×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

يروى أن أم سلمة زوج النبي (ص) كانت تقول: أبي سائر أزواج النبي(ص) أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلارخصة أرخصها رسول الله لسالم - الراضع - خاصة. فما هو بداخل علينا أحدبهذه الرضاعة ولا رائينا (١)..

ومثل هذا الموقف من قبل نساء النبي إنما يعكس عدم الرضا عن هذا الأمروعدم قناعتهن به. وهو يشير من جهة أخرى إلى الشك في الرواية. إذ لو كانتصحيحة ثابتة عن الرسول ما اعترض عليها نسوته..

أما الرواية الثانية الخاصة بعثمان فقد قال الفقهاء فيها: قولها - أي عائشة -كاشفا عن فخذيه أو ساقيه. قال النووي هذا مما يحتج به المالكية وغيرهم ممنليست الفخذ عورة. ولا حجة فيه لأنه مشكوك (أي شك الراوي) فيالمكشوف هل هو الساقان أم الفخذان فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ..

ويجوز أن يكون المراد بكشف الفخذ كشفه عما عليه من القميص لا من المتزروهو الظاهر من أحواله (ص). والحديث فيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عندالملائكة (٢)..

هذا هو ما يعني الفقهاء من مثل هذه الروايات أن يسارعوا لاستنباط الأحكامالفقهية منها ثم يحتج بعضهم البعض على الآخر بما استنبطه منها..

ولا يعنيهم أن هذه الرواية تعري الرسول وتنافي الذوق والأعراف والتقاليدوإنما يعنيهم أن يشتقوا منها فضيلة لعثمان..

إن أقل ما يمكن أن تشير إليه هذه الرواية هو علو عثمان على أبي بكر وعمرالذي لم يبدي لهما الرسول أي احترام عند دخولهما عليه وأبدى الاحترام كلهلعثمان وهو ما لفت نظر عائشة. وهذا العلو الذي جاء على حساب النبي (ص)جاء علي حساب أبي بكر وعمر أيضا. وهو ما يقع القوم في تناقض إذ أن عقيدةالفقهاء تنص على تقديم أبي بكر وعمر على عثمان..

(١) مسلم. باب رضاعة الكبير..

(٢) مسلم. هامش كتاب الفضائل. باب من فضائل عثمان..

٢٦١

وعن رواية الحبر قال الفقهاء: قوله - أي الراوي - جاء حبر بفتح الحاءوكسرها والفتح أفصح وهو العالم. وإنما كان يستعمل حينئذ في علماء اليهود.

وقوله إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة إلى قوله ثم يهزهن. هذا منأحاديث الصفات وفيها مذهبان التأويل والامساك عنه مع الإيمان بها مع اعتقاد أنالظاهر منها غير مراد. فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار أيخلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل (١)..

لقد نسي الفقهاء هدف الرواية بل نسوا أن الحبر هو القائل والرسول هوالمتلقي والمؤكد لقول الحبر. هذا إذا أخذنا الأمر على المحمل الحسن. وبالطبعمقل هذا التصور لا يجوز في حق النبي (ص) فالرواية على ما هو واضح من نصهاتؤكد فكرة التجسيم وهو ما نبرا الرسول منه. وكان يجب على الفقهاء أن يشككوافي هذه الرواية لكونها جاءت على لسان أحد أحبار اليهود ولم تأتي على لسانالرسول. وإن تصديقها يعني تصديق التوراة التي يتكلم هذا الحبر بلسانها..

وهل يقبل أن يتحول الرسول المبعوث إلى متلقي من أحبار اليهود وفيمسألة تتعلق بصفات الله تعالى؟

أليس هذا الموقف يعني تشكيكا في شخصه وفي رسالته..؟

والرواية الرابعة التي تتحدث عن أطفال المشركين وعدم جزم الرسول (ص)بالحكم في مستقبلهم الجنة أم النار؟ بقوله " الله أعلم بما كانوا يعملون ".

يقول فيها الفقهاء: وحقيقة لفظه الله أعلم بما كانوا يعلمون لو بلغوا أو لميبلغوا إذا التكليف لا يكون إلا في البلوغ (٢)..

وقول الفقهاء هذا فيه تضليل وغفلة إذ أن الرواية تتحدث عن أطفالالمشركين الذين يموتون صغارا قبل البلوغ لا الذين هم على قيد الحياة. وهمالذين لم يقطع فيهم الرسول بحكم حسب نص الرواية.

