×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

الذي جاء يبشر بالعدل والإحسان لا بالظلم والفساد. شمروا عن سواعدهمسخروا أقلامهم وألسنتهم في الدفاع عن الحكام حتى أنهم جعلوا طاعتهم والولاءلهم من العقائد (١)..

(١) أنظر كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي. وهو يحوي كم هائل منالتبريرات لسلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان ثم معاوية وولده..

وانظر كتب العقائد..

٣٠١

الرسول المتطرف..



الرسول يبشر بالدم
ويهدد المسلمين ويمنح
الحكام شرعية ذبح
الخارجين عليهم..
٣٠٢
٣٠٣

هل جاء الرسول ليهدد ويتوعد ويحرق بيوت الناس؟

هذا ما جاءت به الروايات..

هل جاء الرسول ليهدد أهل الكتاب ويعزلهم عن المجتمع ويحط منقدرهم..؟

هذا ما جاءت به الروايات..

هل جاء الرسول لنصرة الحكام ومنحهم شرعية ذبح المخالفين لهموالخارجين عليهم..؟

هذا ما تصوره الروايات..

لقد أظهرت الروايات والتبريرات الفقهاء لها الرسول بمظهر التطرفوالعدوانية على المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى..

وكان أن استثمرت القوى الحاكمة هذه الروايات وتبريرات الفقهاء لها فيقمع المسلمين وإراقة الدماء وزرع الطائفية في المجتمع الواحد. كما استثمرهاأعداء الإسلام في حملتهم الشعواء ضد هذا الدين الذي وصفوه بالدمويةوالتعصيب..

وجاءت الحركة الوهابية الحنبلية في العصر الحديث لتؤكد هذا المفهومحيث تبنت جميع الروايات المتطرفة المنسوبة للرسول (ص) وأعملت السيف فيرقاب المسلمين وتمكنت من إقامة دولة شعارها السيف لا الدعوة بالحكمةوالموعظة الحسنة..

وبدعم من الحركة الوهابية تم زرع التطرف في ربوع العالم الإسلامي عنطريق شراء الرموز والمؤسسات والتيارات الإسلامية التي تشبعت بالفكر الوهابيوقامت بنشر الارهاب الفكري وإراقة دماء المخالفين وزرع بذور الشقاق بينالمسلمين..

٣٠٤

وفي ظل هذا الجو بدا وكأننا نعيش عصر محاكم التفتيش خاصة وبعد أنتمكن المد الوهابي من التغلغل في الحكومات..

وعاش أصحاب الفكر والرأي في خوف من فرعون وملائه بعد أن أصبحالرأي المخالف مجرما ومناهضا للحكم القائم ومبررا للبطش والتنكيل..

- ضد المسلمين:

يروى عن الرسول (ص) قوله: " بعث بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبدالله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار علىمن خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم " (١)..

قال ابن رجب الحنبلي: والذي يظهر أن في القرآن أربعة سيوف. سيفعلى المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا فإما منا بعد وإما فداء وسيف علىالمنافقين وهو سيف الزنادقة. وقد أمر الله بجهادهم والاغلاظ عليهم في سورةبراءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب. وسيف على أهل الكتاب حتى يعطواالجزية. وسيف على أهل البغي وهو مذكور في سورة الحجرات ولم يسل (ص)هذا السيف في حياته (٢)..

ويبدو من كلام ابن رجب أنه استند إلى القرآن لدعم موقفه من هذه الروايةالمتطرفة المنسوبة للرسول. وهذه نادرة من نوادر الفقهاء إذ أنهم لا يلجأون إلىالقرآن ليدعموا به الروايات فهم قد استغنوا بها عن القرآن..

إلا أن هذه الرواية تفوح منا رائحة السياسة واستناد ابن رجب إلى القرآناستناد في غير موضعه وهو لا يخرج عن كونه محاولة لتسييس النص القرآني فهذهالسيوف الأربعة التي ذكرها إنما هي سيوف خاصة بالرسول وهو المختار من قبلالله سبحانه لتطبيق أحكامه. وهو الشخصية الوحيدة التي سوف تغمد هذا السيففي موضعه. فإن أحكام الدماء لا يؤتمن عليها إلا الرسول..

