×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

يخالف أحدا منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذافمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته (١)..

إن قضية القتل وإراقة الدماء في تاريخ المسلمين كان لها ما يبررها علىالدوام من عشرات النصوص المنسوبة للرسول (ص) والتي كان سند القوىالحاكمة وآداتها في تصفية الخصوم. ولم يكن للفقهاء من دور سوى تأويل هذهالنصوص وتبرير جرائم الحكام التي ترتكب باسمها..

وهذه الرواية التي بين أيدينا واحدة من عشرات الرواية التي تتعلق بالدماءوالتي شوهت صورة الإسلام وأبرزته كدين يستهين بالدماء ويعشق هدرها وهيرواية بمثابة صك من صكوك الغفران وما أكثر ما ورد منها منسوبا للرسول - لقاتلاتخذ القتل حرفة لم فلم ينل عقوبته في الدنيا ولا في الآخرة..

ومثل هذه الرواية تفتح الباب أمام المجرمين وعشاق الدماء كي يتمادوا فيجرائمهم دون أن تشوب نفوسهم آية نزعة من نوازع الخشية. بل تتقوى بالاتكالعلى التوبة..

وإذا كان قاتل المائة قد غفر له. فكيف الحال بقاتل الخمسة أو العشرة. لاشك سوف أنه ينال جائزة..

إن منطق العقل يقول إن أحدا لا يمكن أن يقتل هذا العدد من الناس الذيذكرته الرواية دون أن يكون له نفوذ أو سلطان. مما يدعونا إلى القول إن هذهالرواية ومثيلاتها إنما هي من صنع السياسة لتبشر الحكام بالغفران والثواب على ماارتكبوه من جرائم في حق الرعية..

ويروى عن الرسول قوله: " لن ينجي أحدا منكم عمله ". قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: " ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمة " (٢)..

وفي رواية: " إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة " (٣)..

(١) مسلم. هامش باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. كتاب التوبة..

(٢) مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار. والبخاري كتاب الرقاق.

(٣) المرجع السابق..

٢٨١

قال الفقهاء: في ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحدالثواب والجنة بطاعته. وأما قوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون).

و (تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) ونحوهما من الآيات الدالة علىأن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث. بل معنى الآيات أندخول الجنة بسبب ثم التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة اللهوفضله. وقيل إن الآية تدل على سببية العمل والمنفي في الحديث عليته وإيجابهفلا منافاة بينهما.. وقال النووي: وقوله (ص): " إلا أن يتغمدني " معناه يلبسنيهاويغمدني بها ومنه أغمدت السيف وغمدته إذا جعلته في غمده وسترته. وقالالعيني: قيل كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بماكنتم تعملون) وأجاب ابن بطال أن الآية تحمل على أن الجنة تنال المنازل فيهابالأعمال وأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ويحمل الحديث علىدخول الجنة والخلود فيها. وقوله تعالى: (سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتمتعملون). إنه لفظ مجمل بينه الحديث والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بماكنتم تعملون (١)..

ويبدو من كلام الفقهاء أنهم في مواجهة النصوص القرآنية الصريحة بوجوبالعمل لاستحقاق دخول الجنة وقعوا في حيرة بين هذه النصوص وبين الروايات.

إلا أنهم في النهاية عملوا على إخضاع النصوص القرآنية للروايات أو محاولةالتوفيق بينهما لتحقيق الديمومة والاستمرار لعقيدتهم التي تقوم على الروايات.

ومحاولة التوفيق لا تقل شناعة عن عملية الاخضاع إذ أنها تساوي نصوص القرآنبهذه الروايات وهي صورة من ضلال القوم..

لقد أو غل الفقهاء في عملية التوفيق وأهملوا جوهر الرواية الذي ينسب الظلمإلى الله سبحانه على لسان رسول وذلك بالتشكيك في أهمية العمل الصالح ودورهفي نجاة المسلم ودخوله الجنة بل التشكيك في عمل الرسول نفسه وبالتاليالتشكيك في نجاته ودخوله الجنة هو أيضا..

(١) مسلم هامش باب لن يدخل الجنة أحد بعمله. كتاب صفة القيامة..

٢٨٢

وما ذنب المسلم الذي يعمل الصالحات ويلتزم بالصراط المستقيم ثم يفاجأيوم القيامة بعدم شموله للرحمة ودخوله النار؟

أين العدل الإلهي إذن..؟

وأين هذا من قوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولهوالمؤمنون) إن فكرة الظلم الإلهي تبثها الرواية تتضح من خلال شمولهاللرسول الذي هو بنصوص القرآن وأيضا الروايات خارج دائرة الحساب والعقاب.