(١) مسلم. هامش كتاب صفة القيامة والجنة والنار..

(٢) مسلم. هامش كتاب القدر..

٢٦٢

وموقف الرسول هذا يضعنا بين أمرين:

إما أن نحكم بجهله وهذا لا يصح في حقه (ص)..

وإما أن نحكم ببطلان الرواية. وهو ما يجب اختياره بلا شك إذ أنه لا يعقلأن يصدر مثل هذا الحكم من الرسول الذي يتابعه الوحي..

أما رواية أكل الرسول (ص) مما ذبح على النصب فهي من سفه القوموضلال عقولهم إذ يربطونها بمرحلة ما قبل البعثة أي مرحلة ما قبل العصمة. وإذاصح هذا التصور فعلى أي أساس اختير الرسول لتبليغ الرسالة وهناك من هو أكفأوأعلم منه بالتوحيد والشرك وهو زيد بن عمرو بن نفيل..؟

لقد أباح القوم لأنفسهم الخوض في شخص الرسول على أساس أنهميخوضون في جانبه غير المعصوم. وعلى هذا الأساس قبلوا مثل هذه الرواياتوباركوها وهم لا يشعرون أن هذا التقسيم غير المبرر لشخص الرسول يلحق أكبرالضرر به وبالرسالة التي جاء بها..

والقوم يروون الرواية بصيغة أخرى تجمع بين الرسول (ص) وبين أبيسفيان على مائدة واحدة تحوي ما ذبح على النصب ومر عليهما زيد بن عمروفدعواه إلى الغداء فقال يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب. قال الراويوهو أبو هريرة: فما رئي الرسول من يومه ذاك يأكل مما ذبح على النصب حتىبعث (١)..

كيف تستقيم مثل هذه الروايات مع كون أن الرسول لم يسجد لصنم وكانيتعبد في غار حراء قبل بعثته..؟

هل مثل هذا الموقف يدل على علم..؟

والرواية السادسة التي تتحدث عن الرسول وقد دخل الصلاة وهو جنب فهيمن شر البلية وزيادة الطين بلة. وهو أمر ليس بالغريب على قوم ينسبون لرسولهمنسيان القرآن الذي جاء به..

(١) البخاري كتاب الذبائح. ومسند أحمد ج‍ ١ / ١٨٩..

٢٦٣

إن جنابة الرسول في وقت الصلاة تعني أنه كان يواقع النساء وفرغ منمواقعتهن ثم هرع إلى الصلاة دون أن يتطهر. والرواة لم يخبرونا أي صلاة هذهالتي وقع فيها هذا الحدث. وآي ما تكون فهي ليست بالوقت الملائم للجماعوفيها تعرية للرسول وفضح لحياته الخاصة.

هذا على فرض التسليم بصحتها. أما وأنها رواية لا تصح عقلا ولا شرعا.

فالرسول نهارا مشغول بالدعوة وأمور المسلمين وليلا هو يتهجد. فمتى وقع هذاالحدث؟

هذا كلام أصحاب العقول..

أما الفقهاء فيقولون: ومما يستفاد من هذا الحديث جواز النسيان علىالأنبياء (ص) في أمر العبادة والتشريع (١)..

وإذا كان الأنبياء ينسون أمر العبادة والتشريع فماذا يتذكرون إذن؟

ويتمادى القوم في مهانة الرسول والطعن في شخصه الكريم بنسبة السبوالشتم والجلد إليه (ص) وهو أمر يتنافى مع خلقه العظيم ويصوره كملك طاغيستبد بالرعية ويجور عليها. غير أن الفارق بين الرسول وبين الملك هو أنالرسول يتراجع ويطلب الصف داعيا الله أن يكون هذا التعدي على العباد من قبلهزكاة وخيرا للمتعدي عليه عند الله سبحانه..

يقول الفقهاء: هذه الروايات كلها مبينة ما كان عليه (ص) من الشفقة علىأمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم. وإنما يكوندعاؤه - أي الرسول - عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاءعليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما وإلا فقد دعا (ص) على الكفار والمنافقينولم يكن ذلك لهم رحمة (٢)..

لقد اعتبر الفقهاء السب واللعن والجلد مصلحة وعناية بالأمة وكفارة ورحمة

(١) عمدة القاري شرح البخاري ح‍ ٥ / ١٥٦..