(١) رواه أحمد والطبراني. أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي (ص) " بعث بالسيفبين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي ".

(٢) أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة..

٣٠٥

لكن الفقهاء أعطوا الحكام صلاحيات العمل بالسيف وهم أحلوهم بذلكمكان الرسول وفق روايات مخترعة استعرضناها في باب الرسول الظالم..

ومن هنا فإن هذه السيوف الأربعة التي ذكرها ابن رجب هي من صلاحياتالحكام أو من أطلقوا عليهم لفظ الأئمة زورا وبهتانا لكي يضلوا الأمة عن الأئمةالحقيقيين الذين أشار إليهم الرسول (ص)..

ومن هنا أيضا أعملت السيوف في رقاب المسلمين من قبل الحكام بتهمةالزندقة تارة والبغي تارة والخروج على جماعة المسلمين تارة أخرى..

قال النووي: الزنديق هو الذي يعترف بالدين ظاهرا وباطنا. لكنه يفسربعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليهالأمة (١)..

إن الفقهاء قد عبدوا الأمة للرجال وعلى رأسهم الحكام الذين منحوهمشرعية تصفية الخارجين عن هذا الخط بتهمة الزندقة..

ولأن الأمة من بعد الرسول لم تلتزم بوصيته وتتبع الأئمة الذين أشار إليهمفمن ثم هي قد وقعت في براثن الحكام الذين أحلوا أنفسهم مكان الأئمة وحملواالسيوف ليضعوها في غير موضعها..

والفقهاء يريدون منا أن نساير هذا الوضع ونقره..

يريدون منا أن نقر تلك المجازر الوحشية التي ارتكبها الحكام باسم الإسلامتحت شعار الجهاد في سبيل الله..

يريدون منا أن نقر تلك المذابح التي قام بها هؤلاء الحكام ضد المسلمينباسم البغي والخروج على جماعة المسلمين..

يريدون منا أن نقر عمليات التصفية الجسدية والإطاحة برقاب أصحاب الرأيتحت شعار الزندقة..

(١) المرع السابق..

٣٠٦

إن المتابع لسلوك ومواقف الإمام علي من بعد الرسول تتجلى له هذهالحقيقة بوضوح فهو أولا لم يشارك فيما سمي بحركة الفتوحات..

وهو ثانيا الشخص الوحيد الذي بشر به الرسول (ص) كشاهر للسيف فيمواجهة أهل القبلة. فهو قاتل عائشة وطلحة والزبير وغيرهم.. ثم قاتل الخوارجمن بعدهم. ثم قاتل معاوية من بعد ذلك (١)..

ونظرة إلى حركة الإمام علي وكيفية تطبيقه لأحكام السيف يتبين لنا أنه لافرق بين تطبيقه وتطبيق الرسول..

يتبين لنا أنه لم يكن يقاتل لغرض القتال وإنما لغرض الدفاع..

ويتبين لنا أنه كان يقاتل بخلق الإسلام لا بخلق الحكام..

يتبين لنا ذلك بوضوح إذا ما نظرنا إلى الجبهات الأخرى التي كانت تواجههوالتي كانت تقاتل من أجل الدنيا..

فهو قد رد عائشة آمنة مطمئنة إلى بيتها ما ارتكبته من جرائم وما تسببتفيه من مفاسد وإراقة دماء المسلمين..

وهو لم يقاتل الخوارج لأنهم قد خرجوا عليه وخالفوا نهجه وإنما قاتلهمعندما رفعوا شعار التكفير واستحلوا أموال المسلمين ودمائهم..

وهو لم يقاتل معاوية من أجل الحكم وإنما قاتل معاوية دفاعا عن الإسلامالذي جاء معاوية لهدمه وتزييفه..

يروى أن رجلا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو. فقال: إني سمعت رسولالله (ص) يقول: " إن الإسلام بني على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاةوإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت " (٢)..

وابن عمر هو فقيه الصحابة الذي يعتمد القوم على رواياته لم يكن له دورفيما سمي بحركة الفتوحات وهذا الموقف من قبله يضعنا بين أمرين:

(١) أنظر تفاصيل هذه المعارك في كتب التاريخ.. وانظر الصواعق المحرقة لابن حجرالهيثمي. والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي. وانظر لنا السيف والسياسة(٢) مسلم. كتاب الإيمان..