فكيف يوضع في هذا الموضع الذي يعني التشكيك في هذه النصوص القرآنيةوالروايات التي تخرجه من هذه الدائرة. ويعني التشكيك في وعد الله له بالمقامالمحمود..؟

والعجيب أن القوم يؤمنون بشفاعة الرسول يوم القيامة. فكيف يستقيم هذاالاعتقاد من هذه الروايات؟

شمول هذه الرواية للرسول هو البرهان الساطع والدليل القاطع علىبطلانها..

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا.

أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر. وزنا اللسان النطق. والنفس تمني وتشتهيوالفرج يصدق ذلك ويكذبه " (١)..

قال النووي: معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا. فمنهممن يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج الحرام. ومنهم من يكون زناهمجازا. بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله أو بالمس باليدبأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنا. أو النظر أو اللمس أوالحديث الحرام مع أجنبية. ونحو ذلك. أو بالكفر بالقلب فكل هذه أنواع من الزناالمجازي. والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لايحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك (٢)..

(١) مسلم كتاب القدر. والبخاري كتاب الاستئذان..

(٢) شرح النووي على مسلم كتاب القدر. وانظر هامش اللؤلؤ والمرجان ح‍ ٣ / ٢١٢..

٢٨٣

وكلام النووي هذا يؤكد فكرة الجبرية أي أن الإنسان مسير لا مخيل في فعلالشر. وقد قاله سيرا مع نص الرواية التي يشير ظاهرا إلى ذلك أيضا..

ونص الرواية وكلام النووي كلاهما ينسبان الظلم إلى الله سبحانه. إذ كيفيكتب الزنا على عباده ثم يعاقبهم على فعله..؟

ولما كان نسبة الظلم إلى الله تعالى أمر مناف للعقل فهذا يقودنا بالتالي إلىرفض هذه الرواية والحكم ببطلانها وهو الخيار الوحيد إمامنا.

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهلالجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار. وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعملأهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة " (١)..

وهذه الرواية يفيد ظاهرها الشك في جدوى العمل الصالح إذ أن من الممكنأن ينتهي بسوء العاقبة في الوقت الذي من الممكن فيه أن ينتهي العمل الفاسد بخيرالعاقبة وهو ما يقود في النهاية إلى نفس النتيجة التي نحن بصددها وهي نسبة الظلمإلى الله سبحانه الذي قدر للرجل الصالح أن يختم عمله بما يقوده إلى النار. وقدرللرجل الفاسد أن يختم عمله بما يقوده إلى الجنة وهو تصور يتناقض مع عدل الله.

ونتيجة هذا التصور هو الشك في جدوى العمل الصالح وفي عدل الله تعالى..

وهل يعقل لمن يعمل العمل الصالح طوال حياته أن يأتي في آخرها فينقلبباختياره ليصبح من أهل النار؟

ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: " قال رجل لم يعمل خيراقط. فإذا مات فحرقوه. واذروا نصفه في البر ونصفه في البحر. فوالله لئن قدر اللهعليه ليعذبنه عذابا لا يعذبنه أحد من العالمين. فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمرالبر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت؟ قال: من خشيتك وأنت أعلم. فغفرله " (٢)..

(١) مسلم كتاب القدر..

(٢) مسلم كتاب التوبة. والبخاري كتاب التوحيد..

٢٨٤

وفي رواية أخرى: " أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثمذروني في الريح في البحر " (١)..

قال الفقهاء: ذكر النووي أن العلماء اختلفوا في تأويل هذا الحديث. فقالتطائفة: لا يصح حمل هذا على أنه نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافروقد قال في آخر الحديث أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى. والكافر لا يخشىالله تعالى ولا يغفر. فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر علي الذاب. أيقضاه. يقال منه (قدر وقدر) بمعنى واحد. والثاني أن (قدر) هذا بمعنى ضيقعلي. قال تعالى: (فقدر عليه رزقه). وهو أحد الأقوال في قوله تعالى (فظن أنلن نقدر عليه) وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله الرجل وهو غير ضابطلكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها. بل قاله في حالة غلب عليه فيهاالدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه. وتدبر ما يقوله فصار في معنىالغافل والناس وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها (٢)..

إن ظاهر هذه الرواية يفيد الكفر فصاحب الرواية الذي أسرف في حق نفسهوارتكب من الموبقات ما جعله ييأس من حصوله على مغفرة الله وعفوه. سعىللتحايل على الله سبحانه كمحاولة للهروب من العذاب الذي ينتظره في الآخرة بأنيوصي بحرق جثمانه وذره في الهواء والبحر ظنا منه أن ذلك يخرجه من محيطالقدرة الإلهية. وهذا الفعل في ذاته صورة من صور الكفر والضلال إذ يحوياستهانة بقدرة الخالق وإحاطته بالكون الذي هو من مخلوقاته. والفقهاء لم يعنيهمهذا الأمر وإنما كان يعنيهم هو تبرير موقف صاحب هذا الفعل المنكر وتبرئةساحته.