(٢) مسلم. هامش باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه. كتاب البر والصلة..

٢٦٤

لها من قبل الرسول. وهم لم يطرحوا على أنفسهم سؤالا: هل يجوز للرسول أنيسب ويلعن ويجلد وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين. وهو صاحب الخلقالعظيم. وهو صاحب العفو والتسامح. وسيرته اللين والرفق؟

مثل هذا السؤال لا يوجه إلى قوم يعتبرون مثل هذه الروايات سندا في تبريرمواقف الحكام وظلمهم للرعية.. وقد جعلوا من دعوة الرسول إلى معاوية منقبةله وبركة حين قال فيه: " لا أشبع الله له بطنا "..

لنترك روايات القوم تدينهم وتثبت تناقضهم..

يروى عن الرسول (ص) قوله: " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة " (١)..

ويروى عنه (ص): " لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا " (٢)..

ويروى عنه (ص) " لا يكون اللعانون شفاء ولا شهداء يوم القيامة " (٣)..

ويروى عنه (ص): " من يحرم الرفق يحرم الخير " (٤)..

ويروى عنه (ص): " النهي عن لعن الدواب " (٥)..

ويروى: " لم يكن النبي (ص) فاحشا ولا متفحشا " (٦)..

ومثل هذه الروايات إنما تنسف الروايات السابقة. ومن جهة أخرى هيتنسجم مع نصوص القرآن وخلق الرسول..

وعن روايات النخل يقول الفقهاء: قوله (ص) " إنما أنا بشر " هذا كله اعتذارلمن ضعف عقله خوف أن يزله الشيطان فيكذب النبي. وإلا فلم يقع منه ما يحتاجإلى عذر غاية ما جرى أنها مصلحة دنيوية لقوم خاصين من يعرفها لمن يباشرها.

وقال القاضي: " قوله (ص) " وإذا أمرتكم بشئ من رأي " يعني برأيه في أمر

(١) مسلم. كتاب البر والصلة..

(٢) المرجع السابق..

(٣) المرجع السابق..

(٤) المرجع السابق..

(٥) المرجع السابق..

(٦) البخاري كتاب الأدب..

٢٦٥

الدنيا لا برأيه في أمر الشرع على القول إن له أن يحكم باجتهاده. فإن رأيه فيذلك يجب العمل به لأنه من الشرع. ولفظ الرأي إنما أتى به عكرمة - الراوي -على المعنى لا أنه لفظ (ص) (١)..

ومثل هذا التبرير من قبل الفقهاء أحرج الرسول زيادة على الحرج الذيوضعته في الرواية. فهو تبرير يقوم على أساس الجانب غير المعصوم من شخصيةالرسول حسبما يعتقدون فمن ثم فإن مقل هذا الموقف من الرسول لا حرج فيه منوجهة نظرهم للرسول أو للرسالة..

إلا أن بالتأمل في روايات تأبير النخل يتبين أن الأمر يختلف عن ذلك تماماوأن تبريرات الفقهاء لا تخرج عن كونها محاولة لتسطيح الأمر والتمويه علىحقيقته ففي ظل فكرة بشرية الرسول (ص) تم تمرير الكثير من المواقفوالممارسات التي تتعلق بالنساء وبالصحابة وبالاجتهاد على أنها مواقف وممارساتمقبولة لكونها تتعلق ببشرية الرسول لا بنبوته. وقد فات الفقهاء أن هذا التقسيملشخص الرسول من شأنه أن ينعكس على الأحكام والرسالة بشكل عام لا علىشخص الرسول فقط..

وفيما يتعلق بروايات تأبير النخل فإن الشك يحيط بها لما يلي:

أولا: أنها تشير إلى جهل الرسول بمسألة تلقيح النخل وهذا أمر غير مقبولعقلا. لأن الرسول من بيئة عربية تعيش على التمر واللبن ولا يعقل أن يكون فيهامن لا يفقه في أمر النخل..

ثانيا: إننا إذا ما سلمنا بصحة الرواية ففضلا عن كونها تتهم الرسول بالجهلفي أمر دنيوي بين. فهي تتهمه أيضا بالتطفل والتدخل فيما لا يعنيه وهو ما لايجوز في حق نبي..

