×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

[ سـند الحـديث ]

وأمّـا سنده، فإنّه تشترك فيه روايات أحمد ومسلم والترمذي وأبي داود بـ " سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل ".

ولكن الروايات اختلفت:

فتارةً تذكر عن أبي وائل (أنّ عليّـاً قال لأبي الهيّاج) كما في رواية أحمد عن وكيع، ورواية أبي داود عن محمّـد بن كثير، ورواية الترمذي عن محمّـد بن بشّار.

وتـارةً تذكر عن أبي الهيّاج أنّه قال: " قال لي عليٌّ " كما في رواية أحمد عن عبـد الرحمن، ورواية مسلم عن وكيع.

وقد اضطربت رواية وكيع في ذلك.

هذا شأن الحديث في اضطرابه في سنده ومتنه.

على أنّ في سنده أبا وائل القاصّ عبـد الله بن بحير، وقد قال ابن حبّان: إنّه " يروي العجائب التي كأنّها معمولة، لا يُحتجّ به، [ وهو أبو وائل ]، وما هو بعبـد الله [ بن بَحِيْر ] بن رسّان(١)،

١- كذا في الأصل ; وفي المصدر: " رَيْـسـان ".

٨١
ذاك ثقة " كذا في ميزان الذهبي وغيره(١).

ولا يخفى أنّ الجرح مقدّم على التوثيق.

نعـم، رواه عبـد الله بن أحمد في مسند عليّ (عليه السلام) بطريق ليس فيه أبو وائل، ولكن فيه شـيبان أبو محمّـد، وهو قَـدَريّ ; وقال أبو حاتم: " اضطُرّ الناس إليه بأَخَرَة "(٢).

ومتنه: " لأبعثـنّك في ما بعثني فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أن أُسوّي كلّ قبر، وأن أطمس كلّ صنـم "(٣).

وهذا ممّا يزيد في اضطراب متنه، ويبيّن أنّ المحلّ المبعوث إليه أبو الهيّاج فيه أصنام!


*  *  *

١- ميزان الاعتدال ٤ / ٦٥ رقم ٤٢٢٧، كتاب المجروحين ـ لابن حبّان ـ ٢ / ٢٤ ـ ٢٥، الضعفاء والمتروكين ـ لابن الجوزي ـ ٢ / ١١٦ رقم ١٩٨٩.

٢- تهذيب الكمال ٨ / ٤١٩، ميزان الاعتدال ٣ / ٣٩٢ رقم ٣٧٦٤، تهذيب التهذيب ٣ / ٦٦٢ ذيل رقم ٢٩١١.

وأَخَرَة: أي: آخر كلّ شيء. انظر: الصحاح ٢ / ٥٧٧، لسان العرب ١ / ٨٩، القاموس المحيط ١ / ٣٧٦ مادّة " أَخَرَ ".

٣- مسند أحمد ١ / ١١١، وسـنده: " حدّثنا عبـد الله، حدّثني شـيبان أبو محمّـد، ثنا حمّاد بن سلمة، أنبأنا يونس بن خبّاب، عن جرير بن حيّان، عن أبيه، أنّ عليّـاً (رضي الله عنه) قال لأبيه:... ".

وجاء في مسند أحمد ١ / ٨٩ بسند آخر ولفظ يختلف قليلا هكذا:

" حدّثنا عبـد الله، حدّثني أبي، ثنا يونس بن محمّـد، ثنا محمّـد، ثنا حمّاد ـ يعني ابن سلمة ـ، عن يونس بن خبّاب، عن جرير بن حيّان، عن أبيه، أنّ عليّـاً (رضي الله عنه) قال: أبعثك في ما بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أمـرني أن أُسوّي كلّ قبر، وأطمس كلّ صنم ".

٨٢
٨٣

وأمّـا مضمون الحديث ومدلوله

فهو أنّه وارد في بعث خاصّ وواقعة خاصّة، فليُعرَف موضوع الواقعة وجهةُ البعث، ثمّ يسري من ذلك إلى أمثاله بفحوى الحكم ; ليُعرف أنّه هل كان البعث إلى قبور المشركين وآثار الجاهلية؟! التي يلزم أن تطمس آثارها ولا كرامة لها، كما يشير إليه ذِكر الصنم والتمثال، وإنْ أباه لفظُ التسوية وإطلاقه، كما سيأتي إن شاء الله!