لا يعنيهم أن تبرير مثل هذا الفعل يعني نسبة التسامح إلى الله سبحانه فيقضايا الكفر بينما يعاقب كفار آخرين لنفس الفعل أو نفس الاعتقاد وهو الشك فيقدرة الله وهو ما يقود في النهاية إلى نسبة الظلم إلى الله..

(١) المرجع السابق.. مسلم..

(٢) هامش اللؤلؤ والمرجان ح‍ ٣ / ٢٤١ كتاب التوبة. وانظر شرح النووي. وفتح الباريكتاب الرقاق..

٢٨٥

وعلى ضوء تصور الفقهاء هذا يمكن تبرير أفعال أصحاب الاعتقاد الهندوسالذين يحرقون موتاهم ويذرون رمادهم في نهر الجانجا لنفس السبب..

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلىكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار " (١)..

وفي رواية: " لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أونصرانيا " (٢)..

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " يجئ يوم القيامة ناس من المسلمينبذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى ". قالالراوي: فيما أحسب أنا. قال أبو روح لا أدري ممن الشك (٣)..

وقد اعتبر الفقهاء هذا التصريح المنسوب للرسول بمثابة بشارة عظيمةللمسلمين أجمعين أوجبت على عمر بن عبد العزيز أن يستلف الراوي ثلاثمرات أنه سمع هذه الرواية عن أبيه عن الرسول (ص) فحلف له (٤)..

وقال النووي: قوله (ص) يجئ يوم القيامة ناس معناه أن الله تعالى يغفرتلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهموذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين لا بد من هذا التأويل لقولهتعالى: " ولا تزار وازرة وزر أخرى) (٥)..

وهذا الكلام من قبل الفقهاء إنما يمثل قمة التعصب الديني ضد الآخرينذلك التعصب الذي برر لهم استحلالهم في الحياة الدنيا على ضوء الرواياتالمنسوبة للرسول ووبرر لهم استحلالهم في الآخرة أيضا على ضوء هذه الرواياتالتي تفوح منها رائحة العنصرية والاستعلاء على الآخرين..

(١) مسلم كتاب التوبة.

(٢) المرجع السابق..

(٣) المرجع السابق..

(٤) مسلم. كتاب التوبة هامش باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله..

(٥) المرجع السابق..

٢٨٦

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يستقيم مثل هذا التصور مع قولهتعالى (كل نفس بما كسبة رهينة).

والظاهر أن النووي شعر بالحرج وعدم استقامة مثل هذه الروايات معنصوص القرآن فقال إن الله يدخل اليهود والنصارى النار بأعمالهم لا بذنوبالمسلمين وأنه لا سبيل إلا الالتزام بهذا التأويل مخافة التصادم مع قوله تعالى (ولاتزر وازرة وزر أخرى) كما شعر بهذا الحرج من قبله عمر بن عبد العزيز فاضطرأن يستحلف الراوي ثلاث مرات. حتى أن الراوي نفسه شكك في نص الروايةوهو ما يبدو من قوله فيما أحسب أنا. وقول الآخر لا أدري ممن الشك..

ومثل هذا كثير في عالم الرواة والرواية وهو كاف وحده لأمثال الفقهاء أنيحكموا عقولهم فيما ينقلون لا أن يسارعوا إلى التبرير واستنباط الأحكام منروايات قليل من التأمل فيها يكفي لدحضها..

ولا أدري هل مثل هذه الروايات تقرب أصحاب الديانات الأخرى منالإسلام أم تباعدهم عنه..؟ إنها بلا شك تنفرهم منه وتقوي من نزعة الأعداء لديهمتجاهه. وبهذه المناسبة نحن نبشر المسلمين العصاة أن تقر أعينهم ويستريح بالهمفعدد اليهود والنصارى اليوم هو أكثر من المسلمين بكثير. وفكاكهم من النار يومالقيامة واقع لا محالة وبأكثر من فرد منهم..

وعلى ضوء هذه الروايات وغيرها أجمع الفقهاء على نسبة الظلم إلى اللهسبحانه وأن ذلك الأمر يدخل في مطاق مشيئته فإن شاء أدخل العصاة الجنة وأدخلالطائعين النار..

يقول الأشعري: أجمع الفقهاء على أن الله كان قادرا على أن يخلق جميعالخلق في الجنة متفضلا عليهم بذلك. لأنه تعالى غير محتاج إلى عبادتهم. وأنهقادر أن يخلقهم كلهم في النار ويكون بذلك عادلا عليهم لأن الخلق خلقه والأمرأمره.. (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (١)..