ثالثا: إن مثل هذا الموقف من النبي - على فرض التسليم بالرواية - من شأنهأن يفتح باب الشك في شخصه ودعوته. وهذا ما دفع بالفقهاء إلى ربط هذا

(١) مسلم. هامش كتاب الفضائل. باب وجوب امتثال ما قاله شرعا..

٢٦٦

الموقف ببشرية الرسول كمحاولة منهم لتبرير الموقف وقطع دابر الشك فيالرسول..

رابعا: إن هذا الموقف من الرسول يصطدم بقوله تعالى (وما ينطق عنالهوى إن هو إلا وحي يوحى) وما دمنا نقف في صف النص القرآني فإن هذايدعونا للحكم ببطلان الرواية..

وحول رواية عائشة لددنا رسول الله قال الفقهاء: اللدود هو الدواء الذييصب في أحد جانبي فم المريض ويسقاه أو يدخل هناك بإصبع أو غيره ويحنكبه. وقوله: لا يبقى أحد منكم إلا لد. أي تأديبا لئلا يعودوا وتأديب الذين لميباشروا ذلك لكونهم لم ينهوا الذين فعلوا بعد نهيه (ص) أن يلدوه..

وقال آخرون: النفي هنا بمعنى النهي إنما أمر النبي (ص) أن يلد من فيالبيت عقوبة لهم لأنهم لدوه بغير إذنه بل بعد نهيه عن ذلك بالإشارة وفيه دلالةعلى أن إشارة العاجز كتصريحه وعلى أن المتعدي يفعل به ما هو من جنس الفعلالذي تعدى به إلا أن يكون فعلا محرما (١)..

وكما عودنا الفقهاء دائما أنهم لا يأتون بجديد فجميع أقوالهم تدور فيمحيط التأويل والتبرير المنافي للعقل والمصادم للنص وليس له من هدف سوىتبرير الوضع السائد وإبقاء الأمة في دائرة عبادة الرجال..

ورواية عائشة هذه تتحدث عن فترة مرض الرسول الذي توفي فيه ذلكالمرض الذي نتج عن المحاولة اليهودية لقتله بالسم كما ذكرت الروايات..

ومتابعة روايات مرض الرسول يكشف لنا أنه تعذب كثيرا (ص) قبل موتهحتى ضاق بنفسه وبمن حوله. وهو هنا في هذه الرواية كره المرض والدواء وأشاربرفضه ولما أعطوه الدواء رغما عنه غب وقرر الانتقام من الجميع بسقيهم مننفس الكاس الذي تجرعه.. فهل هذا كلام يجوز في حق الرسول؟

وهل من خلق الرسول (ص) الانتقام وممن من أهل بيته؟

(١) مسلم. هامش باب كراهية التداوي باللدود كتاب السلام..

٢٦٧

وما هو مبرر هذا الانتقام. ألأنهم يحرصون على صحته؟

إن العقل يأبى أن يعذب الله رسوله هذا العذاب قبل موته بينما الكفاريموتون موتة هادئة ناعمة. وإذا كان الرسول هذا حاله قبل قبضه. فكيف يكونحال أفراد أمته حين يأتيهم الموت..؟

ولما كنا لم نسمع عن أحد من الصحابة تعذب عذاب الرسول قبل موته فدلهذا على أن الروايات مرض الرسول وتعذيبه لا أصل لها والهدف منها هو ضربشخص الرسول وامتهانه وتصويره وكأنه يعذب بذنوبه وجرائمه مما يبرر للحكاممن بعده استغلال مثل هذه الصورة لتبرير جرائمهم وانحرافاتهم (١)..

وتأتي بعد ذلك رواية نسيان الرسول (ص) للقرآن لتضرب القوم في مقتل إذأنهم طالما يبررون مثل هذه الأفعال ويحملونها على بشرية الرسول. فعلى أيجانب يحمل نسيان الرسول للقرآن على جانبه البشري أم جانبه النبوي؟

فإذا حملوه على الجانب البشري فيكون بهذا القرآن من أمور الدنيا التييجتهد فيها الرسول ويخطئ ويصيب حسب اعتقادهم أن الرسول مجتهد.. وتلكمصيبته.. وإذا حملوه على جانبه النبوي المعصوم فقد وقعوا في تناقض إذ كيفللمعصوم أن ينسي القرآن. وهنا تكون المصيبة أعظم..