٣٠٧

الأول: أن يكون له برهان شرعي تجاه هذه الغزوات..

الثاني: أن يكون جبانا لا يقوى على القتال..

ونحن نرجح الأمرين معا..

يروى أن رسول الله (ص) رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه.

وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ". فقيل للرجل بعد ما ذهبرسول الله. خذ خاتمك فانتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسولالله (١)..

قال الفقهاء: قوله فنزعه فطرحه. وهذا أبلغ في باب الانكار. ولذا قدمه(ص) في قوله: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ". وقال النووي: فيه إزالةالمنكر باليد لمن قدر عليها. وقيل: نزع الخاتم من يده وطرحه دليل على غضبعظيم وتهديد شديد وفيه أن النهي للتحريم المتوعد عليه بالنار وقول صاحبه لاآخذه مبالغة في اجتناب النهي إذ لو أخذه لجاز ولكن تركه تورعا لمن يأخذه منالضعفاء لأنه نهاه عن لبسه خاصة لا عن التصرف فيه بغير اللبس (٢)..

إن الفقهاء لم يتطرقوا إلى هذا السلوك الذي بدر من الرسول (ص) وكونه لايتلاءم مع خلقه العظيم فهو لا يخرج عن كونه تصرف شائن ومعالجة متطرفةلسلوك فرد لا يصطدم بجوهر الدين. وهو يتناقض مع دعوة الرسول إلى الرفقواللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي نص عليها القرآن... وكل ما يعنيالفقهاء هو تبرير هذا السلوك ثم استنباط أحكام تشريعية منه. دون إعمال العقل فيالرواية والعمل على مطابقتها بالقرآن...

ومثل هذا التبرير هو الذي خلق التيارات المتطرفة في تاريخ المسلمين وعلىرأسها تيار الحنابلة الذي يتعبد بالروايات ويقدمها على القرآن وعلى العقل حتىولو كانت ضعيفة ومشكوك في صحتها سندا..

(١) مسلم. كتاب اللباس والزينة..

(٢) مسلم. هامش باب في طرح خاتم الذهب. كتاب اللباس والزينة.

٣٠٨

وتيار الحنابلة هو الذي خلق الفقيه المتطرف ابن تيمية الذي خلق بدورهوبطرحه التيار الوهابي الذي ساد واقع المسلمين اليوم بالدنانير والريالات وخلق لنافي النهاية التيارات الإسلامية التي جعلت من هذه الأمور الشكلية (الذهب والصوروالموسيقى) وغيرها قضاياها الأساسية التي تبرر لها شهر السيوف وإراقة الدماء منأجلها..

ويروى عن ابن هريرة أن الرسول (ص) قال: " لقد هممت أن آمر بالصلاةفتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلىقوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " (١)..

وفي رواية أخرى: " ثم تحرق بيوت على من فيها " (٢)..

قال الفقهاء: المراد أناس مفقودين بعض من المنافقين فإنه لا يظن بالمؤمنينأنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع سيد المرسلين.. وقيل هذامختص بزمانه (ص) لأنه لم يتخلف عن الجمعة في ذلك الوقت إلا منافق ويحتملأن يحصل عاما فيكون تشديدا على تاركي الجمعة بغير عذر وتنبيها على عظمإثمهم (٣)..

وكلام الفقهاء هذا فيه إدانة للرسول (ص) فهو قد هم بإحراق بيوت تاركيالصلاة بمن فيها من الأطفال والشيوخ والنساء. وهذا حكم لا يوجد ما يبرره شرعالا في القرآن ولا في الروايات. فضلا عن كونه يتسم بالوحشية والهمجية التيتضع الرسول في موضع طغاة القرون الوسطى ورجال محاكم التفتيش الذين كانوايحرقون المخالفين أحياء وعلى الملأ. وإذا كان قتل الشيوخ والأطفال والنساءوحرق الأشجار والبيوت والزرع لا يجوز في زمن الحرب على المشركين وهو مانصت عليه الروايات التي يتعبد بها القوم. فهل يجوز إحراق المسلمين وفي زمنالسلم (٤)..؟

(١) مسلم. كتاب المساجد. باب فضل صلاة الجماعة والتشدد في التخلي عنها. وانظر أبوداود كتاب الصلاة.