(١) أصول أهل السنة والجماعة المسماة رسالة الثغر. ط القاهرة..

٢٨٧

ويقول ابن حنبل: والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوهومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قاء قضاه وقدر أقدرهعليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل لا يجاوز قضاءه بل هم كلهمصائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لأفعاله وهو عدل منه عز ربناوجل والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللهوالمعاصي كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة بللله الحجة البالغة على خلقه. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ومن زعم أن اللهشاء لعباده الذين عصوا الخير والطاعة وأن العباد شاؤوا لأنفسهم الشر والمعصيةفعملوا على مشيئتهم. فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله تبارك وتعالى.

فأي افتراء أكثر على الله عز وجل من هذا (١)..؟

ويقول ابن تيمية: والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم. والعبد هوالمؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم ولهمعبادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم (٢)..

ويذهب البخاري وسائر الفقهاء إلى أن أفعال العباد مخلوقة. وقد عقد ابنحجر فصلا واسعا للدفاع عن هذه الفكرة في شرحه للبخاري (٣)..

وهذه النصوص كلها تشير إلى فكرة الجبرية التي تقوم عليها عقيدة أهلالسنة والتي ليس لها إلا نتيجة واحدة وهي نسبة الظلم إلى الله سبحانه تلك الفكرةالتي قامت على أساس روايات مشكوك فيها ثم تفسير النصوص القرآنية الخاصةبالمشيئة الإلهية والقضاء والقدر على ضوئها..

- الرسول والحكام:

إن مما يلفت النظر في كتب السنن هو تلك الروايات المنسوبة للرسول

(١) الرد على الجهمية والزنادقة ط السعودية..

(٢) العقيدة الواسطية..

(٣) فتح الباري ح‍ ١٣ / ٤٥٢. باب قول الله تعالى (والله خلقكم وما تعملون). كتابالتوحيد..

٢٨٨

(ص) المتعلقة بالحكام. فهذه الروايات تبدو وكان الذين نطقوا بها هم الحكامأنفسهم لا الرسول فهي تدفع بالأمة نحو الحكام وتربط مصيرها بهم وتباركمواقفهم وممارساتهم وتوطن في أذهان المسلمين فكرة الحكم الإلهي الذي لايجوز الطعن فيه أو المساس به بأي صورة من الصور..

ولم يحدث أن اجتمع الفقهاء في تاريخهم على قضية مثلما اجتمعوا علىقضية الحكام ووجوب طاعتهم وتجريم محاولات الخروج عليهم..

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن هؤلاء الفقهاء ورواياتهم وفقههمقد تم تسييسه وإخضاعه ليكون في خدمة الوضع الذي ساد بعد وفاة النبي (ص)والذي ظل سائدا حتى اليوم..

وأول ما يلفت النظر من هذه الروايات تلك التي تتعلق بقريش وحصر دائرةالحكم في محيطها..

يروى عن النبي (ص) قوله: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهماثنان " (١)..

وفي رواية أخرى: " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهموكافرهم تبع لكافرهم " (٢)..

يقول الفقهاء: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصةبقريش وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف فيهذا فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن دونهم بالأحاديث الصحيحة.

قال القاضي: اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة وقد احتج به أبو بكروعمر على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد. ولم ينقل عن أحد من السلفقول أو فعل يخالف ما ذكرنا وكذلك من بعدهم ولا اعتداد بقول النظام - المعتزلي- ومن وافقه من الخوارج أنه يجوز كونه من غير قريش (٣)..

(١) مسلم كتاب الإمارة. والبخاري كتاب المناقب وكتاب الأحكام..

(٢) المرجعين السابقين..

(٣) مسلم كتاب الإمارة. هامش باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش..

٢٨٩

وقال ابن حجر: ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكونقرشيا (١)..

إن الوقائع التاريخية تؤكد أن هذه الروايات مختلقة ومن صنع السياسة وأنالفقهاء يكذبون. فالمسلمون على مر تاريخهم منذ توفي الرسول وحتى اليومخضعوا لأصناف شتى من الأحكام من قريش ومن غيرها وحتى من المماليك العبيدوالأتراك..

من هنا فنحن أمام هذا الشاهد بين أمرين:

إما أن نكذب الروايات وبالتالي نكذب الفقهاء..

وإما أن نكذب التاريخ والوقائع..

والأرجح بالطبع هو الأمر الأول. فحتى على فرض التسليم بصحة هذهالروايات فإن الاجماع لم ينعقد على حاكم قرشي واحد في تاريخ المسلمين بدايةمن السقيفة وحتى سقوط الدولة العباسية. فجميع هؤلاء الحكام فرضوا أنفسهمعلى المسلمين بقوة السيف ولم تكن هناك شورى ولا شئ من هذا (٢)..