وإذا كان الرسول ينسى القرآن الذي أنزل إليه وأمر بتبليغه وتبيينه للناس فأيشئ يمكنه تذكره بعد..؟

والعجيب أن القوم يتداولون من الروايات ما يناقض نسبة النسيان للرسول..

(١) يروي القوم الكثير من الروايات عن مرض الرسول (ص) وموته منها:

قالت عائشة: إن النبي (ص) كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلمااشتد وجعه كنت اقرأ عليه وامسح عنه بيده..

وتروي عائشة عن الرسول قوله في مرضه: " اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيقالأعلى "..

وتروي قول الرسول: " أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلاشفاؤك ".. (مسلم كتاب السلام).

ولم تخبرنا الروايات أن الله استجاب لدعاء رسوله. بل تركه يتعذب حتى مات..

٢٦٨

يروى عن الرسول قوله: " بئسما للرجل أن يقول نسيت سورة كيت وكيتأو نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي " (١)..

وفي رواية أخرى: " استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال منالنعم بعقلها " (٢)..

ويروى عنه: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المتعلقة إن عاهد عليهاأمسكها وإن أطلقتها ذهبت " (٣)..

ولقد حسم القرآن المسألة بقوله تعالى (سنقرئك فلا تنسى) فلم يعد هناكمجال لنسبة النسيان للرسول في القرآن لكون الرسول والقرآن في رعاية الله وحفظهوهو مضمون العصمة..

وفيما يتعلق ببول الرسول (ص) قائما فقد حشد القوم عشرات التبريراتلهذا السلوك الذي يتنافى مع أدب النبوة. فالبعض استمد منه حكما بجواز البولوافقا والبعض الآخر برره بوجع أصاب الرسول وحال دون جلوسه. والبعضقال: إنه لم يجد مكانا للجلوس. وآخرون باركوا هذا السلوك واعتبروه أحصنللفرج. وأي ما تكون هذه التبريرات فإنها تؤكد جميعها أن القول كارهون لهذاالسلوك ويحاولون التماس العذر للرسول فيه (٤)..

ويكفي لدحض هذه الرواية قول عائشة: من حدثك أن رسول الله (ص) بالقائما فلا تصدقه (٥)..

وتبدو لنا قمة الاستخفاف بالعقل ومصادمة النصوص القرآنية في رواية سحرالنبي (ص) وسيطرة السحر على سلوكه وعقله..

يقول الفقهاء: قولها - أي عائشة - سحر رسول الله (ص). فذهب أهل السنة

(١) مسلم. كتاب صلاة المسافرين. باب فضائل القرآن..

(٢) المرجع السابق..

(٣) المرجع السابق..

(٤) أنظر فتح الباري ح‍ ١ / ٢٦٣. والنووي شرح مسلم ح‍ ٣ / ١٦٥.. والسيوطي شرحالنسائي ح‍ ١ / ٢٠. وإرشاد الساري ح‍ ١ / ٢٩٣ وح‍ ٤ / ٢٦٥.. (٥) سنن ابن ماجة ح‍ ١ / ١١٢

٢٦٩

وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياءالثابتة. وقد ذكره الله تعالى في كتابه الحكيم فلا يلتفت إلى قول من أنكره وقولهايخيل إليه أنه يفعل الشئ أي كان يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئوهذا التخيل بالبصر لا لخلل طرق إلى العقل والقلب بل السحر تسلط علىجسده الشريف وظواهر جوارحه اللطيفة وهذا ما يدخل لبسا على الرسالة (١)..

وليتأمل القارئ كيف جاري الفقهاء الرواية دون أن يعملوا عقولهم فيهاوأولوها على أنها ترتبط بالجانب غير المعصوم من شخص النبي (ص) حسبمايعتقدون وهم لن يتحرروا من هذا الاعتقاد الباطل الذي لبس عليهم دينهم طالماظلوا يدورون في فلك الرجال. تائهون بين الروايات المختلقة غارقون في كم منالمتناقضات التي توجب النفرة منهم. وهم هنا يؤكدون أن السحر تسلط علىجسده الشريف وليس على عقله وقلبه فكيف يكون هذا؟

أليس العقل والقلب جزء من الجسد..؟

وإذا كان السحر قد جعل الرسول يتخيل فعل الشئ ولا يفعله ألا يعني هذاأنه سيطر على العقل والقلب..؟

وما دام السحرة قد استطاعوا أن يسحروا الرسول إلى هذه الدرجة أفلايستطيعون أن ينطقوا على لسانه ما يريدون لإثارة البلبلة والتشكيك في الوحي؟

ثم كيف يترك الرسول نهبا للسحر والسحرة وهو يدعو ويتحرك في ظلالعناية الإلهية وتوجيه الوحي؟

هل غابة عنه العناية الإلهية وفقد عصمته فانتهز السحرة الفرصةوسحروه..؟

إننا في مواجهة هذه الرواية المنكرة يكفينا القول إن القوم همالمسحورون.. الذين غفلوا عن قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) (٢)..