أو أنّه بعثه إلى قبور مسـنَّمة لكي يردّها إلى سُـنّة التسـطيح؟!

فإنّ إهمال مورد الحديث الوارد في واقعة خاصّة يوجب الوهم في أخذ الحكم، وتبدّل الأحكام الشرعية.

ألا ترى أنّه رُويت أحاديث في أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله، وجرى التشديد بالمنع لنساء المسلمين عن البكاء؟!(١).

١- صحيح البخاري ٢ / ١٧٢ ـ ١٧٤ ح ٤٧ ـ ٥١، صحيح مسلم ٣ / ٤١ ـ ٤٥، سنن أبي داود ٣ / ١٩٠ ح ٣١٢٩، سنن الترمذي ٣ / ٣٢٦ ـ ٣٢٩ ح ١٠٠٢ ـ ١٠٠٤ و ١٠٠٦، سنن النسائي ٤ / ١٥ ـ ١٩، مسند أحمد ١ / ٤١ ـ ٤٢ و ج ٢ / ٣١ و ج ٦ / ٢٨١، الموطّـأ: ٢٢٦ ح ٣٧، مسند البزّار ١ / ٢١٥ ح ١٠٤.

٨٤
ولكنّ عائشة أبانت وجه الخطأ في ذلك بأنّ الراوي لم ينظر إلى مورد ما رواه، فقالت: " إنّما مرّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) على يهودية يُبكى عليها، فقال (صلى الله عليه وسلم): إنّهم لَيبكون عليها وإنّها لَـتُعذّب في قبـرها ".

وفي رواية أُخرى قالت: " رحم الله عمر، والله ما حدّث رسـول الله: إنّ الله لَيعـذِّب المـؤمنَ ببكـاء أهله عليه، ولكنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إنّ الله لَيزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله [ عليـه ]..

وقالـت: حسـبكم القـرآن ( ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخرى )(١) ".

ذكر ذلك البخاري في جامعه، في كتاب الجنائز، في باب " يعذّب الميّت بـ [ بعض ] بكاء أهله [ عليه ] "(٢).

وكذا النسـائي(٣).

وكذا الترمذي وصحّحه، وذكر أنّ عائشة قالت في شأن ابن عمر: " غفر الله لأبي عبـد الرحمن، أمَا إنّه ما كذب(٤)،

١- سورة الأنعام ٦: ١٦٤، سورة الإسراء ١٧: ١٥، سورة فاطر ٣٥: ١٨، سورة الزمر ٣٩: ٧.

٢- صحيح البخاري ٢ / ١٧٢ ـ ١٧٣ ح ٤٧ و ٤٨.

٣- سنن النسائي ٤ / ١٧ ـ ١٨.

٤- في المصدر: " لم يكذب ".

٨٥
ولكنّه نسي أو أخطأ "(١).

وروى ذلك أيضاً أحمد في مسنده، في مسند عمر وابنه وعائشة(٢).

وذكر أبو داود في سـننه نحو الحديث الأوّل، وفي الرواية أنّ عائشة قالت: " وَهِـلَ " بفتح الواو وكسر الهاء، أي: غلط وسَها، تعني ابن عمر(٣).

وفي رواية " الموطّـأ " أنّ عائشة ذُكِر لها أنّ عبـد الله بن عمر يقول: " إنّ الميّت ليعذَّب ببكاء الحيّ.

فقالت: يغفر الله لأبي عبـد الرحمن، أمَا إنّه لم يكذب، ولكنّه نسي أو أخطأ، إنّما مرّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيهودية يبكي عليها أهلها، فقال: إنّكم لَتبكون عليها، وإنّها لَـتُـعَـذَّب في قبرها "(٤).


*  *  *

١- سنن الترمذي ٣ / ٣٢٨ ـ ٣٢٩ ح ١٠٠٦.

٢- مسند أحمد ١ / ٤١ ـ ٤٢ و ج ٢ / ٣١ و ج ٦ / ٢٨١.

٣- سنن أبي داود ٣ / ١٩٠ ح ٣١٢٩.

ووَهِلَ أو وَهَلَ: غلِطَ ونسيَ وسَها ووَهَمَ.