(٢) المرجع السابق..

(٣) مسلم. هامش الباب السابق..

(٤) أنظر أبواب الجهاد في كتب السنن..

٣٠٩

وما نخرج به من هذه الرواية وتبريرات الفقهاء أن مسألة الصلاة من الضخامةبمكان بحيث تباح دماء تاركيها والمتخلفين عن أدائها جماعة..

وهذا التصور إنما هو نابع من عدة روايات منسوبة للرسول بخصوصالصلاة وهي روايات لا تخرج عن موضوع الباب..

يروى عن الرسول (ص) قوله: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إلهإلا الله وأن محمدا رسول الله. وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصومرمضان " (١)..

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمنتركها فقد كفر " (٢)..

ويروى عن أبي هريرة أن الرسول (ص) قال: " إن أول ما يحاسب به العبدبصلاته. فإن صلحت فقد أفلح وأنجح. وإن فسدت فقد خاب وخسر " (٣).

ومن هنا أفتى ابن حنبل بكفر تارك الصلاة وعدم جواز دفنه في مقابرالمسلمين. وقال آخر يحتمل أن يكون المراد بهذا الكفر كفرا يبيح الدم لا كفرايرده إلى ما كان عليه في الابتداء. وقيل إن المقصود بالكفر من تركهاجحودا (٤)..

وكون أن الصلاة من أركان الإسلام الخمس أو أنها الفيصل بين الإسلاموالكفر أو أنها وسيلة صلاح العمل والنجاة في الآخرة فجميع ذلك هو من اخترعالسياسة كي تتجه الأمة نحو الصلاة وتعتقد أن فيها خلاصها وتهمل جوهر الدينوتصبح أداة طيعة للحكام الذين يقيمون الصلاة أيضا ما دامت هي وسيلة إخضاعالأمة لهم وإلزامها بطاعتهم (٥)..

(١) مسلم. كتاب الإيمان..

(٢) النسائي. كتاب الصلاة..

(٣) المرجع السابق..

(٤) النسائي. هامش باب المحاسبة على الصلاة. شرح السيوطي وحاشية السندي.

(٥) أنظر لنا كتاب: أحاديث نبوية اخترعتها السياسة.

٣١٠
٣١١

أما الرواية الثالثة فتكشف انحياز الرسول للمسلم ضد اليهودي في قضيةسلوكية ترتبط بالأدب والأخلاق ولا صلة لها بأمر الاعتقاد. فهو لم يقتصلليهودي من المسلم وكل ما أظهرته الرواية هو أن الرسول زكى موسى (١)..

وهذه الروايات المتطرفة المتعلقة بأهل الكتاب إنما هي خاصة بمرحلةالرسول (ص) وما كان يقوم به اليهود من دور تآمري ضد الرسول والإسلام. أمااليوم فما هو ذنب الشعوب المستضعفة التي تدين بالمسيحية أو غيرها من الأديان؟

إن على المسلمين أن يدركوا أن نزعة العداء هذه يجب أن تتجه إلى الحكاملا إلى هذه الشعوب. فهذا العداء هو المقصود من النصوص القرآنية المتعلقة بأهلالكتاب التي تزدحم بها سورة التوبة وغيرها من سور القرآن..

أما نصوص الفقهاء التي تنادي بهدم الكنائس والبيع وغيرها من المعابدوإلزام أهل الكتاب بلباس خاص ومنعهم من إشهار شعائرهم إلى آخر تلكالنصوص التي تكتظ بها كتب الفقه. فهذه النصوص جميعها لا تخرج عن كونهاأقوال رجال نبعت من واقع لا صلة له بالإسلام وهو واقع تلك الدول الملكيةالمنحرفة وفي مقدمتها الدولة الأموية والدولة العباسية تلك الدول العنصرية التيكان هدفها هو جمع الأموال وكنز الذهب والفضة والنفائس عن طريق الجزيةوالخراج (٢)..

ومثل هذه السياسة هي التي دفعت بعمر بن عبد العزير أن يصدر قرار بعدمالحيلولة دون دخول أهل الكتاب في الإسلام. وقد كان الحكام من قبله يحولونبينهم وبين ذلك مخافة أن يقل إيراد الدولة من الجزية والخراج - وقال قولتهالمشهورة: إن الله ابتعث محمد داعيا لا جابيا (٣)..