وما يمكن قوله حول حادثة تعري الرسول (ص) قبل البعثة وأثناء إعادة بناء

(١) مسلم. هامش باب السحر. كتاب السلام..

(٢) سورة المائدة آية رقم ٦٧.. وانظر رأي الشيخ محمد عبده في تفسير المنار جزء عم..

٢٧٠
٢٧١

بالحيل وبقوة الحجة لا رسول الله. فهل فات الفقهاء الفرق بين الرسول وبينالقضاة والحكام..؟

ولقد دافع بعض أصحاب العقول في الماضي عن الرسول وأنه كان يقضيبالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شئ وتصدى ابن حجر العسقلاني لهؤلاء وقدمعشرات التبريرات رافضا فكرة كون الرسول يخطئ في الاجتهاد وفي حكم منالأحكام يلزم المكلفين بهذا الحكم الخطأ لثبوت الأمر باتباع الرسول لقوله تعالى(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (١)..

إلا أن الاستناد إلى قوله تعالى (إن أتبع إلا ما يوحى إلي..) [ الأنعام:

٥٠ ]..

وقوله (وما ينطق عن الهوى).

وقوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)[ النساء: ١٠٦ ]..

هذه النصوص القرآنية الصريحة كافية وحدها لإبطال تلك الرواية مؤكدة أنالرسول دائما في حراسة الوحي ولا يملك أن يصدر حكما غير صائب في غيبته..

أما رواية الشاة المسمومة فهي امتداد للرواية التي سبقتها عن الخصومةفكلاهما تؤكدان أن الرسول وقع في شرك أعداء الدين وخصوم الدعوة أو حتىأصحاب الحيل في غيبة الوحي..

فهذه اليهودية قدمت الشاة المسمومة للرسول فأكل منها هكذا ببساطة ممادفع بآخرين إلى الأكل منها فقضى عليهم بينما أصيب الرسول بتسمم استمرتآثاره تتضاعف في جسده حتى مات..

وفي رواية أخرى حول هذه الحادثة: فجئ بها - أي باليهودية - إلى رسولالله (ص) فسألها عن ذلك. فقالت: أردت لأقتلك. قال: " ما كان الله ليسلطكعلى ذاك) (٢)..

(١) المرجع السابق..

(٢) مسلم. باب السم. كتاب السلام..

٢٧٢

قال الفقهاء: قوله (ص) " ما كان الله ليسلطك على هذا " لقوله تعالى (واللهيعصمك من الناس) ويعارضه قوله في رواية أخرى (الآن قطعت أبهري) فإنهيقتضي أنه مات بذلك. ولذلك قال العلماء أن الله تعالى قد جمع بذلك بين كرمالنبوة وفضل الشهادة ويجاب بأن معنى ما كان الله ليسلطك على قتلي الآن. وقالالقاضي عياض: واختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي (ص) أم لا. فوقع فيصحيح أنه قال لا. ووقع أنه قتلها. وفي رواية دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بنمعرور وكان أكل من الشاة المسمومة فمات بها فقتلوها. ووجه الجمع بين هذهالروايات أنه لم يقتلها أولا حين الطلع على سمها فلما مات بشر سلمها لأوليائهفقتلوها قصاصا (١)..

إن الفقهاء يعترفون أن الشاة المسمومة أكل منها الرسول وفعلت به مافعلت. وقد اختار الله له ذلك ليدخله في زمرة الشهداء كما أدخله في زمرةالأنبياء. فهل الرسول الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في حاجة إلى أنيحشر في زمرة الشهداء..؟

وهل مرتبة النبوة أعلى أم مرتبة الشهادة؟

فإذا كانت الإجابة هي مرتبة النبوة. فما الحاجة إذن إلى مرتبة الشهادة؟

وإذا كان الله سبحانه يريد أن يميت رسوله شهيدا حسبما أفتى الفقهاء أليسمن الأفضل أن يميته في ميدان القتال لتكون لشهادته أثرا في الأمة لا أن يميتهبسبب شهوة البطن..؟

ثم هل كانت هناك علاقة ثقة وود بين الرسول واليهود حتى يقبل منهمطعاما؟

والفقهاء من واقع النص السابق في حيرة بين النص القرآني وبين الرواية.