انظر: الصحاح ٥ / ١٨٤٦، الفائق في غريب الحديث ٤ / ٨٥، النهاية في غريب الحديث والأثر ٥ / ٢٣٣، لسان العرب ١٥ / ٤١٦، تاج العروس ١٥ / ٧٨٧ ـ ٧٨٨، مادّة " وَهَلَ ".

٤- الموطّـأ: ٢٢٦ ح ٣٧.

٨٦

وأمّـا ألفـاظ الحديث

فلا يخفى من اللغة والعُرف أنّ تسوية الشيء من دون ذِكر القرين المساوى معه، إنّما هو جعل الشيء متساوياً في نفسه، فليس لتسوية القبر في الحديث معنىً إلاّ جعله متساوياً في نفسه، وما ذلك إلاّ جعل سطحه متساوياً.

ولـو كان المـراد تسـوية القبـر مع الأرض، لكان الواجـب ـ في صحيح الكلام ـ أن يقال: إلاّ سوّيته مع الأرض ; فإنّ التسوية بين الشـيئين المتغايرين لا بُـدّ فيها من أنّ يُذكَر الشـيئان اللذان تراد مساواتهما.

وهـذا ظاهـرٌ لكـلّ من يعـطي الكـلام حقّـه من النـظر، فلا دلالة في الحديث إلاّ على أحد أمرين:

أوّلهمـا: تسطيح القبور وجعلها متساوية برفع سنامها(١)، ولا نظر في الحديث إلى علوّها، ولا تشـبّث فيه بلفظ " المُشْـرِف " فإنّ " الشَـرَف " إنْ ذُكِر أنّه بمعنى " العُلُوّ "(٢) فقد

١- قبر مُـسَـنَّـم: إذا كان مرفوعاً عن الأرض ; وتسنيم القبر خلاف تسطيحه. انظر: لسان العرب ٦ / ٣٩٤ ـ ٣٩٥ مادّة " سنم ".

٢- القاموس المحيط ٣ / ١٦٢، الصحاح ٤ / ١٣٧٩، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ٤٦٢، لسان العرب ٧ / ٩٠ ـ ٩١، تاج العروس ١٢ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧، مادّة " شَرَفَ ".

٨٧
ذُكِر أنّه من البعير سَنامه، كما في " القاموس " وغيره(١).

فيكون معنى " المُشرف " في الحديث هو: القبر ذو السَـنام ; ومعنى تسويته: هدم سَنامه.

ثانيهمـا: أن يكون المراد القبور التي يُجعل لها شُرَف من جوانب سطحها ; والمراد من تسويته أنّ تُهدَمَ شُرَفُه ويُجعَل مسطّحاً أجمّ، كما في حديث ابن عبّـاس: " أُمرنا أن نبني المدائن شُرَفاً، والمساجد جُمّـاً "(٢).

وعلى كلّ حـال، فلا يمكن في اللغة والاستعمال أن يُراد من التسـوية ـ في الحديث ـ أن يُسـاوى القبرُ مع الأرض، بل لا بُدّ من أن يُراد منه أحد المعنيَـيْن المذكورَيْن.

وأيضـاً: كيف يكون المراد مساواة القبر مع الأرض مع أنّ سيرة المسلمين المتسلسلة: على رفع القبور عن الأرض؟!

١- القاموس المحيط ٣ / ١٦٢، لسان العرب ٧ / ٩١، تاج العروس ١٢ / ٢٩٧، مادّة " شَرَفَ ".

٢- كنز العمّال ٨ / ٣١٤ ح ٢٣٠٧٦.

والجُمّ ـ جمع أَجَمّ ـ: وهو البنيان الذي لا شُرَفَ له.

انظر: الصحاح ٥ / ١٨٩١، الفائق في غريب الحديث ١ / ٢٣٤، النهاية في غريب الحديث والأثر ١ / ٣٠٠، لسان العرب ٢ / ٣٦٧، تاج العروس ١٦ / ١٢١، مادّة " جَمَمَ ".

٨٨
وفي آخر كتاب الجنائز من جامع البخاري، مسنَداً عن سفيان التمّار(١)، أنّه رأى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مُـسَـنَّماً(٢).

وأسند أبو داود في كتاب الجنائز، عن القاسم، قال: " دخلتُ على عائشة فقلت: يا أُمّهْ! اكشفي لي عن قبر رسول الله وصاحبَيه.