وقد وقع الخلاف حول أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وبنو أمية وبنوالعباس من قبل الصحابة والتابعين وجماهير المسلمين وهذا ما تؤكده الوقائعالتاريخية في فترة السقيفة والفترات التي بعدها (٣)..

والفقهاء إنما يسايرون الوضع القائم والذي يستمد شريعته من مرحلة السقيفةفمن ثم يجب عليهم أن يدافعوا عن هذه المرحلة التي نبع منها النهج القبلي الذيأنجب إسلام الروايات الذي يتعبدون به (٤)..

يروى أن عبد الله بن عمر كان يتحدث أنه سيكون ملك من قحطان. فبلغمعاوية الأمر فغضب وخطب في الناس قائلا: بلغني أن رجالا منكم يتحدثون

(١) فتح الباري ح‍ ١٣ / ١٠١. كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش..

(٢) أنظر لنا هذه القضية في كتابنا السيف والسياسة..

(٣) أنظر مرجع السابق وكتب التاريخ فترة السقيفة وما بعدها..

(٤) أنظر السيف والسياسة..

٢٩٠

الأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فإياكموالأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله يقول: " إن هذا الأمر في قريشلا بعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " (١)..

ونخرج من هذه الرواية بما يلي:

أولا: إن معاوية استفزه تصريح ابن عمر أنه سيكون ملك من خارج قريشوهذا التصريح بلا شك منسوب للرسول (ص) "..

ثانيا: إن معاوية سب ابن عمر واتهمه بالجهالة..

ثالثا: إن معاوية اعتبر تصريح ابن عمر مناقضا لكتاب الله ولم يؤثر عنالرسول.

رابعا: إنه لم يصدر نفي من ابن عمر أورد على معاوية..

خامسا: إن معاوية هدد الذين يفكرون في الخروج عن الخط القرشي..

سادسا: إن معاوية اعتبر معاداة قريش معاداة لله سبحانه..

وأمام هذه النتائج التي خرجنا بها من هذه الرواية نقول:

إن القوم يشهدون بأن ابن عمر من حملة علم الرسول ولم يشهدوا بذلكلمعاوية وهذا يعني أن موقف ابن عمر يقوم على أساس علمي. إذن كيف يحقلمعاوية تجهيله؟

نقل ابن حجر قول بعضهم: وإنما أنكر معاوية خشية أن يظن أحد أنالخلافة تجوز في غير قريش فلما خطب بذلك دل على أن الحكم عندهم كذلكإذ لم ينقل أن أحدا منهم أنكر عليه (٢)..

ولكن هل كان ابن عمر يجهل أن الخلافة في قريش؟

ثم إن معاوية لم يقم الدليل على أن الحكم القرشي يوافق كتاب الله؟

(١) البخاري. كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش.

(٢) فتح الباري ح‍ ١٣ / ٩٨. الباب السابق.

٢٩١

كما لم يقم الدليل على أن كلام ابن عمر يناقض القرآن؟

لقد نسي الفقهاء أن معاوية أنكر رواية ابن عمر برمتها ولم يقوم بتأويلها.

إن تصدي معاوية للدفاع عن فكرة القرشية وهو على كرسي الحكم يعني أنهيدافع عن نفسه وعن حكمه. إذ أن أي خطر يهدد هذه الفكرة هو بالتالي يهددعرشه الذي قام على أساسها..

ولا يخفى على أحد كيف وصل معاوية إلى الحكم وأقام أول نظام ملكيفي تاريخ المسلمين..؟

لذا يمكن القول إن فكرة القرشية هي فكرة قبلية برزت في سقيفة بني ساعدةلدعم المهاجرين ضد الأنصار ثم استثمرت سياسيا من بعد هذه المرحلة فيمواجهة التيارات المعارضة..

ولو كانت فكرة القرشية صحيحة لكان من الواجب أن يتم تطبيقها بغير هذهالصورة. إذ أن التطبيق الصحيح يقتضي أن يختار من يقوم بالأمر من أفضل بيوتاتقريش وأعلاها مقاما. وبتحديد أكثر فإن الأمر يصب في البيت الهاشمي أشرفبيوتات قريش وهو بيت الرسول الذي نص في الرواية الصحيحة عند القوم على أنالله اصطفى من قريش بني هاشم واصطداه من بني هاشم فهو خيار من خيار منخيار (١)..

إلا أن فكرة القرشية انحرفت إلى بيت أبي بكر ثم بيت عمر ثم عثمان ثماستقرت عند معاوية الذي أورثها ولده. وهذا دليل على كونها فكرة من اختراعمرحلة السقيفة..