فهم قد رجحوا أن اليهودية لن تنال من الرسول بشأنها المسمومة وأن الله لنيسلطها على رسوله كما جاء على لسان الرسول نفسه وذلك لقوله تعالى (والله

(١) مسلم هامش باب السم..

٢٧٣

يعصمك من الناس) وهذا هو المطلوب عقلا وشرعا. إلا أنهم سرعان ما تراجعواعن الاستناد على النص القرآني ومالوا إلى الرواية التي تقول: الآن قطعت أبهري.

وعارضوا بها النص القرآني. ومعنى هذا الكلام الخطير هو رد النص القرآني منأجل رواية. وبدلا من أن يحكموا بعصمة الرسول وبطلان الرواية حكموا بصحتهاعلى حساب القرآن والرسول..

أما رواية تعذيب الميت ببكاء أهله التي رواها عمر ورواها عنه ولد عبد اللهفهي رواية تناقضها روايات أخرى كثيرة يتداولها القوم..

يروى أن عائشة قالت: والله ما حدث رسول الله (ص) إن الله ليعذبالمؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن رسول الله قال: " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاءأهله عليه ". وقالت: حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (١).

ويروى أن الرسول (ص) بكى لصبي مات. فقال له سعد: ما هذا يا رسولالله؟ قال: " هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عبادهالرحماء " (٢)..

ويروى أن رسول الله (ص) زار سعد بن عبادة في مرضه وبكى. فلما رأىالقوم بكاء الرسول بكوا. فقال: " ألا تسمعون. إن الله لا يعذب بدمع العين ولابحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم " (٣)..

قال الفقهاء تعليقا على سكوت ابن عمر عن نفي عائشة لروايتهما: سكوتهلا يدل على الاذعان فلعله كره المجادلة. وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأبعد ما طرح برفع الحديث ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل ولميتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك. أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعينالحاجة حينئذ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن وقدرواه عمر وابنه. وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما لجواز أن يكون الخبران

(١) مسلم والبخاري كتاب الجنائز..

(٢) مسلم. باب البكاء على الميت. كتاب الجنائز..

(٣) المرجع السابق..

٢٧٤

صحيحان معا ولا منافاة بينهما. فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيتهإليهم به وقت حياته وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم. وعلى ذلك حمل الجمهورقوله: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (١)..

ويظهر لنا من هذا الكلام أن الفقهاء لم يقتنعوا بنفي عائشة للرواية. كما لميقتنعوا بالروايات الأخرى التي تؤكد هذا النفي والسبب واضح وهو أن القوم عزعليهم كثيرا أن ينفوا رواية لعمر وولده. إذ أن هذا يعني إتهامهما بالجهل وسوءالتلقي من الرسول (ص) وهذا لا يصح في عقيدتهم التي تقوم على عبادة الرجال.

فسوف ينبني على مثل هذا الموقف التشكيك فيهما وفي رواياتهما التي يعتمد عليهاالقوم بالإضافة إلى روايات عائشة وأبي هريرة. فمن ثم هم اتخذوا موقفا وسطاوإن كان جاء على حساب رواية عائشة..

وقد عمد القوم فوق هذا كله إلى نسبه الفقر إلى الرسول (ص) وتصويرهبمظهر المتسول الباحث عن شئ يأكله فلا يجد فيضطر إلى الاستدانة من أراذلالناس حتى أدى به الحال إلى رهن درعه عند يهودي ومات ودرعه مرهونة ويبدوأن حالة الفقر والجوع هذه كانت الدافع الأكبر لقبول الرسول شاة اليهوديةالمسمومة التي أودت بحياته وحياة غيره..

يروى: كان لرجل على رسول الله (ص) دين. فهم به أصحابه. فقال:

" دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ". وقال " اشتروا له سنا فأعطوها إياه " (٢)..

ويروى: أن رسول الله كان يقول " اللهم أحيني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرنيفي زمرة الفقراء "..

ويروى أن رسول الله مات ودرعه مرهونة عند يهودي (٣)..