فكشـفتْ [ لي ] عن ثلاثة قبور لا مُشْـرِفة ولا لاطِـئة "(٣).

وأسند ابن جرير، عن الشعبي، أنّ كلّ قبور الشهداء

١- هو: سفيان بن دينار التمّار، أبو سعيد الكوفي.

قال ابن حجر والمزّي: قال إسحاق بن منظور، عن يحيى بن معين: ثقة.

وقال أبو زرعة: ثقة.

وقال النسائي: ليس به بأس.

وقال ابن حجر أيضاً: ذكره ابن حبّان في " الثقات ".

انظر: تهذيب التهذيب ٣ / ٣٩٥ ـ ٣٩٦ رقم ٢٥١٣، تهذيب الكمال ٧ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ رقم ٢٣٨٣، الثقات ٦ / ٤٠٢ ـ ٤٠٣.

٢- صحيح البخاري ٢ / ٢١٢ ح ١٤٥.

٣- سنن أبي داود ٣ / ٢١٢ ح ٣٢٢٠، وفيه: " النبيّ " بدل " رسول الله ".

وأورده البيهقي في السنن الكبرى ٤ / ٣.

ولاطئة: أي لازقة بالأرض. انظر: الصحاح ١ / ٧١، القاموس المحيط ١ / ٢٨، لسان العرب ١٢ / ٢٨٠، تاج العروس ١ / ٢٤٥، مادّة " لَطَـأَ ".

٨٩
مسـنَّمة(١).

وأيضـاً: عن جعـفـر بن محـمّـد، عن أبيـه (عليهم السلام)، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رُفِـع قبرُه من الأرض شبراً(٢).

وروي نحوه في " قرب الإسناد " و " العلل " و " التهذيب " من جوامع الشـيعة(٣).

وفي حاشية جامع الترمذي، قيل: " السُـنّة أن يُرفَع القبرُ شـبراً "(٤).

وقد روى ابن حبّان أنّ قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك(٥) ; قاله الشيخ في " اللمعات "(٦) ; انـتـهـى.

فهذه الروايـات تردّ رواية أبي الهيّاج لو أمكن حمل التسوية فيها على التسوية مع الأرض!

١- كنز العمّال ١٥ / ٧٣٦ ح ٤٢٩٣٢.

٢- كنز العمّال ١٥ / ٧٣٥ ح ٤٢٩٢٤.

٣- قرب الإسناد: ١٥٥ ح ٥٦٨، علل الشرائع ١ / ٣٥٧ باب ٢٥٥ العلّة التي من أجلها يُرشّ الماء على القبر ح ٢، تهذيب الأحكام ١ / ٤٦٩ ح ١٥٣٨ في تلقين المحتضرين.

٤- تحفة الأحوذي ٤ / ١٢٨ و ١٣٠ ح ١٠٥٤ باب ٥٥ ما جاء في تسوية القبـر، وانظر: شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ ٤ / ٣٢ باب ٣١ الأمر بتسوية القبر.

٥- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢١٨ ح ٦٦٠١.

٦- اللمعات الفريدة:، وانظر: معجم القبور ١ / ٢١.

٩٠
ولأجل ذلك ذُكر في شرح جامع الترمذي عن شرح الشـيـخ، أنّ المـراد في الروايـة مـن تسـوية القبـر، تسـطيحه، لا تسويته مع الأرض، جمعاً بين الأخبار(١).

وحاصل الأمر ـ مضافاً إلى السيرة المتقدّم ذِكرها ـ: أنّك لا تكاد تجد مفتياً معتدّاً بفتواه يفتي بوجوب تسوية القبر مع الأرض، بحيث يجب هدمه وإزالة أثره لو كان مرتفعاً ; فإنّ الشافعي ـ المتعرّض للكراهة ـ جوّز ارتفاع القبر بمقدار يُعرف أنّه قبـر(٢).

وقال النووي في شرح حديث أبي الهيّاج من جامع مسلم: " فيه: أنّ السُـنّة أنّ القبر لا يُرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، ولا يُسـنّم، بل يُرفع نحو شبر ويسطّح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه.

ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أنّ الأفضل عندهم تسـنيمها "(٣).