ونظرا لإيماننا المطلق أن الرسول (ص) لا يطلق الكلام من باب العبثوإنما يتكلم بقدر ولغرض نفع الإسلام لا الاضرار بهم أو إيقاع الظلمعليهم. فإننا من هذا الباب نحكم ببطلان مثل هذه الروايات. إذ لا يعقل أن يبشرالرسول بقريش ويحصر الحكم فيها بينما كل الحكام الذين خرجوا منها عاثوا في

(١) مسلم كتاب الفضائل. فضل نسب النبي. وانظر الترمذي وكتب السنن الأخرى..

٢٩٢

الأرض فسادا واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم.. وهل يبشر الرسول بالقبلةوالظلم والفساد وهو الذي جاء رحمة للعالمين..؟

وإذا ما تبين لنا هذا فلنتأمل الروايات الأخرى التي تتعلق بهؤلاء الحكامالقرشيين والحكام عامة..

يروى عن الرسول (ص) قوله: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقدعصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني " (١)..

ويروى عنه (ص): " من كره من أميره شيئا فليصبر. فإنه من خرج عنالسلطان شبر مات ميتة جاهلية " (٢)..

ويروى عنه (ص): " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له.

ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " (٣)..

ويروى عنه (ص): " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومنأنكر سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا أفلا نقاتلهم. قال لا ما صلوا " (٤)..

وفي رواية أخرى إضافة: " وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فأكرهواعمله ولا تنزعوا يدا من طاعة " (٥)..

ويروى عنه (ص): " ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمةوهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان " (٦)..

وفي رواية أخرى: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقعصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " (٧)..

(١) مسلم كتاب الإمارة. والبخاري كتاب الأحكام..

(٢) مسلم كتاب الإمارة. والبخاري كتاب الفتن..

(٣) مسلم كتاب الإمارة..

(٤) مسلم كتاب الإمارة..

(٥) المرجع السابق..

(٦) المرجع السابق..

(٧) المرجع السابق..

٢٩٣

ويروى عنه (ص): " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتيوسيقوم فيعم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنسي ". قلت: كيف أصنعيا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذمالك فاسمع وأطع (١)..

قال الفقهاء: قوله (ص): " من أطاعني فقد أطاع الله هذا مقبس من قولهتعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله به فمن فعلما آمره به فإنما أطاع الله الذي أمرني أن آمره " (٢)..

وذكر الخطابي سبب اهتمام النبي (ص) بشأن الأمراء حتى قرن طاعتهم إلىطاعته فقال: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يدينون لغيررؤساء قبائلهم فلما كان الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرت ذلك نفوسهم وامتنعبعضهم من الطاعة فأعلمهم (ص) أن طاعتهم مربوطة بطاعته ومعصيتهم بمعصيتهحثا لهم على طاعة أمرائهم لئلا تتفرق الكلمة (٣)..

وقال النووي: ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولاتتعرضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهموقولوا بالحق أينما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام وإن كانوا فسقة ظالمينوسبب هذا التحريم ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البينهذا ما عليه جمهور العلماء وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبيروأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول علىالحجاج مع ابن الأشعث (٤)..

وزعم بعض الفقهاء أن هذه الروايات خاصة بالأنصار أي الهدف منهاالزامهم بطاعة المهاجرين الذين سوف ينحصر الحكم فيهم (٥)..

(١) المرجع السابق..

(٢) مسلم هامش باب وجوب طاعة الأمراء كتاب الإمارة..

(٣) المرجع السابق..

(٤) المرجع السابق هامش باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء.. وانظر شرح النووي.

(٥) فتح الباري ح‍ ١٣ / ٤ كتاب الأحكام..

٢٩٤

قال ابن حجر: قد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلبوالجهاد معه وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حق الدماءوتسكين الدهماء (١)..

وقال آخر: قوله (ص) " فإنما عليهم - أي على الحكام - ما حملوا وعليكمما حملتم " تعليل لقوله " اسمعوا وأطيعوا ". أي هم يجب عليهم ما كلفوا به منإقامة العدل وإعطاء حق الرعية فإن لم يفعلوا فعليهم الوزر والوبال وأما أنتمفعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق فإن قمتم بما عليكم يكافئكمالله سبحانه بحسن المثوبة (٢)..

ويعتبر الفقهاء أن من خرج عن طاعة الإمام وفارق جماعة الإسلام وماتعلى تلك الحالة يموت ميتة جاهلية أي على هيئة موت أهل الجاهلية فإنهم كانوالا يطيعون أميرا ولا ينضمون إلى جماعة واحدة بل فرقا وعصائب يقاتلبعضهم بعضا (٣)..

وقد أشرنا سابقا إلى أن الفقهاء تبنوا موقف ابن عمر ومذهبه تجاه الحكاموحظروا القيام على الحكام الفاسق (٤)..