إلا أنه بالتعمق في مواقف الرسول (ص) يتبين لنا أن تلك الصورة المتطرفة

(١) أنظر شرح هذه الرواية في النووي كتاب الفضائل. وفتح الباري كتاب الخصومات.

(٢) أنظر أحكام أهل الذمة لابن القيم ومجموع الرسائل والمسائل لابن تيمية. والمختصرللشافعي.

(٣) أنظر سيرة عمر بن عبد العزيز في كتب التاريخ..

٣١٢

المنسوبة للرسول غير صحيحة إذ تصطدم بنصوص قرآنية صريحة كما تصطدمبمواقف واضحة للرسول من أهل الكتاب..

فالقرآن قد نص على جواز نكاح نساء أهل الكتاب. كما نص على جوازأكل ذبائحهم وهذا يعني الموافقة على قيام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بينالمسلمين وأهل الكتاب. والعلاقات تعني الاحتكاك الدائم والتواصل. فهل يمكنأن يتحقق ذلك في ظل المقاطعة التي تبشر بها الروايات...؟

يروى أن النبي (ص) مرت عليه جنازة يهودي فقام. فقيل له إنها جنازةيهودي؟ فقال: " أليست نفسا " (١)..

ويروى أنه دخل رهط من اليهود على النبي (ص) بحضور عائشة. فقالوا:

السام عليك يا محمد. فردت عائشة: عليكم السام واللعنة. فقال الرسول: " مهلايا عائشة. فإن الله يخب الرفق في الأمر كله " (٢)..

ويروى أن الرسول (ص) كلف الإمام علي لينام مكانه ليلة هجرته من مكةويتولى رد الأمانات التي كانت بحوزة الرسول إلى أصحابها من المشركين (٣)..

(١) مسلم. كتاب الجنائز. باب القيام للجنازة.

(٢) مسلم. كتاب السلام. باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام.

(٣) أنظر كتب السيرة..

٣١٣

الرسول والأنبياء



ما طال الرسول طال
بقية الرسل..
٣١٤
٣١٥

امتدت الروايات لتشمل الرسل والأنبياء (ع) الذين نالهم ما نال الرسول(ص) من طعن وتجريح وتشويه على ألسنة الرواة.

وهذا التعميم من قبل الرواة إنما يدعونا للشك في مصادر هذه الروايات التيتوجد لها نظائر في الكتب القديمة مثل التوراة والإنجيل.

والملفت للنظر أن هذه الروايات جميعها رويت على لسان أبي هريرة الذيكان على صلة وثيقة بكعب الأحبار اليهودي الذي نسبه للإسلام الرواة.

والملفت أيضا أن الذين صنفوا كتب الروايات وضعوا هذه الروايات التيتحط من قدر الأنبياء تحت أبواب الفضائل..

وسوف نعرض هنا لنماذج من هذه الروايات التي تتعرض لنوح ولإبراهيم(ع) وموسى (ع) وسليمان (ع) وعيسى (ع) وحتى آدم (ع)..

- إبراهيم:

يروى عن الرسول (ص): " اختتن إبراهيم (ع) وهو ابن ثمانين سنةبالقدوم " (١)..

ويروى عنه (ص): " لم يكذب إبراهيم (ع) إلا ثلاث كذبات. ثنتين منهنفي ذات الله عز وجل. قوله - إني سقيم - وقوله: بل فعله كبيرهم هذا - وقال: بيناهو ذات يوم وسارة إذ أتى علي جبار من الجبابرة. فقيل له: إن ههنا رجلا معهامرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه. فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي.

فأتى سارة. قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك. وإن هذاسألني فأخبرته أنك أختي. فلا تكذبيني. فأرسل إليها. فلما دخلت عليه ذهب

(١) مسلم كتاب الفضائل. والبخاري كتاب الأنبياء. والقرم قرية من قرى الشام..

٣١٦

يتناولها بيده. فأخذ فقال: ادعى الله لي ولا أضرك. فدعت الله. فأطلق. ثمتناولها الثانية. فأخذ مثلها أو أشد. فقال ادعي الله لي ولا أضرك. فدعت.

فأطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما آتيتموني بشيطان.

فأخدمها هاجر. فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده. مهيا. قالت: رد الله كيد الكافر(أو الفاجر) في نحره وأخدم هاجر ".

قال أبو هريرة - الراوي -: تلك أمكم يا ماء السماء (١).

ويروى عنه (ص): " نحن أحق بالشك من إبراهيم. إذ قال رب أرني كيفتحيي الموتى. قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (٢)..

ويبدو من الرواية الأولى أنها تصادم العقل والعرف إذ كيف يختتن رجل فيمثل هذا السن فضلا عن كونه نبي مرسل..؟

إن هذه الرواية تمثل مهانة لإبراهيم (ع) وتصفه بالاهمال في أمر الاختتانفإذا كان الاختتان واجبا. فقد أهمل إبراهيم هذا الواجب حتى بلغ الثمانين..

وإذا كان أمرا عرفيا فما الذي يجعل إبراهيم يقدم عليه وهو في هذا السن؟

أما الرواية الثانية فهي فاضحة ولا يمكن أن تنسب إلى الرسول (ص). فليسمن الأدب أن ينسب الكذب إلى إبراهيم على لسان الرسول.

إلا أن قول إبراهيم إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا. لا يعد من بابالكذب وإنما هو من باب الذكاء والكياسة. فالقول الأول قصد به التهرب منممارسة عبادة الأصنام مع قومه. والثاني قصد به توريط قومه وتشكيكهم فيالأصنام التي يعبدونها. فبعد أن قام بتحطيمها وأدانوه بذلك نسب الفعل إلى كبيرالأصنام حتى يضعهم في حرج ما بين الاعتراف أن الأصنام لا تنفع ولا تضر وأنهالم تستطع أن تدفع الضر عن نفسها وما بين إدانة إبراهيم وهو يؤدي إلى نفسالنتيجة وهي أن الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تدفع الضر عن نفسها (٣)..

(١) المرجعين السابقين..

(٢) المرجعين السابقين..

(٣) أنظر سورة الصافات وسورة الأنبياء..

٣١٧

أما الثالثة التي هي كذبة ليست في ذات الله حسب تعبير الرواية فهي كذبةضارة لا تنم عن عقل وخلق وهو ما لا يجوز في حق إبراهيم (ع). فإن ادعائه بأنسارة شقيقته يفسد الأمر لا يصلحه وكان من الأولى أن يعترف بكونها زوجته.

وكيف لنبي أن يترك شقيقته لطاغية يعبث بها بينما هو يلجأ إلى الصلاة..؟

مثل هذا السلوك لا يبدر عن عامة الناس فكيف الحال بنبي مرسل..؟

والرواية لم تخبرنا هل كان إبراهيم يتوقع معجزة إلهية تنقذ سارة وهل أنبأبهذا. أم أن القدرة الإلهية تدخلت في الوقت المناسب لتوقف الملك الطاغية عندحده؟

إن الرواية تهدف من أولها إلى آخرها إلى إلقاء الضوء على هاجر أمإسماعيل. ولكن أليس من الأفضل أن تبرز هاجر في حياء إبراهيم بسبيل آخر غيرهذا السبيل الذي فيه امتهان لإبراهيم..؟

ولقد أغفل الفقهاء كعادتهم جوهر الرواية وانغمسوا في متاهات لغوية حولنصب ورفع كلمات وجمل الرواية في الوقت الذي ركزوا فيه على جملة تلكأمكم يا بني ماء السماء التي قالها أبو هريرة واختلفوا هل المقصود بقوله: العربمن ولد إسماعيل الذين اعتمدوا في حياتهم على الأمطار يرعون على أساسهادوابهم. أم أراد بها ماء زمزم الذي تفجر لهاجر وعاشت عليه هي وولدهاوذريته (١)..

قال ابن حبان: كل من كان من ولد إسماعيل يقال له ماء السماء. لأنإسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء (٢)..

