ روعوفيه تشيب ناصية الرضيعِ
وفادحةٌ يُذمُّ الصبرُ فيهاويُحمدُ عندها جزعُ الجزوعِ

١- البقيـع: ١٩٣.

٢- البقيـع: ١٩٦.

٢٩

فيا لله من حرق توالتتأجَّج بين صلبي والضلوعِ
أتُهدمُ بالبقيع لنا قبورٌولم تخضب ضبانا بالنجيعِ؟!
أتُهدمُ بالبقيع لنا قبورٌولم تُجْلَ الكريهة عن صريعِ؟!
أتُهدمُ بالبقيع لنا قبورٌوما بقناة قومي من صدوعِ؟!
فنحنُ إذاً لعَمرك مثل مَن قدأساءَ الصنع للهادي الشفيعِ

هذه هي النكبة الحضارية والدينية والتاريخية ; ويطيب لي أن أذكر هنا ما أوردته مجلّة الفيصل(١) نقلا عن كتاب الشيخ محمّـد مانع: "إنّ فئة من الإخوان حرّموا استعمال الآلات والمخترعات الحديثة، ومنها: السلكي واللاسلكي، ممّا حدا بالملك عبـد العزيز إلى عقد مؤتمر في قصر جلالته، في الخامس والعشرين من رجب ١٣٤٥ هـ، جمع فيه العلماء ورؤساء القبائل والأُمراء وقادة الجيش، وقد حضر هذا المؤتمر

١- مجلّة الفيصل، العدد ٢٦٨، في شوّال ١٤١٩ هـ / فبراير ١٩٩٩ م.

٣٠
زعماء الإخوان، وانتهى المؤتمر بفتوىً من العلماء ذكروا فيها أنّهم لم يجدوا في القرآن الكريم، ولا في السُـنّة النبويّة المطهّرة، أو قول أحد العلماء العارفين دليلا لتحريم الأتيال(١).

وإنّ من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب، وإنّهم يبرؤون إلى الله من ذلك ".

فالكثير من الفتاوى في تلك الحقب كانت صادرة من أُناس ليسوا بفقهاء، ولا على ذلك المستوى الرفيع من العلم، ولقد أصدر الكاتب الإسلامي جمال البنّا(٢) كتاباً بعنوان: " نحو فقه جديد " هاجم فيه اعتماد الفقهاء والعلماء المعاصرين على الاجتهادات الفقهية القديمة التي قال: إنّها لم تعد تناسب روح العصر، وأشار إلى أنّ تطبيق هذه الاجتهادات هو أحد أهمّ أسباب تخلف الأُمّة الإسلامية الحاصل(٣).

وقد لا يخلو كلامه من الواقعية، لا بشكل عامّ، ولكن على نحو الموجبة الجزئية كما يقول الأُصوليّون، ودعماً لرأيه أطرح مسألتين فقهيّتين:

١- الأتيال ـ جمع تيل ـ: هي أعمدة أسلاك الهاتف.

٢- هو شقيق حسن البنّا مؤسّـس جماعة الإخوان المسلمين بمصر.

٣- صحيفة الشرق الأوسط، الصادرة في ٣ / ٥ / ١٩٩٩ م.

٣١

المسألة الأُولى:

يقول أحد الفقهاء: لو أنّ رجلا وقع على نعجة فحملت منه وولدت إنساناً، فكبر ذلك الإنسان وصار ذلك الإنسان إمام جمعة، وصلّى بالناس في يوم عيد الأضحى، فهل لهم أن يضحّوا بالإمام الذي صلّى بهم، باعتبار أنّ أُمّه النعجة، فيصحّ أن يكون من الأضاحي؟ يقول هذا الفقيه: يجوز ذلك ويجزيه(١)!!

المسألة الثانية:

قال ابن عابدين: الغلامُ إذا بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحاً، فحكمه حكم الرجال [ في الساتر في الصلاة ]، وإن كان صبيحاً، فحكمه حكم النساء، وهو عورة من فرقه إلى قدمه(٢)!!

فلزاماً على فقهاء الأُمّة الإسلامية أن يوالوا عقد المؤتمرات، وطرح قضايا فقهية للبحث، ويدلي كلٌّ بحجّته، ومتى وضح الحقّ وتطابق الرأي يجب الاعتراف به، والاعتراف بالحقّ فضيلة كما قيل.

فمثلا كانت الفتوى بأنّه لا يجوز إخراج اللحم من وادي منى، وكانت (البلدوزرات) ناشطة تشقّ الأخاديد في الأرض

١- كتاب ما لا يجوز فيه الخلاف: ٩٠، عن كتاب " فقه الجنس ".

٢- حاشية ردّ المحتار ١ / ٤٣٨.

٣٢
وتطمر فيها لحوم الأضاحي، وكان النحر والذبح في الشوارع وبين الخيام، حتّى أصبحت منى منطقة موبوءة، والروائح العفنة تزكم الأُنوف، وكانت محاولات الكثير من العلماء لحلّ هذه المشكلة المخجلة، فقد التزمنا الحكم وتركنا العلّة، وقد قال تعالى: ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير )(١) مستندين في عدم تجويز إخراج اللحم من وادي منى على ما ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام) : " إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث "(٢).