والسؤال هنا: لماذا ابن عمر لا عليا أو حذيفة أو أبي ذر أو ابن مسعود أوغيرهم؟

والجواب ببساطة أن ابن عمر مثل التوجه المهادن للحكام من بعد مقتل أبيهومن ثم اعتمدت رواياته ومواقفه من قبل معاوية وبني أمية. أما علي أو حذيفة أوأبو ذر أو ابن مسعود فقد مثل هؤلاء جميعا وغيرهم الاتجاه الرافض للوضع الذيساد من بعد وفاة الرسول (ص) بداية من حكم أبي بكر وحتى حكم معاويةوولده..

(١) المرجع السابق ص ٥..

(٢) مسلم. هامش باب طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق. كتاب الإمارة..

(٣) المرجع السابق باب الأمر بلزوم الجماعة..

(٤) أنظر باب الرسول المشرع من هذا الكتاب..

٢٩٥
٢٩٦

وكلام ابن حجر هذا فيه اعتراف بأن معاوية لم يكن أحق الناس بالحكم وأنهفرض نفسه بالقوة لا بالسبق إلى الإسلام والعبادة. أما ابن عمر فلم يكن هذا رأيه.

وهو كلام فيه وهن وسفاهة إذ يعتبر أن موقف معاوية وجرائمه هي مجرد رأي..

أما موقف ابن عمر الذي بايع حسما للفتنة - كما يروى - فكأنه يشير إلى أنهناكم ثقل ووزن جماهيري لابن عمر يخشى منه الدخول في صدام مع معاوية وهوغير صحيح وكل ما في الأمر أن شخصية ابن عمر كانت شخصية سلبية وعاجزةعن اتخاذ القرار المناسب في مواجهة الواقع وهو ما يظهر لنا من خلال علاقتهبزوجته المشاكسة التي لم يكن يقوى على طليقها. كما كانت شخصية ابن عمرشخصية قشرية مسطحة ليس لها إلا ظاهر الأمر وهو ما يتضح من خلال تشدده فياللباس (تقصير ثوبه) واللحية وقيام الليل والمبالغة في الوضوء حيث كان يتعمدإدخال الماء في عينيه حتى ذهب بصره. وشخصية كهذه لا شأن لها بالسياسةوالحكم وهو ما يفسر لنا تمسكه بظاهر الروايات الخاصة بالحكام وتطبيقها على بنيأمية..

يروى: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية (عام ٦٣ هـ) جمع ابن عمرحشمه وولده فقال: إني سمعت النبي (ص) يقول: " ينصب لكل غادر لواء يومالقيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل - يزيد - على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدراأعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال. وإني لا أعلمأحد منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر - أي غير يزيد - إلا كان الفيصل بينيوبينه " (١)..

ووقت هذه الرواية هو يوم وقعة الحرة حين اقتحمت جيوش يزيد المدينةواستباحتها ثلاثة أيام حتى لم تبق في المدينة عذراء واحدة وحملت أكثر من ألفامرأة سفاحا وأسرفوا في القتل ثم أجبروا أهلها على البيعة ليزيد على أنهم عبيدله (٢)..

(١) البخاري كتاب الفتن..

(٢) أنظر كتب التاريخ أحداث وقعة الحرة.. وانظر فتح الباري ح‍ ١٣ / ٥٩ كتاب الفتن..

٢٩٧

وبالطبع لم يمس جيش يزيد ابن عمر أو أهله بسوء. وابن عمر بدوره آثر أنيقوم بدور المتفرج على هذه المجزرة الوحشية لأبناء الرسول والأنصار في المدينةولعله كان يتشفى فيهم لمخالفتهم إياه..

ولكن هل غفل ابن عمر عن النصوص الصريحة التي جاءت على لسانالرسول (ص) والتي تحرم انتهاك المدينة (١)..؟

إن مثل هذا الموقف من ابن عمر يكشف لنا مدى جنبه وانهزاميته..

وإن تعلقه برواية الغدر يكشف لنا مدى قشريته وفهمه السطحي للنص..

ولقد استمر ابن عمر على موقفه الانهزامي المداهن للحكام حتى عصرالحجاج سفاح الأمة والذي كان يصلي وراءه. وليس هناك أكثر من الصلاة وراءمجرم كالحجاج كدليل على جبن هذا الرجل وسفاهته. ولا يقال إن موقف ابنعمر هذا من باب حسم الفتنة وتوحيد الكلمة فالحجاج لم يكن إلا ذنب من أذناببني أمية ولم يكن إمام المسلمين..