١- تحفة الأحوذي ٤ / ١٣٠، عن شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ ٤ / ٣٢ باب ٣١ الأمر بتسوية القبر.

٢- سنن الترمذي ٣ / ٣٦٧ ذ ح ١٠٤٩، وانظر مؤدّاه في: الأُمّ ١ / ٤٥٨ كتاب الجنائز / باب الخلاف في إدخال الميّت القبر.

أقـول: للشافعي ـ نفسه ـ قبر مشاد في مدينة القاهرة بمصـر، يزوره الناس ويتبرّكون به!

٣- شرح صحيح مسلم ٤ / ٣٢ باب ٣١ الأمر بتسوية القبر.

٩١
فلا تكاد تجد مفتياً معتنىً به يخالف السيرة والإجماع ويفتي بوجوب تسوية القبر مع الأرض وهدمه إذا كان أعلى منهـا.

وزيادة على ما دلّ على جواز الارتفاع ـ من السيرة العملية، والإجماع، والفتوى، والأحاديث المتقدّمة ـ أنّ حديث أبي الهيّاج ـ كما تقدّم إيضاحه ـ لا ربط له بتسوية القبر مع الأرض، بل لا يدلّ إلاّ على هدم سَنامِه أو شُـرَفِه.

ومهما تكن في هذا الحديث من دلالة، فإنّها لا مساس لها بالسقوف والقباب المبنيّة على حجرات القبور المحترمة لأجل انتفاع المسلمين المتقرّبين إلى الله بزيارتها، والسلام على أهلها، وتلاوة القرآن الكريم، وذِكر الله عندها، ووقايتهم من حرّ الشمس وصدمة البرد والمطر وأعاصير الرياح.

يزورونها لأجل جواز الزيارة ورجحانها والتسليم على الأموات، حسب ما ثبت بالسيرة والإجماع والأحاديث المتكاثرة المنـتـشـرة فـي المسـانيـد والجـوامـع، ومنهـا السـتّة المعروفـة و " الموطّـأ "(١).

١- صحيح البخاري ٢ / ١٧١ ح ٤٤، صحيح مسلم ٣ / ٦٣ ـ ٦٥، سنن ابن ماجة ١ / ٥٠٠ ـ ٥٠١ ح ١٥٦٩ ـ ١٥٧٢، سنن أبي داود ٣ / ٢١٥ ـ ٢١٦ ح ٣٢٣٤ ـ ٣٢٣٥ و ٣٢٣٧، سنن الترمذي ٣ / ٣٧٠ ـ ٣٧١ ح ١٠٥٤ ـ ١٠٥٥، سنن النسائي ٤ / ٨٩ و ج ٨ / ٣١١، الموطّـأ: ٢٣٢ ح ٥٧، مسند أحمد ١ / ٤٥٢ وج ٣ / ٣٨، مسند الشافعي ـ مع كتاب الأُمّ ـ ٩ / ٥٠٨، مصنّف عبـد الرزّاق ٣ / ٥٦٩ ح ٦٧٠٨ و ص ٥٧٠ ـ ٥٧٢ ح ٦٧٠٩ و ٦٧١١ ـ ٦٧١٤ و ص ٥٧٣ ـ ٥٧٦ ح ٦٧١٦ ـ ٦٧٢٣، الجعديات ٢ / ٦١ ح ٢٠٠٧ و ص ٩٢ ح ٢٠٩٨، مصنّف ابن أبي شيبة ٣ / ٢٢٣ ـ ٢٢٥ ح ١ ـ ١٠، مسند أبي يعلى ١ / ٢٤٠ ح ٢٧٨ و ج ٦ / ٣٧١ ـ ٣٧٤ ح ٣٧٠٥ ـ ٣٧٠٧ و ج ٩ / ٢٠٢ ح ٥٢٩٩، مسـند الشاشي ١ / ٣٩٥ ح ٣٩٧، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٢ / ١٩ ح ١١٥٢ و ص ٩٤ ح ١٤١٩ و ج ٥ / ٨٢ ح ٤٦٤٨ و ج ١١ / ٢٠٢ ح ١١٦٥٣ و ج ٢٣ / ٢٧٨ ح ٦٠٢، عمدة الفقه: ٤٠، السنن الكبرى ٤ / ٧٦ ـ ٧٧، شعب الإيمان ٧ / ١٤ ـ ٢٢ ح ٩٢٨٧ ـ ٩٣١٩، فردوس الأخبار ١ / ٤٢٣ ح ٣١٥٩ و ٣١٦٢، جامع الأُصول ٣ / ٣٦٤ ذ ح ١٦٨٢ و ج ١١ / ١٥٢ ـ ١٥٧ ح ٨٦٦٦ ـ ٨٦٧٣، التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة: ١٤٥، الأذكار ـ للنووي ـ: ٢٦٠ ـ ٢٦١، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٢ / ١٦٣ ح ٩٧٧، الترغيب والترهيب ٤ / ١٥٢ ـ ١٥٣ ح ١ ـ ٥، جامع المسانيد والسـنن ٢٧ / ٣٧٦ ح ٧٥٦، مجمع الزوائد ٣ / ٥٨ ـ ٦٠ و ج ٤ / ٢٧، موارد الظمآن: ٢٠١ ح ٧٩٢، جامع الأحاديث الكبير ٣ / ٢٣٢ ح ٨٣٤٣ و ج ٦ / ٤٦٣ ح ١٥٩٩١ و ١٥٩٩٢، الجـامع الصـغير: ٤٠٠ ح ٦٤٣٠ و ٦٤٣١ و ص ٥٢٨ ح ٨٧١٥ ـ ٨٧١٨ و ص ٥٥٥ ح ٩٢٨٥ و ٩٢٨٦، كنز العمّـال ٥ / ٨٥٨ ـ ٨٥٩ ح ١٤٥٦١ و ج ١٥ / ٦٤٦ ـ ٦٤٩ ح ٤٢٥٥١ ـ ٤٢٥٦٨ و ص ٦٥١ ـ ٦٥٧ ح ٤٢٥٨٢ ـ ٤٢٥٨٤ و ح ٤٢٥٨٦ ـ ٤٢٦٠٢، مـنـتـخـب كـنـز الـعـمّـال ـ بهامش مسند أحمد ـ ٦ / ٢٧٣ ـ ٢٧٥.