وقد ورد بلفظ آخر عن ابن عمر.

وقال ابن تيميّة ـ في " مجموع من الفتاوى الكبرى " كتاب الحجّ، الهدي والأضحية ـ: " ولم ينسخ تحريم الادّخار عام مجاعة ; لأنّه سبب التحريم "(٣).

وكان رأي الإمامية أنّه لا يجوز إخراج اللحم من وادي منى إلاّ إذا لم يوجد له مصرف، وقد قيّض الله من الفقهاء من قال بجواز ذلك، فكانت هذه الأضاحي ولحوم الهدي في وادي منى تصدّر إلى المجتمعات الإسلامية الفقيرة، وتشرف على ذلك

١- سورة الحجّ ٢٢: ٢٨.

٢- صحيح مسلم ٦ / ٨ و ٧٩، وانظر: إرشاد الساري ٤ / ٢٧١ ح ١٧١٩.

٣- مجموعة الفتاوى الكبرى ١ / ١٠٤.

٣٣
مؤسّـسة قديرة.

كما وكان رمي الجمار خلال يومَي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجّة يجب أن يكون عصراً(١).

وقد حدثت مآس واختناقات في المرمى، إذ لا يتّسع الوقت لأداء هذا النسك، ممّا اضطرّ الفقهاء لأن يجيزوا الرمي من طلوع الشمس وحتّى غروبها.

وقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط(٢) اقتراحاً تقدّم به اللواء السابق في مصر محمّـد شبل، مرفوعاً إلى الكاتب والصحفي صلاح منتصر، خلاصته أن يكون الحجّ على فترات! إذ من الصعب تأدية المناسك في أيّام معدودة، فقد وقعت أحداث أتت على حياة مجاميع من الناس، بالرغم من أنّ عدد الحجّاج لم يتجاوز المليونين ونصف المليون، فكيف بنا لو بلغ عددهم خمسة ملايين؟!

واللواء محمّـد شبل يدعم رأيه هذا بقوله تعالى: ( الحجّ أشهر معلومات )(٣)، ويعدّ التوقيتات الزمنية إنّما هي من أقوال الفقهاء!

١- صحيح مسلم ٤ / ٨٠ كتاب الحجّ / باب وقت استحباب الرمي، فتح الباري ٣ / ٧٩٣ ح ١٧٤٦.

٢- الصادرة في الشهر الرابع ١٩٩٩ م.

٣- سورة البقرة ٢: ١٩٧.

٣٤
وطرحت صحيفة " الشرق الأوسط " هذا الاقتراح أمام فقهاء الأُمّة الإسلامية، لينظروا مدى توافقه مع مبادئ الشريعة الإسلامية، غير إنّه قوبل بالاستنكار لمحاولة تمسّكه بظاهر الآية الكريمة دون تفسيرها بالسُـنّة النبويّة المطهّرة، ومخالفته الصريحة لها.

وها هو فقه الخلاف بين أيدينا، وعند الشيعة مجاميع في الخـلاف منهـا: " تـذكـرة الفقهـاء " للعـلاّمة الحـلّي (ت ٧٢٦)، و " الخلاف " للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠) ; ومن كتب أهل السُـنّة في هـذا المجـال: " اخـتـلاف العلمـاء " للمـروزي (ت ٢٩٤)، و " تأسيس النظر " للديوسي (ت ٤٣٠)، و " الحاوي الكبير " لـلمـاوردي (ت ٤٥٠)، و " المحـلّى " لابـن حـزم (ت ٤٥٦)، و " البحر الزخّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار " للزيدي (ت ٨٤٠)، وقد قيل قديماً: واختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية.

قال الدكتور عبـد الله عبـد المحسن التركي(١): " إنّ هذه الوجهات، وهذه الآراء لا تؤدّي إلى التناحر وإلى النزاع وإلى السباب، وإلى الآثار السلبية التي تشغلنا داخلياً عن عدوّنا المشترك، وحينذاك لو تركت هذه القضايا ليعالجها الكبار،

١- وزير الأوقاف والدعوة والإرث في المملكة العربية السعودية.

٣٥
تطرح في اجتماعات علمية متخصّصة "(١).

وبالأمس القريب انعقدت ندوة في دمشق، للتقريب بين المذاهب الإسلامية بدعوة من مؤسّـسة الإمام الخوئي الخيرية، ما بين ١٠ ـ ١٢ نيسان ١٩٩٩ م، الموافق ٢٤ ـ ٢٦ ذي الحجّة ١٤١٩ هـ، وحضرها فقهاء ومفكّرون من المذاهب الإسلامية السبعة من الأقطار الإسلامية المختلفة.

وكانت حكومة سلطنة عُمان قد عقدت مؤتمراً حول التقريب بين المذاهب ضمّ ممثّلين عن المذاهب الشـيعية والسُـنّية، وذلك في شهر كانون الأوّل ١٩٩٨ م.