(١) هامش اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي ح‍ ١ / ١٨٦كتاب الجنائز.

(١) البخاري كتاب الهبة.. وهذه الرواية تشير إلى أن صاحب الدين أساء الأدب في الرسولمما دفع بالصحابة إلى التصدي له. هل يعقل أن يضع الرسول نفسه في موضع الشكوالاتهام..؟ ثم إن الرسول تخلص من الموقف في النهاية بواسطة الصحابة الذين أمرهمأن يشتروا له سنا.

(٣) أنظر كتب السيرة. والبخاري كتاب البيوع. ومسلم كتاب المساقاة..

٢٧٥

إن هذه الروايات وغيرها إنما الهدف منها هو تبرير حالة الفقر التي سادتواقع المسلمين بفعل سياسة الحكام الذين نهبوا ثروات الأمة..

هذه الروايات لا تخرج عن كونها وسيلة لتخدير المسلمين وقتل روح الثورةوالتغيير في نفوسهم..

وما يرد هذه الروايات ليس كونها من صنع السياسة وتصطدم بفطر الناسالتي تأبى الفقر وتكرهه فقط. وإنما تردها النصوص والشواهد التاريخية التي تؤكدأن الرسول لم يعش فقيرا ولم يمت فقيرا وإن ذلك التصور فيه زيغ وضلال لكونهينسب الظلم إلى الله سبحانه الذي اختار رسوله للرسالة وفرغه لهذا الدور ثم تركهيتضور جوعا..

ألا يعني مثل هذا التصور تشكيكا في الرسالة وصاحبها؟

ألا يفتح هذا الأمر الباب لرشوة الرسول أو دعمه من آية جهة لتحقيق مآربوأهداف ما..؟

إن الله سبحانه عندما اختار رسوله للدعوة قد أوجد له بدائل مادية تعينه علىمواجهة أعباء الحياة. تلك البدائل التي تتركز في حكم الخمس الذي أحله الله لهمن الغنائم وهو ما كان يعيش الرسول منه ويتصدق على الفقراء والمساكين وينفقعلى زوجاته..

فلا يعقل أن يكون الرسول بهذه الحال التي تصورها الروايات ويتزوج تسعنسوة.. ومن المعروف أن الرسول قد ترك ميراثا عند وفاته تمثل في إقطاعية فدكوهي التي صادرها أبو بكر فور توليه الحكم واصطدمت به السيدة فاطمة بسببهاوماتت وهي غاضبة عليه..

٢٧٦
٢٧٧

الرسول الظالم



الرسول يبشر بالظلم
ويدعو الأمة إلى قبوله
والرضا به..
٢٧٨
٢٧٩

جاء الإسلام ليبشر بالعدل والإحسان والمساواة بين الناس وتحقيق التكافلالاجتماعي والنهوض بالأمة وحرية الرأي والاعتقاد وكثير من القضايا التي سبقت..

عصره والتي ميزته عن سائر الأديان التي سبقته..

جاء الإسلام رحمة للعالمين وكان الرسول رحمة مهداة..

هذه هي الصورة الربانية لدين الله كما تبرزها نصوص القرآن..

لكن الصورة الأخرى التي جاءت بها الروايات إنما تناقض هذه الصورةوتصطدم بها. فقد بشرت الروايات بالظلم والقهر وسيادة الطغاة على واقع الأمةوأوجبت على المسلمين التعايش مع هذا الوضع والرضا به..

وبشرت الروايات بظلم الله سبحانه للعباد وإن صنعوا الخير وساروا علىالصراط المستقيم فمصيرهم إلى النار حتى الرسول نفسه مهدد بدخولها..

- ظلم العباد:

يروى عن النبي (ص) أنه قال: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعةوتسعين انسانا ثم خرج يسأل. فأتى راهبا فسأله. فقال له: هل من توبة؟. قال:

لا. فقتله. فجعل يسأل. فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا. فأدركه الموت. فناءبصدره نحوها. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فأوحى الله إلىهذه أن تقربي. وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي. وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلىهذه أقرب ببشر. فغفر له " (١)..

قال الفقهاء: قوله (ص) " رجل قتل تسعة وتسعين ". قال النووي أفتاه عالمبأن له توبة هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ولم

(١) مسلم كتاب التوبة. والبخاري كتاب الأنبياء..

٢٨٠