٩٢
وأمّـا ما رواه مسلم والترمذي، عن جابر: " نهى رسول الله أن تُجصَّص القبورُ، وأن يُبنى عليها، وأن تُوطَـأ "(١).

١- صحيح مسلم ٣ / ٦٢، سنن الترمذي ٣ / ٣٦٨ ح ١٠٥٢.

٩٣
فإنّ النهي أعمّ من الكراهة التنزيهية، وضميمة الوطء شاهد لإرادتها.

والظاهر من البناء عليها هو البناء على حفرتها بالحجارة، لا بناء السـقف على حجرتها.

ويحتمل أن يكون المراد بناء الخيمة والفسطاط لإقامة الحِـداد وتعظيم المصيـبة، كما قيل إنّه من أعمـال الجاهلية التي لا غاية لها إلاّ إظهار الجزع من قضاء الله(١).

فلا نهيَ في الحديث عن بناء السقف لوقاية المؤمنين الزائرين، المتقرّبين إلى الله بزيارة القبور والدعاء للأموات وذِكر الله وتلاوة القرآن، حينما يتذكّرون الآخرة ويعملون لها عند زيارة القبور، ولإعانة هؤلاء على الخير والبرّ.

ففي " كنز العمّال " ومنتخبه، رواية الديلمي، عن جابر، عن رسول الله: " لا برّ أفضل من برّ أهل القبور، ولا يَصِلُ أهلَ القبور إلاّ مؤمن "(٢).

١- انظر مؤدّى ذلك في صحيح البخاري ٢ / ١٩٩ ـ ٢٠٠ باب الجريد على القبر، إرشاد الساري ٣ / ٥١٠، فتح الباري ٣ / ٢٨٦، عمدة القاري ٨ / ١٨٣.

٢- كنز العمّال ١٥ / ٦٥٦ ح ٢٤٦٠٠، منتخب كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ ٦ / ٢٧٤، كلاهما عن فردوس الأخبار ٢ / ٤٤٦ ح ٧٩٣٩.

٩٤
وفي (المنتخب) عن الرافعي، عن عليّ: " من مرّ على المقابر فقرأ فيها إحدى عشرة مرّة ( قل الله أحد ) ثمّ وهب أجره الأمواتَ، أُعطي من الأجر بعدد الأموات "(١).