ويقول الشيخ كفتارو(٢): " إنّ اجتهادات الفقهاء مظهر ثراء هذه الأُمّة في الفقه، والتشريع، وحرّية الفكر، والاختلاف الفكري بحدّ ذاته أمر يريده الله تعالى، ولا يتعدّى إلى التعصّب والعدوان والبغضاء "(٣).

وقد أعلن الدكتور الشيخ نصر فريد واصل، مفتي جمهورية مصر العربية، ما نصّه: " إنّه يحقّ لأيّ مسلم أن يتعبّد إلى الله عزّ وجلّ وفقاً لمذهب الإمام جعفر الصادق، مثلما يتعبّد للمذاهب الأربعة الأُخرى ".

١- رسالة التقريب: ١٨١، جمادى الآخرة، ١٤١٩ / ١٩٩٩.

٢- مفتي الجمهورية العربية السورية.

٣- رسالة التقريب، العدد ١٩ ـ ٢٠، ١٤١٩ هـ.

٣٦
وسبقه إلى ذلك في الخمسينات الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق، الذي اعترف بمذهب الشيعة الإمامية.

والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب، ومن المعلوم أنّ الأحكام غير المنصوصة عند الأشاعرة تابعة لآراء المجتهدين وظنونهم(١).

وعلى هذا يكون الواقع التشريعي للأحكام هو ما وصل إليه الفقهاء والمجتهدون من أحكام ونتائج، ولا مجال لظهور الخطأ عندهم، إذ الواقع ما وصل إليه المجتهد وإنْ تعدّدت آراؤه.

وبعبارة أُخرى: كأنّ الله سبحانه لم يعيّن حكماً بذاته في المسألة التي اجتهد فيها، وإنّما الحكم ما يؤدّي إليه نظره.

أمّا الشيعة الإمامية، فعندهم أنّ الحكم الذي ينتهي إليه المجتهد هو حكم ظاهري، ولله في كلّ واقعة حكم يصيبه من أصابه ويخطئه من أخطأه.

كما إنّ للظرف السياسي الأثر الكبير في بناء الحكم الفقهي.

وأُكرّر قائلا: إنّ لإعادة النظر أهمّية بالغة لتمهيد الطريق

١- المستصفى في علم الأُصول ٢ / ٣٥٨، رسالة في تخطئة المجتهد وتصويبه.

٣٧
إلى الوحدة الإسلامية.

ولكن كلّما عملنا من أجلها، يهدمها بعض دعاة الإسلام على أرض الوحدة الإسلامية، مكّة والمدينة، بهذا الفقه الموروث.

فعلى علماء المسلمين من السُـنّة والشـيعة أن يعيدوا النظر في دراساتهم الفقهية، وعليهم بالحوار الموضوعي الممنهج، الذي يكون وفق قوله تعالى: ( الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنهُ أُولئك الّذين هداهُم الله وأُولئك هم أُولو الألبابِ )(١).

والحوار لاختيار أحسن الأقوال، من أيّ فقيه كان، بعيداً عن التعصّب المذهبي والقومي والإقليمي(٢).

والاجتهاد ـ كما تقدّم ـ هو بذل الجهد لمعرفة حكم الله، فأبو حنيفة يرى أنّ قراءة المأموم للفاتحة حرام، والشافعي يرى أنّ قراءة المأموم للفاتحة واجبة.

وإذا لمس الرجل امرأة لا ينقض وضوؤه على مذهب أبي حنيفة، كما وعلى رأي أحمد بن حنبل لا ينقضه أيضاً إذا كان بغير شهوة ; نعم، على مذهب الشافعي ينقض الوضوء فقط.

١- سورة الزمر ٣٩: ١٨.

٢- رسالة التقريب، العدد ٧، الدورة ٥، ١٤١٨ / ١٩٩٨.

٣٨
وفطرة شهر رمضان مثلا يجب أن تدفع نقداً على مذهب الإمام أبي حنيفة، بخلاف الإمام الشافعي إذ يوجب أن تدفع طعاماً من حنطة أو شعير.

بينما رأي الإمامية هو أنّ المكلّف مخيّر بين أن يدفعها نقداً أو طعاماً(١).

وبما أنّ باب الاجتهاد مفتوح كما عليه الكثير، فالاختلاف لا شكّ قائم، وأشار إلى ذلك ـ شعراً ـ جار الله الزمخشري(٢):


إذا سألوا عن مذهبي لم أبح بهوأكتمُهُ، كتمانه ليَ أسلمُ
فإنْ حنفيّاً قلت، قالوا بأنّنيأُبيح الطلا وهو الشراب المحرّمُ
وإنْ مالكيّاً قلت، قالوا بأنّنيأُبيح لهم أكل الكلاب، وهُمْ هُمُ
وإنْ شافعياً قلت، قالوا بأنّنيأُبيح نكاح البنت، والبنت تحرمُ
وإنْ حنبلياً قلت، قالوا بأنّنيثقيل حُلُوليٌّ بغيضٌ مجسّمُ

١- المذاهب الاجتهادية: ١٠ ـ ١١.

٢- الكشّاف ٤ / ٣١٠.

٣٩
كتاب دعـوة الهـدى للشيخ محمّـد جواد البلاغي (ص ٤٠ - ص ٥٩)
٤٠