وتعد هذه من نوادر الفقهاء إذ اعتكفوا على قول أبي هريرة يمحصونهويكشفون مراده وأهملوا إبراهيم وأهله. وكأنهم بهذا قد وضعوا أبو هريرة فيمصاف حكماء الصحابة الذين لا يجب أن تهمل كلماتهم. وهو موقف طبيعي منأناس اعتبروه وارث علم الرسول والناطق بلسانه..

(١) أنظر هامش مسلم. كتاب الفضائل. وهامش اللؤلؤ والمرجان ح‍ ٣ / ١١٦. كتابالفضائل. وانظر فتح الباري شرح كتاب الأنبياء..

(٢) أنظر صحيح ابن حبان..

٣١٨

وقد أتحفنا القوم برواية وفرت علينا الكثير من الجهد وألزمتهم الحجة فيإثبات وقوع الكذب من إبراهيم.

يروى أن الناس يوم القيامة تهرع إلى الأنبياء طلبا للشفاعة وعندما يأتون إلىإبراهيم يقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض. اشفع لنا إلى ربك. ألاترى إلى ما نحن فيه. فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لميغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإني كنت قد كذبت ثلاث كذبات.

نفسي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري (١)..

وبهذه الرواية يكون القوم قد أكدوا وقوع الكذب من إبراهيم وهو ما أدىإلى غضب الله عليه. فهل الأنبياء يكذبون. وهل الله الذي اختارهم يغضبعليهم..؟

والإجابة بالطبع لا عند أصحاب العقول..

ونعم عند الرواة والفقهاء. أو أهل السنة والجماعة..

- موسى أيضا:

يروى عن النبي قوله: " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة. ينظر بعضهم إلىبعض. وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاأنه آذر. فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر. ففر الحجر بثوبه. فخرجموسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى. فقالوا:

والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا ".

قال أبو هريرة - الراوي -: والله. إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة. ضربابالحجر (٢)..

وفي رواية: فانطلق الحجر يسعى واتبعه بعصاه يضربه ثوبي حجر حتى

(١) البخاري كتاب التفسير. سورة بني إسرائيل.

(٢) البخاري كتاب الغسل. ومسلم كتاب الفضائل.

٣١٩

وقف على ملأ من بني إسرائيل ونزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذواموسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) (١)..

قال الفقهاء: قوله إلا أنه آدر. أي عظيم الخصيتين. والأنبياء منزهون عنالنقص في الخلق والخلق سالمون من المعايب ولا يلتفت إلى ما نسب بعضالمؤرخين إلى بعضهم من العاهات فإن الله سبحانه رفعهم عن كل ما هو عيبيغض العيون وينفر القلوب ونزول يا أيها الذين آمنوا... الآية الظاهر أن قضيةالحجر هذه إنما كانت بعد النبوة لقوله فضربه بعصاه ولأن لقياه لبني إسرائيل إنماكان بعد البنوة (٢)..

وقال النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها أن فيه معجزتين ظاهرتينلموسى (ع) إحداهما مشى الحجر بثوبه إلى ملأ بني إسرائيل والثانية حصولالندب في الحجر (٣)..

والذي نخرج به من هذه الرواية اللامعقولة أن القوم قد ذهبت عقولهموسعوا إلى إذهاب عقولنا أيضا بعملهم على تبرير مثل هذه الرواية بدلا من رفضهاوالطعن فيها. فمهما بالغوا في هذا التبرير فإن العقل والفطرة تأبى قبول مثل هذاالكلام في حق نبي مكرم هو موسى (ع)..

إن ستر العورة من سنن الفطرة التي دعا بها الأنبياء فكيف يغفل عنهاموسى..؟

ونحن لن ندخل قصة الحجر في ميزان الرفض والقبول العقلي وإنما يعنيناهو أمر موسى كيف يجري وراء الحجر وهو عريان..؟

وإذا كان صحيحا ما يشيع بنو إسرائيل أن بموسى عيب خلقي لا يريد أنيطلع الناس عليه وهو ما يبرر اغتساله وحده. أفلا توجد سوى هذه الطريقة المعيبةلإبطال هذه الإشاعة إن أخطر ما تبرزه هذه الرواية هو أن تحرك الحجر بملابس

(١) مسلم كتاب الفضائل.

(٢) مسلم. هامش باب من فضائل موسى..

(٣) شرح النووي. كتاب الفضائل..

٣٢٠