وفي سنن أبي داود، عن ابن عمرو، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : " [ إنّه ] لو كان مسلماً فأعتقتم عنه [ أو تصدّقتم عنه ] أو حججتم عنه، بلغه ذلك "(٢).

إذاً، فما ظنّك بالجلوس لذِكر الله، وقراءة القرآن، وإهداء الثواب للأموات الّذين لهم الحقّ الكبير في الإسلام، لكونهم من أهل السابقة والقربى من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والعلم، والصلاح، والدعوى(٣) إلى الهُدى؟!

أفلا يكون إعداد المكان لهؤلاء الزائرين، لهؤلاء الأولياء لله، من التعاون على البرّ الذي أمر الله به، كما هو المقصود المعلوم من بانيها؟!

١- منتخب كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ ٦ / ٢٧٤، وانظر: كنز العمّال ١٥ / ٦٥٥ ح ٤٢٥٩٦.

٢- سنن أبي داود ٣ / ١١٨ ذ ح ٢٨٨٣.

٣- الدَعْوى: أي الدُعاء، ومنه قوله تعالى: (وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين)، ودَعاه دُعاءً ودَعْوىً ودَعْوةً، والدَعْوة: المرّة الواحدة من الدعاء.

انظر: لسان العرب ٤ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠ مادّة " دعا ".

٩٥
كتاب دعـوة الهـدى للشيخ محمّـد جواد البلاغي (ص ٩٦ - ص ١١٤)
٩٦

[ اتّخـاذ القبور مسـاجد ]

وقـال المُـفـتون:

" وأمّـا اتّخـاذ القبور مسـاجد، والصـلاة فيها، وإيقـاد السُـرُج عليها، فممنوعٌ [ مطلقـاً ] ; لحديث ابن عبّـاس: لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زائرات القبور، والمتّخذين عليها المساجدَ والسُـرُج. رواه أهل السُـنّة "(١).

رواه أبو داود والنسـائي وابن ماجة(٢).

وقال في " زهر الرُبى وفتح الودود ": " واتّخاذ المسـجد عليها، قيل: أن يجعلها قِبلة يُسجد إليها كالوثن "(٣).

١- مرّ تخريج الحديث مفصّلا في صفحة ٦٠ هامش رقم ٢ ; فـراجـع.

٢- سنن أبي داود ٣ / ٢١٦ ح ٣٢٣٦، سنن النسائي ٤ / ٩٤ ـ ٩٥، ولم نجده في سنن ابن ماجة بهذا اللفظ، والذي فيه عن ابن عبّـاس وغيره هو بلفظ: " لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زوّارات القبور " من دون ذِكر المساجد والسُرُج ; فانظر سنن ابن ماجة ١ / ٥٠٢ ح ١٥٧٤ ـ ١٥٧٦.

والسُـرُج ـ جمع سِراج ـ: المصباح الزاهر الذي يُسْرَج بالليل ; ويُعبّر به عن كلّ مضيء.

انظر: لسان العرب ٦ / ٢٢٨، تاج العروس ٣ / ٤٠١، معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٢٣٥، مادّة " سرج ".

٣- وجدناه في حاشية السندي وليس في " زهر الربى "، وكلاهما مطبوعان بحاشية سنن النسائي ; فانظر سنن النسائي ٤ / ٩٤.

٩٧

قلـت:

ولا تختصّ رواية النهي عن اتّخاذ القبور مساجد بمن عنوهم من أهل السُـنّة، فقد روته الشـيعة في جوامعهم، كـ: " الكافي " و " من لا يحضره الفقيه " و " العلل "(١).

وأنّه لا يجـوز السـجود على القبـر ; رواه في " التهـذيب " و " الاحتجـاج "(٢).

وعلى وفق هذا النهي جرى عمل المسلمين جميعاً، قديمـاً وحديثـاً، ولـم يتّـخذ المسـلمون مسـجداً عـلى قبـر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الأولياء مطلقاً.

١- الكافي ٣ / ٣٩٠ ح ١٢ و ١٣ كتاب الصلاة / باب الصلاة في الكعبة وفوقها وفي البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها، كتاب من لا يحضره الفقيه ١ / ١٥٦ كتاب الصلاة / باب ٣٨ في المواضع التي تجوز الصلاة والمواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، علل الشرائع ٢ / ٥٦ ح ١ باب ٧٥ العلّة التي من أجلها لا تتّخذ القبور قِبلة.