هل بعد هذا كله يجوز أن نضع مثل هذا القشري الجبان قدوة لنا نتلقى منهالدين وعلم الرسول؟

والإجابة بالطبع لا. ولكنها السياسة والفقهاء الذين استنبطوا من صلاته وراء

(١) يروى عن الرسول (ص) قوله: " من حمل علينا السلاح فليس منا ". (البخاري كتابالفتن ومسلم كتاب الإيمان)ويروى عنه (ص) " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " (مسلموالبخاري وكتاب الإيمان)..

ويروى عنه (ص): " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء "(مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب فضائل المدينة).

ويروى عنه (ص) " من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "(مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة).

وإذا كان ابن عمر قد غفل عن هذه الروايات فهو جاهل.

وإذا كان يعلم بها ولم يتخذ موقفا فهو جبان.

والأمر الثاني هو الأرجح بالطبع..

٢٩٨

الحجاج قاعدة تقول بجواز الصلاة وراء كل بر وفاجر واعتبروها من العقيدة كمااعتبروا طاعة الحكام والحج معهم والجهاد من ورائهم من العقيدة التي يجب علىالمسلم أن يتمسك بها وإلا كان من الهالكين وفقد الأمل في النجاة من النار (١)..

ويروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يجلس في ظل الكعبة والناسمجتمعون حوله فقال:.. من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إناستطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. فدنا منه أحد السامعين وقال له:

أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقالسمعته أذناي ووعاه قلبي. فقال له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنابيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكمبالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكمرحيما) قال فسكت ساعة ثم قال - أي ابن عمرو - أطعه في طاعة الله واعصه فيمعصية الله (٢)..

يقول الفقهاء: أمقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بنعمرو وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول وأن الثاني يقتل أعتقد أن هذاالوصف في معاوية لمنازعته عليا وكانت قد سبقت بيعت علي فرأى هذا أن نفقةمعاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المالبالباطل ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق. وقوله أطعه في طاعة الله واعصه..

الخ. فيه دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد. كذاقال النووي وقيل يشكل قول عبد الله هذا مع وجود علي وانعقاد الخلافة له بأهلالحل والعقد من المهاجرين والأنصار يريد بذلك الإشارة إلى ما نفس الحديث منقوله فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر إلى ما جاء في الحديث الآخر منوجوب الوفاء ببيعة الأول وقد كان علي هو الأول فكيف يأمر بطاعة من خرج عليه

(١) أنظر كتب عقائد أهل السنة مثل العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية وعقيدة أهل السنةلابن حنبل. وأصول أهل السنة للأشعري وغيرها من كعب العقائد..

(٢) مسلم. كتاب الإمارة. باب الوفاء ببيعة الخلفاء..

٢٩٩

وهو إشكال وارد إلا أن يكون حديث عبد الله هذا قد جرى بعد موت عليواستتاب الأمر لمعاوية (١)..

وقد لخص السيوطي تاريخ الخلفاء في كتاب من أبي بكر حتى خلفاء بنيالعباس الذين كانت خلافتهم جرد صورة وواجهة لحكم المماليك العبيد فيمصر..

يقول السيوطي عن كتابه: ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولميتم الأمر له ككثير من العلويين وقليل من العباسيين ولم أورد أحدا من الخلفاءالعبيديين - الفاطميين - لأن إمامتهم غير صحيحة (٢)..

ومل يمكن قوله حول كتاب السيوطي هذا هو أنه قدم لنا خدمة كبيرة بجمعهكل هذه الروايات عن الحكام وأحكامهم وهي كافية للدلالة على انحرافهم وفسادحكمهم وعدم جدارتهم بتولي أمر المسلمين (٣)..

ومثل هذه النتيجة التي نخرج بها من تاريخ الحكام تضعنا بين أمرين:

إما أن نقر بصحة هذه الروايات الواردة على لسان الرسول عنهم وبالتالينتهمه بالظلم وإضفاء الشرعية على الفساد..

وإما أن نقر بأن هذه الروايات باطلة أو قصد بها أناس صالحون وتمتحريفها..

والأمر الثاني هو المختار بالطبع..

أما أقوال الفقهاء وتبريراتهم لهذه الروايات فقد أكدت لنا أن هؤلاء الفقهاءوقعوا في فخ السياسة ودانوا لها وعاشوا في خدمتها وبدلا من أن يدافعوا عنالرسول (ص) بنقض هذه الروايات الواضح بطلانها ومخالفتها للقرآن وروح الدين

(١) مسلم. كتاب الإمارة. هامش باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول..

(٢) مقدمة تاريخ الخلفاء..

(٣) ألقى كتاب السيوطي الضوء على حالات السكر والعربدة والزنا والشذوذ الجنسي وحتىالإلحاد والاستهانة بالإسلام من خلال عرضه لتاريخ الحكام الأمويين والعباسيين..

٣٠٠