٢- تهذيب الأحكام ١ / ٤٦١ ح ١٥٠٤، الاحتجاج ٢ / ٥٨٣ رقم ٣٥٧.

٩٨

[ تعـريف المسـجـد ]

أمّا المسجد اللغوي(١):

فهو المحلّ الذي يُسْجَد عليه، ولا ترى في جميع المسلمين من يَسجد على قبر، أو يسجد له أصلا، حتّى في أوباشهم(٢).

وأمّـا المسجد الاصطلاحي(٣):

فهو العرصة والمحلّ الواسع الذي يُوْقَف للصلاة، وله أحكام شرعية خاصّة به يمتاز بها، فليس في مراقد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء ما جُعِل كذلك، فإنّ الغرض من المراقد مناف للغرض من المسجد، فإنّ المسجد يوقف للصلاة بحيث لا يعارضها شيء.

ومراقد الأولياء تُعَدّ لإعانة الزوّار على قراءة القرآن، وذِكر الله، والدعاء للميّت.

فليس في المسلمين من اتّخذ على القبر مسجداً!

بل إنّ اتّخاذ المسجد ينافي غرضهم في إعدادها لإعانة الزوّار على الجلوس للتلاوة وذِكر الله والدعاء بالرحمة والرضوان

١- المراد هنا: المسجد لغةً.

٢- الأَوْباش ـ جمع: وَبَش أو وَبْش ـ: الأخلاط والسَفِلَة، والضُرُوب المتفرِّقون من الناس.

انظر: الصحاح ٣ / ١٠٢٤، النهاية في غريب الحديث والأثر ٥ / ١٤٥ ـ ١٤٦، القاموس المحيط ٢ / ٣٠٣، لسان العرب ١٥ / ٢٠٠، تاج العروس ٩ / ٢١٩ ; مادّة " وَبَشَ ".

٣- المراد: المسجد اصطلاحاً.

٩٩
لصاحب القبر.

فتأمّل أيّها الناظر إلى قول السائل: " في البناء على القبور واتّخاذها مساجد " وإلى سؤاله عن وجوب هدمها، وإلى جواب المفتين واحتجاجهم بصحّة الأحاديث الواردة في منعه، مع ما رووه عن ابن عبّـاس.

فإنّك تجد من كلّ كلمة معولا رفعوه على قبر رسول الله وقبّته لهدمهما!

فها هم يزعمون أنّ هذه الأبنية على قبر الرسول والأولياء هي مساجد يجب هدمها، ثمّ يضمّون إلى ذلك ما أشاروا إليه من الروايات المذكورة في الجوامع في رواية ابن عبّـاس وأبي هريرة وعائشة، عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد "(١).

١- صحيح البخاري ١ / ١٨٩ و ١٩٠ ح ٩٦ و ٩٧، صحيح مسلم ٢ / ٦٧، سنن النسائي ٤ / ٩٥ ـ ٩٦ باب اتّخاذ القبور مساجد، سنن أبي داود ٣ / ٢١٤ ح ٣٢٢٧، مسند أبي داود الطيالسي: ٨٨ / ح ٦٣٤، مسـند أحمد ١ / ٢١٨ و ج ٦ / ٣٤ و ١٢١ و ٢٥٥، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ / ٢٦٩ ح ٦، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٨٥ ـ ١٨٦، سـنن الدارمي ١ / ٢٣٣ ح ١٤٠٥، السنن الكبرى ٤ / ٨٠، السنن الصغير ١ / ٣٠٨ ح ١١٨٩، جامع الأُصول ٥ / ٤٧٣ ح ٣٦٧٠ و ج ١١ / ٢١١ ح ٨٧٦٦، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢١٢ ح ٦٥٨٥، الأذكـار ـ للنووي ـ: ٤٩٩، جامع الأحاديث الكبير ـ للسيوطي ـ ٥ / ٤٠ ح ١٧٠٦١ و ١٧٠٦٣، كنز العمّال ٧ / ٢٣٦ ح ١٨٧٦٢ و ص ٣٤٤ ح ١٩١٨٨ و ١٩١٨٩.

١٠٠